الملخص:
تندرج إشكالية تحقيق الأمن المائي المستدام في صدارة القضايا المركزية التي ركّزت عليها خطة التّنمية المستدامة 2030، وذلك بالنّظر لارتباطها الوثيق بالأمن الغذائي، الصّحي والبيئي. وقد أدّت التّغيرات المناخية إلى تفاقم معضلة الفقر المائي على المستوى المغاربي، ومن ثمّة زيادة الاعتماد على منسوب المياه الجوفية بشكل مفرط، وهو ما يستدعي بناء خطط استراتيجية شاملة تتوخَّى تحقيق التّوازن بين الاستغلال العقلاني لها من جهة والتّوجه نحو تفعيل المصادر غير التّقليدية للمياه على غرار تحلية مياه البحر وإعادة تدوير المياه المستعملة من جهة أخرى. وبناءً عليه، تستهدف هذه الدِّراسة التّطرق إلى أهمية التّعاون الثّلاثي المشترك بين الجزائر، تونس وليبيا في مجال إدارة المياه الجوفية العابرة للحدود باعتبارها خيارًا استراتيجيًا لتعزيز التّكامل الإقليمي وحوكمة هذا المورد الثّمين، وذلك من خلال تحليل أبعاد “آلية التّشاور حول المياه المشتركة بالصّحراء الشّمالية” التّي تمّ اعتمادها في 24 أفريل 2024، مع تشخيص أهمِّ التحّديات ذات الطّابع التّقني، البيئي، الإداري، المالي، السّياسي والقانوني التِّي تعيق هذه العملية، وتنتهي الدِّراسة إلى الإشارة إلى أهمِّ استراتيجيات تفعيل الاستدامة المائية لضمان متطلبات الأجيال القادمة في المنطقة على المدى البعيدـ
مقدِّمة:
أكَّد تقرير المياه والتّنمية التّاسع الصّادر عن اللّجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا ESCWA تحت عنوان :”المياه الجوفية في المنطقة العربية” (2022) أنّ الدّول المغاربية تشهد شُحًّا مائيًا غير مسبوق، وهي تُصنَّف من أكثر المناطق تأثراً بانخفاض معدلات الهطول المطري حيث لا يتعدّى إجمالي نصيب الفرد المغاربي من الموارد المائية المتجدِّدة أكثر من 500 متر مكعب للفرد في السّنة، وهو ما أدّى إلى إدراجها ضمن قائمة أكثر الأقاليم التي تعيش ضمن خطّ النّدرة المائية المطلقة absolute water scarcity ، ودون عتبة الفقر المائي المقدّر ب 1000 متر مكعب للفرد في السّنة، ويُعزى ذلك إلى عدة مسبِّبات أهمُّها: التّقلبات الجذرية في الدّورة الهيدرولوجية على النّطاق المحلي والعالمي، التّوسع العمراني غير المخطَّط له مصحوبا باختلالات واضحة في التّوزيع الدّيمغرافي من منطقة لأخرى، زيادة احتياجات القطاعات الصِّناعية، الزِّراعية، الخدماتية وقطاع الطّاقة الكهرومائية للماء باعتباره سلعة اقتصادية هامة. انطلاقاً من هذه المعطيات، باتت الحاجة مُلحةً إلى انتهاج مجموعة من البدائل الاستراتيجية لتحقيق الأمن المائي المغاربي المستدام لا سيما ما يتعلق بتنويع مصادر المياه غير التّقليدية، والاستغلال العقلاني للمصادر التّقليدية وعلى رأسها إدارة المياه الجوفية العابرة للحدود التّي تقع تحت سيادة دولتين أو أكثر، كما أصبح من الضّروري الانتقال من منطق الاستغلال المنفرد لهذا المورد إلى بناء تصور توافقي جديد يستهدف الإدارة التشاركية له من أجل تحقيق الاستدامة وحوكمة المياه الجوفية العابرة للحدود وفق الأطر القانونية الضّابطة والآليات المؤسسية الفعّالة وذلك بالارتكاز على البيانات العلمية الدّقيقة للحدّ من الاستنزاف العشوائي والمفرط لها.
وتأسيساً على ذلك، تتمحور الإشكالية الرّئيسة لهذه الورقة البحثية حول التّساؤل التّالي: إلى أيّ مدى يمكن أن يسهم إنشاء آلية قانونية ومؤسسية مشتركة لإدارة المياه الجوفية العابرة للحدود بين الجزائر، تونس وليبيا في ترشيد استغلال هذا المورد الحيوي وحوكمته بما يضمن الاستدامة والعدالة المائية على المدى البعيد؟
وتندرج ضمنها مجموعة من التّساؤلات الفرعية:
- فيم تتمثل الأهمية الهيدرواستراتيجية لحوض الصّحراء الشّمالي الغربي المشترك بين الجزائر، تونس وليبيا؟ وما دوره في تحقيق الاستدامة المائية كمطلب استراتيجي؟
- ما هي ميكانيزمات تفعيل آلية التّشاور حول المياه المشتركة بالصّحراء الشّمالية باعتبارها مدخلاً لتعزيز أهم نماذج التّعاون الإقليمي المائي الجماعي في المنطقة المغاربية؟
- ما هي أهمّ التّحديات التِّي تواجه تطبيق هذا المشروع؟ وفيم تكمن الاستراتيجيات الأنسب لتوزيع هذا المورد وحوكمته على المدى البعيد؟
وتكمن أهمية الدّراسةفيمايلي:
على المستوى النّظري، تحاول هذه المساهمة الأكاديمية سدّ فجوة بحثية موضوعية في مجال دارسات الهيدربوليتيكس (علم السّياسات المائية) من خلال التّطرق إلى المياه الجوفية المشتركة كمورد حيوي مشترك غالباً ما يتّم إغفاله، حيث ينصّب الاهتمام لدى متخصّصي هذا الحقل البحثي- بالدّرجة الأولى- على دراسة المياه السّطحية العابرة للحدود من خلال تحليل علاقات الصّراع والتّعاون الإقليمي والدّولي حول الأنهار والأحواض المائية المشتركة من زوايا متعدِّدة تركِّز على: الحقوق التّاريخية للأطراف المتنازعة، دورها في تحقيق التّوازنات الجيوسياسية، التّأطير القانوني لهذه الموارد في المواثيق والاتفاقيات الثّنائية والدّولية وتحليل أبعادها السّوسيو-اقتصادية. (الشّافعي: 2021، ص. 11). وعليه، سيتّم التّركيز على إبراز أهمية تحسين طرق استدامة المياه الجوفية التّي تمثِّل نسبة 97٪ من الموارد العذبة السّائلة المتاحة للاستعمال في العالم، وهي تؤمِّن 50٪ من مياه الشّرب عالمياً و25٪ من مياه الرّي، كما تمّ إحصاء ما يعادل 426 حوضاً جوفياً عالمياً مشتركاً بين دولتين أو أكثر، حيث تضّم المنطقة العربية وحدها حوالي 43 حوضًا مشتركًا منها ويعتبر نصف هذه الموارد الجوفية غير متجدِّد، ممّا يستدعي إخضاعها لإطار قانوني ملزم وتحفيز الإدارة التّشاركية لها كمدخل لتعزيز الأمن المائي الإقليمي والاستقرار السّياسي في ظل التّغيرات المناخية المتسارعة التي قد تؤدِّي إلى إجهادها في المناطق شبه الصّحراوية، وهي التّوصيات التّي تمّ التّأكيد عليها في مؤتمر القمة العالمي بشأن المياه الجوفية في مقر اليونسكو بباريس من 7 إلى 8 ديسمبر 2022. (الإسكوا:2022، ص ص. 13-19).
