الدولة كساحة: تشريح مفهوم مضاد من رحم الحروب الدولية الجديدة

ملخص:

لطالما هيمن مفهوم “الدولة” الويستفالي على الخطاب السياسي، مفترضًا وجود كيان سيادي يحتكر العنف المشروع. لكن هذا المفهوم، المستورد إلى الجنوب العالمي، أصبح مضللًا في فهم ديناميكيات الصراعات المعاصرة. تقترح هذه المقالة، انطلاقًا من “نظرية الحروب الدولية الجديدة” (NIWT)، مفهومًا مضادًا هو “الدولة كساحة” لوصف نمط وجود مختلف، حيث تُفرغ الدولة من وظائفها السيادية لتتحول إلى مجرد مسرح مادي تُخاض على أرضه صراعات القوى الخارجية عبر وكلائها المحليين. باستخدام منهجية التحليل المفاهيمي وتتبع العملية، يبرهن المقال -بالاستناد إلى أمثلة من السودان وسوريا- على أن “الدولة كساحة” هي أداة تحليلية حاسمة تكشف عن علاقات القوة الخفية وآليات الحرب بالوكالة، وتتحدى السرديات التي تبسط الصراعات بوصفها “حروبًا أهلية”. إن تقديم هذا المفهوم هو محاولة لـ “تحرير المعرفة” وتقديم لغة تحليلية جديدة تنبع من واقع الجنوب العالمي، لا من مثاليات الشمال.

مقدمة: أزمة المفهوم في عالم متغير

إن اللغة التي نستخدمها لوصف العالم لا تعكسه فحسب، بل تُشكّله أيضاً. فالمفاهيم السياسية، بوصفها أدوات تحليلية، تحمل في طياتها تاريخاً وسلطة ورؤية للعالم. وفي قلب الخطاب السياسي والأكاديمي المعاصر، يقف مفهوم “الدولة” (The State) كعمود فقري ؛ وهو مفهوم وُلد في سياق التجربة الأوروبية بعد معاهدة وستفاليا عام 1648، ورسّخ فكرة الكيان السياسي ذي السيادة الكاملة على إقليم محدد، والذي يحتكر استخدام العنف المشروع¹. هذا المفهوم، بكل حمولته التاريخية والفلسفية، تم “تصديره” إلى بقية العالم، بما في ذلك العالم العربي، عبر القوى الاستعمارية، ليصبح هو النموذج الوحيد والمثالي الذي تُقاس عليه جميع الكيانات السياسية.

لكن ماذا يحدث عندما يصبح هذا المفهوم المستورد عاجزاً عن تفسير الواقع، بل ومضللاً له؟ وماذا يحدث عندما تتحول “الدولة” من فاعل مهيمن إلى مجرد جغرافيا للصراع؟ إن الصراعات التي نشهدها اليوم في مناطق مثل السودان، وسوريا، وليبيا، واليمن، والتي أُطلق عليها ضمن إطارنا النظري “الحروب الدولية الجديدة” (NIWT)² ، تكشف عن أزمة عميقة في مفهوم “الدولة” التقليدي. فهذه الكيانات لم تعد تتصرف كـ “دول” بالمعنى الويستفالي، بل تحولت إلى شيء آخر، شيء يتطلب لغة جديدة ومفهوماً جديداً لفهمه.

يقترح الباحث هنا مفهوم “الدولة كساحة” (The State as an Arena) كمفهوم مضاد ومُصحح. هذا المفهوم هو أداة تحليلية نقدية تهدف إلى تفكيك علاقات القوة الخفية التي تُحرك الصراعات المعاصرة. “الدولة كساحة” هي حالة وجودية (ontological status) تُفرغ فيها الدولة من محتواها السيادي لتصبح مجرد مسرح مادي تُدار على أرضه صراعات القوى الخارجية عبر وكلائها المحليين. إنها حالة يتآكل فيها احتكار العنف، وتتشظى فيها الولاءات، وتتلاشى فيها الحدود بين الداخل والخارج³. يهدف هذا المقال إلى تشريح هذا المفهوم، وتوضيح جذوره النظرية ضمن نظرية الباحث: “نظرية الحروب الدولية الجديدة” (NIWT)، وإثبات قوته التحليلية من خلال دراسات حالة من السودان وسوريا. إنها محاولة لتقديم لغة تحليلية أكثر دقة وواقعية؛ لغة تنبع من رحم المعاناة والتجربة الفعلية لدول الجنوب العالمي، لا من النماذج المثالية التي فُرضت عليها.

