الملخص:
تشير الإحصاءات إلى أن نحو 1.2 مليار نسمة، أي ما يعادل 23% من سكان العالم، يعيشون ضمن نطاق لا يتجاوز مائة كيلومتر من السواحل. ومن المتوقع أن ترتفع هذه النسبة لتصل إلى50% بحلول عام 2030، وبذلك تصبح البيئات الساحلية ومجاري السيول من أكثر المناطق عرضة لتأثيرات التغيرات المناخية العالمية، التي تتجلى أبرز مظاهرها في ارتفاع مستوى سطح البحر وازدياد احتمالات السيول المفاجئة، مما يضاعف المخاطر على الأوضاع الطبيعية والمعيشية والاقتصادية والاجتماعية للسكان.
إن التغير المناخي والتدهور البيئي يشكلان تهديدًا مباشرًا للمكاسب المحققة في مجال التنمية البشرية عالميًا. وإذا لم تتم السيطرة على الممارسات السلبية في استخدام الأراضي والموارد الطبيعية، فإن سكان الدول النامية سيكونون الأكثر عرضة لتداعيات الكوارث المناخية مثل الفيضانات، طغيان مياه البحر، وتلوث الموارد المائية.
وفي محافظة عدن، تجلت هذه التأثيرات بشكل واضح خلال السنوات الأخيرة نتيجة التعديات العمرانية وتجاوز المخططات الرسمية للمدينة. فقد شهدت مناطق مثل البريقة ورأس عمران طغيان مياه البحر على المجمعات السكنية المقامة داخل الحرم الساحلي (ضمن مسافة 300 متر من أعلى مد)، كما تعرضت منطقة الحسوة/مديرية البريقة لكارثة السيول التي اجتاحت مجرى الوادي الكبير، متسببة في خسائر بشرية ومادية جسيمة، بما في ذلك تدمير عدد من المساكن المشيدة في مجرى الوادي.
هذا الواقع يفرض ضرورة تبني إجراءات وقائية مبكرة لحماية المناطق الساحلية الطبيعية ومجاري الأودية، مع وضع تدابير تخطيطية متوافقة مع طبيعة الأراضي وخصائصها، بحيث تستوعب التأثيرات المتوقعة للتغيرات المناخية وتحد من تداعياتها المتعددة. إن تعزيز إمكانات التكييف وتطبيق إجراءات التخفيف يعدان السبيل الأمثل لضمان استدامة التنمية وحماية المجتمعات الساحلية في عدن وغيرها من المناطق المهددة.
مقدمة:
من المعلوم أن سكان العالم يتركز تواجدهم في جوار المناطق الساحلية، كونها تمثل مدن الموانئ وتوفر الخدمات وسبل العيش المناسبة. يشكل ذلك النمط من التوزيع السكاني ضغوطا محلية متزايدة تأثر على الأنظمة البيئية الطبيعية (Ecosystem) إضافة إلى ما تتعرض له من تأثيرات أخرى أبرزها ظاهرة التغيرات المناخية العالمية Global Climate Change)).
تشير الإحصاءات أن حوالي 1.2 بليون نسمة، ما يمثل 23 % من إجمالي سكان العالم، يعيشون في حيز المائة كيلومتر ضمن نطاق المنطقة الساحلية؛ حيث من المقدر أن تبلغ تلك النسبة 50 % من إجمالي السكان في عام 2030؛ Adger et al 2005) ) 1. بذلك تكون البيئة الطبيعة في المناطق الساحلية والمجتمعات المستقرة فيها هي الأكثر عرضة للتأثر بظاهرة التغييرات المناخية العالمية، التي تدل العديد من الشواهد على تعاظمها؛ تتمثل أبرز تأثيراتها في ارتفاع منسوب مياه البحار والمحيطات؛ مما يرفع من احتمالات المخاطر على مجمل الوضعية الطبيعية والمعيشية (الاقتصادية والاجتماعية) لتلك المناطق والساكنين فيها؛ (Bijlsma et al, 1996) ([1]).