أمّا على المستوى العملي، فتسعى هذه الورقة إلى تثمين أهمية المقاربة التّكاملية في تحقيق التّعاون والتّنسيق الإقليمي في مجال الاستدامة المائية وتجاوز منطق المقاربات الوطنية الضَّيقة والاستغلال العشوائي لهذا المورد الهام الّذي يمكن أن يؤدّي إلى نزاعات صامتة بسبب النّدرة المائية، وهو ما يحيل إلى ضرورة التّركيز على مدى فعالية الآليات القانونية والمؤسسية التّشاركية كمدخل استباقي لتحقيق الاستقرار المائي المغاربي باعتباره دعامةً أساسيةً للاستقرار السِّياسي والاجتماعي وجزءً هاماً من استراتيجيات الأمن الوطني لكلِّ دولة في ظلِّ التّهديدات الأمنية العالمية الجديدة. كما أنّه، وانطلاقاً من قلّة الدّراسات السّابقة ذات الطّابع التّطبيقي والميداني حول الحوض الجوفي الصّحراوي المشترك بين الجزائر، تونس وليبيا، تحاول هذه المساهمة العلمية أن تكون إضافةً هامةً للموضوع من خلال دراسته كتجربة نموذجية تُضاف إلى عديد التّجارب الدّولية والعربية النّاجحة في انتهاج إدارةٍ تكامليةٍ فعالةٍ لملف المياه الجوفية المشتركة قائمة ٍعلى التّعاون الإقليمي، حسن الجوار وتحويل المناطق المائية المشتركة إلى مركز استقطاب تنموي جديد، وهنا نذكر على سبيل المثال لا الحصر: اتفاقيات المياه الجوفية العابرة للحدود الفرنسية السّويسرية لعام 1978 المشتركة (جينوفا) Genova، الإدارة المشتركة لحوض الدّيسي بين الأردن والمملكة العربية السّعودية، وحوض Guarani Aquiefer بين الأرجنتين، البرازيل، البارغواي والأورغواي.
ولتفصيل الدّراسة أكثر، سيتّم الاعتماد على الخطة المنهجية التّالية:
أولاً- ضبط مفاهيم الدّراسة:
1.1- مفهوم المياه الجوفية العابرة للحدود
2.1- مفهوم الأمن المائي المستدام
3.1- الأسس القانونية الدّولية لإدارة المياه الجوفية المشتركة
ثانياً-الإدارة التّشاركية لحوض الصّحراء الشّمالي الغربي كمدخل لتعزيز التّعاون المائي الإقليمي
1.2 -الأهمية الهيدرو-استراتيجية لحوض الصّحراء الشّمالي الغربي
2.2- ميكانيزمات الإدارة التّشاركية للحوض: من التّنسيق التّقني إلى الإدارة المستدامة بواسطة آلية التّشاور الدّائمة
ثالثاً- التّحديات المعيقة للإدارة التّشاركية للحوض الشّمالي الغربي:
1.3- التّحديات التّقنية والبيئية
2.3- التّحديات القانونية والسّياسي
3.3- التّحديات المالية والاجتماعية
أولا– ضبط مفاهيم الدّراسة:
يتضمّن المحور الأول للدّراسة تحديد المفاهيم المفتاحية على النّحو التّالي:
1.1- مفهوم المياه الجوفية العابرة للحدود:
المياه الجوفية هي تلك المياه العذبة بطيئة التّدفق التّي تتكوًّن نتيجة تسرب مياه الأمطار في باطن الأرض، وتتجمع في طبقات من الصّخور والرّمال مُشكِّلةً خزاّنات متفاوتة العمق للمياه الجوفية، ويتّم استغلالها كأحد المصادر التّقليدية للمياه من خلال حفر الآبار، أو الاعتماد على الأنظمة التّقليدية في استخراجها كنظام “الفقارة” المعروف في المناطق الصّحراوية الجنوبية بالجزائر، وتُستعمل لتلبية الاحتياجات اليومية للسّكان(الشُّرب) وفي تنمية القطاعات الاقتصادية: الزّراعة، الرّي، الصّناعة، التّعدين، الطاقة، توليد الكهرباء، تحفيز قطاع السّياحة، ولها دور هامّ في التّخفيف من آثار الجفاف والحفاظ على توازن النّظم البيئية من آثار الصّدمات المناخية.