1. أزمة المفهوم الويستفالي في تفسير الصراعات المعاصرة

قبل التطرق لـ مفهوم “الدولة كساحة”، من الضروري استعراض قصور المفهوم التقليدي للدولة في استيعاب ديناميكيات الحروب الدولية الجديدة. لقد هيمنت على أدبيات العلاقات الدولية والعلوم السياسية نظريات كبرى (الواقعية، الليبرالية، البنائية) انبثقت جميعها من رحم التجربة الأوروبية وتفترض، بدرجات متفاوتة، وجود الدولة كفاعل مركزي ومتماسك.

  • قصور الواقعية: تركز الواقعية، بفرعيها الكلاسيكي والهيكلي، على الدولة كوحدة تحليل أساسية تسعى لتعظيم قوتها في نظام دولي فوضوي. هذا النموذج يفشل فشلاً ذريعاً في تفسير الصراعات التي لا تدور بين دول قوية، بل داخل دول هشة. فالواقعية لا تمتلك الأدوات لتفسير صعود الفاعلين من غير الدول (الميليشيات، الشركات العسكرية الخاصة) كلاعبين استراتيجيين، ولا تستطيع تفسير كيف يمكن لـ”ضعف الدولة” (State Weakness) أن يكون هو نفسه مصدراً للصراع الدولي، وليس مجرد شأن داخلي.
  • قصور الليبرالية: ترى الليبرالية في العولمة والمؤسسات الدولية قوة دافعة نحو السلام والتعاون. لكن الحروب الدولية الجديدة تُظهر الوجه الآخر للعولمة؛ فهي تُمكن الصراع عبر تسهيل تدفق التمويل والسلاح والمقاتلين والأيديولوجيات المتطرفة عبر الحدود. كما تُظهر عجز المؤسسات الدولية عن وقف هذه الصراعات المعقدة التي تتجاوز آليات عملها التقليدية.
  • قصور البنائية: على الرغم من أن البنائية تُسلط الضوء على دور الهويات والأفكار في تشكيل الصراعات، وهو أمر حيوي لفهم النزاعات الطائفية والإثنية، إلا أنها قد لا تعطي وزناً كافياً للعوامل المادية الصلبة (مثل السيطرة على الموارد، والمصالح الجيوسياسية للقوى الخارجية) التي تُغذي هذه الحروب.

إن هذا القصور المنهجي العام يخلق فجوة معرفية، حيث يتم تحليل صراعات القرن الحادي والعشرين في الجنوب العالمي بأدوات مفاهيمية صُممت لتفسير واقع القرن التاسع عشر في أوروبا. ومن رحم هذه الفجوة، تنبثق الحاجة إلى مفاهيم جديدة وأصيلة.

2. من “الدولة” إلى “الساحة”: تفكيك الهيمنة المفاهيمية

إن هيمنة مفهوم “الدولة” الويستفالي في العلوم السياسية والعلاقات الدولية ليست بريئة ؛ إنها تعكس علاقة قوة معرفية، حيث يُصبح النموذج الغربي هو المعيار العالمي. هذا النموذج يفترض وجود ثلاثة أركان أساسية للدولة: السيادة (Sovereignty)، واحتكار العنف المشروع (Monopoly of Legitimate Violence)، والولاء الوطني (National Loyalty). لكن في سياق الحروب الدولية الجديدة، تتآكل هذه الأركان بشكل منهجي:

  • تآكل السيادة: لم تعد الدولة قادرة على التحكم في حدودها، أو مجالها الجوي، أو اقتصادها، أو حتى السرديات التي تُتداول داخلها. تتدفق الأسلحة والمقاتلون والأموال والأيديولوجيات عبر الحدود بسهولة، وتتدخل القوى الخارجية بشكل مباشر وغير مباشر في الشؤون الداخلية، مما يجعل السيادة مجرد واجهة قانونية فارغة⁴.
  • تفكك احتكار العنف: لم يعد الجيش الوطني هو الفاعل المسلح الوحيد ؛ بل تنافسه، وأحياناً تتفوق عليه، الميليشيات المسلحة، والشركات العسكرية الخاصة⁵، والجماعات الإرهابية، التي تمتلك قدرات قتالية وتمويلية هائلة، وغالباً ما تكون مدعومة من الخارج⁶.
  • تشظي الولاءات: بدلاً من الولاء للدولة المركزية، تتجه ولاءات الأفراد والجماعات إلى فاعلين آخرين: القبيلة، أو الطائفة، أو الميليشيا، أو حتى الدولة الخارجية التي تقدم الدعم والحماية.

