الأسباب المحتملة لغياب مجتبى خامنئي، وانعكاساته على المشهد السياسي الإيراني

  • أدّى غياب القائد الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، وعدم ظُهوره إعلاميّاً، سواء بالصورة أو بالصوت، إلى فتح أبواب التكهنات بشأن وضعه الصحي، وتزايُد غموض المشهد السياسي الإيراني في ظل هذا الغياب. والمؤكد حتى الآن، أنَّه أصيب ببعض الجراح بعد محاولة اغتياله في غارة إسرائيلية في خلال الأيام الأولى من الحرب.
  • سيُفضي استمرار الغياب المفترض لمجتبى خامنئي إلى فراغ قيادي كبير في إيران، قد لا يمكن سدُّه بأيٍّ من البدائل المتبقّية في المشهد السياسي الإيراني؛ إذ إنَّه كان واحداً من خيارات قليلة جدّاً أمكنَ للأطراف المتشدّدة داخل الكتلة الصّلبة للنظام الإيراني التوصل إلى إجماع نسبي بشأنهم.
  • يبدو أنّ الفئات الاجتماعية المؤيدة للنظام الإيراني مُقتنعةٌ بأنّ مجتبى خامنئي مصابٌ بإصابات طفيفة، أو أنّه يغيبُ بداعي الحفاظ على أمنه في ظلّ التهديدات. ومن ثمَّ، فإنها قد تكون مُستعدّة للقبول بخيار “القائد الغائب”، وهو ما سيُمكّن “الحرس الثوري” من ممارسة الحكم من خلاله، وعبر الاستفادة من اسمه، وشرعيّته.
  • بينما تحاولُ جهات في “الحرس الثوري” التمهيد لاستمرار حالة غياب المرشد الجديد عن الظهور لمدة زمنية أطول، مُستعينةً في ذلك بفكرة محاكاة “الغيبة الصغرى” للإمام المهدي، لكنّ استمرار هذا الوضع يظلُّ تحدّياً كبيراً يصعبُ التّعايش معه، ويضع النظام السياسي الإيراني على مشارف أزمة وجودية.

 

يُثيرُ غياب القائد الأعلى الإيراني الجديد، مجتبى خامنئي، تساؤلات حول طبيعة الإصابة التي تعرّض لها بعد محاولة اغتياله في غارة إسرائيلية، في خلال الأيام الأولى من الحرب الجارية. وكان مجتبى خامنئي تولّى منصب “الولي الفقيه” أو “القائد الأعلى” خلفاً لوالده القتيل علي خامنئي، والذي يمثل أعلى المناصب في النظام السياسي الإيراني، ويتمتّع بسلطة مطلقة في إدارة البلاد. وصوّت  “مجلس خبراء القيادة” في الثامن مارس الجاري لصالح مجتبى بواقع 50 صوتاً من أصل 88 عضواً في المجلس الذي تقع على عاتقه بموجب الدستور مسئولية اختيار “القائد الأعلى”.

 

وتعمّدت الأمانة العامة لـ “مجلس خبراء القيادة” الإعلان عن التعيين في ساعة متأخرة من مساء الثامن من مارس 2026، لكنّ غياب القائد الجديد طيلة الأيام الخمسة التي تلت التعيين أثار تساؤلات واسعة لدى المراقبين بشأن حياته، وقدرته على مزاولة المهام. وعلى الرغم من أنّ الإعلام الرسمي أعلن في صباح التاسع من مارس أنّ مجتبى سيخاطب الشارع الإيراني عبر كلمة مصورة في غُضون ساعات، إلا أنّ الأيام الأربعة التي تلت هذا الإعلان الرسمي خلت تماماً من أيّ ظُهورٍ إعلاميّ له، سواء كان ذلك بالصورة أو بالصوت. وأثناء ذلك كانت المؤسسات السيادية، بما فيها “الحرس الثوري”، تقود حملةً دعائيّةً كُبرى، لحشد الناس في السّاحات الرئيسة من المدن، وأخذ البيعة للرجل الغائب. وفي اليوم الخامس، أي 13 مارس صدر بيان منسوب إلى مجتبى خامنئي على شكل رسالة نصيّة من دون صوت أو صورة، بديلاً عن خطاب التنصيب المرتقب. وجاء البيان في مستواه السياسي بلغة تصعيديّة مُتشددة، لا تفترق عن بيانات “الحرس الثوري”؛ ما عمّق الشكوك بشأن مصير الرجل، وما إذا كان موجوداً أو قادراً على أداء المهام؟

