ما بعد هرمز: الجغرافيا الجديدة للأمن الخليجي

  • كشفت أزمة مضيق هرمز حدود الاعتماد على نقطة اختناق واحدة في أمن الطاقة والتجارة الخليجية، وأظهرت أن حماية المضيق وحدها لم تعد كافية.  
  • تقوم الاستجابة الخليجية الأنجع، والأكثر استدامة، على “الردع بالجغرافيا”؛ أي تنويع الموانئ وخطوط الأنابيب والممرات البرية واللوجستية، بحيث تتراجع فاعلية التهديد الإيراني بإغلاق هرمز. 
  • يهدف “الردع بالجغرافيا” إلى خفض مكاسب إيران من التعطيل، لا الاكتفاء برفع كلفة الهجوم؛ فكل مَنفَذ بديل يُقلل قدرة مضيق هرمز على التحول إلى أداة ضغط سياسي واستراتيجي. 
  • لم يَعُد الأمن الخليجي محصوراً في الخليج وهرمز، بل يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب والمحيط الهندي، ما يستدعي شراكات أوسع مع عُمان والهند وباكستان وتركيا وأوروبا، إلى جانب الولايات المتحدة. 
  • يتطلب الوضع الحالي بناء شبكة أمنية متعددة الطبقات تجمع القدرات الوطنية، والتكامل الخليجي، والشراكات الدولية، والبنية التحتية المرنة، لتحويل اتساع الجغرافيا إلى مصدر صمود وردع. 

 

ارتبط مفهوم الأمن الخليجي، على مدى عقودٍ، بجغرافيا واضحة: إيران على الضفة المقابلة، ومضيق هرمز بوصفه بوابة المنطقة إلى العالم، والوجود العسكري الأمريكي باعتباره الضامن الخارجي الأهم لحرية الملاحة وتوازن القوى الإقليمي. ومع الوقت، لم يعد “هرمز” مجرد ممر بحري بالغ الأهمية، وإنما صبح الإطار الذي تُقرأ من خلاله معظم معادلات الأمن في الخليج.

 

لقد كشفت أزمة مضيق هرمز، في خلال عام 2026، حدود هذا التصور. فالمشكلة ما عادت تكمُن فقط في كيفية حماية المضيق، ولكن في خطورة بناء أمن المنطقة واقتصادها على نقطة اختناق جغرافية واحدة يمكن تحويلها، في لحظة تصعيد، إلى أداة ضغط وإكراه.

 

الابتزاز الإيراني والاستجابة الخليجية

لم تحتج إيران إلى السيطرة على الخليج، ولا إلى امتلاك أسطول قادر على منافسة القوة البحرية الأمريكية، كي تفرض كلفة مرتفعة على جيرانها، وعلى الاقتصاد العالمي. يكفي أن يصبح المرور عبر مضيق هرمز أكثر خطورة وكلفة، وأن يرتبط أمن الملاحة بحسابات الحرب والتفاوض. في هذه المعادلة، حوّلت إيران ضيق الجغرافيا إلى مصدر قوة.

 

أما الاستجابة الخليجية الأكثر استدامة، فلا ينبغي أن تقتصر على زيادة القوة العسكرية داخل هذا المجال، بل على تقليص القيمة التي يستطيع أي خصم استخلاصها من ضيقه. إنَّ التحدي، في جوهره، ما عاد محصوراً في الكيفية التي ندافع فيها عن “هرمز”، بل كيف نجعل تعطيله أقل قدرة على شل المنطقة أو تغيير حساباتها السياسية.

 

إذا كانت إيران قد حوّلت ضيق الجغرافيا إلى مصدر قوة لها، فإن على دول الخليج أن تحوّل اتساعها إلى مرونة وردع ومظلة أمان (شترستوك)

 

وهذا الأمر لا ينتقص من أهمية المضيق؛ إذ سيظل شرياناً رئيساً لتجارة الطاقة، وستظل حماية الملاحة فيه مصلحة خليجية ودولية لا غنى عنها. ويظل الاعتماد عليه أكبر في حالة الغاز الطبيعي المسال، إذ تمر عبر “هرمز” صادرات قطرية تشكل جزءاً بالغ الأهمية من تجارة الغاز المسال العالمية، ولا يتوفر لها حتى الآن بديل بري مكافئ. لكن الدفاع عن “هرمز” شيء، وبناء استراتيجية أمنية تفترض أنه سيظل دائماً الطريق الذي لا بديل عنه شيء آخر.

 

لهذا تكتسب البنية التحتية التي أُنشئت في خلال العقود الماضية معنىً جديداً. فـخط أنابيب النفط الخام شرق–غرب السعودي (Petroline)، الذي يصل حقول شرق المملكة بمرافق التصدير على ساحل البحر الأحمر في ينبع، وخط أنابيب النفط الخام أبوظبي (ADCOP) الممتد إلى محطة تصدير الفجيرة خارج هرمز، لم يعودا مجرد مشروعات طاقة أو أدوات لتنويع الصادرات، وإنما أصبحا جزءاً من بنية الأمن الوطني نفسها.

