اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند: خطوة جديدة نحو نظام تجاري عالمي متعدد الأقطاب

  • بعد مفاوضات طويلة، أبرم الاتحاد الأوروبي والهند، في أواخر يناير 2026، واحدةً من أهم اتفاقيات التجارة الحرة الثنائية في هذا العقد، حيث يُمثِّل اقتصاد الطرفين ربع الناتج المحلي الإجمالي العالمي. 
  • من شأن تطبيق بنود الاتفاقية في إزالة الحواجز التجارية وفتح آفاق جديدة للتصدير أن يخلق أكبر منطقة تجارة حرة في العالم تضم ملياري مستهلك، وأن يُعزز بنية نظام عالمي تجاري متعدد الأقطاب. وربما يفتح المجال أمام المزيد من الاتفاقيات التجارية الشاملة بين الاقتصادات الكبيرة ذات مستويات التنمية المختلفة. 
  • من المرجح أن تُعزز الاتفاقية الاستقلال الاستراتيجي لكلٍّ من الهند وأوروبا. كما أنها ستُرسِّخ مكانة أوروبا بقوة أكبر في المسار الاقتصادي والاستراتيجي طويل الأمد للهند، وتجعل الهند الشريك الأهم للاتحاد الأوروبي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ خارج الإطار التقليدي عبر الأطلسي.
  • عبر تعميق البصمة الاقتصادية والاستراتيجية لأوروبا في جنوب آسيا والمحيط الهندي، تُغيِّر الشراكة الهندية-الأوروبية بشكلٍ غير مباشر معادلات القوة الإقليمية، وتُقدِّم ثقلاً موازناً غير قسري للنفوذ الصيني، وتُقلِّل من منطق التنافس الثنائي بين الولايات المتحدة والصين.

 

في 27 يناير 2026، اختتم الاتحاد الأوروبي والهند مفاوضاتهما بشأن اتفاقية التجارة الحرة، والتي تُعدّ من أهم اتفاقيات التجارة الثنائية في هذا العقد. وقد جاءت هذه الخطوة بعد مسار تفاوضي طويل وشائك، وفي سياق جيوسياسي عالمي متغيّر يتسم بتوترات تجارية وإعادة هيكلة سلاسل التوريد وتزايد التعددية القطبية والتنافس الاستراتيجي بين القوى الكبرى. لذلك يسعى الطرفان إلى تحقيق التوازن بين المصالح الاقتصادية والضرورات الاستراتيجية، وتعزيز أهمية التجارة القائمة على القواعد في وقت تتعرض فيه الحوكمة العالمية لضغوط كبيرة.

 

تُحلِّل هذه الورقة السياقات والدوافع التي أثمرت هذا الاتفاق، وتداعياته على التجارة العالمية، وتأثيراته الجيوسياسية.

 

الخلفية والسياق

بدأت المفاوضات بشأن اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند في عام 2007، لكنها توقفت في عام 2013 بسبب اختلاف الأولويات الاقتصادية والقطاعات الحساسة، ولاسيما قطاع الزراعة. ثم استؤنفت المحادثات رسمياً في يونيو 2022، واكتسبت زخماً جديداً نتيجة تغير ديناميكيات التجارة العالمية والمصالح الاستراتيجية المشتركة. فعلى مدى العقد الماضي، تحولت التجارة العالمية إلى ساحة صراع، لاسيما بعد تبنّي الولايات المتحدة بشكل متزايد سياسات وتعريفات حمائية في الأسواق الرئيسية، مما أدى إلى وضع الحواجز أمام الشركاء التجاريين، بما في ذلك الهند وأوروبا. ودفع الصعود الاقتصادي للصين، إلى جانب الطموحات الاستراتيجية في مجال التكنولوجيا وسلاسل التوريد، العديد من الاقتصادات إلى إعادة التفكير في اعتمادها التجاري. وأبرزت جائحة كوفيد-19، والأزمة المستمرة في أوكرانيا، واضطرابات البحر الأحمر مواطن الضعف في سلاسل التوريد العالمية.