عندما تتآكل هذه الأركان الثلاثة، لا تعود “الدولة” موجودة إلا ككيان جغرافي وقانوني شكلي. هنا، تبرز الحاجة إلى مفهوم “الدولة كساحة”، الذي يصف هذا الواقع الجديد بدقة أكبر. إن مصطلحات مثل “الساحة السورية” أو “الساحة الليبية”، التي تُستخدم بشكل شائع في الخطاب الإعلامي والسياسي، ليست مجرد استعارات لغوية، بل هي تعبير عفوي ودقيق عن هذا التحول الوجودي. “الساحة” هي مكان مفتوح، لا يمتلكه أحد بالكامل، تدخله أطراف متعددة لتتنافس وتتقاتل، ولكل منها أهدافه وأدواته.

3. “الدولة كساحة” كأداة تحليلية في نظرية الحروب الدولية الجديدة (NIWT)

بعد التطرق لـ قصور المفاهيم التقليدية، ننتقل الآن إلى الخوض في مفهوم “الدولة كساحة” كأداة تحليلية مركزية ضمن الإطار الأوسع لـ”نظرية الحروب الدولية الجديدة” (NIWT). لا يهدف هذا المفهوم إلى أن يكون مجرد تسمية بديلة للدولة الفاشلة، بل هو إطار مفاهيمي يمتلك قوة تفسيرية خاصة، ويكشف عن ديناميكيات لا تستطيع النظريات التقليدية التقاطها. إن قوته تكمن في قدرته على إعادة توجيه بوصلة التحليل من الداخل إلى الخارج، ومن الظاهر إلى الخفي.

  • كشف آليات الحرب بالوكالة (Proxy Warfare): هذا هو الإسهام الأكبر للمفهوم. بدلاً من النظر إلى الصراع كـ “حرب أهلية” (Civil War) تدور رحاها بين فاعلين محليين، يُجبرنا مفهوم “الدولة كساحة” على طرح سؤال مختلف وأكثر أهمية: “من هم اللاعبون الذين يستخدمون هذه الساحة لتحقيق مصالحهم؟”. إنه يُحول السؤال من “لماذا يتقاتل السوريون؟” إلى “من الذي يُقاتل على أرض سوريا؟”. هذا التحول في السؤال يضع التدخل الخارجي والحرب بالوكالة في قلب التحليل، لا على هامشه. إنه يكشف أن العديد من الفاعلين المحليين ليسوا سوى “وكلاء” (Proxies) لقوى إقليمية ودولية تستخدم “الساحة” كلوحة شطرنج لتصفية حساباتها الجيوسياسية⁷.
  • فهم اقتصاديات الحرب (War Economies): “الساحة” ليست مجرد مسرح للقتال، بل هي أيضاً سوق مفتوح لاقتصاديات الحرب غير المشروعة. في غياب سلطة الدولة المركزية القادرة على فرض القانون وجباية الضرائب، تزدهر الأنشطة الاقتصادية الموازية. تُستغل الموارد الطبيعية (النفط، الغاز، الذهب، الألماس)، وتُنشأ شبكات تهريب عابرة للحدود (للسلاح، المخدرات، البشر)، وتُفرض إتاوات على حركة التجارة والسكان. هذه الأنشطة لا تمول استمرارية الصراع فحسب، بل تخلق طبقة جديدة من “أمراء الحرب” (Warlords) الذين تصبح مصالحهم الاقتصادية مرتبطة ارتباطاً وثيقاً باستمرار الفوضى، مما يجعلهم أكبر المعارضين لأي تسوية سياسية قد تهدد مصادر دخلهم⁸.
  • تحدي السرديات المُبسطة والمضللة: إن أقوى ما يقدمه مفهوم “الدولة كساحة” هو قدرته على تحدي السرديات الإعلامية والسياسية المضللة التي تُبسط الصراعات. فسردية “الحرب الأهلية” تُلقي باللوم على الأطراف الداخلية وحدها، وتُخفي مسؤولية القوى الخارجية، وتُساوي أخلاقياً بين الدولة الشرعية (حتى لو كانت ضعيفة) والميليشيا المتمردة. أما مفهوم “الدولة كساحة” فيُعيد توزيع المسؤولية بشكل أكثر عدلاً، ويُظهر أن الصراع هو نتاج تفاعل معقد بين عوامل داخلية (مثل ضعف الدولة والانقسامات المجتمعية) وعوامل خارجية (مثل التدخلات الإقليمية والدولية). هذا الفهم المعقد هو ما تم تفصيله في الكتاب الرابع من هذه السلسلة، والذي يتناول “الحرب على العقول” ودور التضليل الإعلامي في تشكيل تصوراتنا عن هذه الصراعات⁹.
  • إعادة تعريف السيادة: يتحدى المفهوم فكرة السيادة كقيمة مطلقة. في “الدولة كساحة”، تصبح السيادة متغيرة، مجزأة، ومتنازعاً عليها. قد تسيطر الحكومة على العاصمة، بينما تسيطر ميليشيا على الموانئ، وتسيطر جماعة أخرى على حقول النفط، وتسيطر قوة أجنبية على قاعدة عسكرية. السيادة هنا لا تختفي، بل تتشظى وتُعاد توزيعها بين فاعلين متعددين، وهو ما يختلف جذرياً عن المفهوم الويستفالي للسيادة كوحدة لا تتجزأ.

