- لم يتضمن إعلان أنقرة أي التزام صريح بقبول أوكرانيا في الحلف. ويعكس هذا الإغفال تأثير استراتيجية الدفاع الوطني التي وضعتها إدارة ترامب، والتي تعيد صراحةً إسناد المسؤولية الأساسية للدفاع عن أوكرانيا إلى أوروبا.
- ينظر الحلفاء بشكل متزايد إلى قرارات الولايات المتحدة بشأن انتشار قواتها في أوروبا على أنها قرارات سياسية وليست استراتيجية، بمعنى أنها ترتبط بمزاجية الرئيس الأمريكي.
- جاء المقطع المتعلق بإيران في إعلان أنقرة موجزاً، وعَكَسَ موقفاً توافقياً لحلف الناتو أكثر من كونه التزاماً ملموساً بالأمن البحري، فهو يدعو إلى حرية الملاحة، لكنه لا يتضمن أي تعهد على مستوى الحلف لضمانها.
- المسار الأكثر حكمةً بالنسبة لدول المنطقة يكمن في قراءة مخرجات القمة باعتبارها إشارة إلى وجهة العلاقات الدفاعية عبر الأطلسي، والطموح الصناعي التركي، واهتمام القوى العظمى بمنطقة الخليج خلال السنوات القليلة المقبلة.
اختتم رؤساء دول وحكومات الدول الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (الناتو)، في الثامن من يوليو 2026، القمة السنوية السادسة والثلاثين للحلف في العاصمة التركية، والتي أسفرت عن “إعلان أنقرة”، الذي أكد مجدداً على الدفاع الجماعي بموجب المادة الخامسة من معاهدة الحلف، وتعهد بتقديم مبالغ إضافية لأوكرانيا، وشدد اللهجة تجاه إيران، وأطلق عملية إعادة توازن في الصناعات الدفاعية لتعزيز دور تركيا في بنية الأمن الأوروبي الأطلسي. إلا أن ذلك حدث في ظل خلافات علنية عبر الأطلسي، تمثلت في الضغوط الأمريكية بشأن جزيرة جرينلاند، والتهديدات بتقليص الوجود العسكري الأمريكي في أوروبا، واستياء واشنطن المستمر من تردد أوروبا في دعم العمليات العسكرية الأمريكية (والإسرائيلية) ضد إيران في وقت سابق من العام.
قمة أنقرة في سياقها
استضافت تركيا قمة “الناتو” في وقتٍ تزايدت فيه أهمية القمة بشكلٍ ملحوظ. وكما أوضح الأمين العام لحلف الناتو، مارك روته، قبل انعقاد القمة، فإن هدف الاجتماع ثلاثي، وهو دعم نمو استثمارات الحلفاء في مجال الدفاع، وتعميق الإنتاج الصناعي الدفاعي عبر الأطلسي، ومواصلة دعم أوكرانيا. إلا أن هذه الأولويات الرسمية تنطوي على جانبٍ أكثر حساسية، وهو إدارة الانتقادات المتكررة التي وجهها الرئيس دونالد ترامب إلى الحلف، ومعالجة مخاوف بعض الأعضاء بشأن التماسك السياسي للحلف ومصداقيته. وكان اختيار أنقرة بحد ذاته ذا دلالة بالغة، فقد شهدت القاعدة الصناعية الدفاعية التركية توسعاً سريعاً، ورفع منظمو القمة من شأن منتدى صناعات الدفاع التابع لقمة الناتو، ليصبح ركناً أساسياً في البرنامج، حيث عرضت نحو 3500 شركة أفضل ما توصلت إليه من تقنيات دفاعية ناشئة.
كما انعقدت القمة في ختام فترة خمسة أشهر كانت الأكثر اضطراباً على صعيد الأمن الأوروبي الأطلسي والشرق أوسطي منذ الغزو الروسي لأوكرانيا عام 2022. فبين أواخر فبراير ومنتصف عام 2026، كان أعضاء حلف الناتو يديرون في الوقت نفسه حرباً مستعرة في أوكرانيا دخلت عامها الخامس، وحرباً شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران أدت إلى إغلاق مضيق هرمز، ما أدى إلى نقض المكاسب الهشة التي تحققت من وقف إطلاق النار في غزة في أكتوبر 2025. كما تفاقم النزاع عبر الأطلسي حول جرينلاند الذي كان متصاعداً منذ مطلع العام، ليصل قادة الحلفاء إلى أنقرة بعد أن أمضوا الأشهر السابقة في إدارة ثلاث أزمات متزامنة ومتداخلة جزئياً.