وتعرِّف المادة 02 من مشروع المواد المتعلقة بقانون طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود الصّادر سنة 2008 وفق قرار الجمعية العامة رقم 63-124 المياه الجوفية المشتركة كما يلي:”هي شبكة من طبقات المياه الجوفية التّي تقع أجزاؤها في دول مختلفة، وتكون عبارة عن جزء من خزّان أو نظام آبار متصلة هيدروليكياً”، وفي هذه الحالة، يمكن اعتبارها مياه دولية وفق اتفاقية قانون استخدام المجاري المائية الدّولية في الأغراض غير الملاحية لسنة 1997وينبغي أن تخضع لإدارة تشاركية. (السّيد حسين: 2022، ص.52)
2.1- مفهوم الأمن المائي المستدام:
تُعرِّف منظمة الأغذية والزّراعة التّابعة للأمم المتحدة (الفاو) الأمن المائي المستدام كمايلي: “هو القدرة على الوصول إلى وضعية مستقرة لموارد المياه يمكن من خلالها الاطمئنان إلى استجابة عرض المياه للطّلب عليها، ومن ثمّة القدرة على ضمان تأمين المتطلبات المائية للسّكان لتلبية احتياجاتهم الحيوية اليومية، الاقتصادية والتّنموية بالكمية الكافية والنّوعية عالية الجودة وفي الوقت المناسب بطريقة مستدامة وبما لا يخلّ بتوازن النّظم البيئية المائية من التّدهور”. (بن لدرع: 2025، ص.36)
وانطلاقاً من هذا التّعريف الاجرائي الذي يتوافق إلى حدٍّ ما مع مفهوم التّوازن المائي وهو الحالة التي يتعادل فيها حجم الطّلب مع حجم العرض، يمكن تعريف ثلاث حالات أخرى للوضع المائي: أولها، حالة الفجوة المائية التّي تعبِّر عن الخلل الموجود بين كمية الاحتياجات التي تمثِّل الطّلب، وبين حجم الإمكانات (الموارد) المتاحة فعليا التي تمثِّل العرض (سعد: 2015، ص.521)، الحالة الثّانية هي الفائض المائي، حيث يكون فيها حجم الموارد المائية المتاحة أكبر من حجم الاحتياط، أمّا حالة العجز المائي فهي الحالة التِّي يكون فيها حجم الموارد المتاحة أقلّ بكثير من حجم الاحتياطات، وهو ما يؤدي إلى أزمة الفقر المائي والنّدرة، وتشير المنظمة العالمية للأرصاد أنّ أكثر من 5 مليار نسمة من سكان العالم سيعانون سنة 2050 من عدم القدرة على الحصول على المياه لمدة شهر واحد على الأقل سنوياً (أبو راوي اشتيوي: 2025،ص.172)
وعلى العموم، يمكن تضمين الماء مجموعة من الأبعاد السّياسية، فهو مورد استراتيجي لتحقيق الأمن الشّامل، أداة ضغط ومساومة في مناطق النّزاعات، وسيلة لتغذية عدم الاستقرار الداّخلي في الدّول التي تعاني حالة الإجهاد المائي، كما يرتبط بصفة وثيقة بتحقيق الأمن الغذائي والتّصدي للمجاعات وسوء التّغذية والأزمات المناخية. (بو جليدة:2025، ص.38).
3.1- الأسس القانونية الدّولية لإدارة المياه الجوفية المشتركة:
يُقصد بإدارة المياه الجوفية العابرة للحدود الإجراءات الإدارية المُتخذة للتّسيير والاستغلال اليومي لمجمع مائي جوفي محدّد بما يضمن عدالة حصص الأطراف المتشاركة فيه وتحديد معدلات سحب آمنة، بينما يشير مفهوم حوكمة الموارد المائية الجوفية إلى منظور أوسع، حيث يشمل كلّ ما يتعلق بكفاءة المؤسسات الحكومية وغير الحكومية الفاعلة في سياسات التّسيير طويل المدى للمياه الجوفية من قوانين، لوائح، ترتيبات مؤسسية، أبعاد مالية وإدارية ذات آثار اقتصادية، اجتماعية وتنموية للتّحكم في هذه الموارد وإدارتها على أحسن حال. (الإسكوا: 2022، ص.70)
في القانون الدّولي للمياه، انصبّ تركيز اتفاقية الأمم المتحدة لقانون استخدام المجاري المائية الدّولية المشتركة في الأغراض غير الملاحية لسنة 1997 على المياه السّطحية فقط دون إيلاء الاهتمام بطبقات المياه الجوفية العابرة للحدود، ولسدِّ هذه الفجوة القانونية اعتمدت الجمعية العامة لاحقاً مواد مشروع القرار رقم 124-63 غير الملزِم والمتعلِّق بقانون طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود لعام 2008، وحظي بدعم ومساهمة البرنامج الهيدرولوجي الدّولي التّابع لليونسكو لتشجيع الدّول على الإدارة التّشاركية لتسيير طبقات المياه الجوفية. ومن أهمِّ الأسس القانونية التّي ركَّز عليها هذا المشروع في مادته السّابعة والثّامنة الدّعوة إلى وضع ترتيبات ثنائية وجماعية إقليمية لإدارة المياه العابرة للحدود، والالتزام بالتّعاون على أساس المساواة في السِّيادة وإنشاء لجان وآليات مشتركة لهذا الغرض بغية الانتفاع المنصف والعادل لها وفق إطار تنظيمي يشمل تبادل المعلومات. وتكمن المبادئ القانونية المنظِّمة لهذا المشروع في مبدأ الانتفاع المنصف والمعقول، مبدأ الالتزام بعدم التّسبب في الضّرر، الالتزام بالتّعاون المتبادل والمنتظم للمعلومات، ضرورة الإخطار والتّشاور والتّفاوض في استخدام المياه العابرة للحدود. (السّيد حسين: 2022، ص. 53).
ثانياً- الإدارة التّشاركية لحوض الصّحراء الشّمالي الغربي كمدخل لتعزيز التّعاون المائي الإقليمي:
سيتِّم التّطرق في هذا المحور إلى أهمية الحوض الصّحراوي الشّمالي الغربي، مراحل تطور هذا المشروع المشترك ورهانات الانتقال من طابع التّنسيق التّقني إلى اعتماد آلية التّشاور الدّائمة تحت غطاء سياسي يستهدف مستقبلا التّحول إلى آلية تنفيذية فعالة.
1.2- الأهمية الهيدرو- استراتيجية لحوض الصّحراء الشّمالي الغربي:
يُمثِّل حوض شمال غرب الصّحراء الكبرى المشترك بين كلِّ من الجزائر، تونس وليبيا (North‑Western Sahara Aquifer System-NWSAS) المعروف بحوض غدامس أحد أهمّ الأحواض المائية ضمن النّظام الجوفي الصّحراوي الكبير، هذا الأخير الّذي يحتوي على أربعة أحواض أخرى تتمثل في: حوض تين سيريرين بشمال شرق النّيجر (Tin Sérririne) ، حوض آير الكريستالي المشترك بين مالي والنّيجر (Air Christalline)، حوض تودني المشترك بين مالي وموريتانيا (Taoudni Basin) وحوض الرّشيدية بالجنوب الشّرقي للمغرب.