 

القائد المُصاب: تلميح رسمي وإشاعات تدعمها المواقف السياسية

أدّى هذا الغياب المريب للقائد الجديد إلى فتح أبواب التكهنات بين المراقبين من كل الاتجاهات، خصوصاً وأنّ الجهات الرسمية، لم تتكبّد عناء تقديم أيّ إيضاح رسمي له، ولأسبابه. وكان الإعلام الرسمي قد ألمح في وقت سابق إلى أنّ مجتبى خامنئي أصيب ببعض الجراح؛ إذ وصفته بعض المصادر الإعلامية الرسمية بالقائد الذي يتمتع بشرف الإعاقة الحربية (جانباز)، أو “جريح رمضان” بينما تحدثت مصادر المعارضة في ضوء هذه الفجوة، نقلاً عن مصادر مطلعة في “الحرس الثوري” أنّ مجتبى أُصيب في غارة استهدفت منزله القريب من مكتب والده في نفس اليوم الذي قُتل فيه علي خامنئي والعشرات من القادة العسكريين في مركز العاصمة طهران. وأدّت الغارة التي قتلت زوجة مجتبى، وشقيقته، وعدداً من أفراد الأسرة وفق هذه المصادر، إلى إصابة الرجل في قدميه، وفي أمعائه الداخلية، بما أدى إلى دخوله العناية المُركّزة مع مستويات متدنّية من الوعي.

 

يُشير احتفاء “الحرس الثوري” بتعيين مجتبى خامنئي على رغم احتمال غيابه عن المشهد السياسي لمدة زمنية غير معلومة إلى رغبة “الحرس” بتولّي زمام الأمور في إيران، وإدارة المعركة بالطريقة التي يراها مناسبة (أ.ف.ب)

 

وتتناغمُ هذه الإشاعة – التي تحملُ تفاصيل أخرى من ضمنها اسم المستشفى الذي يرقد فيه مجتبى وأنّه يخضع لحراسة مُشدّدة – مع التأكيد الرسمي السابق بأنّ القائد الجديد يحملُ شرف الإعاقة في الحرب، كما تتناغم كذلك مع مواقف الرئيس الأمريكي دونالد ترمب الذي قال إنّ الولايات المتحدة استهدفت القيادة الإيرانية “مرتين”. وبينما ظل ترمب يتفادى لبعض الوقت الحديث عن مجتبى خامنئي حين سُئِل عنه، لكنه في تصريح لشبكة أم بي سي نيوز في 15 مارس، قال إن نبأ وفاة المرشد الإيراني الجديد “قد يكون إشاعة”.

 

ويمكن أن نضع في سياق دعم هذه الإشاعات، الحديث الصادر عن بعض الصحافيين المقربين من “الحرس الثوري” باحتمال لجوء النظام السياسي الإيراني إلى اعتماد فكرة “غيبة الولي الفقيه” لمدة قد لا تكون قصيرة، كما كان الفقه الشيعي قد اعتمدها في القرن الثالث، أثناء ما يطلق عليها فترة “الغيبة الصغرى” للإمام المهدي، وذلك في موقف اعتبره المراقبون محاولة لتطبيع احتمال مزاولة “الولي الفقيه” الجديد مهامّه من وراء الستار؛ سواء بداعي الحفاظ على الأمن، أو بداعي الإصابة. وبطبيعة الحال، يبقى ذلك كله، ضمن إطار التكهُّنات التي لا يمكن التأكد منها. بينما يبقى المؤكد حتى الآن، إصابة مجتبى خامنئي ببعض الجراح التي لو نجا منها فإنها قد تغيّبه عن المشهد لفترة من الزمن.