ملف روسيا وأوكرانيا
عُقدت القمة وسط استمرار القتال في أوكرانيا. وصرّح الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، الذي التقى ترامب على هامش القمة، بأن القوات الأوكرانية تُلحق خسائر فادحة بالقوات الروسية، مُسلطاً الضوء على قدرة كييف عل شن هجمات في عمق الأراضي الروسية، بما في ذلك الهجمات على البنية التحتية للطاقة. وفي تطور جانبي لافت، أشار ترامب إلى أن الولايات المتحدة ستمنح أوكرانيا ترخيصاً لتصنيع صواريخ باتريوت الاعتراضية محلياً، كما أعرب بعض الحلفاء عن قلقهم من أن العمليات العسكرية الأمريكية ضد إيران في أوائل عام 2026 قد تخلق اختناقات في عمليات شراء الأسلحة الأمريكية لمصلحة أوكرانيا، نظراً للطلب المتنافس على خطوط الإنتاج المشتركة.
يُصوّر الإعلان الصادر عن قمة أنقرة روسيا على أنها التهديد المركزي والدائم للحلف. وينص بوضوح على أن الحلفاء “يلتزمون بتعهدات قمة لاهاي الدفاعية” تحديداً لمواجهة التهديد طويل الأمد الذي تشكله روسيا على الأمن والاستقرار الأوروبي الأطلسي. وهذا استمرار للتوجه الذي تم تحديده في قمة لاهاي 2025، حيث التزم الأعضاء بهدف استثمار 5% من الناتج المحلي الإجمالي في الدفاع والأمن بحلول عام 2035. وأشار قادة الحلف إلى أن الأعضاء الأوروبيين وكندا قد زادوا استثماراتهم الأساسية في الدفاع بأكثر من 139 مليار دولار أمريكي منذ قمة لاهاي. وأشارت أرقام الناتو التي صدرت بالتزامن مع القمة إلى أنه بعد عام واحد من هذا الجهد الذي يمتد لعشر سنوات، بلغ إجمالي الإنفاق على الدفاع والأمن بين الحلفاء نحو 4% من الناتج المحلي الإجمالي.
وفيما يخص أوكرانيا تحديداً، يُلزم الإعلان الحلفاء بتقديم حزمة مساعدات كبيرة ومتعددة السنوات. حيث تعهد الأعضاء بتقديم 70 مليار يورو من المعدات العسكرية والمساعدات والتدريب لكييف، مع التزام سيادي بالحفاظ على “مستويات مماثلة على الأقل” في عام 2027. ويؤكد الإعلان، على وجه الخصوص، أن الأعضاء الأوروبيين وكندا يتحملون الآن “الغالبية العظمى” من تمويل المساعدات الأمنية، وهو تحول ملحوظ عن السنوات السابقة عندما كانت الولايات المتحدة تتحمل حصة أكبر بكثير. ويمول الأعضاء الأوروبيون وكندا الآن الغالبية العظمى من المساعدات الأمنية لأوكرانيا من خلال الوسائل الثنائية والمتعددة الأطراف. كما رحب الحلف بقرار الاتحاد الأوروبي تقديم تمويل متعدد السنوات لأوكرانيا من خلال ما يُسمى “قرض دعم أوكرانيا”.
لكن ما لم يذكره الإعلان لا يقل دلالة. فخلافاً للقمم السابقة التي أشارت بوضوحٍ إلى “تعزيز وجود الناتو في أوكرانيا”، لم يتضمن إعلان أنقرة أي التزام صريح بقبول أوكرانيا في الحلف. ويعكس هذا الإغفال تأثير استراتيجية الدفاع الوطني التي وضعتها إدارة ترامب، والتي تعيد صراحةً إسناد المسؤولية الأساسية للدفاع عن أوكرانيا إلى أوروبا، حيث تنص الاستراتيجية على أن “تأمين السلام واستدامته سيتطلبان قيادةً والتزاماً من حلفائنا في الناتو”، واصفةً الأمر بأنه “مسؤولية أوروبا أولاً وقبل كل شيء”. كما تدعو حلفاء الولايات المتحدة في الناتو إلى “أخذ زمام المبادرة في دعم الدفاع عن أوكرانيا”.
