التَّحذير من الشِّرك، في ضوء هذا الفهم دعوة مستمرة إلى تصحيح جهة القلب، وتوحيد مركز الطَّاعة، وتعميق حالة التَّسليم لله في جميع شؤون الحياة. وكلَّما توحَّدت جهة الانقياد، وخلصت العبادة من الشَّوائب، اقترب الإنسان من حقيقة التَّوحيد التي خُلق من أجلها، وانفتحت أمامه آفاق القرب الإلهي التي وعد…
مفهوم (الشِّرك) من المفاهيم المركزيَّة في البناء العقائدي الإسلامي؛ لأنَّه يمسُّ جوهر العلاقة بين العبد وربِّه (سبحانه)، ويحدِّد طبيعة التَّوحيد الذي جاءت به الرِّسالات الإلهيَّة. غير أنَّ هذا المفهوم –على وضوحه في الجملة– تعرَّض عبر الاستعمالات الوعظيَّة والجدليَّة إلى قدر من التوسُّع أو الإجمال، بحيث اختلطت مراتبه، وتداخلت دلالاته اللغويَّة والكلاميَّة، فأصبح يُستعمل أحيانًا دون تمييزٍ دقيق بين ما هو شرك عقدي ناقض لأصل التَّوحيد، وما هو انحراف سلوكي أو قلبي يحتاج إلى تهذيبٍ وتزكية.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى دراسةٍ علميَّة منضبطة تعود بالمصطلح إلى جذوره اللغويَّة أوَّلًا، ثمَّ إلى حدوده الاصطلاحيَّة، قبل أن تُعيد قراءته في ضوء النُّصوص القرآنيَّة والرِّوايات الواردة عن المعصومين (عليهم السلام)، بوصفها المرجع الأوثق في تحديد المفاهيم العقديَّة وضبط استعمالها. فالشِّرك ليس مجرّد شعارٍ وعظي يُراد به التَّخويف، ولا تهمة تُطلق في سياق الاختلاف؛ وإنَّما هو مفهوم دقيق يرتبط بجهة العبادة، ومرجعيَّة الطَّاعة، ومركز الانقياد في حياة الإنسان.
وعلى هذا الأساس، يسعى هذا المقال إلى تقديم معالجة تأصيليَّة لمفهوم الشِّرك، من خلال بيان جذوره اللغويَّة، وحدوده الاصطلاحيَّة، ثمَّ عرض بعض تقسيماته المحوريَّة، قبل الوقوف عند صور الشِّرك الخفي كما وردت في روايات أهل البيت (عليهم السلام)، للكشف عن البعد العملي للتوحيد، وكونه مسارًا وجوديًّا يشمل الاعتقاد والطَّاعة معًا.
المحور الأوَّل: مفهوم الشِّرك بين الأصل اللغوي والتَّحديد العقدي.
الشِّرك لغةً: “الشِّين والرَّاء والكاف أصلانِ؛ أحدهما يدلُّ على مقارنَة وخِلَافِ انفراد، والآخر يدلُّ على امتدادٍ واستقامة.
فالأول الشِّرْكة، وهو أن يكون الشَّيءُ بين اثنين لا ينفردُ به أحدهما. ويقال شاركتُ فلانًا في الشَّيء، إذا صِرْتَ شريكه. وأشركْتُ فلانًا، إذا جعلته شريكًا لك. قال اللَّه (جلَّ ثناؤُه) في قِصَّة موسى-عليه السلام-: (وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي)(1). ويقال في الدُّعاء: اللهم أشرِكْنا في دعاء المؤمنين: أي: اجعلنا لهم شركاءَ في ذلك. وشَرِكتُ الرَّجُلَ في الأمرِ أشْرَكُه.
وأمَّا الأصل الآخر فالشرَك: لَقَم الطَّريق، وهو شِرَاكُه أيضًا. وشِرَاك النَّعْل مشبَّه بهذا. ومنه شَرَكُ الصَّائدِ، سمِّي بذلك لامتداده” (2).
و”الشِّرْكَةُ والْمُشَارَكَةُ: خلط المُلكينِ، وقيل: هو أن يوجد شيءٌ لاثنين فصاعدًا، عينًا كان ذلك الشَّيء، أو معنًى، كَمُشَارَكَةِ الإنسان والفرس في الحيوانيَّة، ومُشَارَكَةِ فرس وفرس في الكمتة، والدّهمة، يقال: شَرَكْتُه، وشَارَكْتُه، وتَشَارَكُوا، واشْتَرَكُوا، وأَشْرَكْتُه في كذا… وشِرْكُ الإنسان في الدِّين ضربان:
أحدهما: الشِّرْكُ العظيم، وهو: إثبات شريك للَّه (تعالى). يقال: أَشْرَكَ فلان باللَّه، وذلك أعظم كفر. قال (تعالى): (إِنَّ الله لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ به) (3).
