آفاق المشهد السياسي الليبي بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي: انفراجة أم انسداد؟

  • يُعدُّ اغتيال سيف الإسلام القذافي، الرمز السياسي الأهم للتيار الموالي للنظام الليبي السابق، من أكثر الوقائع خطورة وإثارة للجدل في ليبيا ما بعد 2011. ويشير حصول الاغتيال بعد مدة قصيرة من حادثة مقتل محمد الحداد، رئيس أركان غرب ليبيا، وإطلاق شائعة لاحقاً بوفاة عبد الحميد الدبيبة، إلى أن المشهد الليبي يمرّ بمرحلة صعبة من التفاوض الخَشِن، في محاولة لإعادة رسم الخريطة السياسية في البلاد.
  • تتوقف تداعيات واقعة اغتيال سيف الإسلام القذافي على المشهد السياسي الليبي، على التفاعل بين عدد من المتغيرات، أبرزها: تحقيق تقدُّم في مسار إجراء الانتخابات؛ والتقدُّم الحادث في مسار المصالحة الوطنية؛ وموقف القيادات العسكرية والأمنية المسيطرة على الأرض؛ وموقع أنصار القذافي من الترتيبات السياسية الجديدة؛ ومستوى التوافق الدولي والاقليمي حول جدوى إنهاء الانقسام.
  • يُرجَّح أن اغتيال سيف الإسلام القذافي جاء ضمن مساعٍ لترتيب المشهد الليبي عبر ثلاثة مسارات: الأول، تحجيم أنصاره لمنعهم من تشكيل “قطب ثالث” في تقاسم السلطة المرتقب؛ والثاني، إدماج كتلتهم الاجتماعية بقواعد لا تهدد الأقطاب المحلية الحالية؛ والثالث، ضرورة إزاحته لتسهيل التوافق بين بين كبار الفاعلين الليبيين والقوى الغربية لإجراء الانتخابات الرئاسية.

 

في الثالث من فبراير 2026 اغتيل سيف الإسلام القذافي، الرمز السياسي الأهم للتيار الموالي للنظام الليبي السابق. وقياساً برمزيته ووزنه السياسي، فقد عُدَّت واقعة اغتيال سيف الإسلام في مدينة الزنتان من أكثر وقائع الاغتيال خطورة وإثارة للجدل في خلال مرحلة ما بعد 2011، كما أتى الاغتيال في خضمّ كثير من التفاعلات الكثيفة ليبياً وإقليمياً ودولياً. وعلى الرغم من عدم وجود ردات فعل سياسية أو دبلوماسية أو أمنية حادة على ما جرى، فإنّ ذلك بحد ذاته أثار التساؤلات حول حسابات تنفيذ الاغتيال، ومدى ارتباط ذلك بترتيبات أوسع يجرى التحضير لها، بما يستدعي تقديم قراءة فاحصة لأبعاد ذلك الحدث وتأثيراته المحتملة على المشهد الليبي.

 

المشهد الليبي عشية الاغتيال

دخل المشهد الليبي مرحلة شديدة التعقيد والحساسية عقب اغتيال سيف الإسلام القذافي،  ويمكن قراءة ملامح هذا المشهد عشية الاغتيال على عدد من المستويات، على النحو الآتي:

 

سياسياً، بدا المشهد الليبي في الفترة السابقة على الاغتيال وكأنَّه على وشك التوّصل إلى ترتيبات سياسية جديدة، من دون وجود مؤشرات حاسمة على طبيعة تلك الترتيبات والنهج المعتمد في تنفيذها؛ فثمة مسارين متوازيين في هذا الصدد: الأول، هو المسار الأممي، والذي على الرغم من حدوث تقدم في عقد جلسات الحوار المُهيكل بين الأطراف للليبية، لكن هذا المسار اصطدم بتعنُّت مجلسيّ النواب والدولة وعدم تعاونهما مع المبعوثة الأممية بشكل كافٍ؛ أما المسار الثاني فيتمثل في التحركات الأمريكية الكثيفة على عدة مستويات، والتي أبرزها مساعي المبعوث مسعد بولس للتوصل إلى توافق بين عائلتيّ حفتر والدبيبة لإنهاء مظاهر الانقسام، وفق ما جرى في اجتماع باريس بتاريخ 28 يناير 2026. وبغض النظر عن مقدار النجاح المحتمل لأيٍّ من المسارين، فإن إتمام أيٍ منهما يستدعي، بطبيعة الحال، طرح السؤال الخاص بموقف التيار الموالي للنظام السابق، وشروط إدماجه في أيّ ترتيبات سياسية يُتوافَق عليها.