يُعتبر حوض شمال غرب الصّحراء من أكبر خزّانات الموارد المائية الجوفية العابِرة للحدود في شمال أفريقيا، ويمتَّد عبر ثلاثة دول هي الجزائر، ليبيا وتونس على مساحة 1مليون كم2، وهو نظام مياه جوفية معقَّد متعدِّد الطّبقات يحتوي على احتياطات قارية استثنائية من المياه الجوفية تقدّر بحوالي60.000 مليار متر مكعب، يخضع توزيعها لحدود طبيعية مرتبطة بالمكوِّنات الجيولوجية للمنطقة وليس لحدودٍ إدارية سياسية، وهي نتيجة تراكم رسوبي قديم جدّا للمياه الفوسفية قليلة الحركة التّي تشكّلت على مدى مليون سنة خلال العصر الكربوني -البرمي carbonferous- permian period، تقع 70% منها في الجنوب الشّرقي للجزائر (700.000 كم2 )، 22 % منها في الجنوب الغربي لليبيا ( 250.000كم2) و8 % في الجنوب التّونسي (80.000 كم2)، يتفاوت عمقها من منطقة لأخرى، وتتسِّم بضعف معدّل تجددِّها بحكم طبيعة التّكوين الجيولوجي، فهي مياه جوفية أحفورية بطيئة التّجدد Fossil ground water (Hafid : 2023, PP.133 – 134)
وعليه، لا يزيد معدّل تجدده السّنوي على أكثر من مليار متر مكعب في السّنة، ويعود ذلك إلى قلة التّغذية الواردة إليه من جبال الأطلس (الجزائر)، جبال دهار (تونس)وجبال نفوسة (ليبيا)، ممّا يعرِّض مخزونه الجوفي لخطر الاستنزاف والنّضوب على المدى المتوسط والبعيد، لا سيما مع تزايد عدد السّكان وارتفاع نسبة التّبخر بسبب ارتفاع درجة الحرارة وزيادة مساحة الأراضي الزّراعية الصّحراوية، ويُتوَقع أنّ ارتفاع معدلات الاستغلال سيترتب عنه سنة 2050 انخفاض في منسوب المياه بمعدل 20 إلى 60 متر مكعب، كما تُثبت إحصائيات مرصد الصّحراء والسّاحل OSS أنّ معدلات السّحب سنة 2003 مثلاً قد بلغت حوالي 9000 نقطة استخراج ممّا يفوق معدّل التّغذية لهذا الحوض، حيث تمّ تسجيل 6500نقطة سحب في الجزائر بنسبة 73% ، 1200 نقطة سحب في تونس بنسبة14 % و1100 نقطة سحب في ليبيا بنسبة 13%.مع العلم أنّ معدل الاستغلال السّنوي للحوض يقدّر بنحو 2.5 مليار متر مكعب. (السّيد حسين: 2022، ص. 98)
يشمل حوض الصّحراء الشّمالي الغربي المشترك على طبقتين رئيسيتين من المياه الجوفية: المجمع الطّرفي Terminal Complex وهي الطّبقة المعقدة التّي تقع في المستوى العلوي للحوض على عمق متوسط يصل إلى حوالي 200 – 400متر، والطّبقة القارية الدّاخلية البينية Intercalary Continental التّي تقع في المستوى السّفلي العميق للحوض وقد بلغت مستويات الحفر بها إلى عمق 1000-2800 متر (وهوما يوضِّحه الشّكل رقم 01 أدناه).
وتكمن الأهمية الهيدرو- استراتيجية للحوض فيمايلي:
1- يُعتبر المصدر المائي الاستراتيجي الوحيد في منطقةِ الصّحراء الكبرى التّي تقع ضمن أكثر المناطق جفافًا في العالم، حيث تكاد تنعدم الموارد السّطحية والمجاري المائية الدّائمة (مياه الأمطار، الأنهار). وبالتّالي، يمكن اعتبار هذا الاحتياطي الهام بديلاً استراتيجياً هاماً طويل المدى لتعزيز الأمن المائي في المنطقة في ظلّ التّغيرات المناخية المتسارعة، حيث ترتبط به أهمّ الخزّانات الفرعية في البلدان الثّلاث على غرار حوض وادي ميا (الجزائر)، الأحواض الموجودة في شمال غرب ليبيا وجنوب تونس.كما يشكّل أساساً لدعم الاستقرار الزّراعي في واحات بسكرة، ورقلة وتقرت في الجزائر، الجنوب التّونسي والجبل الأخضر في ليبيا.
الشّكل رقم 01: التّركيبة الهيدرولوجية لطبقات المياه الجوفية لحوض الصّحراء الشّمالي الغربي
المصدر: 2023, p.147):(Hafid
2- ترتبط هذه الشّبكة الهيدرولوجية بتحقيق المتطلبات الاجتماعية والتّنموية في المنطقة، فهي مصدر لتلبية الاحتياجات المائية اليومية لحوالي 5 ملايين نسمة من السّكان المحليين في الدّول الثّلاث على مساحة 1 مليون كم2، فضلاً عن دورها في استدامة التّنمية في المناطق الصّحراوية في مختلف القطاعات الطّاقوية والصّناعية، تعزيز الأمن الغذائي واستصلاح الأراضي الفلاحية الصّحراوية، فالعديد من المشاريع الزِّراعية الكبرى تعتمد على موارد هذا الحوض مثل القطب الفلاحي وادي سوف في الجزائر الّذي يعتمد على المياه الجوفية في استصلاح الأراضي الزِّراعية وريّ المحاصيل ويقوم بتشغيل نسبة 44 %من اليد العاملة بالمنطقة، بالإضافة إلى مشروع النّهر الصِّناعي العظيم في ليبيا الّذي تمّ إنشاؤه سنة 1983، وتشكِّل المياه الجوفية في ليبيا المورد الأساسي في البلاد، إذ تساهم بنسبة 95 % من إجمالي موارد المياه المتاحة وطنياً (4670 مليون متر مكعب)، يستهلك القطاع الزراعي منها حوالي 83.2 % عام 2020، وتتوزع عبر خمس خزانات جوفية هي: الكفرة والسّرير، المنطقة الجنوبية، الجفارة والحماده الحمراء، الجبل الأخضر وحوض سرت، وتحتّل ليبيا المرتبة السّادسة من بين أكثر الدّول التّي تعاني من الإجهاد المائي على المستوى العالمي، مع توقع حالات الجفاف كلّ 5 سنوات. وتُقدّر الكميات المستغلة من المياه الجوفية للحوض الصّحراوي الشّمالي بنحو 2.2 مليار متر مكعب، منها 1.33 مليار في الجزائر، 0.55 مليار في تونس و0.90 مليار في ليبيا. (أبو راوي اشتيوي:2025، ص ص.165-167).