يشير تقرير التنمية البشرية والذي يحمل عنوان ” الاستدامة والإنصاف: مستقبل أفضل للجميع”. الصادر عن البرنامج الإنمائي للأمم المتحدة للعام (2011 – UNDP) ([2]) إن تغير المناخ والتدهور البيئي يهددان المكاسب التي تحققت على صعيد التنمية البشرية في العالم. ويتبين في نفس الوقت من انه إذا لم تتم السيطرة على التدهور البيئي الناتج عن الممارسات السلبية في استخدام الأراضي والموارد الطبيعية، سيكون سكان الدول النامية الأكثر عرضة للسقوط كضحايا نتيجة للكوارث الناجمة عن التغييرات المناخية كالفيضانات، تلوث المياه، طغيان مياه البحار وغيرها من التداعيات.
ويتمثل تعاظم تأثيراتها بسبب التدهور البيئي بشكل يؤدي إلى تراجع نتائج جهود التنمية السابقة بل سيتجاوز ذلك إلى الإضرار بمقدراتها من الموارد الطبيعية المتاحة والتي تعتبر أحد الأصول الأساسية للتنمية.
شواهد الظاهرة وأحداثها:
توقعت بعض الهيئات الدولية الباحثة في مجال التغيرات المناخية أن يرتفع منسوب مياه البحار والمحيطات بين ( 59 -18) سم بحلول عام (2100) مقارنة بمستويات العام (1990). ويرتبط الحد الأقصى للارتفاع باستمرار اعتمادنا على الوقود الأحفوري (Fossil Fuel) ) ونواتج عوادمه.
يشكل هاجس الغرق (طغيان مياه البحر) أحد افزع الكوابيس التي تؤرق علماء البيئة الذين أصبحوا يدركون تماما إن ظاهرة الاحترار الكوني (Global Warming) سيؤدي بالضرورة إلى ارتفاع منسوب المياه في البحار والمحيطات على نحو يهدد الأراضي المنخفضة في سائر إنحاء العالم شكل (1). تتمثل تلك الظاهرة من خلال دفء المحيطات وتتمدد مياهها؛ إضافة إلى ما يصاحب ذلك من تأثيرات ناشئة عن ارتفاع درجة الحرارة مما سيؤدي إلى ذوبان الصفيحة الجليدية التي تغطي شبة جزيرة جرينلاند (Greenland) والقارة القطبية الجنوبية (Antarctica) شكل (2).
تتمثل آلية التأثير للتغييرات المناخية في أن الاحترار الكوني ربما يسرع أيضا في تحرك جليد الأنهار الجليدية (Glaciers) نحو المحيط من خلال جعل المياه الذائبة للجانب السفلي للتيارات الثلجية أكثر انزلاقا؛ مما قد يزيد من احتمالات انهيار الصفيحة الجليدية الغربية في القارة القطبية الجنوبية وبذلك سيبلغ ارتفاع مستوى سطح البحار والمحيطات في أرجاء الكره الأرضية (5.03)3 متر في المتوسط، وهو أعلى بكثير من التقديرات الحالية!
1: Coastal Zone Team, Mohammed M. Abu-Bakr & others (Dec. 2010).
2: العربي (يناير 2012) الإنسان والبيئة.
3: العربي (يناير2011) الإنسان والبيئة.
مكنت الدراسات والأبحاث السابقة من تكوين إجماع عام من قبل المحافل العلمية الدولية المختلفة، من خلال الاستدلال بالشواهد المتعددة للحوادث المعاشة والمرصودة منذ حوالي (35) عاما والتي تعزى في معظمها إلى ظاهرة التغيرات المناخية (Emanuel 2005; Webster et al. 2005) ; 1 ) Bengtsson et al. 2006) )
وتشير بعض تقديرات دراسة النمذجة النظرية (Theoretical Model Studies) 1إلى انه مقابل أي ارتفاع بمقدار درجة مئوية واحدة في الحرارة السطحية للبحار sea surface temperature)) في الدائرة المدارية Tropical Zone سيقابلها ارتفاع بمقدار (5 – 3) % في سرعة الرياح 4(IPCC 2007; Woodworth and Blackman 2004; Worth et al. 2006)؛ مما سيؤدي إلى زيادة احتمالات نشوء عواصف وأعاصير مدارية اشد تصاحبها رياح عاصفة ونسبة أعلى من الهطل المطري. ومع ذلك فان العلماء في دراساتهم الجديدة يشيرون إلى أن المتوسط النظري لا يأخذ في الحسبان قوى رئيسية عدة، مثل الجاذبية، التغير في دوران الأرض، الزلازل الكبرى (زلازل أخدود جاوه – اندونيسيا:2004؛ زلزال تشيلي: 2009؛ زلزال فوكوتشيما – اليابان 2010) وكذلك ارتدادات الأرض التي ترتكز عليها الآن الأنهار الجليدية العملاقة. شكل ( 3 – أ ، ب ) .