 

اقتصادياً، تمثَّل الملمح الأهم في خلال تلك المرحلة بالانتعاشة التي يشهدها القطاع النفطي، على وقع جولة العطاءات التي أطلقتها مؤسسة النفط العام الماضي، وظهرت نتائجها النهائية في شهر فبراير 2026، حيث كان للشركات الغربية نصيب الأسد من تلك العطاءات، لاسيما مع عودة الشركات الأمريكية التي كانت قد غادرت السوق الليبي قبل أكثر من عقد على وقع الاضطرابات الأمنية. وبالتبعية، فإن استقرار العمل مستقبلاً في الحقول النفطية التي سيجري تطويرها يُعيد طرح سؤال الأمن بمعناه السياسي، لاسيما أن عدداً من تلك الحقول يقع في النطاقات الجغرافية التي تقطنها فئات مستبعدة من التمثيل السياسي، ومن بينها الكتلة الاجتماعية الموالية لسيف الإسلام.

 

يمرّ المشهد الليبي بمرحلة صعبة من التفاوض القسري الخشن، في محاولة لإعادة رسم الخريطة السياسية من جديد (شترستوك)

 

أمنياً، تتسم الأوضاع الأمنية في ليبيا بذات السمات السائدة منذ فترة، من تماسُك نسبي في الشرق، وبعض الاضطرابات المتقطعة والمحدودة في الغرب. غير أن الأيام السابقة للاغتيال شهدت اضطرابات في مناطق متفرقة من الجنوب، حيث شُنَّت هجمات متزامنة في فجر اليوم الأخير من يناير على منفذ التوم الحدودي، ونقطة وادي بوغرارة، ونقطة السلفادور، وهي مناطق تقع على الحدود مع النيجر. وعلى صعيد آخر، تحطمت مروحية تابعة لقوات حفتر بالقرب من قاعدة “معطن السارة” جنوب شرق البلاد، وعلى متنها مواطن بيلاروسي وطياران روسيان. وعلى رغم عدم وجود دلالات قاطعة بشأن هذه الاضطرابات، فإنَّها تؤكد ما يمثله الجنوب من خاصرة أمنية رخوة قابلة للاستغلال.

 

دولياً، شهدت التوازنات الدولية في ليبيا تحولات ملحوظة؛ أولها على صعيد التوازنات الروسية الغربية، فمقابل المد الأمريكي الحاصل على الأصعدة السياسية والاقتصادية والعسكرية، ثمة تراجُع نسبي في النفوذ الروسي؛ فمن الناحية العسكرية، تمثل صفقة الأسلحة لقوات شرق ليبيا مع باكستان بداية لفك ارتهان القيادة العامة للتسليح الروسي؛ ومن الناحية الاقتصادية، تعد الشركات الروسية من أبرز الخاسرين من نتائج جولة العطاءات النفطية المعلنة مؤخراً، حيث كانت تلك الشركات من أبرز مصادر توريد الوقود للسوق الليبي في الأعوام الأخيرة، وقد تراجعت مكانتها لصالح شركات غربية. وفي هذا السياق يأتي تغييب سيف الإسلام بوصفه أحد الخسائر السياسية لموسكو، حيث كان ينظر إليه بوصفه أحد رهاناتها السياسية عند عقد الانتخابات الرئاسية.

 

إقليمياً، تتمثل أبرز ملامح المشهد الاقليمي المتصل بالوضع الليبي في حدوث تقارب مصري تركي سعودي، في مقابل إعادة ترتيب أوراق في بعض الملفات الإقليمية الحيوية. وعلى الرغم من ظهور أثر هذه التحولات في الساحة الليبية في صورة تنامي ملحوظ للحضور السعودي، إلا أنه لا يمكن الجزم بشأن حدود التوافق المصري التركي بشأن أي ترتيبات يجري الإعداد لها في ليبيا على الصعيدين السياسي والأمني. وتجدر الإشارة إلى قيام رئيسيّ جهازي المخابرات التركي والمصري بزيارات إلى بنغازي وطرابلس مؤخراً.

