سمات العلاقات الدولية في ظل العولمة

  • المركز الديمقراطي العربي

 

تلاشى زمهرير الحرب الباردة بانهيار الاتحاد السوفيتي عام 1991. وعلى إثره سطعت شمسُ مناخٍ مظهره ربيعي، هوائه مستقر، فضائه واسع، ولكن باطنه يَضْمُر مأرب انبساطِ نفوذ جهةٍ مارست ضغطاً مكثفاً على غالبية دول العالم لتوطين سياسات فتح الحدود على مصراعيها؛ والمصطلح المُستخدم لوصف هذه الحالة كان “العولمة”.

بلا أدنى شك؛ كان لنظام العولمة بأبعاده السياسية والاقتصادية والجغرافية والتمويلية والتكنولوجية والخطابية تأثيرٌ واضح على شكل العالم مكسباً له سماتٍ جديدة. وباعتبار أن الأبعاد السياسية والاقتصادية للعلاقات الدولية هي العنصر الأساسي في رسم بنيّة المعادلات التي تحكم النظام الدولي، فإن التساؤل المطروح: كيف تشكّلت سمات العلاقات الدولية في ظل نظام العولمة؟

تعريف مفهوم العولمة

بمراجعة أدبيات المجالين السياسي والاقتصادي؛ يُلاحظ أن هناك شبه إجماع حول فكرةٍ مفادها أن العولمة تمثل آخر مرحلة في مسيرة تطوّر أبعاد النظام العالمي، إذ تعتبر العولمة آخر حلقات التطوّر السياسي والاقتصادي منذ الثورة الصناعية. ولعل ذلك يعكس سمة الهيمنة الغربية على العالم في إطار معادلة أحادية القطبية، والمسنودة بنظرية “نهاية التاريخ والإنسان الأخير” للفيلسوف الأمريكي فرانسيس فوكوياما “Francis Fukuyama”، والمطروحة عام 1989. وملخص هذا النظرية يُشير إلى وجود إجماع لدى معظم الناس حول العالم على مبادئ الديمقراطية الليبرالية حتى وإن اختلفت التطبيقات نسبياً من دولة لأخرى وحتى وإن كانت المعادلة الدولية ليست أحادية القطبية بالمعنى المُطلق، إلا أن اقتناع معظم الناس بمبادئ الديمقراطية سيبقى نافذاً على المدى الطويل لعدم وجود بديل فكري لتأسيس أنظمة سياسية جديدة متكاملة القواعد والمبادئ.

اللافت طرح فرانسيس نظريته بالتزامن مع مناداة الاقتصادي البريطاني جون ويليامسون “John Williamson” بتطبيق بنود مسودة عُرفت فيما بعد باسم “إجماع واشنطن”. تتألف المسودة المذكورة 10 بنود وُصفت بعلاج التنمية للدول الفاشلة أو النامية. لكن الحقيقة عند التمعن فيما ورد في هذه البنود، يُلامس تدشينها القواعد الأساسية لما عُرف فيما بعد باسم الليبرالية الجديدة التي أفضت إلى العولمة.

لقد دللت بنود إجماع واشنطن على أن العولمة ترمي بصورةٍ أساسية إلى فتح دول العالم حدودها واقتصادها للسوق والتجارة دون أي قانون أو إجراء من شأنه عرقلة تنقل التجارة أو الأفراد أو رأس المال. وهذا ما نادت به الليبرالية التقليدية بجملة آدم سميث “دعه يمر.. دعه يذهب“، لكن الفارق في ظلال الليبرالية الجديدة يكمّن بصورةٍ أساسية برفع دور رجال الأعمال والمنظمات في إدارة الاقتصاد على حساب الدول؛ أي توظيف الدول ومؤسساتها لصالح التوجه الاقتصادي وليس العكس؛ وبطبيعة الحال التوجه الاقتصادي الغربي.

وجاءت أهم البنود التي شكّلت العولمة فيما بعد على النحو التالي:

  • – توجيه الدولة نفقات دعم المواطنين لمصلحة البنية التحتية لجذب الاستثمارات الخارجية.
  • – خصخصة مؤسسات الدولة.
  • – منح الأسواق حرية تحديد الأسعار.
  • – تحرير قطاع التجارة مع التركيز على مبدأ القضاء على القيود الكمية كمنح التراخيص والامتيازات.
  • – تحرير تدفق الاستثمارات الأجنبية.
  • – مراعاة قوانين وحقوق تملك الأراضي.