4. دراسات حالة: السودان وسوريا كساحات للصراع

لتوضيح القوة التحليلية لمفهوم “الدولة كساحة”، سنقوم بتطبيقه على حالتين معاصرتين تجسدان هذا التحول الوجودي بوضوح: السودان وسوريا.

أ. السودان: من الدولة الهشة إلى الساحة المفتوحة

يُقدم الصراع الدائر في السودان منذ 15 أبريل 2023 مثالاً نموذجياً ومأساوياً على تحول “الدولة” إلى “ساحة” قتال مفتوحة للقوى الداخلية والخارجية. هذا التحول لم يكن وليد لحظة اندلاع الحرب، بل هو نتيجة مسار طويل من التآكل المنهجي لمؤسسات الدولة السيادية.

  • الجذور: تآكل احتكار العنف وبناء القوة الموازية لم تبدأ الحرب من فراغ، بل كانت نتيجة حتمية لسنوات من بناء قوة موازية للجيش، هي “مليشيا الدعم السريع”. هذه المليشيا، التي نشأت في رحم حرب دارفور، لم تكن مجرد قوة مساعدة، بل تطورت لتصبح جيشاً خاصاً يمتلك قدرات عسكرية هائلة، ومصادر تمويل مستقلة (خاصة من سيطرتها على مناجم الذهب وتجارتها غير المشروعة)، وعلاقات خارجية مستقلة عن قنوات الدولة الرسمية¹⁰. إن وجود جيشين في دولة واحدة هو الوصفة المثلى لتفكك احتكار الدولة للعنف، وهو الركن الأساسي للدولة الفيبرية. قبل 15 أبريل 2023، كانت الدولة السودانية قد فقدت بالفعل أحد أهم أركانها، وكانت مسألة المواجهة بين الجيشين مجرد مسألة وقت.
  • التحول إلى ساحة: الحرب بالوكالة على أرض السودان بمجرد اندلاع الصراع، تحولت “الساحة السودانية” بسرعة إلى مسرح لتنافس القوى الإقليمية والدولية. تشير الشواهد الميدانية والأدلة الموثقة والتقارير الأممية المتعددة إلى أن مليشيا الدعم السريع تتلقى دعماً عسكرياً ولوجستياً ومالياً كبيراً من أطراف خارجية، أبرزها الإمارات العربية المتحدة، بالإضافة إلى دعم لوجستي وعسكري من مجموعة “فاغنر” الروسية عبر دول الجوار مثل جمهورية إفريقيا الوسطى وليبيا¹¹. هذا الدعم الخارجي هو شريان الحياة الذي مكن المليشيا من الاستمرار في القتال وتوسيع نطاق عملياتها، محولاً الصراع من تمرد داخلي كان يمكن حسمه، إلى حرب بالوكالة معقدة وطويلة الأمد. أصبحت الخرطوم ودارفور وغيرها من المدن السودانية “ساحات” تُختبر فيها الأسلحة الأجنبية وتُصفى فيها الحسابات الإقليمية.
  • السردية المضللة كغطاء للساحة لتوفير غطاء سياسي وإعلامي لهذا التدخل، تم الترويج لسردية مضللة على نطاق واسع في وسائل الإعلام الغربية والعربية، مفادها أن ما يحدث في السودان هو مجرد “صراع على السلطة بين جنرالين” متساويين في المسؤولية. هذه السردية، كما حللناها في ورقة سابقة¹²، تخدم عدة أهداف:
    1. إخفاء طبيعة الصراع: تُخفي حقيقة أن الصراع هو تمرد من قبل ميليشيا على الجيش الوطني ومؤسسات الدولة.
    2. نزع الشرعية: تُساوي بين الجيش الوطني، كمؤسسة سيادية، والمليشيا المتمردة، مما ينزع الشرعية عن الأول ويمنحها للثانية.
    3. توفير غطاء للتدخل: تبرر للدول الخارجية دعمها للمليشيا تحت ستار “دعم أحد طرفي الصراع” بدلاً من “دعم تمرد ضد دولة ذات سيادة”. مفهوم “الدولة كساحة” يكشف زيف هذه السردية؛ إذ يُظهر أن الصراع في جوهره هو دفاع عن وجود الدولة ضد قوى داخلية وخارجية تسعى لاستخدام “الساحة السودانية” لتحقيق مصالحها، حتى لو كان الثمن هو تفكيك الكيان السوداني نفسه.

