لماذا يصعد الذهب والبيتكوين؟ ابحث عن ديون أمريكا

في مطلع عام 1961 كانت واشنطن تريد شيئين متعارضين، حيث سعت إلى فائدة مرتفعة على الديون قصيرة الأجل بما يكفي لمنع خروج رؤوس الأموال، وفائدة منخفضة على الديون الطويلة بما يكفي لدعم الاقتصاد.

فأطلقت آنذاك “عملية تويست” (Operation Twist)، حيث اشترى الاحتياطي الفيدرالي سندات طويلة وباع أذونًا قصيرة الأجل، لتغيير شكل منحنى العائد، فيما تعاونت وزارة الخزانة في إدارة آجال الدين.

لم تكن الفكرة طباعة نقود جديدة بقدر ما كانت تغيير كمية مخاطر الأجل التي يجب على المستثمر الخاص تحملها. وهذه العبارة تحديدًا هي المفتاح لما حدث في الأسواق الأمريكية هذا الأسبوع.

الآن وبعد 65 عامًا، الأداة مختلفة والظروف مختلفة، لكن المستثمر يطرح السؤال نفسه: إذا أصبحت الفائدة طويلة الأجل مرتفعة أكثر مما تحتمله واشنطن، فمن سيتحمل تكلفة التعديل؟

الأمور تتغير رغم الصراع

– لم تنتهِ المواجهة الأمريكية مع إيران، ويتداول خام “برنت” قرب 94 دولارًا للبرميل، مرتفعًا بأكثر من 5% خلال الأسبوع، بينما كانت المخاوف من التضخم والعجز والتمويل تدفع عوائد السندات الأمريكية إلى مستويات مرتفعة.

– يبدو هذا منطقيًا وفقًا للطريقة التي تعمل بها الأسواق منذ اندلاع الصراع نهاية فبراير، لكن ما تغير هو ارتفاع الذهب بنحو 14% منذ بداية أغسطس متجاوزًا 4600 دولار، فيما قفزت البيتكوين بأكثر من 20% في أسبوع إلى 77 ألف دولار.

– يأتي ذلك بعدما ظل الأصلان تحت الضغط منذ بداية الحرب، والسؤال الآن ليس: هل يسعر المستثمرون الحرب بشكل مختلف؟ بل: لماذا تغيرت استجابة الذهب والبيتكوين بعدما دخلت وزارة الخزانة بنفسها إلى قلب أزمة السندات؟

الحركة التي غيرت تفسير السوق

– في 18 أغسطس وصل عائد سند الخزانة لأجل 30 عامًا إلى نحو 5.34%، وهو الأعلى منذ 2007، وخلف الصعود اجتمعت أربعة عوامل: ديون وتمويل حكومي متزايدان، وتضخم مهدد بصدمة الطاقة، واحتمال بقاء الفيدرالي متشددًا، ومنافسة ضخمة على رأس المال من إصدارات ديون شركات الذكاء الاصطناعي.

– في 19 أغسطس أعلنت وزارة الخزانة مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء سندات 10 و20 و30 عامًا من ملياري دولار إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، للفترة من 9 سبتمبر إلى 4 نوفمبر.

– على أثر ذلك، انخفض العائد طويل الأجل سريعًا بنحو عشر نقاط أساس، وتراجع الدولار، وقفز الذهب والبيتكوين. لكن الارتياح لم يستمر، وعاد عائد الثلاثين عامًا إلى 5.275%، وعائد العشر سنوات إلى 4.736%.

ماذا تعني التغيرات الأخيرة في الأسواق

 

المتغير

القراءة الأخيرة

ماذا تعني؟

 

عائد 30 سنة

5.275%

استمرار الضغط على تكاليف التمويل طويل الأجل

عائد 10 سنوات

4.736%

الذهب

4680 دولارًا

طلب متجدد على مخزن القيمة بعيدًا عن الدين الأمريكي

البيتكوين

77 ألف دولار

استفادة من ضعف الدولار

الدين العام الأمريكي

تجاوز 40 تريليون دولار

المالية العامة أصبحت جزءًا من تسعير العملة

حجم عملية إعادة الشراء الواحدة

4 مليارات دولار أو أكثر

إشارة سياسية أكبر من كونها تدخلًا حاسمًا من السياسة المالية

كيف تنتقل الأزمة من السندات إلى الذهب؟

– في الظروف العادية، ينظر إلى ارتفاع عوائد سندات الخزانة باعتبارها عنصر ضغط قوياً على الذهب، فالأصل الذي لا يدفع فائدة يصبح أقل جاذبية عندما يستطيع المستثمر الحصول على عائد مرتفع من الدين الحكومي.

– لكن هناك حالة ثانية: إذا كان العائد يرتفع لأن المستثمرين يطالبون بعلاوة أكبر مقابل التضخم والعجز ومخاطر الأجل، ثم تحاول الحكومة الحد من ذلك الارتفاع، فقد لا تختفي علاوة المخاطر، ويمكن أن تنتقل إلى مكان آخر.