|
||||
|
||||
الدول الأكثر تضررا:
تتزايد لائحة البلدان التي يواجه سكانها التأثيرات المباشرة لارتفاع مستوى سطح البحر مع تواصل تغير المناخ في القرن الحادي والعشرين؛ حيث يزداد تكرارا حدوث العواصف بحسب الدراسة
4: Susmita Dasgupta et al. 2009. Climate Change and the Future Impacts.
الصادرة مؤخرا عن مركز التنمية العالمية (Centre for Global Development)3. أشارت نتائج تلك الدراسة أن التأثيرات السلبية ستشمل عدد من المناطق والمدن التي تقع اغلبها في البلدان النامية جدول رقم (1)؛ واظهرت تباينا حادا في توزيع عبء زيادة الأعاصير التي ستؤدي إلى المزيد من الفيضانات المدمرة في المناطق الساحلية وغرق الأراضي المنخفضة المجاورة لها. سيتفاقم تأثير تلك الظواهر إذا ما اقترنت برياح قوية وموجات ساحلية عاتية. من المثير للانتباه أن مدينة عدن احتلت المركز السادس ضمن لائحة المدن المهددة من تداعيات التغيرات المناخية!!
أسس التقييم للأضرار المتوقعة:
اعتمد التقرير3 في تقديراته على ثلاثة عوامل رئيسية: احتمال ارتفاع مستوى سطح البحر بمقدار متر واحد؛ زيادة بنسبة % 10 في شدة العواصف (الكبرى) في دورتها المحتسبة مرة كل (100) عام وتوقعات الأمم المتحدة لارتفاع عدد السكان في القرن الحادي والعشرين.
كشفت نتائج الدراسة أن التأثيرات السلبية ستكون أكثر تركيزا في بعض المناطق والبلدان والمدن التي تقع اغلبها في البلدان النامية. وأظهرت تباينا حادا في توزيع عبء أثار زيادة الأعاصير، ارتفاع مستوى البحار والمحيطات من ناحية عدد المدن الساحلية؛ وكذلك إجمالي عدد السكان المهددين، نسبة الناتج المحلي الإجمالي للمجتمعات في المناطق الساحلية.
وضعية محافظة عدن: الخصائص الطبيعية :
تمتاز شواطئ محافظة عدن كونها عبارة عن سهول رملية عريضة ومنخفضة تكونت بفعل عوامل التعرية البحرية، عبر أزمان جيولوجية، عدا بعض المناطق التي تحاذي التكوينات الصخرية المتمثلة بالمراكز البركانية لسلسة براكين غرب عدن؛ التي تمتد من عدن حتى المدخل الجنوبي للبحر الأحمر عند باب المندب وتشمل (بركان جزيرة ميون/ بريم، جبل خرز، أم بركة، رأس عمران عدن الصغرى، عدن). تتخلل هذه المراكز البركانية قطاعات واسعة شبة منبسطة من الشواطئ الحصوية الضيقة والجروف الراسية والامتدادات الصخرية (الرؤوس) الممتدة / المتدرجة إلى البحر. تنتشر السبخات والكثبان الرملية في مواقع متعددة ضمن المناطق الساحلية حيث تتداخل مع مسطحات المناطق الرطبة التي تشكل بيئات خاصة وموائل طبيعية للكائنات البحرية، الطيور والنباتات، إضافة إلى كونها تستوعب المسطحات المائية لإنتاج الملح (البحري)، التي تنتشر في عدة مواقع ضمن ذلك النطاق.