ثانياً- ميكانيزمات الإدارة التّشاركية للحوض: من التّنسيق التّقني إلى الإدارة المستدامة بواسطة آلية التّشاور الدّائمة
تُعرَّف الميكانيزمات في علم الإدارة بأنّها: “الأدوات والأساليب التّي تُستخدم لتحويل الأهداف والخطط النّظرية إلى نتائج ملموسة على أرض الواقع”، وبناءً عليه، فقد سعت الدّول المغاربية الثّلاث (تونس، الجزائر وليبيا) إلى اعتماد خطّة NWSAS منذ ما يقارب 30 سنة في اجتماع عُقِد في الفترة من 8 إلى 10 سبتمبر 1997 في تونس العاصمة، وبموجبها تمّ اعتماد البرنامج وتحديد أهمّ بنوده والتّأكيد على ضرورة تبادل المعلومات حول استغلال المياه الجوفية المشتركة في المنطقة، ويندرج هذا التّوجه في مجال الهيدروبوليتيكس ضمن نمط السّيطرة المشتركة Shared control وهو إطار تعاوني يتِّم تحت قيادة جماعية تضع في عين الاعتبار وجود مساواة فعلية في السّيادة بين الدّول من أجل استخدامٍ عادلٍ ومنصفٍ مدفوعٍ بواجب التّشارك في استغلال المياه الجوفية العابرة للحدود، على عكس نمط السّيطرة الخلافية التّنافسية Competitive cut threat التّي تتم في إطار تنافسي عنيف بين الأطراف المتنازعة وتهدف إلى تحقيق الهيمنة المائية (حالة النّزاع المائي المصري الإثيوبي).(الشّافعي: 2021، ص. 22)
وقد اتّسمت الإدارة التّشاركية الثّلاثية متعدِّدة المراحل للمشروع بمايلي:
-غَلَبة طابع التّنسيق التّقني الثّلاثي في المرحلة الأولى من إطلاق المشروع (1997-2002)، حيث تمّ الاعتماد على وضع خطط دون تفعيل استراتيجيات ميدانية واضحة للتّنفيذ، وأُسنِدت مهام إدارته إلى مرصد السّاحل والصّحراء OSS باعتباره الوكالة التّنفيذية للمشروع والتي تتكون من ممثلي البلدان الثلاثة (مقرُّها في تونس)، كما تمّت الاستعانة بفرق عمل فنية في كلّ دولةٍ لجمع البيانات ونقلها إلى مقر المشروع. تركّزت جهود الدّول الأعضاء في هذه المرحلة على “تحسين المعرفة”knowledge improvement بحجم ونوعية إمكاناتها من الموارد المائية الجوفية وتحديد امتداداتها الجيومترية، وذلك من خلال التّأكيد على ضرورة تفعيل عملية الرّصد والتّقييم على المستوى الوطني أولاً، ثمّ الانتقال إلى عملية النّمذجة الرّياضية والتّكميم NWSAS Modeling في إطار مشروع ثلاثي -تحت إشراف مرصد السّاحل والصّجراء -يستهدف بناء قاعدة معلومات لتوحيد البيانات الهيدرولوجية التي ستشكّل الأساس التّقني المرجعي للتّعاون المتبادل بين الدّول الثّلاث، وقد انتهت هذه المرحلة التّأسيسية بتواصل عملية الرّصد والتّقييم الدّوري في سياق وطني روتيني ركّز على التّحذير من مخاطر السّحب العشوائي للمياه الجوفية العابرة للحدود، دون القدرة على وضع بروتوكول واضح لجمع البيانات الدّقيقة بسبب عدّة صعوبات ذات طابع تقني، مالي وإداري أبرزها غياب الإطار القانوني والمؤسسي الملزِم (MEWINA :2014,pp. 3-4)
– الانتقال إلى إنشاء آلية التّشاور Consultation Mechanism في المرحلة الثّانية من تطور المشروع (2002-2024)، وقد تمّ ذلك بناءً على اتّفاق بين الدّول الأعضاء(الجزائر، تونس وليبيا) في 19-20 ديسمبر 2002 على هامش اجتماع منظمة الأغذية والزّراعة (الفاو) في العاصمة الإيطالية روما، وأصبحت هذه الآلية هيكلاً تنظيمياً شبه مؤسسي دائم بعد مصادقة وزراء الموارد المائية عليه في الدّول الثّلاث في 2006، ثمّ إعادة تسميتها عام 2008 ب”آلية التّشاور الدّائمة” وتحديد هدفها في الإدارة التّشاركية المستدامة للمشروع وفق: عقد اجتماعات دورية للِّجان المشتركة، توزيع المهام فيما بينها، تقديم تقارير دورية وتبادل المعلومات بشفافية، رصد حالة استخدام الطّبقات الجوفية ومراقبة أعمال الحفر غير القانوني لضمان التّوزيع العادل للمياه الجوفية ومنع استنزافها.( MEWINA :2014 , p.13)
اتّسمت هذه الفترة بإنشاء شبكات رصد مشتركة لجرد جميع نقاط المياه الجوفية بالاعتماد على مؤشرات رصدNWSAS monitoring indicators – WP 1300 ، واعتماد نماذج المحاكاة للتّنبؤ والتخّطيط المتوقَعة في الفترة من 2000-2050، كما تمكنّت الجزائر في هذه المرحلة من رقمنة استغلال الحوض الجوفي الصّحراوي بالاشتراك مع مرصد الصّحراء والسّاحل للتّجاوب مع مطلب تحيين قاعدة البيانات الموحدة (MEWINA :2014,P.24) ، أضف إلى ذلك دور التّحفيز المالي للمشروع من قِبل الشّركاء العلميين الدّوليين على غرار منظمة الأمم المتحدة للتّربية والعلوم والثّقافة (اليونسكو)، المركز العربي لدراسات المناطق القاحلة والأراضي الجافة ACSAD)، المعهد الفيدرالي الألماني لعلوم الأرض والموارد الطبيعية BGR)، وشركاء التّعاون بما في ذلك البنك الدّولي، الاتحاد الأوربي، منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة(FAO)، الصّندوق الدوّلي للتّنمية الزِّراعية التّابع للأمم المتحدة (IFAD)، وكالة التّنمية والتعّاون السّويسريةDDC-Suisse، هيئة المساعدات البيئية العالمية وهيئة المساعدات البيئية الفرنسيةFGEF بالإضافة إلى هيئة المساعدات الافريقية للمياه(AWF) ، تقوم هذه الجهات بتقديم الدّعم المالي لآلية التّشاور الدّائمة من خلال الاشراف على البحوث والدّراسات المشتركة، وضع بروتوكولات تبادل البيانات وتطويرها، العمل على تحديد المناطق المعرضة للخطر وتقديم المقترحات المناسبة لذلك. (السّيد حسين: 2022، ص ص. 98-99).