 

اغتيال القذافي والتوازنات القائمة

جاءت واقعة اغتيال سيف الإسلام القذافي ضمن سياق عام يتَّسم بوقوع أحداث كثيفة متزامنة، وكأنها مُقدِّمة لترتيبات جديدة يجري التحضير لها. فجاء اغتيال سيف الإسلام بعد ستة أسابيع من مقتل محمد الحداد، رئيس أركان غرب ليبيا، إثر تحطم طائرة كانت تقلّه قرب أنقرة أثناء عودته من زيارة رسمية إلى تركيا، في أواخر ديسمبر 2025، فضلاً عن إطلاق شائعة حول وفاة عبد الحميد الدبيبة في 21 فبراير. ويشير هذا النهج الخاص بتغييب، أو التلويح بإقصاء قيادات وازنة إلى أن المشهد الليبي يمرّ بمرحلة صعبة من التفاوض القسري الخشن، في محاولة لإعادة رسم الخريطة السياسية من جديد.

 

وعلى الرغم من حالة “الترهُل السياسي”[1] التي كان يعانيها التيار الموالي لسيف الإسلام القذافي، فإنَّ هذا التيار ظل على الدوام يمثل، على الأقل من الناحية النظرية، قُطباً ثالثاً وبديلاً محتملاً، لاسيما في حال عُقِدَت انتخابات رئاسية، أو حتى شريكاً وازناً قادراً على تغيير التوازنات في حال الانخراط في صفقة سياسية كُبرى. ويمكن النظر لقرار الاغتيال في أبعاده المحلية باعتباره “فيتو” على إدماج هذا التيار في العملية السياسية من موقع مستقل تحت قيادة سيف الإسلام، في محاولة لتثبيت سقف مشاركة مكوناته بوصفها مجرد رصيد ومورد سياسي للمعسكرين الرئيسين. أما على المستوى الدولي، فإن الاغتيال قد يُعزز من التحوّل الجاري في التوازنات الغربية الروسية، عبر تقليص أوراق موسكو، وحرمانها من أحد الخيارات القوية البديلة لاستمرار نفوذها في ليبيا، في حال استمرار التراجُع في الشروط الموضوعية التي حافظت على نفوذها لدى معسكر شرق ليبيا في خلال السنوات الماضية.

 

يمكن النظر لقرار اغتيال سيف الإسلام القذافي باعتباره “فيتو” على إدماج التيار المناصر له في العملية السياسية الليبية (أ.ف.ب)

 

السيناريوهات المستقبلية

تتوقف تداعيات واقعة اغتيال سيف الإسلام القذافي على المشهد السياسي الليبي ككل، على التفاعل بين عدد من المتغيرات، أبرزها: تحقيق تقدُّم في مسار إجراء الانتخابات؛ والتقدُّم الحادث في مسار المصالحة الوطنية؛ وموقف القيادات العسكرية والأمنية المسيطرة على الأرض؛ وموقع أنصار “سيف الإسلام القذافي” من الترتيبات السياسية الجديدة؛ ومستوى التوافق الدولي والاقليمي حول جدوى إنهاء الانقسام.

 

وفي إطار التفاعل بين هذه المتغيرات، يمكن الإشارة إلى السيناريوهات التالية:

 

السيناريو الأول، إنهاء الانقسام. وفق هذا السيناريو، فإن اغتيال سيف الإسلام أتى في سياق مساعي لإعادة ترتيب المشهد السياسي باتجاه إنهاء الانقسام. وثمة مسارات فرعية لهذا السيناريو؛ الأول، عبر تقاسُم مرتقب لسلطة موحدة بين معسكريّ الانقسام، وبالتالي يكون الغرض من الاغتيال هو تحجيم الوزن السياسي لأنصار القذافي، ومنعهم من تشكيل قُطب ثالث في تلك المعادلة. والثاني، وجود خطط دولية لإدماج تلك الكتلة الاجتماعية في العملية السياسية، ويقتضي ذلك التخفف من عائق الملاحقة الدولية الخاص بسيف الإسلام من جهة، وتحالفاته المحتملة، والحاجز النفسي المرتبط بالثأر السياسي من جهة أخرى؛ ومن ثمَّ يتم الإدماج على قاعدة لا تُمثِّل تهديداً للأقطاب المهيمنة على السلطة. والمسار الثالث، أن تكون هناك خطط دولية لإجراء انتخابات رئاسية، استدعت ضرورة إزاحة سيف الإسلام من المشهد، باعتبار ذلك نقطة توافق بين حفتر والدبيبة والقوى الغربية.