وبما أن الوضعية الطبوغرافية لقطاع واسع من المنطقة الساحلية، وما تكتنفه من أراضي منخفضة تتخللها الأراضي الرطبة، تتخذ وضعاً شبة مستوياً ذات انحدار طفيف يتراوح انحداره ما بين 1000:1) إلى5 (500:1 مثلما هو الحال في ساحل أبين والمنطقة المحيطة بخور بئر أحمد؛ فإن ذلك يشكل وضعية حرجة في حالة حدوث
اضطراب في حالة البحر مما قد يؤدي إلى حدوث طغيان لمياه البحر على الشريط الساحلي والمنطقة المجاورة.
3: نفس المرجع – مجلة العربي: (يناير 2011) الإنسان والبيئة.
تصويرالباحث (2005): قياسات أثناء المشاركة في إعداد المخطط التوجيهي العام ( Aden Master Plan 2005-2025 ) .
الممارسات السلبية:
وخلال العقد الأخير برز بوضوح الاختلال في المعايير التخطيطية والذي تجاوز كافة المحاذير الجيو- بيئية المتعلقة باستخدام الأراضي. تمثلت تلك الممارسات في تكسير المنحدرات الجبلية التي تشكل مصدات طبيعة للرياح، ردم الشواطئ وتكسير الرؤوس الصخرية التي تشكل كواسر أمواج طبيعية؛ والبناء في مجاري السيول وتضييق عدوات الأودية الطبيعية شكل ( 8 : أ، ب، ج ).
تصويرالباحث: اثناء المسوحات الميدانية (خلال الفترات 1996 – 2005 – 2012 (.
ومن البديهي أن كل تلك الممارسات تتعارض مع القوانين واللوائح (النافذة محليا) والتي تضع تراتبيه عالية لاعتبارات حماية البيئة (والبيئة الساحلية بشكل خاص) والموارد الطبيعية في سلم أولوياتها. ونتج عن تجاوزها تدهور ملحوظ في الوضعية البيئية في العديد من القطاعات الحرجة في محافظة عدن.
التأثيرات المتوقعة في محافظة عدن:
يجمع الخبراء والدارسون بشكل عام على ضرورة اتخاذ الإجراءات الوقائية المبكرة الهادفة إلى حماية المناطق الساحلية الطبيعية والشروع في وضع التدابير المناسبة المتوافقة مع استخدامات الأراضي بحسب طبيعتها وخصائصها والمستوعبة للتأثيرات المتوقعة لظاهرة التغييرات المناخية وما يترتب عليها من احتمالات طغيان مياه البحر وتداخلها مع مصادر المياه الجوفية، وكذلك تعاظم ظاهرة نحر الشواطئ. ويستلزم ذلك وضع خطط للطوارئ لحماية السكان من خلال اعتماد وسائل الإنذار المبكر ورفع جاهزية الإجلاء والإيواء للتخفيف من تلك التداعيات المتوقعة.
الفيضانات Increasing Flood Frequency Probability :
شهدت محافظة عدن دورات مناخية استثنائية (بعضها إقليمية وأخرى عالمية) خلال العقود الأربعة الأخيرة، نتج عنها هطل أمطار غزيرة أدت إلى فيضانات عاتية (Flash Floods) وطغيان مياه البحر (Inundation)
في عدد من الشواطئ، منها ساحل أبين / خور مكسر (1971) ساحل جولدمور(2004، 2010) جدول رقم (2 ) ؛ كان أكبرها ما حدث أثناء الدورة المطيرة الاستثنائية خلال الفترة من ( 8 -6) فبراير 1993، حيث هطل ما يمثل أكثر من عشرة أضعاف المنسوب السنوي (>500 مم) في ثلاث ليال فقط!! مما تسبب في حدوث أضرار بشرية ومادية كبيرة؛ حيث دهمت السيول مدينة عدن وأغرقت معظم أحيائها السكنية، وكذلك غمرت المياه مطار عدن الدولي في خور مكسر.