– إضفاء البعد السّياسي على الإدارة المستدامة للمشروع، وهو ما يتضّح خلال المرحلة الثّالثة في المسار التّطوري له ابتداءً من تاريخ 24 أفريل 2024 حيث تمّ التّوقيع على الاتفاقية الخاصّة بإنشاء آلية التّشاور حول المياه الجوفية المشتركة بين الجزائر، ليبيا وتونس على مستوى الصّحراء الشّمالية في مقرها الدّائم الجديد بالجزائر وفقًا للمرسوم الرّئاسي رقم 24- 379 الصّادر في العدد 80 للجريدة الرّسمية، وهي استجابة لمخرجات القمة الثّلاثية المغاربية التّي جمعت رؤساء الدّول الثّلاث في لقاء قرطاج بتونس بتاريخ 22 أفريل 2024، وقد تمّ التّوقيع على هذه الآلية الجديدة من قِبل وزير الرّي الجزائري طه دربال، وزير الفلاحة والموارد المائية والصّيد البحري التّونسي عبد المنعم بلعاتي ووكيل وزير الموارد المائية اللّيبي محمد فرج قنيدي.
من أهمّ الأبعاد والدّلالات التّي تحملها هذه المبادرة الجديدة:
– دور الإرادة السّياسية في تكريس خطّة عمل جديدة لاتخاذ القرارات المشتركة وتعميق مبدأ الإدارة التّكاملية للمياه الجوفية العابرة للحدود في الدّول الأعضاء، وهو العامل الّذي يمكنه أن يقدّم دفعا قويا لعملية التّكامل الفوق وطني في هذا القطاع الاستراتيجي المرتبط بتحقيق الأمن القومي مع احترام مبدأ سيادة كلّ دولة على مياهها الجوفية.
-التّوجه نحو إنشاء إطار مؤسسي وقانوني داعم للتّعاون الإقليمي المائي المشترك كإجراء استباقي لمنع تفاقم التّحديات المناخية والبيئية في المناطق الحدودية للدّول الثّلاث، واعتماد هيئة عليا تحت إشراف وزراء الموارد المائية والرّي ممّا يعتبر نقلة نوعية في مجال العمل الإقليمي المشترك.
-التّركيز على دور الإدارة التّشاركية النّاجعة للمياه الحدودية الجوفية في تحقيق متطلبات التّنمية المستدامة والعدالة التّوزيعية للأجيال، ومن ثمَّ الانتقال إلى مرحلة حوكمة هذا المورد الاستراتيجي الثّمين على المدى المتوسط والبعيد من خلال حرص الاتفاقية على التّعمق في رصد وتقييم حجم ونوعية هذه الموارد وتكثيف التّنسيق التّقني والسّياسي والإداري بين الأعضاء.
وعليه، ورغم اعتبار آلية التّشاور الدّائمة إطاراً تنسيقيًا غيرَ ملزم أكثر من كونها جهازاً تنفيذياً حقيقياً، غير أنّه يمكن اعتبار مخرجات هذه المرحلة الأهمَّ في مسار مشروع إدارة المياه الجوفية العابرة للحدود بين الجزائر، تونس وليبيا، وهي بمثابة اعتراف رسمي والتزام سياسي مبدئي بالحاجة إلى تعاون تقني ومعلوماتي معمق لتحقيق الاستدامة المائية في المنطقة في ظلِّ التّحديات المناخية المتفاقمة، على أن يُكلَّل ذلك برهانات مستقبلية ترتكز على تكثيف الجهود للتّحول نحو سرعة التّنفيذ الميداني واستكمال مأسسة هذا المسار وتقنينه وفق ضوابط واتفاقيات قانونية مُلزِمة تعكس مستوى التّنسيق الاقليمي الدّائم وقوة القرار التّشاركي.
ثالثًا- التّحديات المعيقة للإدارة المشتركة لحوض الصّحراء الشّمالي الغربي:
تواجه الإدارة المشتركة للموارد المائية الجوفية العابرة للحدود في المنطقة المغاربية مجموعة من التّحديات والقيود التّي يمكن اختصارها فيمايلي:
1.3- التّحديات التّقنية والبيئية:
1- ظاهرة الإجهاد المائي الّذي تعاني منه كلّ الدّول المغاريية في العشرين سنة الماضية، وهو ما أدّى إلى ارتفاع وتيرة استنزاف الموارد المائية الجوفية غير المتجدِّدة والاستهلاك المفرط لها Over exploitation بسبب التّغيرات المناخية المتسارعة. فضلاً عن ذلك، فإنّ استخراج المياه بكميّات أسرع من معدّل إعادة التّغذية يؤدي إلى انخفاض منسوبها Overdraft، وانهيار الطّبقات الجوفية ممّا يجعلها غير قابلة لإعادة التخزين، ومن أمثلة ذلك اعتماد النّهر الصّناعي في ليبيا على مياه الخزانات الجوفية الخمس، حيث تمّ نقل ثلثي المياه إلى شمال البلاد حيث التّمركز السكاني الأكبر (أبو راوي اشتيوي:2025، ص.168)، واستعماله في ريّ ما يزيد عن 300ألف هكتار من الأراضي الزّراعية وتربية أكثر من 3 ملايين رأس من الماشية (سعد: 2015، ص.521)
2-تراجع نوعية وجودة المياه الجوفية بسبب ملوِّثات طبيعية جيولوجية المنشأ تتمثل أساساً في ارتفاع درجة الملوحة العالية لا سيما في بعض المناطق التّونسية القريبة من مدن قابس، توزر وقفصة جنوبًا (Hafid:2023, p138) كما أثبت تحليل المكونات الرئيسية لنظام الخزان الجوفي في ورقلة (الجزائر) المتكوِّن من كلوريد الصّوديوم وكلوريد كبريتات الكالسيوم وجود ارتباط قوي بين هذه التّركيبة وذوبان الملح الصّخري، ممّا يدعم فرضية انحلال هذه الترّسبات البخارية في مياه طبقات المياه الجوفية ويؤدِّي إلى آثار سلبية على إنتاج المحاصيل (Hafid :2023 , P 145) ، كما أدّى الإفراط في استخدام المياه الجوفية في ليبيا إلى تسرب مياه البحر لخزاناتها وارتفاع نسبة الملوحة في المدن السّاحلية كطرابلسsea salt intrusion . (أبو راوي اشتيوي: 2025، ص.176).