 

السيناريو الثاني، التصعيد المتبادل. ومفاد هذا السيناريو أن ليبيا قد تكون مُعرَّضة لقدر من الاضطرابات متعددة الأطراف في خلال المرحلة المقبلة، بالنظر لعدم قدرة طرفيّ الانقسام على التوصل إلى تصور مشترك لتوحيد السلطة. ويستمد السيناريو منطقه من افتراض أن القبول الدولي باستمرار عبدالحميد الدبيبة صار مرهوناً بمدى قدرته على إرساء مستوى من الاستقرار الأمني يكفل حماية الاستثمارات المستجدة في القطاع النفطي؛ لذا فإن تعثّر مساعيه للتوصل إلى اتفاق مع خليفة حفتر دفعه إلى التفكير في خيار التحالف مع التيار الموالي للقذافي، بالنظر إلى امتداده الاجتماعي والجغرافي في مناطق الوسط والجنوب، بما يتيح له توسيع نطاق السيطرة الأمنية في تلك المساحات الحيوية للاستثمارات النفطية. وفي هذا الإطار، يمكن النظر إلى عدد من الوقائع المتعاقبة، من بينها الاضطرابات الأمنية في أقصى الجنوب الغربي قُبيل أيام من الاغتيال، وإعلان الدبيبة في خلال شهر فبراير عزمه إجراء تعديل وزاري، فضلًا عن التوترات الأمنية داخل مصراتة في الشهر ذاته، بما يعكس مؤشرات انقسام داخلي حيال بعض القرارات المفصلية.

 

السيناريو الثالث، استمرار الجمود. يرتبط السيناريو بترتيبات جديدة اضطرارية ستؤثر في إعادة توزيع الثروة، سواء بسبب الضغوط الاقتصادية المتفاقمة أو الإنفاق المالي الواسع للحكومتين، أو بسبب التوجُه الأمريكي القائم في اقتحام قطاع النفط في ليبيا، وضرورة فرض ترتيبات ضابطة تُقيّد من قدرة الأطراف المحلية على العبث بهذا القطاع وتحويله لورقة تفاوضية. وفي هذه الحالة تكون عملية الاغتيال جزءاً من التفاوض الخشن بين لاعبين داخليين وخارجيين، يتعذر بناء توافق بينهم، بشكل يدفع كل طرف إلى إجهاض الخيارات البديلة للخصم، لكن من دون القدرة على تغيير التوازنات القائمة بالكامل، ودون القدرة على الذهاب بعيداً في مسار التصعيد. ومن ثمَّ فإن الاغتيال يكون أحد محطات إجهاض تغيير التوازنات القائمة. ووفق هذا السيناريو، قد لا يؤثر الاغتيال في ملامح المشهد الراهن، الذي قد يضطر طرفاه الرئيسان إلى تقديم تنازلات محدودة لتحقيق وحدة شكلية؛ ما يعني استمرار الجمود القائم منذ سنوات.

 

وفي ضوء التفاعلات الإقليمية والدولية الكثيفة عموماً، والمرتبطة بليبيا بصفة خاصة، وبالنظر لسرعة احتواء تداعيات اغتيال سيف الإسلام القذافي بشكل يبدو محل توافق، والثقل الرمزي الذي يُمثِّله الراحل بشكل لا يجعل قرار التصفية مسألة خاضعة لإرادة طرف وحيد، فيصعب اعتبار ذلك الحدث مجرد واقعة عابرة في يوميات السياسة الليبية من دون ارتباط ذلك بتغيرات واسعة في معادلة الحكم يجري الإعداد لها. وعليه، فإن السيناريو الأكثر ترجيحاً للتحقق من بين السيناريوهات الثلاثة هو الأول الخاص بإنهاء الانقسام. ولا يعني ذلك سهولة حصول هذا السيناريو، بل يمكن القول إن الاغتيال يعد محطة ضمن استحقاقات متعددة لإعادة صياغة المشهد الليبي ككل. وعلى الرغم من وجود مؤشرات معاكسة لهذا السيناريو، لكنها قد توضَع في إطار تجاذبات وصعوبات التفاوض المتعدد الأطراف، نظراً للعدد الكبير من اللاعبين أصحاب المصلحة وذوي النفوذ على الساحة الليبية.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M