جدول (2): أبرز الدورات المناخية الاستثنائية (الكارثية) التي تأثرت بها مناطق مختلفة في محافظة عدن 6
| الظاهرة | الحدث | التاريخ | المواقع الأشد تضررا |
| إعصار مداري
|
رياح شديدة + أمطار غزيرة | 1971 | نتيجة لمرور إعصار من شرق أفريقيا:
– قطاع واسع من ساحل أبين (تأثير مباشر على طريق الساحل المحاذي للمباني في الواجهة البحرية) في مدينة خور مكسر. – فيضان مجاري السيول في مدينة عدن |
| عواصف ممطرة | أمطار غزيرة | 1982يونيو | – فيضان الوادي الصغير أدى إلى غمر مطار عدن الدولي بالمياه.
– فيضان الوادي الكبير (في الحسوه) وتدمير وجرف الجسر الأرضي ” الخرساني ” المؤدي إلى مدينة الشعب . |
| إعصار مداري | رياح شديدة +
أمطار غزيرة |
1993فبراير | – غرق احياء في مدينة عدن – فيضان الوادي الصغير مما أدى إلى غمر مطار عدن الدولي بالمياه وأجزاء من مملاح خور مكسر.
– فيضان الوادي الكبير (في الحسوه) . |
| موجات مد بحري | طغيان مياه البحر | 2004ديسمبر | نتيجة لحدوث زلازل سومطرة ( اندونيسيا ):
وصول نفايات كيميائية حملتها موجات المد البحري إلى شواطئ جولدمور وما جاورها . |
| إعصار جونو | موجات مد | 2006يونيو | الإعصار القادم من شرق عمان:
ارتفاع أمواج المد بشكل ملحوظ في الشواطئ المفتوحة. |
| عاصفة مدارية
مد بحري |
أمطار غزيرة
طغيان مياه البحر |
2010 فبراير 2010 أغسطس | طغيان البحر في المناطق الجنوبية الغربية من شبة جزيرة عدن
(شواطئ جولدمور – خليج الفتح وغيره) |
| عواصف ممطرة | أمطار غزيرة | سبتمبر 2025 | فيضان مدمر عبر الوادي الكبير (في الحسوه)، توسع السهل الفيضي للوادي. تدمير والاضرار الواسع للمباني والمنشأت التي أقيمت في مجرى الوادي منذ عقدين من الزمن جرف الطريق وشق خور الى البحر !. |
إعداد الباحث ( من الدراسات واوراق العمل السابقة )
كارثة السيول في منطقة الحسوة (محافظة عدن):
بالرغم من التحذيرات المسبقة والمتكررة، بعدم التعدي على مجاري السيول في الوادي الكبير وغيرها من الاودية في مدينة عدن، الا ان عمليات البناء والبسط العشوائي والمرخص استمرت حتى وقعت الكارثة،
في أغسطس 2025، شهدت منطقة الحسوة ومدينة إنماء في عدن سيولًا غير مسبوقة منذ عقود، حيث تدفقت المياه من مناطق الصبيحة مرورًا بإنماء وصولًا إلى الحسوة، مما أدى إلى قطع الطريق الرابط بين إنماء والدرة. السيول حاصرت المنطقة من جميع الجهات، ودخلت إلى المنازل، وأجبرت أكثر من 90% من السكان على النزوح إلى مناطق أكثر أمانًا.
من أبرز أسباب هذه الكارثة:
- البناء العشوائي في مجاري السيول، مما أدى إلى انسداد المسارات الطبيعية للمياه.
- عودة المياه إلى مجرى وادي الحسيني، الذي لم يشهد فيضانات بهذا الحجم منذ عام 1982.
- غياب البنية التحتية المناسبة لمواجهة الأمطار الغزيرة والسيول المتدفقة.