من ناحية لغوية، كان الفيلسوف وعالم الاجتماع البروفسور الكندي مارشال مكلوهان “Marshall Macluhan” أول من استخدم مفردة “العولمة” عام 1963، وذلك من خلال وصفه العالم بـ “القرية العالمية” أو “القرية الصغيرة المعولمة” نتيجة انتشار التلفاز حول العالم بقنواتٍ ذات بثٍ تلفازيٍ ينقل الصورة من كافة أنحاء العالم إلى معظم أرجاء العالم، ومع تطور عالم الاتصال نهاية ثمانينات القرن الماضي بالتأكيد بات العالم قرية عالمية صغيرة بشكلٍ فعلي.

تزامناً مع تطور مظاهر العولمة، اُعتمد التعريف التالي لوصف العولمة اصطلاحاً: “ارتفاع مستوى التفاهم العالمي ليصبح هناك وحدة حال في تبني قيّم سياسية واقتصادية واجتماعية يتمخض عنها مواطن عالمي لا يحصر ذاته في إطار حدود إقليمية مغلقة، بل يُصبح لديه اهتمام بتبادل المعرفة والمنافع والسلع بانفتاحٍ مّطلق على العالم ككل“. تعريف العولمة بهذا الشكل؛ هو من أكثر التعريفات المُعتمدة في الأدبيات الأكاديمية العالمية لكونه جاء في كتابٍ صادرٍ عن جامعة أكسفورد باسم “عولمة السياسة العالمية؛ The Globalization of World Politics“.

من جانبه، يُشير مفكر علم السياسة كريس بيك “Chris Beck” إلى أن العولمة تعني مجمل العلاقات الاجتماعية التي لا تحددها الأهداف السياسية المرتبطة بتوجه الدول الوطنية؛ بمعنى هي شبكة علاقات متعددة ومتنوعة ومتشابكة بين مواطني دول العالم على نحوٍ تُصبح فيه سياسات الدول منخرطة في سياق شبكة هذه العلاقات في مسعى للحفاظ عليها.

سمات العلاقات الدولية في ظل العولمة: تأثير ملموس

في مستهل الأمر، تجدر الإشارة إلى أن العولمة ألقت بظلالها المؤثرة فعلياً في شكل النظام الدولي من عام١٩٩١؛ أي بعد انهيار الاتحاد السوفييتي، وحتى عودة موسكو وبكين كأقطابٍ فاعلةٍ ومؤثرةٍ بصورةٍ فعلية في معادلة النظام الدولي. ويُشار إلى عام ٢٠١١ باعتباره عاماً عاد فيه تأثير موسكو وبكين حيوياً في معادلة النظام الدولي، حيث انتشر نفوذ الطرفين في بعض دول الشرق الأوسط وأفريقيا ومحيط بحر جنوب الصين.

خلال الفترة المذكورة لفاعلية العولمة التي قادت دفتها الولايات المتحدة بحسبان أنها تحكم النظام الدولي وفق معادلة أحادية القطبية، فإن التأثير الأبرز لذلك جاء في بقاء مفهوم الدولة الوطنية قائماً لكن مع بروز تغيّر في معايير التعامل والتعاون بين الدول، إذ باتت الدول ترى ذاتها مضطرةً للانخراط في تطبيق قواعد الليبرالية الجديدة التي أسست للعولمة. انخراط غالبية الدول في ذلك نبع من التماسها الاستفادة من منافع النظام الاقتصادي، لا سيّما مقدرات الصندوق النقدي والبنك الدوليين اللذان تبنيّا معايير الليبرالية الجديدة الواردة في إجماع واشنطن كمعايير أساسية لصرف المساعدات أو القروض.

في ذات الإطار، لُومس فرض الليبرالية المؤسسية لنفوذها على شكل العلاقات الدولية بشكلٍ لافت. الليبرالية المؤسسية التي وضع أسسها روبرت كيوهان “Robert Keohane” وجوزيف ناي “Joseph Nye”، تشير إلى أن العلاقات الدولية بصورتها الجديدة باتت قائمة على وجود فواعل أخرى إلى جانب الدول في النظام الدولي؛ أي أن تشابك العلاقات الاقتصادية المتشابكة أوجدت فائدة متبادلة وثيقة بين أفراد الدول، وبالتالي بات الأفراد بالإضافة إلى جماعات المصالح والمنظمات الدولية التي ترعى انفتاح النظام الدولي، فواعل أساسية في معادلة العلاقات الدولية بما أدى إلى بزوغ قواعد تراعي متطلبات واحتياجات الأفراد على حساب السياسة الأمنية التقليدية للدولة. وفي نهاية هذه المعادلة أضحت الدول تحرص على إنشاء اعتماد اقتصادي واجتماعي متبادل لتحقيق مصالحها بالتوافق والتفاهم بدل الاشتباك المسلح والصراع المحتدم كما كان في السابق.