 

القائد الغائب والآفاق المحتملة للمشهد الإيراني

في إطار الاستعداد لكلّ السيناريوهات، يبقى السؤال مشروعاً، ووارداً بشأن الاحتمالات التي ينفتح عليها المشهد السياسي الإيراني في ظلّ استمرار غياب مجتبى لفترة طويلة، خصوصاً في حال كان “الحرس الثوري” هو الذي يحكم إيران بالفعل في ظلّ هذا الغياب. إذ من المحتمل أن يكون “الحرس الثوري” قد لجأ إلى تعيين مجتبى خامنئي في المنصب مع علمه بإصابته، للضّغط على الأطراف المؤثرة في صنع القرار الإيراني، والحصول على الغطاء الشرعي والدستوري، لبسط هيمنة “الحرس” على المشهد الإيراني. بينما يعاني الرجل مثلما تقول الإشاعات من إصابات بليغة، ستجعله غير قادر على الظهور، ومزاولة المهام لمدة طويلة، إن لم تجعله خارج اللعبة أساساً.

 

وعلى صعيد الدلالات التي يحملها لجوء مؤسسة “الحرس الثوري” إلى تعيين مجتبى رغم إصابته، وبالنّظر إلى حقيقة أنّ “الحرس الثوري” بات اللاعب الأساسي في المشهد السياسي الإيراني الرّاهن، يمكن الإشارة إلى ما يلي:

 

  • يُشير احتفاء “الحرس الثوري” بتعيين مجتبى خامنئي على رغم احتمال غيابه عن المشهد السياسي لمدة زمنية غير معلومة إلى رغبة “الحرس” بتولّي زمام الأمور في إيران، وإدارة المعركة بالطريقة التي يراها مناسبة، أكثر من كونه دلالة على التحالف الوثيق بين “الحرس” ومجتبى. ويبدو أنّ “الحرس الثوري” فضّل تعيين قائد مصاب وغائب عن المشهد، على تعيين قائد متشدّد يتمتّع بصحة جيدة، وحضور قويّ مثل علي رضا أعرافي، أو قائد إصلاحي مثل حسن روحاني؛ ما يعني أن “الحرس” الذي أصبح اللاعب الأهم في المشهد السياسي بعد اغتيال علي خامنئي لا ينوي التنازل عن موقعه الجديد، لصالح البدائل المحافظة أو المعتدلة التي يحمل اختيارها مخاطرة باحتمال العمل على تقليص صلاحيات “الحرس”، وتقييد خياراته في إدارة المعركة. وممّا يعزز هذا الاحتمال حقيقة أن “الحرس” يعدُّ نفسه مؤسسة “الثورة الخالصة” والمؤسسة الحافظة لمبادئ الثورة، ومبادئ الخميني المؤسس، وسبق للحرس أن زاود في هذه المسألة، حتى على مؤسسة “بيت القائد” علي خامنئي، وكبار رموزها الذين كان “الحرس” لا يتورّع عن اتّهامهم أحياناً بالخروج عن مبادئ الثورة.

 

  • سيُفضي استمرار الغياب المفترض لمجتبى خامنئي، سواء بداعي الموت، أو نتيجة الإصابات، أو الإعاقة التي تستعصي معها مزاولة مهام القيادة إلى فراغ قيادي كبير في إيران، قد لا يمكن سدُّه بأيٍّ من البدائل المتبقّية في المشهد السياسي الإيراني؛ فالرجل الذي ثابر على مرّ الأعوام السابقة في سبيل الحصول على تحالفات واسعة، تدعم موقعه في المشهد السياسي، كان واحداً من خيارات قليلة جدّاً ممّن يمكن للأطراف المتشدّدة داخل الكتلة الصّلبة للنظام الإيراني أن تتوصل إلى إجماع نسبي بشأنهم، بحيث يحقق هذا الإجماع رضا “الحرس الثوري”، كما يحقق رضا المؤسسة الدينية، وكبار رجال الدين في إيران. وتظهر الأغلبية الهشة التي حصل عليها مجتبى في “مجلس الخبراء” استعصاء حصول الآخرين عليها، وقد يعني غيابه أن التوصل إلى إجماع يتضمن أغلبية في “مجلس الخبراء” من جهة، ويحظى بدعم “الحرس الثوري” من جهة أخرى، يكادُ يكون احتمالاً مُستبعداً.