وصلت السيول إلى شاطئ الحسوة، وأعاقت حركة المرور، وتسببت في حوادث أثناء محاولات الإنقاذ
احتمالات طغيان مياه البحر Inundation
كما ورد في جدول رقم (2) الذي شمل توثيق للدورات المناخية الاستثنائية (الإقليمية والعالمية) التي شهدتها وتأثرت بها العديد من المناطق الساحلية في محافظة عدن، تظهر العواصف المطرية المارة في سواحل محافظة عدن كأبرز تلك الظواهر تأثيرا. وتشير التقديرات إلى أن تلك العواصف يمكن أن تؤدي إلى ارتفاع في منسوب مياه البحر مابين ( 4.50- 4.24 ) متر1 مما يعني غمر معظم الشريط الساحلي لمحافظة عدن والذي سيشمل مناطق خور مكسر، المنصورة، المعلى، البريقة، الشواطئ ما بين رأس عمران وفقم.
مهددات التعرية للشواطئ Erosion
من المقدر أن يتراجع خط الشاطئ وفقا لقاعدة Brunn 1 نتيجة لارتفاع منسوب مياه البحر (Sea Level Rise) مما سيؤدي إلى فقدان قطاع بطول (23) كم من الشواطئ الرملية في عديد من قطاعات شواطئ خور مكسر، جولد مور، وفقم ، وما يترتب على ذلك من خسائر للساكنين، المرتادين والسائحين؛ انظر جدول رقم (3) .
جدول رقم (3( : المقدار المتوقع لارتفاع منسوب مياه البحر في الشريط الساحلي لعدن
| القطاع
مقدار الارتفاع في منسوب ميـــــاه البحــــــــــر |
الشريط الساحلي الشرقي
خورمكسر – العلم |
الشريط الساحلي الغربي
خليج فقم |
| مقدار التراجع في خط الساحل بالأمتار | ||
| 0.33: الأدنى
0.60: الأعلى |
23
41 |
18
33 |
تقارير ودراسات الهيئة العامة لحماية البيئة للفترة ( 2005- 2010(.
رصد حالات :
في السنوات الأخيرة شهدت المناطق الساحلية في الحسوة، البريقة، ورأس عمران بمحافظة عدن ارتفاعًا مفاجئًا في منسوب مياه البحر، مما أدى إلى اقتراب الأمواج من المنازل والأسواق وغمر بعض الطرق الرملية، وسط مخاوف كبيرة من تأثيرات بيئية وسكنية محتملة.
تفاصيل الأحداث الأخيرة :
- رأس عمران: المياه اجتاحت السوق المحلي لأول مرة منذ عقود، وغمرت أجزاء من الطريق الرملي، المعروف بـ”الردمية”، وهو الطريق الذي يربط ما بين احياء المنطقة؛ ما تسبب في صعوبة التنقل وتهديد مباشر للمساكن القريبة.
- ساحل الحسوة: ارتفعت المياه حتى وصلت إلى قرب الخط العام الرابط بين مدينة الشعب وجولة كالتكس، وهو طريق رئيسي. واقتربت الأمواج من حدود المحمية الطبيعية، مما أثار مخاوف من انقطاع المواصلات إذا تكرر الطغيان.
- البريقة: لم تُسجل أضرار كبيرة حتى الآن، لكن الأهالي أبدوا قلقًا من امتداد الظاهرة إلى الأحياء السكنية، خاصة مع غياب بنية تحتية وقائية كالحواجز البحرية.
المهددات والمخاطر (المباشرة):
- تهديد المنشآت السكنية: اقتراب المياه من المنازل والمساجد في رأس عمران.
- تأثير بيئي: خطر على المحمية الطبيعية في الحسوة مهددة بتغيرات في النظام البيئي.
- البنية التحتية: غمر الطرق الرملية يهدد حركة النقل ويعزل بعض المناطق.