إيران ومضيق هرمز
عُقدت قمة أنقرة خلال أشدّ اضطرابٍ تعرّضت له الملاحة البحرية الدولية، أي إغلاق مضيق هرمز، ما خلق تداعيات اقتصادية كارثية على عدد كبير من أعضاء الحلف. وتشير بيانات منظمة التجارة العالمية إلى انخفاض بنسبة 95% في عدد سفن نقل النفط الخام وانخفاض بنسبة 99% في عدد سفن الغاز الطبيعي المسال التي تعبر موانئ الخليج العربي بعد إغلاق المضيق. كما ارتفع سعر خام برنت إلى ما يزيد عن 120 دولاراً للبرميل، مما أدى إلى أكبر اضطراب في الإمدادات في تاريخ سوق النفط العالمي، حيث انخفض إنتاج الدول المتضررة بأكثر من 14 مليون برميل يومياً.
مع أهمية الآثار الاقتصادية، تشابكت قضية مضيق هرمز مع التماسك الداخلي لحلف الناتو. فقد صعّد الرئيس ترامب انتقاداته للحلف في مارس الماضي بسبب رفض الحلفاء الأوروبيين المساعدة في حماية ممرات الشحن عبر المضيق خلال الحرب الأمريكية-الإسرائيلية ضد إيران. كما قيّد العديد من الحلفاء وصول الولايات المتحدة إلى مجالهم الجوي أو قواعدهم لتنفيذ عمليات هجومية ضد إيران، مما زاد من حدة الخلاف. وانتقدت العديد من الحكومات الحليفة الإدارة الأمريكية لشنها ضربات ضد إيران دون استشارة الحلفاء مسبقاً. وظل هذا الاستياء قائماً حتى خلال قمة أنقرة؛ فمع وصول القادة إلى تركيا صرّح ترامب بأنه “مستاء للغاية من حلف الناتو، بسبب ما فعلوه في جرينلاند، وبسبب عدم رغبتهم في مساعدتنا في مواجهة إيران”. من جانبه، أيّد الأمين العام للحلف روته قبل افتتاح القمة الضربات الأمريكية التي شُنّت على إيران، وذلك بعد أن استهدفت طهران ثلاث سفن تجارية في مضيق هرمز، قائلاً: “أعتقد أن ما فعلتموه كان ضرورياً للغاية”.
وجاء المقطع المتعلق بإيران في إعلان أنقرة موجزاً، حيث أكد الحلفاء مجدداً على “ضرورة عدم امتلاك إيران سلاحاً نووياً”، كما دعوا إيران إلى “احترام حرية الملاحة في مضيق هرمز احتراماً كاملاً”، وهو ما يعكس موقفاً توافقياً لحلف الناتو أكثر من كونه التزاماً ملموساً بالأمن البحري، فهو يدعو إلى حرية الملاحة، لكنه لا يتضمن أي تعهد على مستوى الحلف لضمانها.
العلاقات عبر الأطلسي وتماسك التحالف
اُفتتح إعلان أنقرة بتأكيد قادة الحلف على “التزام راسخ بالدفاع الجماعي بموجب المادة 5 وأن أي اعتداء على دولة عضو هو اعتداء على جميع الدول”. وهي لغة تبدو مصممة للتغطية على النزاعات المفتوحة، وأبرزها التحذيرات المتكررة للرئيس ترامب من أنه قد لا يدافع تلقائياً عن الحلفاء الأوروبيين في حالة وقوع هجوم، وتهديده المتجدد بالسيطرة على جرينلاند، وانتقاده الحلفاء بشأن إيران. وأثبت نزاع جرينلاند أنه أبرز الانقسامات حالياً داخل الحلف. فلدى وصوله إلى أنقرة، جدد ترامب مطالبته بضم الجزيرة الدنماركية، وربط القضية صراحةً بوجود القوات الأمريكية في أوروبا، مهدداً بسحب القوات الأمريكية من القارة. وكان رد الدنمارك حاسماً، فقد صرحت رئيسة الوزراء مته فريدريكسن بأن جرينلاند “ليست للبيع”. كما انتقد ترامب إسبانيا علناً بسبب نقص الإنفاق الدفاعي، واصفاً إياها بأنها “شريك سيئ في الناتو”، وأصدر تعليماته لوزير خزانته بتعليق التجارة مع مدريد.