تأثير آخر تجلّى في معادلة العلاقات الدولية بفضل العولمة، ألا وهو اتساع نطاق سلوكيات التكامل الإقليمي بين الدول عن طريق بناء مؤسسات دولية إقليمية ومنتديات هدفها تخفيف حدة التنافس وتضييق حيز الريبة بين دول الإقليم مقابل كبح جماح الدول التوسعية في أي إقليم. هذه المؤسسات اتاحت فرص الشفافية بين الدول بما خفف شعور عدم الثقة تجاه نوايا بعضها البعض؛ ويُذكر في هذا الإطار اتحاد دول أمريكا اللاتينية ومنتدى التعاون الاقتصادي لدول آسيا والمحيط الهادئ، ومنظمة الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة ومنظمة التكامل في أمريكا الوسطى، وغيرها. إلى جانب ذلك، حدث انتشار في نطاق انضمام عدة دول إلى منظمات إقليمية ومنتديات كانت قائمة قبل عام ١٩٩١ من قبيل رابطة دول جنوب شرق آسيا واتحاد دولي أمريكا الجنوبية والمنتدى الاقتصادي العالمي.

من باب مناقشة التأثير الأخير، تجدر الإشارة إلى أن المنظمات الإقليمية زادت عدداً واكتسبت حيويةً في تفاعلات العلاقات بين الدول، لكن بعضاً من هذه المنظمات خضع في النهاية لتوجه الدول الأمني أكثر من الاقتصادي وإن ظهرت هذه المنظمات بملمحٍ اقتصادي عند تأسيسها. في هذا الإطار يُشار إلى منظمة شانغهاي للتعاون ومنظمة بريكس. تلك المنظمتان تحديداً تحملان هدف التحلل من هيمنة العولمة أو الليبرالية الجديدة بصيغتها الأمريكية، وبدلاً لصيغة الهيمنة الأمريكية أقرت المنظمتان قواعد تعاون تحمل سمة انفتاحٍ وتبادل مصالحٍ اقتصادية وفق مبدأ مراعاة المصلحة الوطنية على نحوٍ يضمن استقلاليةً سياسيةً واقتصاديةً مباينةً للهيمنة الأمريكية ومؤسساتها الفارضة لهذه الهيمنة.

وفي محور باب المناقشة ذاته، يُذكر أن منظري العلاقات الدولية الذين وضعوا أسس العولمة والليبرالية الجديدة في قالبٍ نظري، لم ينفوا التوجه الواقعي للدول؛ ذلك التوجه القائم على فرضية وجود نظامٍ فوضيٍ أساسه الخلل في ميزان توزع القوى عالمياً. ونتيجةً لخلل ميزان توزع القوى في نظامٍ عالميٍ تسوده الفوضى، ينشأ تسلسل هرمي في تصنيف الدول مما يجعل هناك دول كُبرى تتنافس فيما بينها للظفر بأعلى مستوى من القوة وتطغى بسطوتها على الدول الأقل قوةً بغية تحقيق مصالحها على صعيدٍ عالميٍ مترامي. ولذلك يُلاحظ أن منظري العولمة والليبرالية الجديدة لم يُنكروا فوضوية النظام الدولي، لكنهم حاولوا إيجاد طرقٍ لتقليل مستوى الريبة بين الدول داعين لتبني التكامل الإقليمي والاعتماد الاقتصادي المتبادل بشكلٍ وثيق باعتبارها أساليباً تفي الغرض في تذليل احتمالات الجنوح للحلول الأمنية. وهنا مربط الفرس، منظرو الليبرالية الجديدة-المؤسسية والعولمة جادلوا بأن ما يقترحوه يخفف احتمال الاشتباك ولكن لا يزيله بالمطلق، خاصة وأن نظرياتهم طُرحت في إطار افتراض ميل الدول لتحقيق التكامل الاقتصادي وصولاً للنأي بذاتها عن الاشتباك حفاظاً على الفائدة المشتركة النابعة من التكامل الإقليمي، لكن هل تضمن قواعد الليبرالية الجديدة والعولمة كبح جماح طمع بعض الدول بالهيمنة؟ وهل الدولة التي تتعرض لتهديدٍ حدودي أو وجودي ستلتفت إلى المنفعة الاقتصادية أم لصد المخاطر المحيطة بها؟