- خطر على السكان: اقتراب المياه من الأسواق والمنازل يرفع احتمالية الأضرار المادية والنزوح المؤقت.
| المخاوف المستقبلية | التأثير المباشر | الحدث الأبرز | المنطقة |
| تضرر المحمية الطبيعية | تهديد النظام البيئي | ارتفاع المياه قرب المحمية | الحسوة |
| احتمال وصول المياه للأحياء السكنية | لا أضرار كبيرة حتى الآن | ارتفاع محدود | البريقة |
| تهديد مباشر للمساكن والبنية التحتية | صعوبة التنقل واقتراب المياه من المنازل | وصول المياه للسوق وغمر الطريق | رأس عمران |
خلاصة :
تشير تكرار تلك الاحداث واخر المستجدات بان الوضع في المناطق الساحلية في محافظة عدن، خصوصًا في رأس عمران والحسوة، بتدهور واضح في الوضع البيئي؛ مما ينذر بخطر متزايد إذا لم يتم التدخل السريع. الظاهرة غير مسبوقة بهذا الحجم منذ عقود، والتي تعتبر مؤشرًا واضح على تغيرات مناخية أوسع تستوجب الدراسة العاجلة للتخفيف من مخاطر تداعياتها وتأثيرها.
تداخلات مياه البحر Seawater intrusion:
تشكل المياه الجوفية المصادر الرئيسية لتموين محافظة عدن بالمياه. تتواجد تلك المصادر في أحواض دلتا تبن / محافظة لحج ودلتا بنا / محافظة أبين في حين يقع حقل بئر احمد في إطار محافظة عدن. تتفاوت ظاهرة الهبوط السنوي في منسوب المياه الجوفية في تلك الحقول الذي يتراوح ما بين 2.0- 0)) متر / سنويا 7(GAWSP-II STAGE, 2001). كما هو مبين في الجدول أدناه.
جدول (4): يبين مقدار الهبوط السنوي لمصادر المياه المتعددة التي تمون محافظة عدن7
| حقل أبار | مقدار الهبوط السنوي (بالأمتار) | منسوب المياه بالأمتار (SWL) |
| بير ناصر / لحج | 1.5 | 55-65 |
| بير احمد / عدن | 1.0 | 40-50 |
| تبن / لحج | 2.0 | 60-70 |
| الروه / أبين | 0.0 | 12-22 |
لا يقتصر تأثير ارتفاع منسوب مياه البحر على الظواهر السطحية المتمثلة بعملية النحر (Erosion) أو طغيانها على الموارد السطحية على اليابسة فقط بل يتعداها إلى احتمال تدخلها مع منسوب المياه الجوفية. وبموجب قانون علاقة التداخل مابين مياه البحر وأحواض المياه العذبة في اليابسة المعروفة (Interface Principle Ghijben-Herzberg)؛ يتبين (من خلال الحسابات) انه في حالة ارتفاع منسوب مياه البحر بمقدار (1) متر فان علاقة التداخل ستمكن مياه البحر من الطغيان على المياه العذبة في تلك الأحواض بمقدار (40) متر، مما سيشكل تهديد حقيقي لمصادر المياه الجوفية لمحافظة عدن.
ومن المواقع الأكثر احتملا بالتأثر حقول المياه في منطقة بئر احمد.
7 : تقارير الهيئة العامة للموارد المائية / عدن Haidera . 2007 ), )
التأثيرات البيئية Ecological Impacts
أدت التعديات المستمرة على الأراضي الرطبة في محافظة عدن إلى محاصرتها، تحديد مساحاتها ومؤخرا تقلصت مساحاتها نتيجة للتوسع في بناء الطرقات (في منطقة مملاح عدن) وردم أجزاء منها في المنطقة الحرة قطاع “L” المحاذي لجولة كالتكس / المنصورة. وبالرغم من أنها محميات بيئية معلنة (تشمل المملاح وبحيرات الطيور وغيرها من المسطحات المائية) وفقا للمعاهدات الدولية منذ أكثر من عشرة أعوام وبموجب قرار مجلس الوزراء رقم (304) لعام (2006). إلا أنها لا زالت تتعرض لضغوط نتيجة لممارسات سوء استخدامات الأراضي من قبل المنطقة الحرة (عدن) ووزارة الأشغال العامة والطرقات؛ مما سيؤدي إلى تغيير طبيعتها وتقليل فرصتها للإبقاء على البيئة الحيوية للكائنات الساحلية التي تؤمها والتسبب في عدم قدرتها للتكييف مع التغييرات المناخية العالمية.