وإلى جانب بؤر التوتر الثنائية، تُعيد ثلاثة عوامل هيكلية تشكيل العلاقة عبر الأطلسي:
أولاً، يتصور المفهوم الاستراتيجي الذي أعلنته واشنطن لـ “حلف الناتو 3.0” دوراً أمريكياً أقل فاعلية ومسؤولية أوروبية أكبر بكثير عن الدفاع التقليدي، مع احتفاظ الولايات المتحدة في المقام الأول بمظلتها النووية. وقد تبنى الأمين العام روتّه هذا الإطار، واصفاً إياه ببناء “تحالف أقل اعتماداً على الولايات المتحدة، لكن الولايات المتحدة تظل راسخة فيه”.
ثانياً، بات الحلفاء ينظرون بشكل متزايد إلى قرارات الولايات المتحدة بشأن انتشار قواتها في أوروبا على أنها قرارات سياسية وليست استراتيجية، بمعنى أنها ترتبط بمزاجية الرئيس الأمريكي، ذلك أن بعض إعلانات الرئيس ترامب بشأن نشر القوات الأمريكية في أوروبا قد تكون متأثرة بآرائه حول حكومات الدول المضيفة. فعلى سبيل المثال، وجه ترامب انتقادات للمستشار الألماني فريدريش ميرتس قبل إعلانه سحب القوات من ألمانيا، وأشاد بالرئيس البولندي كارول ناوروكي قبل قراره نشر قوات إضافية في بولندا. وقد أعرب نواب في الكونجرس من كلا الحزبين عن قلقهم إزاء هذه التحركات.
ثالثاً، وعي قادة أوروبا وكندا بأن التعهد الضخم بتخصيص 5% من الناتج المحلي الإجمالي لتمويل الحلف ليس كافياً لإرضاء ترامب بشكل دائم، ويجب على حلف الناتو الآن المضي قدماً على افتراض أن ترامب سيظل مستاءً من حلفائه في شمال الأطلسي طالما بقي رئيساً. فقبل عامٍ كان الحلفاء لا يزالون يتمسكون بأمل ضئيل في إمكانية إرضاء ترامب من خلال التعهد برفع المساهمة الدفاعية، لكنهم اليوم أصبحوا أقل تركيزاً على إرضاء الرئيس الأمريكي وأكثر اهتماماً بتسهيل الانتقال إلى تحالف تقوده أوروبا.
التقارب الدفاعي التركي-الأوروبي
كان البُعد الصناعي لقمة أنقرة أبرز إنجازاتها الملموسة. فقد أعلن القادة عن التزامات شراء جديدة تتجاوز 50 مليار دولار، وتعهدوا بتوسيع القدرة التصنيعية الجماعية، والعمل في الوقت نفسه على إزالة الحواجز التجارية الدفاعية بين الحلفاء. وأطلقوا مبادرة “مكافحة الطائرات المسيرة والتدريب على استخدامها”، وهي مبادرة تتضمن توجيه 40 مليار دولار أمريكي إلى أنظمة الطائرات المسيّرة على مدى خمس سنوات. وتعهدوا باستثمار 27 مليار يورو لتحديث البنية التحتية لتخزين الوقود وتوزيعه وخطوط الأنابيب باتجاه الجناح الشرقي للحلف. كما أطلق الحلف آلية “البوابة الأمامية للصناعة”، وهي منصة جديدة مصممة لمنح الشركات نقطة وصول واحدة ومبسطة إلى فرص الشراء التابعة لحلف الناتو وفعاليات الابتكار وقنوات المشاركة الأخرى.
في الوقت نفسه، استغلت تركيا القمة لعرض تطور قدراتها في الصناعات الدفاعية، فقد نمت صادرات الدفاع التركية بنسبة 48% في عام 2025 (مقارنة بنسبة 29% في العام السابق)، مما وضع القطاع في المرتبة الحادية عشرة عالمياً، مستحوذاً على 1.8% من سوق الأسلحة العالمي. وكان الرئيس رجب طيب أردوغان صريحاً بشأن طموح أنقرة، مصرّحاً بأنه “من غير المتصور إرساء الأمن الأوروبي بدون تركيا”، بينما يضغط من أجل الانضمام إلى برنامج “العمل الأمني من أجل أوروبا” التابع للاتحاد الأوروبي، والذي تبلغ ميزانيته 150 مليار يورو.