– المرشح الأول لاستيعاب هذه المخاطر هو الدولار، وهنا تصبح الحالة التي تعرف بـ “تجارة تآكل العملة” أكثر احتمالًا، حيث يدفع الدين المرتفع والعجز المالي المستمر (وأحيانًا النمو المفرط للمعروض النقدي) المستثمرين إلى تحويل رؤوس الأموال بعيدًا عن الكاش والسندات إلى أصول مثل الذهب والبيتكوين.

– الذهب يستفيد مباشرة من هذا الشك لأنه أصل نقدي بلا التزام مقابل على موازنة الحكومة، والبيتكوين تستفيد من السرد نفسه، لكن بصورة أقل نقاءً: فهي أيضًا أصل عالي التقلب يتأثر بالسيولة والزخم والتدفقات والمخاطرة العامة.

هل تأخرت الأسواق؟

– نعم ولا: لم تتأخر الأسواق في تسعير الحرب ذاتها، الحرب كانت موجودة بالفعل عندما كان الذهب يتعرض للضغط، والسبب أن الحرب رفعت في مراحل سابقة النفط والتضخم المتوقع والعوائد والدولار معًا.

– هذه تركيبة يمكن أن تكون سلبية للذهب رغم ارتفاع المخاطر الجيوسياسية، وما جرى في 19 أغسطس هو تغيير في العنصر الذي يُسعَّر، انتقالًا من “الحرب ستبقي التضخم مرتفعًا” إلى “ماذا ستفعل واشنطن إذا جعل التضخم والعجز تكلفة الدين الطويل غير مقبولة؟”.

– بعد إعلان وزارة الخزانة هذا الأسبوع، ارتفع الذهب بأكثر من 3%، والبيتكوين بنحو 13% خلال يومين، لذلك توجد بالفعل حركة تعويض، لكنها تعويض عن تغير في سياسة التعامل مع السندات، لا عن تأخر في تسعير الحرب بشكل صحيح.

الإدارة الأمريكية تظهر قلقها

– بعد يوم من إعلان وزارة الخزانة، قال الوزير “سكوت بيسنت” إن عمليات إعادة الشراء يمكن أن تصبح أكبر من 4 مليارات دولار، وإن العوائد لا تعكس الأساسيات الاقتصادية.

– هذه الكلمات مهمة لأن السوق يستطيع تفسيرها بطريقتين، الأولى تقنية: تعمل وزارة الخزانة على تحسين سيولة السندات القديمة ليس أكثر. والثانية سياسية: عائد قريب من 5.3% على السندات الثلاثينية هو منطقة يبدأ عندها تدخل الحكومة.

– بعض التقارير والمحللين يشيرون إلى أن السوق بات يتعامل بالفعل مع عائد 5.3% على السندات طويلة الأجل باعتباره “مستوى ألم محتملًا” لوزارة الخزانة.

– إذا ترسخت هذه القناعة، يصبح الذهب والبيتكوين جزءًا من صفقة واحدة: بيع السندات الحكومية الأمريكية وشراء أصول ثمينة خارج النظام الدولاري التقليدي.

هل تبالغ الأسواق؟

– ترى “سارة ينغ”، رئيسة استراتيجية العملات لدى “سي آي بي سي كابيتال ماركتس”، أن الحركة الأخيرة في الأسواق قد تكون أصغر مما يوحي به السرد في الأسواق.

– كما تعتقد أيضًا أن وزير الخزانة “يختبر السوق” والسوق يرد عليه؛ وأن ارتفاع العوائد مجدداً يشير إلى أن عمليات إعادة شراء السندات لم تفرض سقفًا موثوقًا بعد.

– وزارة الخزانة لا تطبع النقود، وحجم عملياتها ضئيل مقارنة بسوق السندات الذي يتجاوز 32 تريليون دولار، وإذا بقي الفيدرالي متشددًا لفترة أطول، وظلت الإنتاجية والنمو قويين، فقد تستعيد العوائد المرتفعة قدرتها على جذب الأموال إلى الدولار بدلًا من طردها.

– المتغير الحاسم ليس نهاية الحرب وحدها، إنه ما إذا كان الدولار سيضعف عندما ترتفع العوائد طويلة الأجل؟ فإذا ارتفع العائد والدولار معًا، تفقد تجارة الذهب والبيتكوين جزءًا كبيرًا من أساسها.

– أما إذا ارتفع العائد بينما ضعف الدولار وواصل الذهب الصعود، فستكون تلك إشارة إلى أن المستثمرين يطالبون بتعويض عن المخاطر الأمريكية نفسها، لا بمجرد فائدة أعلى.

– حاولت عملية “تويست” الأصلية إعادة توزيع مخاطر الأجل داخل سوق السندات، وحتى الآن لا توجد نسخة مشابهة منها، ما يطرح سؤالًا مهمًا: أين تذهب المخاطر عندما تصبح السندات نفسها غير مريحة لصناع السياسة والمستثمرين على حد سواء؟

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M