إجراءات التكييف والتخفيف: Adaptation strategy
تتطلب إجراءات التخفيف من تأثيرات التغييرات المناخية على المناطق الساحلية في محافظة عدن تطبيق استراتيجية متكاملة تشمل تفعيل التشريعات البيئية والقوانين والوثائق المتعلقة باستخدامات الأراضي وفقا لخصائصها بموجب المخططات الهيكلية المعتمدة لعدن الكبرى
(Aden Master Plan 2005 – 2025).
تشهد الوضعية الراهنة تدهورا ملحوظا في الوضعية البيئة للمناطق الساحلية نتيجة للتجاوزات الصارخة لاستخدامات الأراضي (المتمثلة في ردم المسطحات المائية، تجرف الشواطئ الرملية وتصريف المخلفات وإقامة المنشئات خلافا للمخططات المعتمدة رسميا للمناطق الساحلية مما يشكل تهديدا حقيقيا لتلك النشاطات وبقية المناطق المجاورة حسبما ورد في الدراسات المحلية والدولية.
ويظهر الواقع أن تأثيرات الممارسات السلبية بالاستمرار في نهج التجاوزات الصارخة لاستخدامات الأراضي في المناطق الساحلية لن يقتصر على في رفع نسبة المخاطر كمهددات قد تتسبب بأضرار متعددة للمنطقة الساحلية وما يجاورها بل سيتجاوزها إلى زيادة تكليف المعالجات المطلوبة لتداركها وتطبيق الإجراءات الاحترازية للتخفيف من التداعيات الكارثية المترتبة عليها. ولتدارك الأمور ينبغي اعتماد تنفيذ الإجراءات التالية:
1) الحرم الطبيعي: يتوجب أن يتوفر حرم (خالي من العوائق والمنشئات) بمقدار (500-300) متر من أعلى مد؛ حاليا ينص قانون البناء (رقم 19 لعام 2002 (على أن خط البناء في المناطق الساحلية يجب أن يبقي حرم بمسافة (300) متر من أعلى مد!!
2) منشئات الحماية: تتطلب إقامة حواجز (إنشائية) تعمل كمصدات تخدم أغراض حماية المناطق الساحلية من تقدم الأمواج العاتية في حالة فيضان مياه البحر.
3) تموين الشواطئ بكميات من الرمال لتعويض ما تم تعريته أو تجريفه لإعراض حماية خط الساحل.
4) إعادة النظر في التخطيط العمراني بناء على استخدامات الأراضي في المناطق الساحلية (وفقا للمخطط التوجيهي العام لعدن الكبرى Aden Master Plan 2025 -2005) ) حيث يتوجب الإبقاء عليها كمتنفسات، حدائق ومواقف مفتوحة لا تشمل أي منشئات أو عوائق.
قائمة المراجع:
المراجع باللغة العربية:
- باوزير، جمال محمد وآخرون. 2001. الدراسة الأولية للوضع الراهن للمنطقة الساحلية بمحافظة عدن. الهيئة الإقليمية للمحافظة على بيئة البحر الأحمر وخليج عدن.
- عقبه، معروف إبراهيم. 2005. الموروث الطبيعي والتاريخي للأراضي الرطبة في عدن. ورشة عمل حول الأراضي الرطبة في محافظة عدن. الهيئة العامة لحماية البيئة /عدن.
- عقبه، معروف إبراهيم واخرون. 2006 . دراسة مسحية وتقييم الأثر البيئي لمنطقة “ رباك ” الحسوة.
- الخضر، احمد الشربيني.. يناير 2010 “الإسكندرية: ثاني أكبر المدن في العالم تهدد بالغرق” الإنسان والبيئة، مجلة العربي. العدد: 214، ص: 154-159.
- الخضر، احمد الشربيني. يناير 2012.” تغير المناخ يهدد النمو الاقتصادي في البلدان الأفقر ” الإنسان والبيئة، مجلة العربي. العدد: 638، ص :166- 170.
- عقبه، معروف إبراهيم واخرون 2019 . صور ومشاهدات حصرية لنتائج اعمال الابادة التامة لتجمع أشجار نخيل الدوم ” دوش الطاري ” في الحسوة .