 

في هذا السياق، تبنّى كلٌّ من الاتحاد الأوروبي والهند فكرة الاستقلال الاستراتيجي، أي القدرة على اتخاذ قرارات سيادية بمعزل عن أي تأثير غير مبرر من القوى المهيمنة. بالنسبة للاتحاد الأوروبي، يعني هذا التوازن بين واشنطن وبيجين، أما بالنسبة للهند، فيعني تحقيق التوازن في العلاقات مع القوى الغربية وروسيا والصين دون تحالفات رسمية. لذلك يُصوِّر كلا الطرفين الاتفاقية على أنها دفاع عن التعددية والتجارة القائمة على القواعد، في وقتٍ تواجه فيه مؤسسات عالمية مثل منظمة التجارة العالمية والأمم المتحدة، ضغوطاً على شرعيتها.

 

ويُعَد نطاق الاتفاقية تاريخياً وغير مسبوق، أولاً بسبب العدد الهائل من المستهلكين الذين قد يتأثرون بها، إذ يبلغ عدد سكان الطرفين مجتمعين حوالي ملياري نسمة، و25% من الناتج المحلي الإجمالي العالمي. علاوة على ذلك، تشمل التخفيضات الجمركية المزمع تطبيقها أكثر من 90% من السلع والخدمات المتداولة حالياً بين الهند والدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي.

 

على المدى البعيد، قد تُصبح الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبي والهند محوراً للاستقرار في السياسة العالمية (شَترستوك)

 

بالنسبة للاتحاد الأوروبي، تُمثِّل الهند سوقاً سريع النمو، من المتوقع أن يكون أحد أكبر الاقتصادات في العالم، وكذلك عائداً ديموغرافياً يوفر عمالة ماهرة وقاعدة استهلاكية متنامية، وأيضاً شريكاً استراتيجياً في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، حيث يحاول الاتحاد تعزيز حضوره. من الناحية الاقتصادية، يُعد الاتحاد الأوروبي أحد أكبر الشركاء التجاريين للهند، حيث بلغت قيمة تجارتهما في السلع 120 مليار يورو في عام 2024، أي ما يعادل 11.5% من إجمالي تجارة الهند. وتأتي الهند في المرتبة التاسعة بين أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد، إذ بلغت حصتها 2.4% من إجمالي تجارة أوروبا في السلع في عام 2024، متأخرةً بذلك عن الولايات المتحدة (17.3%)، والصين (14.6%)، والمملكة المتحدة (10.1%). وقد شهدت التجارة في السلع بين الاتحاد الأوروبي والهند نمواً بنسبة تقارب 90% في خلال العقد الماضي. فيما بلغت التجارة في الخدمات 59.7 مليار يورو في عام 2023 (مع صادرات الاتحاد الأوروبي بقيمة 26 مليار يورو). وبلغت حصة الاتحاد من إجمالي الاستثمار الأجنبي المباشر في الهند 140.1 مليار يورو في عام 2023، مقارنةً بـ 82.3 مليار يورو في عام 2019، مما يجعله من أبرز المستثمرين الأجانب في الهند. أما قيمة الاستثمار الأجنبي المباشر الهندي في الاتحاد الأوروبي فقد بلغت 10.3 مليار يورو. كما يوجد في الهند حوالي 6000 شركة أوروبية.

 

من الناحية الجيوسياسية، ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الهند بوصفها شريكاً مكملاً يمكنه المساعدة في تنويع مصادر المدخلات والسلع، وخاصة في قطاعات مثل الأدوية والآلات، في ظل احتمالات تعطل سلاسل التوريد بسبب الصراعات وتقلبات السياسات التجارية الأمريكية. ومن وجهة نظر بروكسل، تؤدي اتفاقية التجارة الحرة أيضاً وظيفة رمزية، حيث تُظهر أن الاتحاد الأوروبي قادر على إبرام صفقات استراتيجية كبيرة وترسيخ مكانة الهند ضمن شبكة من القوى التي تدعم التجارة المفتوحة والأنظمة القائمة على القواعد.