 

وينطبق الأمر على الموانئ الواقعة خارج المضيق، وعلى تطوير ميناء الدقم وصلالة، وعلى الممرات البرية وشبكات السكك الحديد والطاقة والربط اللوجستي التي توسِّع خيارات الحركة بين الخليج وبحر العرب والبحر الأحمر. فقيمة هذه المشاريع لا تكمُن في أنها توفر “طريقاً بديلاً” فحسب، بل في أنها تقلل قدرة أي خصم على تحويل ممر واحد إلى أداة ابتزاز واسعة التأثير.

 

الردع بالجغرافيا

يمكن وصف هذا المنطق بـ “الردع بالجغرافيا”؛ فالردع لا يتحقق فقط بإقناع الخصم بأن ثمن الهجوم سيكون مرتفعاً، إذ يمكن أيضاً خفض المكاسب التي يتوقعها الخصم من الهجوم نفسه. وكلما ازدادت قدرة دول الخليج على إعادة توجيه صادراتها وتجارتها وإمداداتها عبر منافذ متعددة، تراجَعت القيمة السياسية والعسكرية للتهديد بإغلاق مضيق هرمز أو تعطيله. وعندها تصبح الموانئ وخطوط الأنابيب والممرات البرية وسلاسل الإمداد جزءاً من منظومة الحماية، إلى جانب منظومات الدفاع الجوي والصاروخي والقوات البحرية. إنَّ الهدف ليس جعل “هرمز” غير مهم، فهذا غير ممكن بطبيعة الحال، وإنما جعل التهديد به، واستخدامه أداةً للضغط والابتزاز، أقل فاعلية.

 

لكن لهذه المقاربة حدوداً واضحة. فالخروج من نقطة اختناق لا يُفيد كثيراً إذا كان يعني الانتقال إلى نقطة اختناق أخرى؛ فإذا كان هرمز معرضاً للاضطراب شرقاً، فإن باب المندب والبحر الأحمر تعرضا بدورهما في خلال السنوات الأخيرة لمستويات متزايدة من التهديد، فيما أصبح بحر العرب والمحيط الهندي جزءاً متنامياً من تنافس أوسع بين القوى.

 

لذلك لا يكفي الحديث عن “بدائل هرمز”، فالمطلوب تصوُّر يقوم على تعدد المسارات، وتعدد الشركاء، وتعدد دوائر الأمن. عند هذه النقطة، تتسع خريطة الأمن الخليجي نفسها. فالأمن الخليجي في مرحلته المقبلة لن يبدأ عند السواحل الخليجية وينتهي عند مضيق هرمز، بل سيمتد من البحر الأحمر وباب المندب غرباً، مروراً ببحر العرب وخليج عُمان، وصولاً إلى المحيط الهندي شرقاً. وفي هذه المساحة الأوسع توجد الموانئ والممرات والقوى البحرية وسلاسل الإمداد التي ستحدد بصورة متزايدة قدرة دول الخليج على الصمود أمام الأزمات.

 

يُغيّر هذا التحول، أيضاً، معنى العلاقات الخليجية مع عدد من القوى المحيطة. فعُمان لا تكتسب أهميتها فقط من موقعها داخل النظام الخليجي، بل من امتلاكها ساحلاً مباشراً على بحر العرب وموقعاً يتجاوز نقطة الاختناق في هرمز. ولذلك فإن مينائي الدقم وصلالة يمثلان أكثر من أصول اقتصادية؛ فهما جزء من العمق البحري للمنطقة.

 

المصدر: وكالة الصحافة الفرنسية.

 

أما الهند، فأهميتها لا تقتصر على كونها سوقاً ضخمة للطاقة وشريكاً اقتصادياً رئيساً. فهي قوة بحرية أساسية في المحيط الهندي، ومصلحتها في أمن الممرات الممتدة من الخليج إلى آسيا تتقاطع مباشرة مع المصالح الخليجية. ومع الوقت، قد تنتقل العلاقة معها من أمن الطاقة إلى أمن المجال البحري الأوسع.

 

وتُضيف باكستان بُعداً مختلفاً لمعادلة الأمن الخليجي. فموقعها على بحر العرب، وقدراتها العسكرية، وعلاقاتها التاريخية بدول الخليج تجعل منها جزءاً مهماً من أي تصور يتعامل مع المجال الممتد شرق هرمز باعتباره عمقاً حيوياً، لا مجرد طريق للتجارة.