والثَّاني: الشِّرْكُ الصَّغير، وهو مراعاة غير اللَّه معه في بعض الأمور، وهو الرِّياء والنِّفاق المشار إليه بقوله: (جَعَلا لَه شُرَكاءَ فِيما آتاهُما فَتَعالَى الله عَمَّا يُشْرِكُونَ) (4)… ولفظ الشِّرْكِ من الألفاظ المشتركة…” (5).
وقد “خلط الرَّاغب بين أنواع الشِّرك والمشركين، ومعانيها. لكنها مباحث يغلب عليها الجانب الكلامي والفقهي، ويقل فيها الجانب اللغوي، فلا نُفيض فيها” (6).
أمَّا الشِّرك اصطلاحًا: “أن يعبد الانسان غير الله. والعبادة إنَّما تتحقَّق بالخضوع لشيءٍ على أنَّه ربٌّ يُعبد”(7).
أو “الاعتقاد بتعدُّد الآلهة، أو عبادتها. وهو خلاف التَّوحيد” (8).
و”المناط في الشِّرك: هو جعل شيءٍ مستقلَّا وله موضوعيَّة، وهو مورد نظر وتوجه بذاته أو بصفته أو بفعله، وكلَّما ازداد التَّوجُّه اليه واشتدَّ النَّظر إلى خصوص وجوده وخصوصيّته: تزداد مرتبة الإشراك به تعالى، ويهون الارتباط فيما بينه وبين اللَّه. (وَيَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً) (9).
(إِنَّ اللهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِه ِ وَيَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ) (10).
(وَمَنْ يُشْرِكْ بِالله فَكَأَنَّما خَرَّ مِنَ السَّماءِ) (11)…” (12).
ومن هذه النُّصوص يتبيَّن أنَّ الجذر اللغوي لكلمة الشِّرك في العربيَّة يرجع إلى معنى بسيط جدًّا: أن يكون الشَّيء بين اثنين أو أكثر، لا ينفرد به واحد. نقول: هذا الشَّيء (مشترك) بين شخصينِ، أو هذه الصفة يشترك فيها أشخاص عدَّة. وهذا المعنى طبيعي جدًا في حياتنا؛ فالأُختان قد تشتركان في الشبه، وصديقتان قد تشتركان في الهواية، وأشخاص عدَّة قد يشتركون في ملك بيت أو مشروع.
لكن المشكلة تبدأ حين يُنقل هذا المعنى إلى الله (سبحانه)؛ لأنَّ الله (تعالى) -في عقيدة التَّوحيد- ليس كمثله شيءٍ، ولا يشبهه أحد، ولا يشاركه أحد في حقيقته. هو المتفرِّد في وجوده، في قدرته، في تدبيره، وفي استحقاقه للعبادة. فإذا تخيَّل الإنسان أنَّ هناك من (يشاركه) في شيءٍ من هذا التَّفرد، يكون قد نقل فكرة (الاشتراك) البشريَّة المحدودة إلى مقام إلهي قائم أساسًا على الانفراد المطلق. وهنا يولد الشِّرك بمعناه العقدي.
كثير من التَّعاريف تقول: الشِّرك هو الاعتقاد بوجود أكثر من إله، أو عبادة غير الله (تعالى). وهذا صحيح؛ لكن الشِّرك بمعناه الدَّقيق يعني أن يُعطى غير الله (تعالى) شيءٌ من الاستقلال؛ أي: يُنظر إليه كأنَّه قائم بذاته، يملك من نفسه القدرة أو التَّأثير أو الاستحقاق، لا لأنَّه مخلوق محتاج إلى الله (سبحانه)، وكأنَّه في موقع مقابل لله (عزَّ وجلَّ).
تخيَّل الفرق بين خادمة في بيت تعمل بإذن صاحبة البيت وتحت إدارتها، وبين شريكة تملك القرار مثله. الأولى تعمل؛ لكنَّها ليست مستقلة. وأمَّا الثَّانية لها موقع موازٍ. والشِّرك في حقيقته هو أن يُتعامل مع مخلوق ما – في القلب أو الاعتقاد – كأنَّه (شريك) بهذا المعنى، لا عبد محتاج.
لهذا قُسِّم الشرك إلى أكبر وأصغر. والشِّرك الأكبر يكون حين يُعطى لغير الله (تعالى) موقع الألوهيَّة أو الربوبيَّة أو العبادة؛ كأن يُعتقد أنَّ هناك من يدبِّر الكون استقلالًا، أو يُعبد كما يُعبد الله (تعالى). وأمَّا الشرك الأصغر، مثل الرِّياء، فهو أدق وأخفى. وهنا لا يقول الإنسان بلسانه إنَّ هناك إلهًا آخر، لكنَّه في قلبه يجعل نظر الناس شريكًا في عبادته، فيصلي أو يعمل الصَّالحات ليُعجب به الآخرون. كأن العبادة لم تعد خالصة لله وحده، ودخل فيها (طرف آخر) في القصد والغاية. والفرق في الدَّرجة كبير، لكن الجذر واحد: إعطاء غير الله (تعالى) نصيبًا لا يليق إلَّا به.