 

أما بالنسبة للجانب الهندي، فتُحقِّق الاتفاقية التجارية مع الاتحاد الأوروبي استراتيجية التوزان الرامية إلى تقليل الاعتماد على الولايات المتحدة والصين. وتوفر وصول تفضيلي إلى أسواق الدخل المرتفع لقطاعات مثل المنسوجات والجلود والأدوية، وهي قطاعات كثيفة العمالة ومحورية لطموحات الهند الاقتصادية والتوظيفية. فضلاً عن دعم هدف إدارة ناريندرا مودي الأوسع المتمثل في أن تصبح قوة اقتصادية عالمية رائدة. كما يتزامن توقيت الاتفاقية مع جهود الهند لجذب الاستثمار الأجنبي المباشر إلى قطاعات التصنيع المتقدم والخدمات والتكنولوجيا، وهي مجالات بالغة الأهمية لمبادرة “صنع في الهند“.

 

ومن الناحية الجيوسياسية، تسعى الهند إلى تجاوز تكاليف السياسات التجارية الحمائية الأمريكية؛ حيث أدت الرسوم الجمركية الأمريكية إلى تقويض القدرة التنافسية للهند في فئات التصدير الرئيسة. وتوفر اتفاقية التجارة الحرة مع الاتحاد الأوروبي توازناً يساعد المصدّرين الهنود على الاحتفاظ بحصتهم في السوق العالمية واستكشاف مسارات جديدة للنمو. كما سيؤدي خفض الحواجز التجارية إلى تمكين المصنّعين الهنود من الحصول على سلع وسيطة أوروبية عالية الجودة بتكاليف أقل، مما يعزز القدرات التصنيعية المحلية ويدمج الهند في قطاعات ذات قيمة أعلى من سلاسل القيمة العالمية. كما تُركز السياسة الخارجية الهندية على تعدد التحالفات، وتُكمِل اتفاقية الاتحاد الأوروبي انخراط الهند الأوسع مع رابطة دول جنوب شرق آسيا (آسيان) ودول الخليج العربي وغيرها من الأسواق الرئيسة، مما يعزز مكانتها بوصفها مركزاً محورياً في الاقتصاد العالمي.

 

مضمون الاتفاقية

تتوزع أهم بنود الاتفاقية على ثلاثة مجالات رئيسة:

 

1) التجارة

تُقِرّ الاتفاقية إلغاء الاتحاد الأوروبي الرسوم الجمركية على أكثر من 90% من بنود التعريفة، و91% من حيث القيمة. أما الهند، فستُلغي الرسوم الجمركية على 86% من بنود التعريفة، و93% من حيث القيمة. علاوة على ذلك، سيُحرر الجانبان جزئياً عدداً كبيراً إضافياً من بنود التعريفة، ليصل إجمالي تغطية تحرير التجارة إلى 96.6% للهند، و99.3% للاتحاد الأوروبي.

 

ومن المتوقع أن يكون للاتفاقية تأثير إيجابي قوي على اقتصاد الاتحاد الأوروبي، حيث تُقدَّر الزيادة المتوقعة في صادرات السلع السنوية من الاتحاد إلى الهند بحلول عام 2032 بحوالي 107.6%، فيما ستوفر الرسوم الجمركية للمصدّرين الأوروبيين حوالي 4 مليارات يورو سنوياً. وفي قطاع السيارات، من المقرر خفض الرسوم الجمركية على السيارات الأوروبية من 110% إلى 10%. ولن يسري هذا التخفيض إلا على مدى السنوات الخمس إلى العشر المقبلة، وسيُحدَّد سقف للصادرات الأوروبية عند 250 ألف سيارة سنوياً. أما في قطاع الطيران، فستُلغى الرسوم الجمركية، التي يبلغ متوسطها 11% ، بشكل كامل. وينطبق الأمر نفسه على الآلات والمعدات الكهربائية، حيث ينص الاتفاق على إلغاء الرسوم الجمركية، التي بلغ متوسطها 44%، في غضون 10 سنوات. أما في القطاع الزراعي، ستعزز الاتفاقية تنافسية الصادرات الزراعية الهندية مثل التوابل والفواكه الطازجة، مع حماية القطاعات الحساسة مثل الألبان، والحبوب، والدواجن لضمان مصالح المزارعين المحليين.