 

أما تركيا، فإن أهميتها لا تكمن في توفير بديل بحري مباشر، بل في توسيع دوائر الحركة وربط الخليج بمجالات البحر الأحمر وشرق المتوسط وآسيا الوسطى، إلى جانب ما تضيفه من وزن عسكري وسياسي في شبكة الشراكات الإقليمية. كما تصبح الشراكة بين الخليج وأوروبا ذات أهمية استراتيجية في اتجاه تعميق الأمن الخليجي-الأوروبي المشترك؛ بحيث تتوطد أسس بناء فضاء جيوسياسي واحد تجمعه الطاقة والأمن والبنى الجديدة لاقتصادات المستقبل.

 

وفي السياق ذاته، يكتسب اتفاق مكة للدفاع المشترك بين السعودية وتركيا وباكستان، الموقّع في 7 أغسطس 2026، دلالة تتجاوز صيغة التعاون الأمني الثلاثي في حد ذاتها. فمن الخطأ التعامل معه باعتباره نواة لتحالف سيحل محل الولايات المتحدة، أو باعتباره موجهاً حصراً ضد إيران. الأهم أنَّه يعكس اتجاهاً نحو توسيع هوامش الحركة الأمنية وبناء دوائر إضافية للشراكة خارج الصيغة التقليدية التي قامت لعقود على العلاقة الثنائية بين دول الخليج وواشنطن.

 

وتوسيع المجال الأمني لا يعني، في المقابل، تقليص أهمية الدور الأمريكي. ستظل الولايات المتحدة، في المستقبل المنظور، القوة الأكثر قدرة على توفير بعض أهم عناصر الأمن البحري والحماية المتقدمة في الخليج والمحيط الهندي. لكن الفرق كبير بين وجود واشنطن بوصفها ركيزة أساسية ضمن شبكة أوسع، وبين الاعتماد عليها باعتبارها الحل الوحيد لجميع نقاط الضعف.

 

حاجة الخليج إلى شبكة أمنية متعددة الطبقات

ما يحتاجه الخليج ليس استبدال مظلة بأخرى، بل الانتقال من هندسة أمنية مركزية إلى شبكة أمنية متعددة الطبقات؛ قدرات وطنية أكثر تطوراً، ودفاع خليجي أكثر تكاملاً، وشراكة استراتيجية مستمرة مع الولايات المتحدة، وعلاقات أمنية أعمق مع القوى الواقعة على امتداد بحر العرب والمحيط الهندي، وبُنية تحتية تمنح الاقتصادات الخليجية قدرة أعلى على الاستمرار في زمن الأزمات.

 

وتكمن أهمية هذه المقاربة في أنها تغيّر حسابات الإكراه نفسها. فالخصم، الذي يعرف أن تعطيل مضيق هرمز سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع، يمتلك ورقة ضغط استثنائية. أما إذا أصبحت دول الخليج قادرة على امتصاص جزء أكبر من الصدمة، وتحويل بعض التدفقات، واستخدام موانئ وممرات مختلفة، فإن المكسب المتوقع من التصعيد ينخفض ويغدو محدوداً. والمطلوب تحويل هذا المسعى إلى مصلحة دولية تتسع دوائرها مع الوقت.

 

لم يَعُد الأمن الخليجي محصوراً في الخليج وهرمز، بل يمتد إلى البحر الأحمر وباب المندب وبحر العرب والمحيط الهندي (أ.ف.ب)

 

لقد استثمرت إيران طويلاً في حقيقة لا تستطيع دول الخليج تغييرها: أنّ واحداً من أهم شرايين المنطقة يمر عبر ممر ضيق يقع على تماس مباشر معها. لكن هذه الحقيقة لا تعني أن بقية عناصر الحركة والاتصال في المنطقة ثابتة بالقدر نفسه. فالموانئ يمكن تطويرها، ومسارات الطاقة يمكن تنويعها، والممرات يمكن ربطها، والشراكات يمكن توسيعها، بما يمنح دول الخليج مساحة أكبر للمناورة وقدرة أعلى على امتصاص الصدمات.

 

إنَّ الدرس الأكبر من أزمة هرمز، إذاً، ليس أن المضيق فَقَدَ أهميته، بل العكس، لقد أثبتت الأزمة أنه مهم إلى درجة تجعل الاعتماد المفرط عليه خطراً في حد ذاته. ولذا، فما عاد السؤال فقط: كيف نحمي هرمز؟ ولكن كيف نجعل تعطيله أقل قدرة على تحويل الجغرافيا إلى أداة إكراه وابتزاز سياسي واستراتيجي؟

 

إذا كانت طهران قد حوّلت ضيق الجغرافيا إلى مصدر قوة لها، فعلى الخليج- بالشراكة الفاعِلة مع مِروحةٍ أوسع من الشركاء الإقليميين والدوليين- أن يحوّل اتساعها إلى مرونة وردع ومظلة أمان.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M