3-تفاقم مشكلة تلوث المياه الجوفية بسبب الاستخدام الصّناعي للنّفايات الكيميائية السّامة، والاستخدام الزّراعي المفرط للأسمدة والمبيدات التي تحتوي على مركبات الفوسفور والنّيتروجين وتسرب مياه الصّرف الصّحي، كما تنتشر مخاوف من تداعيات استخراج الغاز الصّخري على تسريع استنفاذ احتياطات المياه الجوفية الموجودة في الخزان الجوفي الألبي، بحكم اعتماد عملية الاستخراج على مجموعة من المواد الكيماوية التّي تقوم بعملية تكسير هيدروليكي للطّبقات الجوفية، بالإضافة إلى مشاكل بيئية وتقنية أخرى على غرار مشكل هبوط الترّبة land subsidence ، وغياب شبكة مراقبة مائية دقيقة.
2.3- التّحديات السّياسية والقانونية:
1-تضارب السِّياسات الوطنية والتّحفظ على تقديم البيانات الدّقيقة المتعلقة بالمجرى المائي الخاص بكلّ دولة عضو، وهو ما يُعزى عادةً لتفاوت القدرات المؤسساتية لكلّ دولة في إحصاء ورصد المعلومات الخاصة بمواردها المائية بدقّة، بالإضافة إلى أسباب سياسية وأمنية متعلِّقة بحساسية موضوع السِّيادة على الموارد، وهو ما ينعكس بوضوح على ضعف أداء الهيكل التّنظيمي لآلية التّشاور.
2-ضعف التّنسيق الإقليمي البيني، وعدم وجود اتفاقيات إقليمية ودولية قوية وملزمة تنظِّم استخدام المياه الجوفية المشتركة، وهو ما يؤدّي إلى ضعف سياسات الرقابة، ممّا يعيق وضع حدودٍ قانونية صارمة على كميات الضّخ، ويفتح المجال أمام استغلال هذا المورد دون ضوابط واضحة.
3-الخلافات السِّياسية المزمنة بين الدّول المغاربية من شأنها أن تؤدّي إلى نزاعات كامنة تحتاج للتّسوية، على غرار الأحواض الموجودة في المناطق الحدودية الجزائرية المغربية بين مدينتي وجدة ومغنية والتي لا تخضع لأي اتفاقيات قانونية، يتعلق الأمر بالحوض الجوفي في سهل انكاد وجبل الحمراء الذي يستخدم لتأمين مياه الشّرب لسكان المنطقة الحدودية ويقدّر الوارد السّنوي منه 7-9 ملايين متر مكعب، وحوض بني مطهر (43 مليون متر مكعب في السّنة) الذي يعمل على توفير مياه الشّرب لسكان منطقتي جرادة بني مطهر.
4-الأوضاع الأمنية في ليبيا منذ بداية الحرب الأهلية عام 2011 وأثرها على تدمير البنية التّحتية لهذا القطاع الحيوي، فقد خلّفت الهجمات المتكرِّرة على النّهر الصّناعي خروج حوالي 190 بئرا عن الخدمة، وتفاقم أزمة انقطاع المياه في عديد المدن اللّيبية (أبو راوي اشتيوي:2025، ص.175).
3.3- التّحديات المالية:
1- ضعف تعبئة الموارد المالية اللّازمة لتنفيذ برامج تنمية وإدارة المياه الجوفية الحدودية، مع عدم وجود معلومات دقيقة حول نسبة المساهمة المالية المقدَّمة من قِبل كلّ عضو ودرجة الانتظام في الالتزام بذلك، وقد تمّ تقدير الميزانية المخصّصة للمشروع سنة 2006 بمبلغ 100.000 أورو مع الأخذ بعين الاعتبار الدّعم المالي الّذي تقدّمه الهيئات الاقتصادية والعلمية المانحة لوحدات مرصد الصّحراء والسّاحل (MEWINA :2014, P.23)
2-تفاوت القيمة الاستخراجية للمياه الجوفية من دولة ِلأخرى وفقاً لمدى عمق هذه الطّبقات وحجم التّكاليف المخصصة لذلك، فتكلفة استخراج المياه الجوفية في تونس مثلاً مرتفعة بحكم العجز الطّاقوي، وهو ما فاقم من الاستغلال العشوائي غير المرخص به قانونا للآبار العشوائية على عمق 10 آلاف متر، وأدّى إلى تسجيل ارتفاع هذه الظّاهرة من 23.061 عام 1983 إلى 86.965 عام 2000 بمعدل 19% سنوياً.
خاتمة:
إنّ تحقيق الأمن المائي المستدام في المنطقة المغاربية كمطلب استراتيجي بعيد المدى لا يتأتّى إلّا بإدارةٍ تشاركيةٍ مستدامةٍ وناجعةٍ وفق ميكانيزمات مدروسة من شأنها تحويل القضية من هاجسٍ أمني ناتجٍ عن التّهديدات المرتبطة بالتّغيرات المناخية إلى عامل تنمية واستقرار سياسي وسوسيو اقتصادي، ومن عامل صراعٍ كامنٍ إلى عامل تعاون وتكامل إقليمي يمكن أن يجعل من مشروع إدارة المياه الجوفية الحدودية بين الجزائر، تونس وليبيا نموذجاً يُحتذى به في منطقة شمال إفريقيا، وذلك من خلال ضرورة الانتقال من مرحلة التّنسيق والتّشاور إلى مرحلة التّسيير الميداني المشترك، ومن ثمّة حتمية الانتقال إلى الطّابع الحوكمي المرتكز على إلزامية التّرتيبات القانونية والمؤسسية القائمة على الثّقة والشّفافية في تبادل المعلومات والبيانات، مدعومةً بالإرادة السِّياسية وإشراك كافة الفواعل الحكومية وغير الحكومية في إنجاح العملية، وأبعد من ذلك ينبغي مقاربة الموضوع من زاوية مركبة متعدّدة التّخصصات لا تهمل أيضاً الأبعاد الأخلاقية للموضوع والتّي تعتبر الحفاظ على الماء كمورد استراتيجي ثمين واجباً أخلاقياً ووطنياً ومسؤوليةً جماعيةً مشتركةً، تستهدف على المدى الطّويل ضمان العدالة المائية الجيلية وتحقيق التّنمية الإنسانية المستدامة.