 

في المقابل ستُلغي الاتفاقية الرسوم الجمركية على العديد من صادرات الأغذية الزراعية الرئيسة للاتحاد الأوروبي، حيث من المتوقع أن تستفيد صادرات النبيذ والمشروبات الروحية، التي تفرض عليها الهند ضرائب بمعدل 150%، من انخفاض الرسوم الجمركية إلى 75% في خلال عشر سنوات، ثم إلى 40% بعد ذلك. كما ستمنح الاتفاقية شركات الاتحاد الأوروبي امتيازات في الوصول إلى سوق الخدمات الهندية، بما في ذلك قطاعات رئيسة مثل الخدمات المالية والبحرية.

 

وتُقدَّر التجارة في الخدمات بين الطرفين حالياً 59.8 مليار يورو، حيث بلغت صادرات الاتحاد الأوروبي 26 مليار يورو، أما الواردات فقد وصلت إلى 33.8 مليار يورو. ومع إلغاء الرسوم الجمركية للاتحاد الأوروبي البالغة 8–12%، ستشهد تنافسية قطاع النسيج الهندي نقلة تنافسية نوعية، من حيث التكلفة بشكل كبير، مما يعادل هامش التنافس مع بنغلاديش وفيتنام. وقد بلغ إجمالي صادرات الملابس حوالي 15.7 مليار دولار في عام 2024، ويظل القطاع ذو قدرة تشغيلية عالية، خاصة للنساء في المناطق الريفية وشبه الحضرية.

 

ينظر الاتحاد الأوروبي إلى الهند بوصفها شريكاً مكملاً يمكنه المساعدة في تنويع مصادر المدخلات والسلع (أ.ف.ب)

 

2) التكنولوجيا

تُخصِّص الاتفاقية قسماً للتجارة الرقمية يدمج معظم القواعد المتفق عليها بموجب مبادرة التجارة الإلكترونية المشتركة التابعة لمنظمة التجارة العالمية، ومن أهمّها أنه يتضمن قواعد بشأن حماية شفرة المصدر البرمجية، مما يحمي الشركات من الإفصاح الإلزامي عن شفرة المصدر، ويدعم الابتكار في قطاع التكنولوجيا في دول الاتحاد الأوروبي. إضافةً إلى ذلك، يتضمن هذا القسم قواعد بشأن حماية المستهلك عبر الإنترنت. كما يضمن حماية المستهلك في معاملات التجارة الإلكترونية ويحمي المستخدمين. كما تحوي الاتفاقية قسماً لحقوق الملكية الفكرية وإنفاذها، يهدف إلى تعزيز الابتكار والإبداع في الهند والاتحاد الأوروبي وتسهيل تجارة السلع والخدمات المبتكرة والإبداعية بين الهند والاتحاد، وتقليل الحواجز التجارية وتحفيز الاستثمارات بطريقة تؤدي إلى اقتصاد أكثر استدامة وشمولية.

 

وحصلت الهند على التزامات واسعة في قطاع تكنولوجيا المعلومات. كما ستلغي الاتفاقية الرسوم الجمركية على 99.1% من خطوط التجارة للأدوات والأجهزة الطبية، مما يدعم الصادرات الهندية القائمة على التصنيع المتطور والابتكار في مجالات مثل العدسات والأجهزة الطبية وأدوات القياس والاختبار. وتتضمن الاتفاقية مديات زمنية انتقالية لبعض قواعد المنشأ في قطاعي الآلات والفضاء لتشجيع مبادرة “صنع في الهند”. وتوفر كذلك إطاراً مستقراً لانتقال المواهب الهنود، حيث يمكن للهند الوصول إلى 37 قطاعاً فرعياً في أوروبا، بما في ذلك تكنولوجيا المعلومات والخدمات المهنية. فضلاً عن أنَّها تفتح فرصاً للمهنيين المستقلين في 17 قطاعاً، تشمل البحث والتطوير والتعليم العالي، مما يُعزز التجارة القائمة على المعرفة.