وفي ضوء ذلك، تشير تقارير أوروبية إلى أن “تذبذب موقف ترامب بشأن حلف الناتو يقرّب أوروبا من تركيا في مجال الدفاع، ولاسيما الصناعات الدفاعية”. ومع ذلك، لا تزال العوائق الهيكلية والسياسية قائمة أمام هذا التقارب. فبموجب قواعد برنامج العمل الأمني الأوروبي، لا يمكن للشركات غير الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، مثل الشركات التركية، توريد أكثر من 35% من قيمة مكونات الأسلحة الممولة من خلال البرنامج. ويتطلب الوصول الكامل إلى امتيازات البرنامج من تركيا أولاً التفاوض على شراكة أمنية مع الاتحاد الأوروبي، ثم الحصول على موافقة بالإجماع من جميع الدول الأعضاء. ويبدو هذا شرطاً بالغ الصعوبة نظراً لاستخدام حق النقض بشكل متكرر بسبب النزاع بين تركيا وكل من اليونان وقبرص، فضلاً عن تحفظات فرنسا.
وعلى الرغم من ذلك، حققت تركيا اندماجاً كبيراً في سلاسل التوريد الصناعية الدفاعية الأوروبية من خلال صفقات ثنائية مع الشركات، وهو اندماج وظيفي بدون بنية سياسية. حيث تُصبح تركيا جزءاً لا يتجزأ من القاعدة الصناعية الدفاعية الأوروبية، بينما تبقى خارج البنية الدفاعية الناشئة للاتحاد الأوروبي. وأوضح مثال على ذلك هو إيطاليا، حيث استحوذت شركة بايكار التركية لصناعة الطائرات بدون طيار على شركة بياجيو إيروسبيس، وأقامت شراكة استراتيجية مع شركة ليوناردو. وقد عززت هذه الشراكة البصمة الصناعية لأنقرة في أوروبا. وفي مارس الماضي، أعلنت البحرية الإيطالية عزمها تشغيل طائرة بيرقدار TB3 المسيّرة من حاملة الطائرات الرئيسية كافور، في مثالٍ على مدى ترسخ المنصات التركية في جيوش أوروبية كبرى. ورغم العلاقات المتوترة تاريخياً مع فرنسا، وقّعت شركة سافران الفرنسية شراكة استراتيجية مع بايكار في مايو الماضي، كما أصبحت رومانيا أول دولة عضو في الاتحاد الأوروبي وحلف شمال الأطلسي تستورد سفينة حربية تركية الصنع.
استنتاجات
من حيث الشكل يبدو إعلان قمة أنقرة بياناً تقليدياً لحلف الناتو، مُعيداً التأكيد على المادة الخامسة، وإطلاق تعهدات مالية كبيرة لأوكرانيا، وحزمة تعاون صناعي، والتعبير عن موقف موحد بشأن إيران ومنع انتشار الأسلحة النووية وفتح مضيق هرمز. لكن بالنظر إلى السياق الدبلوماسي الذي رافق عقد القمة، ولاسيما إحباطات الرئيس ترامب من الحلفاء ومطالبه الملحة بشأن جزيرة جرينلاند، تكشف القمة عن حلفٍ يمر بمرحلة تحوُّل هيكلي حقيقي ربما تعيد تعريف دواعي وجوده على نحو جذري خلال السنوات القادمة.
وبالنسبة لدول الخليج العربية، فقد شهدت القمة لقاءً جمع بين وزراء خارجية دول الحلف ونظرائهم الخليجيين الشركاء في مبادرة إسطنبول، وتحديداً دولة الإمارات والبحرين والكويت وقطر، وتمخض الاجتماع عن إطلاق مجموعة جديدة من المشاريع في مجالات ذات اهتمام مشترك بين الطرفين، تشمل الأمن البحري ومكافحة أنظمة الطائرات المسيّرة والدفاع ضد التهديدات الكيميائية والبيولوجية والإشعاعية والنووية ومكافحة الإرهاب. ومع ذلك، فإن المسار الأكثر حكمةً بالنسبة لدول المنطقة ليس المبالغة في تقدير الأهمية المؤسسية لدور حلف الناتو لأمن الخليج، ولا تجاهل نتائج القمة باعتبارها غير ذات صلة، وإنما في قراءتها على حقيقتها، من كونها إشارة إلى وجهة العلاقات الدفاعية عبر الأطلسي، وكذلك الطموح الصناعي التركي، واهتمام القوى العظمى بمنطقة الخليج خلال السنوات القليلة المقبلة.