التّوصيات:
–على المستوى القانوني:
– ضرورة الانتقال من الطّابع التّنسيقي والتّشاوري غير الإلزامي إلى إطار قانوني ملزِم من خلال التّصديق الثّلاثي على اتفاقية قانونية تعمل بالتّنسيق مع القوانين والتّشريعات المائية الدّاخلية للدّول الأعضاء، وتنصُّ على تحديد حصص مستدامة للسّحب، فرض نظام التّراخيص، العقوبات والغرامات وضوابط لضخ المياه الجوفية العابرة للحدود.
-على المستوى السّياسي:
-مأسسة الإطار التّنظيمي للمشروع عبر ترتيبات مؤسسية وقانونية لتبادل المعلومات البينية لإنجاح الإدارة التّشاركية العابرة للحدود.
-التّوجه نحو بناء حوكمة مائية إقليمية تتجاوز الإدارة التّشاركية للحوض الصّحراوي الشّمالي إلى شراكة مغاربية أشمل ضمن مقاربة تكاملية تعتمد مبدأ “الماء كعنصر تكامل لا صراع”، من خلال رؤية تنموية مشتركة طويلة المدى، تشمل البحث عن الآليات الفعالة لحلّ النزاعات المزمنة وتبنّي إطار إقليمي شامل للأمن المائي.
-تعزيز دور الدّبلوماسية المائية في التّصدي للتّهديدات المناخية الجديدة في المنطقة على غرار اللجوء البيئي، الجفاف والتّصحر، واعتبارها أداة لتقديم حلول استباقية للصّراعات المرتبطة بندرة الموارد، ولتحقيق التّوازن التّنموي في الأقاليم والمناطق الجهوية.
-على المستوى المالي:
-إنشاء صندوق تمويل مشترك من قِبل الدّول الأعضاء للمشاريع المتعلقة بإدارة الحوض الصّحراوي الشّمالي الغربي، وتشجيع الشّراكة بين القطاع العام والخاص على المستوى الوطني لإدارة المشاريع المائية.
-على المستوى التّكنولوجي:
-دور أنظمة الذّكاء الاصطناعي في اعتماد نظام معلومات جغرافية مشترك (GIS) لرصد وتقييم ومراقبة استغلال المياه الجوفية العابرة للحدود، من خلال استعمال التّقنيات التّكنولوجية عبر الأقمار الصناعية، تطوير نظم الرّصد والاستشعار عن بعد، وتطوير البدائل غير التّقليدية كإعادة تدوير المياه المعالجة، دور الطّاقات المتجددة في تقليل تكلفة مشاريع الضّخ وإنشاء محطات تحلية جديدة.
-دور الذّكاء الاصطناعي في توفير الإمكانات لبناء قاعدة بيانات متكاملة، وإنشاء منصة رقمية مغاربية مشتركة للمياه الجوفية لتسهيل الوصول إلى البيانات الدّقيقة، وتمكين الجهات المسؤولة والباحثين من الاطلاع عليها لتسهيل صنع وتوجيه السّياسات العامة المائية.
-على المستوى العلمي والثّقافي:
-تكثيف البحوث والدّراسات الأكاديمية العابرة للتّخصصات في مجال دراسات الهيدروبوليتيكس كبرنامج بحثي مرتبط بالسّياسات المائية للدّولة، وإنشاء مراكز بحوث ودراسات مائية مغاربية مشتركة.
– إدراج قضايا الاستدامة المائية ضمن المقرَّرات والمناهج الدّراسية، وإشراك المجتمع المدني والفاعلين غير الحكوميين والجامعات ضمن آليات مؤسسية للمراقبة والتّقييم في مقاربة تكاملية تجمع الإرادة السِّياسية بالثّقافة المدنية، وهو ما من شأنه رفع مستوى الوعي البيئي وتحويل سلوك المواطن من سلوك استنزافي للثّروة المائية إلى سلوك اقتصادي واعٍ يقدِّر أهمية الحفاظ على هذا المورد الاستراتيجي الحيوي لاستمرارية الحياة.
قائمة المراجع:
أولاً – باللّغة العربية:
أ-الوثائق القانونية والتّقارير الرّسمية:
- الجريدة الرّسمية للجمهورية الجزائرية (2024): المرسوم الرّئاسي المتضمن التّصديق على اتفاقية إنشاء آلية التّشاور الدّائمة للمياه الجوفية في حوض الصّحراء الشّمالية، ع.80.
- 2. الجمعية العامة للأمم المتحدة (2008)، مشروع القرار المتعلق بقانون طبقات المياه الجوفية العابرة للحدود، الدّورة 68.
- 3. اللّجنة الاقتصادية والاجتماعية لغربي آسيا ESCWA (2022): تقرير المياه الجوفية في المنطقة العربية.
ب – الكتب:
4-الشّافعي، بدر حسن (2021): مصر وإثيوبيا وصراع الهيمنة على حوض النّيل: سدّ النهضة نموذجاً، الدّوحة، مركز الجزيرة للدّراسات.
ج-المقالات:
5-أبوراوي اشتيوي، فتيحة منصور (2025): واقع الأمن الغذائي في ليبيا في ظلّ تحديات تحقيق الأمن المائي، مجلة القرطاس، ع.26، المجلد 05.
6-بن لدرع، أ (2025): الأمن المائي في العالم: هاجس متزايد، مجلة الجيش، ع.740.
7-بوجليدة، أ(2025): أزمة المياه: تهديد للأمن الشّامل، مجلة الجيش، ع.740.
8-السّيد حسين، محمّد الحسين (2022): تسوية منازعات المياه الجوفية العابرة للحدود، مجلة الباحث العربي، المجلد .03، ع. 02.
9- سعد، أحمد إبراهيم (2015): تحديات الأمن المائي العربي، مجلة جامعة دمشق، المجلد. 31، ع. 1&2.