 

3) القواعد

تتعلق أغلب القواعد بمسائل قواعد المنشأ وإدارة المنافسة وتدابير الاعفاء الجمركي والرقابة الصحية وحقوق العمال؛ حيث اتفق الطرفان على قواعد منشأ تتوافق إلى حد كبير مع تلك الواردة في اتفاقيات التجارة الحرة الأخيرة للاتحاد الأوروبي مع أطراف أخرى. وتضمن هذه القواعد أن المنتجات التي خضعت لمعالجة كبيرة في أحد الطرفين فقط هي التي تستفيد من المزايا الجمركية المنصوص عليها في الاتفاقية. ولضمان أن يكون الجزء الجمركي من هذه الاتفاقية قابلاً للتطبيق في المستقبل، أنشأ الطرفان الأساس القانوني اللازم لتوسيع التعاون الجمركي عند الاقتضاء، بما في ذلك أمن سلسلة التوريد وتبادل البيانات الجمركية، لتعزيز إدارة المخاطر وعمليات التفتيش على الحدود.

 

وفي الجانب الصحي، ستظل جميع الواردات من الهند إلى الاتحاد الأوروبي خاضعة لقواعد الاتحاد الصارمة بشأن تدابير الصحة دون أي استثناء. وفي إدارة التنافسية، تضمن أحكام الاتفاقية لكل طرف قانون منافسة ينطبق على جميع الشركات، الخاصة والعامة، وأن يتم إنفاذه من قبل سلطة مستقلة. كما ستتيح الاتفاقية التعاون بين سلطات المنافسة، مما سيسهم في إنفاذ قانون المنافسة بفعالية. فضلاً عن قواعد تتعلق بالمساواة بين الجنسين وتمكين المرأة واحترام حقوق العمال والتزام الطرفين بالعمل معاً بشأن قضايا تغير المناخ، مثل الطاقات المتجددة أو خفض الانبعاثات في القطاع البحري والإدارة المستدامة للموارد الطبيعية، بما في ذلك الموارد البحرية والغابات.

 

التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية 

تتوزع تداعيات هذا الاتفاقية التجارية بين الهند وأوروبا إلى تأثيرات اقتصادية محتملة، وتداعيات جيوسياسية.

 

الأثر الاقتصادي

من شأن تطبيق بنود الاتفاق في إزالة الحواجز التجارية وفتح آفاق جديدة للتصدير أن يخلق أكبر منطقة تجارة حرة في العالم تضم ملياري مستهلك، وهو ما يعني بالضرورة تأثيرات مباشرة وغير مباشرة على التجارة العالمية. في وقت يشهد التبادل التجاري العالمي تجزئة متزايدة – مع ارتفاع الرسوم الجمركية وضوابط التصدير والعقوبات، والإعانات الصناعية، فإن الاتفاقية ترسل إشارة مضادة واضحة. وهذا يدل على أن الاقتصادات الكبيرة والمعقدة لا تزال قادرة على إبرام اتفاقيات تجارة حرة عميقة وشاملة حتى في ظل التوترات الجيوسياسية، وتتحدى الاعتقاد السائد بأن العولمة تتراجع بشكل لا رجعة فيه. وبالتالي من شأن الاتفاقية أن تعزز إحياء نظام تجاري عالمي متعدد الأقطاب، حيث لا تضع أي قوة منفردة القواعد بمفردها. وربما تفتح المجال أمام المزيد من الاتفاقيات التجارية الشاملة بين الاقتصادات الكبيرة ذات مستويات التنمية المختلفة. ويوفر قوة تفاوضية أكبر للاقتصادات المتوسطة والناشئة في المفاوضات المستقبلية.