أمَّا حقيقة الشِّرك في ضوء روايات المعصومين (عليهم السلام)، فإنَّ النُّصوص الواردة عنهم تقدِّم إطارًا تفسيريًّا منضبطًا لهذا المفهوم العقدي، يكشف حدوده الدَّقيقة ويميِّز بين مراتبه وصوره، بحيث لا يُترك المصطلح عائمًا في الأذهان ولا مفتوحًا على استعمالات انفعاليَّة قد تُفضي إلى التَّسرُّع في إخراج الآخرينَ من دائرة الإيمان. فالرِّوايات الشَّريفة تضع معايير معرفيَّة وعباديَّة واضحة، تُسهم في ضبط الفهم العقدي، وتوجِّه الذِّهن إلى التَّوحيد بوصفه حالة وعيٍ وانقيادٍ لله (تعالى) في الاعتقاد والعمل معًا، وهو المسار الذي يفتح للإنسان أفق القرب الإلهي ونيل المغفرة.
ومن النصوص المركزيَّة في هذا الباب ما رُوي عن عباس بن يزيد، عَنْ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ (عليه السلام) قَالَ: قُلْتُ إِنَّ هَؤُلَاءِ الْعَوَامَّ يَزْعُمُونَ أَنَّ الشِّرْكَ أَخْفَى مِنْ دَبِيبِ النَّمْلِ فِي اللَّيْلَةِ الظَّلْمَاءِ عَلَى الْمِسْحِ الْأَسْوَدِ، فَقَالَ: “لَا يَكُونُ الْعَبْدُ مُشْرِكاً حَتَّى يُصَلِّيَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَذْبَحَ لِغَيْرِ اللَّهِ، أَوْ يَدْعُوَ لِغَيْرِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ” (13).
وتُظهر هذه الرِّواية انتقال البحث من التَّصوير الوعظي الذي يركِّز على خفاء بعض شوائب القصد والنِّيَّة، إلى تحديد عقدي يرتبط بجوهر العبادة. فالتَّشبيه بخفاء دبيب النمل يعبِّر عن دقائق الانحرافات القلبيَّة التي قد تعترض الإنسان، من رياءٍ خفيٍّ أو تعلُّقٍ بغير الله (عزَّ وجلَّ) في مستوى الشعور، غير أنَّ الإمام (عليه السلام) يوجِّه النَّظر إلى أنَّ توصيف الإنسان بالمشرك -بالمعنى العقدي الذي يخرجه عن التَّوحيد- لا يثبت بمجرَّد هذه الخواطر أو حالات الضعف الباطني، وإنَّما يرتبط بتحويل وجهة العبادة نفسها.
والعبادة في الوعي القرآني والرِّوائي تمثِّل ذروة الخضوع والتألُّه؛ ولذلك حُصرت أمثلتها هنا في أفعال تعبِّر عن أقصى مراتب التَّوجُّه: الصَّلاة بما هي إعلان عملي للعبوديَّة، والذَّبح بما يحمله من معنى القربة والتَّقديس، والدُّعاء بما يتضمَّنه من إسناد القدرة على العطاء والتَّصرُّف في شؤون العبد. فإذا نُقلت هذه الأفعال -من حيث القصد والاعتقاد- إلى غير الله (تعالى)، تحقَّق جوهر الشِّرك؛ لأنَّ موضع الألوهيَّة الذي لا يقبل الشَّراكة قد أُعطي لغير مستحقِّه.
وعلى هذا الأساس يتَّضح الفرق بين الانحرافات السلوكيَّة أو القلبيَّة التي تحتاج إلى تزكية وإصلاح، وبين التَّحوّل العقدي الذي يمسُّ أصل التَّوحيد. فليس كلُّ ضعفٍ في الإخلاص، أو كل تأثُّرٍ نفسي بغير الله (تعالى)، يُساوي الشِّرك الذي يترتَّب عليه الحكم العقدي الخطير؛ وإنَّما المدار على الجهة التي تُصرف إليها العبادة باعتبارها خضوعًا مطلقًا. وبهذا البيان يُصان المفهوم من الإفراط والتَّفريط معًا: فلا يُهوَّن من شأن التَّوحيد، ولا يُتوسَّع في إطلاق وصف الشِّرك على المسلمين بغير ضابط علميٍّ.