 

استمرار غياب المرشد الإيراني الجديد، وعدم قدرته مزاولة المهام القيادية، يُمثِّل تحدياً كبيراً من شأنه أن يضع النظام السياسي الإيراني على مشارف أزمة وجودية (تعبيرية/شترستوك)

 

أما على صعيد الاحتمالات الناجمة عن استمرار غياب مجتبى نتيجة إصاباته، والسيناريوهات المفترضة، فإن المشهد الإيراني قد يكون منكشفاً على ثلاثة احتمالات:

 

1. الاحتمال المستبعد تماماً، هو أن يؤدي الفراغ الناتج عن غياب مجتبى إلى دفع المؤسسة الدينية (مجلس خبراء القيادة)، والمؤسسة العسكرية (الحرس الثوري)، باعتبارهما اللاعبين الأساسيين في اختيار القائد نحو اختيار مرشح معتدل لشغل المنصب. ولن يكون هذا الاحتمال مستبعداً بسبب تركيبة الأصوات داخل مجلس الخبراء فحسب، بل بسبب رفض “الحرس الثوري” للفكرة مبدئيّاً في حين أنّ الجمهور المتشدّد الداعم للنظام، والموجود في الساحات لمبايعة الولي الفقيه الجديد، يُظهِرُ رفضاً قاطعاً لفكرة “القائد المعتدل” في اللحظة الراهنة.

 

2. الاحتمال الأضعف، وربّما المُستعصي أيضاً، هو أن تتفق المؤسستان على قائد توافقي جديد، يعني من بين ما يعنيه، تقسيم الصلاحيّات بين “المؤسسة الدينية”، و”الحرس الثوري”. وبينما يعمل إصرار “الحرس الثوري” على الإنفراد بقرار الحرب والسّلم، والتحكم بأسلوب إدارة المعركة، على نبذ هذا الاحتمال فإنه قد يكون وارداً بشكلٍ أو بآخر إذا افترضنا أنّ ثلّةً من رجال الدين المتشددين الذين يهيمنون على قرار “مجلس الخبراء” سوف يستطيعون التوصُّل إلى تفاهم أو تحالف مع “الحرس الثوري” حول تنصيب قائد يضمن استمرار بقاء هذه الصلاحيات في يد “الحرس الثوري”.

 

3. الاحتمال المرجّح والمفضّل لدى “الحرس الثوري”، هو أن تتجه هذه المؤسسة العسكرية الأيديولوجية التي تقود البلاد في اللحظة الراهنة نحو بسط هيمنتها بشكل مباشر على القرار السيادي، سواء عبر الحفاظ على نسخة صوريّة من “ولاية الفقيه” عبر الاحتفاظ بالقائد الغائب، أو إحداث تغيير في هيكل القيادة، وإملائه على “مجلس الخبراء”، بحيث يصبح “الحرس الثوري” هو الممارس المباشر للسلطة، وذلك بداعي ظروف الحرب، وضرورة الحؤول دون انفراط العقد، وانهيار نظام الثورة الذي تعد هاتان المؤسسات هما الضامن الحقيقي لبقائه بموجب الدستور، والقناعات العقائدية.

 

وفي المرحلة الراهنة، يبدو أنّ المجتمع الإيراني الوفيّ لمبادئ الثورة، مُقتنعٌ بأنّ مجتبى خامنئي مصابٌ بإصابات طفيفة، أو أنّه يغيبُ بداعي الحفاظ على أمنه في ظلّ التهديدات التي يتلقاها من إسرائيل والولايات المتحدة. كما يبدو هذا المجتمع مُستعدّاً للقبول بخيار “القائد الغائب”، وتقبُّل هذا الغياب لمدة غير قصيرة، وهو ما سيُمكّن “الحرس الثوري” من ممارسة الحكم من خلاله، وعبر الاستفادة من اسمه، وشرعيّته. وبينما تحاولُ جهات في “الحرس الثوري” التمهيد لاستمرار هذا الوضع لفترة أطول، مستعينةً في ذلك بفكرة محاكاة “الغيبة الصغرى” للإمام المهدي فإنّ استمرار هذا الوضع لمدة زمنية طويلة – على افتراض إصابة مجتبى خامنئي بجراح تؤدي إلى تغييبه، وعدم قدرته مزاولة المهام القيادية – يظلُّ تحدّياً كبيراً يصعبُ التّعايش معه، ويضع النظام السياسي الإيراني على مشارف أزمة وجودية.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M