 

أما الأثر الاقتصادي العالمي طويل الأجل، فإن الاتفاقية في حال تنفيذها بشكل كامل وسلس، من المرجح أن تؤدي إلى زيادة التدفقات التجارية بين اثنين من أكبر التكتلات الاقتصادية في العالم، وبالتالي تحويل أنماط الاستثمار نحو جنوب آسيا. وكذلك تشجيع المناطق الأخرى على السعي إلى إقامة شراكات عميقة مماثلة مع كلٍّ من الاتحاد الأوروبي والهند. وبمرور الوقت، قد يساعد ذلك في ترسيخ مكانة الهند بشكل أقوى في سلاسل القيمة العالمية على نطاق مماثل لشرق آسيا، مما يُعيد تشكيل جغرافية التجارة العالمية.

 

في المقابل، تزيد الاتفاقية بشكل غير مباشر الضغط على الجهات الفاعلة الأخرى؛ فقد تشجع واشنطن على إعادة النظر في اعتمادها على الرسوم الجمركية والترتيبات القطاعية المحددة لصالح أطر تجارية أوسع نطاقاً، وخاصة لتجنُّب فقدان حصة السوق في الهند لصالح الشركات الأوروبية. وقد تعزز من نفوذ الهند في مواجهة الصين من طريق توسيع نطاق وصولها إلى رأس المال والتكنولوجيا وأسواق التصدير. وقد تواجه الاقتصادات الناشئة الأخرى تآكلاً في تفضيلاتها في سوق الاتحاد الأوروبي بسبب حصول السلع الهندية على مزايا جمركية.

 

تدعم اتفاقية التجارة الحرة بين الهند والاتحاد الأوروبي أجندات الاستقلال الاستراتيجي لكلا الجانبين (أ.ف.ب)

 

التداعيات الجيوسياسية

تدعم الاتفاقية بشكل مباشر أجندات الاستقلال الاستراتيجي لكلا الجانبين الهندي والأوروبي. بالنسبة لأوروبا من المرجح أن يُقلل ذلك من التعرُّض الاقتصادي المفرط للصين عبر تعميق العلاقات مع سوق بديلة كبيرة مثل الهند. كما يُقلل من التعرُّض لعدم القدرة على التنبؤ بالتجارة الأمريكية والإجراءات خارج الحدود الإقليمية. أما الهند فمن المرجح أن تستفيد من الاتفاقية لتعزيز نفوذها في علاقاتها مع بيجين من طريق الحد من الاختلالات الاقتصادية، ودعم سياستها في تعدد التحالفات. ومن الناحية الجيوسياسية، يزيد هذا الاستقلال الاستراتيجي من القدرة على الصمود وقوة التفاوض في الأزمات الاقتصادية أو الأمنية أو الدبلوماسية.

 

الجانب الجيوسياسي الثاني والأهم للاتفاقية هو إعادة توازن القوى في منطقة المحيطين الهندي والهادئ (الإندو-باسيفيك)، حيث يُكمّل الوجود الاقتصادي الأوروبي في الهند مشاركة الاتحاد البحرية والدبلوماسية والأمنية في المنطقة. في المقابل تكتسب الهند شريكاً قوياً يشاركها المخاوف بشأن حرية الملاحة وأمن سلسلة التوريد والاستقرار الإقليمي، دون قيود التحالف العسكري الرسمي. وبالضرورة يُضعِف ذلك نفوذ الصين في المنطقة أو على الأقل يحد من توسعها السريع والجامح. وربما يخلق نظاماً أكثر تعددية في منطقة المحيطين الهندي والهادئ بدلاً من نظام تهيمن عليه المنافسة الثنائية بين الولايات المتحدة والصين. ويعزز كذلك مكانة الهند بوصفها مركزاً إقليمياً يربط بين أوروبا والشرق الأوسط وجنوب شرق آسيا.