على النقيض من أساليب وقواعد العولمة، فإن سمة الفوضى الغالبة على شكل النظام الدولي أبقت تأثيرات العولمة مؤقتة لانكشاف أيضاً أن العولمة بالأساس اُستخدمت كأداة لفرض الهيمنة الأمريكية وليس هدفاً يُرمى من خلاله إلى اسدال الستار على جذوة التنافس بين الدول. والدليل الأكبر الملموس في ذلك، تخلي الولايات المتحدة عن الحلول السلمية ومسارات التعاون السياسي والتكامل الاقتصادي بشنهاً حرباً على أفغانستان والعراق وصولاً لما ظهر من ثورات في الوطن العربي وانقلابات في دول العالم الثالث مؤداها السعي إلى الانقضاض على النظام الدولي الذي يكفل، بحسب شعارات هذه الثورات والانقلابات، الرفاهية لدول العالم الأول فقط. وهنا يتضح أن العولمة تحتاج إلى دولة أو مجموعة من الدول الكبرى لتبني قواعدها كهدف وليس كوسيلة هيمنة كي تواصل حضورها على الساحةِ الدولية، مثلها كمثل أي نظام سياسي، وإلا فالأفول أو اضمحلال تأثيرها هو المصير.

ربما من غير الممكن إنكار حضور بعض قواعد العولمة وسريان تأثيرها في سلوكيات الدول في سياق النظام الدولي وعلاقاتها البينية حتى وقتنا الحاضر، لكن ثمة قناعة طرأت للسطح مفادها بأن العولمة أداة هيمنة أمريكية، ومخاطرها جمّة على أمن الدول، والذي هو الأولوية مقارنةً بالاقتصاد، وهذا ما أفضى إلى تراجع تأثير العولمة حول العالم مقابل تزايد النزعة الأمنية المتجلّية بحروب ومناوشات وصراعات ومناورات يصحبها حمائية اقتصادية بارزة.

وفي ذات السياق، يمكن الاستعانة بوجهة نظر المنظر لواقعية العلاقات الدولية توماس هوبز “Thomas Hobbes”، المُسطرة في كتابه “الشيطان-المسألة“، والقائمة على فكرة أن نفس الإنسان بطبعها مائلة للشر وفي ظل فوضوية النظام الدولي يسود الشر أكثر. وانطلاقاً فحوى الفكرة المذكورة، فإن العولمة اُصطدمت بانتشار أنشطة المافيا والإرهاب وأيضاً ساهمت العولمة في توطيد هيمنة جماعات المصالح والشركات متعددة الجنسيات، فاتجه الأفراد إلى التمسك أكثر بمركزية الدولة، باعتبار أن تراجع سلطة الدولة يفسح المجال لهيمنة قوى لا تراعي مصلحة المواطن.

الخاتمة

شاع بريق العولمة مهيمناً على قواعد التعامل في النظام الدولي وتعاقب سطوعها من عام 1991 وحتى عام 2011. خلال تلك المرحلة، بدا واضحاً حضور قواعد العولمة من قبيل التكامل الإقليمي والتبادل الاقتصادي الوثيق والانفتاح الجاذب للاستثمارات الخارجية والرافع لقيود الكمية على التجارة الدولية وكذلك الخصخصة، وغيرها.

غير أن تخلي الولايات المتحدة بدايةً عن مبادئ العولمة وجنوحها لمسار السياسات الأمنية، تبعه بلوغ أقطابٍ ممانعةٍ للهيمنة الأمريكية مستوياتٍ منحتها فرصة المناورة الملموسة في فضاء النظام الدولي، والمقصود بالقوى الممانعة هنا روسيا والصين.

ولقد كان لظهور التحديات الأمنية والاقتصادية اللانهائية واللامحدودة؛ إرهاب ومافيا وهيمنة جماعات المصالح والشركات متعددة الجنسيات، دور في اندفاع بعض الشعوب والدول لرفض منطق العولمة الذي عاد بالفائدة على طبقة العالم الأول حصراً؛ بحسب ما أجمعت عليه آراء المنتفضين ضد العولمة، أو كما قال بعضهم: “العولمة نظام إمبريالي يشبه الذئب المتخفي بثوب الحمل الوديع“.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M