 

أما التأثير على الولايات المتحدة، فربما يظهر في شكل ضغط على استراتيجية التجارة والتحالفات الأمريكية؛ حيث تكشف الاتفاقية بشكل غير مباشر عن ثغرات في الدبلوماسية الاقتصادية الأمريكية. ومع أن أمريكا لا تزال شريكاً أمنياً مهماً للهند، إلا أنها تفتقر إلى اتفاقية تجارية شاملة ذات عمق مماثل، وذلك من شأنه أن يُضعف الركيزة الاقتصادية للعلاقات الأمريكية الهندية مقارنة بأوروبا، ويزيد الضغط على الولايات المتحدة لإعادة النظر في موقفها الرافض لحرية التجارة إذا أرادت الحفاظ على نفوذها في جنوب آسيا.

 

وبالنسبة لدول الجنوب العالمي، فمن المرجح أن تفتح الاتفاقية الباب أمام الاقتصادات النامية الكبيرة للتفاوض على اتفاقيات عالية المستوى دون التضحية بالسيادة.

 

خلاصة واستنتاجات

تأتي اتفاقية التجارة الحرة بين الاتحاد الأوروبي والهند في لحظة ذات أهمية استراتيجية قصوى لكلا الطرفين، حيث يواجه النظام التجاري العالمي ضغوطاً غير مسبوقة. فقد عطَّلت الحمائية الأمريكية العلاقات التجارية الراسخة، ورفعت المنافسة بين القوى الرئيسة أهمية الشراكات الموثوقة، وجعلت إعادة هيكلة سلسلة التوريد في أعقاب الجائحة والصدمات الجيوسياسية التنويع أمراً ضرورياً للمرونة الاقتصادية. ومن المرجح أن ترسخ هذه الاتفاقية، في السنوات المقبلة، مكانة أوروبا بقوة أكبر في المسار الاقتصادي والاستراتيجي طويل الأمد للهند، وأن تجعل الهند الشريك الأهم للاتحاد الأوروبي في منطقة المحيطين الهندي والهادئ خارج الإطار التقليدي عبر الأطلسي.

 

وعبر تعميق البصمة الاقتصادية والاستراتيجية لأوروبا في جنوب آسيا والمحيط الهندي، تُغيِّر هذه الشراكة بشكلٍ غير مباشر معادلات القوة الإقليمية، وتُقدِّم ثقلاً موازناً غير قسري للنفوذ الصيني، وتُقلِّل من منطق التنافس الثنائي بين الولايات المتحدة والصين. وبمرور الوقت، من المرجح أن يُسهِم التعاون في مجالات مرونة سلاسل التوريد والحوكمة الرقمية وسياسات المناخ، في تشكيل المعايير العالمية بطرق تعكس نموذجاً هجيناً يجمع بين الطموح التنظيمي الأوروبي وأولويات التنمية الهندية، بدلاً من استنساخ النماذج الليبرالية الغربية أو النموذج الرأسمالي الصيني.

 

وعلى المدى البعيد، قد تُصبح الشراكة التجارية بين الاتحاد الأوروبي والهند محوراً للاستقرار في السياسة العالمية، أقل وضوحاً من التحالفات العسكرية، ولكنها أكثر ديمومة. وذلك عبر ترسيخ المصالح المشتركة في مجالات التجارة والتكنولوجيا والجغرافيا الاستراتيجية. وفي نظام دولي يتسم بشكل متزايد بالتجزئة والتكتلات التنافسية واستخدام الترابط سلاحاً، تكمُن آفاق العلاقات الهندية الأوروبية المستقبلية في قدرتها على تقديم نموذج مُغاير، لا يُعامِل التكامل الاقتصادي باعتباره غاية في حد ذاته، بل بوصفه أساساً للمرونة الجيوسياسية والنفوذ والتعاون متعدد الأقطاب.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M