ب. سوريا: الساحة الأكثر ازدحاماً باللاعبين

إذا كان السودان يمثل نموذجاً لتحول الدولة الهشة إلى ساحة، فإن سوريا تُعتبر المثال الأكثر تطرفاً ووضوحاً على مفهوم “الدولة كساحة” في العقد الأخير. لقد تحولت الجغرافيا السورية إلى ما يشبه “كأس العالم للحروب بالوكالة”، حيث شارك فيها لاعبون من كل القارات، ولكل منهم أهدافه وأدواته وتحالفاته المتغيرة.

  • تعدد الفاعلين وتدويل الصراع: على “الساحة السورية”، لم يكن الصراع ثنائياً أو حتى ثلاثياً، بل كان شبكة معقدة من الصراعات المتداخلة. تقاتلت على هذه الأرض أطراف لا حصر لها:
    1. الجيش السوري وحلفاؤه: مدعوماً بشكل مباشر من روسيا (عبر القوة الجوية) وإيران (عبر الحرس الثوري والمستشارين) والميليشيات الشيعية العابرة للحدود (مثل حزب الله اللبناني وكتائب من العراق وأفغانستان).
    2. فصائل المعارضة المسلحة: وهي فسيفساء واسعة من الجماعات، تلقت دعماً متفاوتاً من تركيا، وقطر، والسعودية، والولايات المتحدة، ودول أوروبية.
    3. الجماعات الجهادية العالمية: وعلى رأسها تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) وجبهة النصرة (فرع القاعدة)، التي نجحت في السيطرة على مساحات واسعة من الأرض وأقامت “شبه دول” خاصة بها.
    4. القوات الكردية: (وحدات حماية الشعب)، التي تلقت دعماً من الولايات المتحدة لمحاربة داعش، ولكنها في نفس الوقت كانت في صراع مع تركيا.
    5. التدخلات المباشرة للقوى الكبرى: القوات الروسية، والتركية، والأمريكية، وحتى الإسرائيلية (عبر غارات جوية متكررة)، كلها كانت فاعلة بشكل مباشر على الساحة السورية¹³. في هذا المشهد، لم تعد “الدولة السورية” فاعلاً وحيداً يمتلك السيادة، بل أصبحت مجرد طرف من بين أطراف عديدة تتقاتل على جغرافيتها، وتعتمد بشكل كامل على حلفائها الخارجيين للبقاء.
  • تداخل المصالح وتقاطع الأجندات: كل قوة خارجية دخلت “الساحة السورية” كانت لها أهدافها الخاصة التي لا تتطابق بالضرورة مع أهداف حلفائها المحليين. روسيا وإيران تدخلتا لدعم نظام الأسد والحفاظ على نفوذهما الاستراتيجي في المنطقة. تركيا تدخلت لمحاربة القوات الكردية على حدودها ومنع قيام كيان كردي مستقل، ودعمت فصائل معارضة تخدم هذه الأجندة. الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون تدخلوا بهدف معلن هو محاربة داعش، وبهدف خفي هو إضعاف نظام الأسد ومواجهة النفوذ الإيراني. دول الخليج دعمت فصائل مختلفة بهدف إسقاط النظام ومواجهة إيران. هذا التداخل والتقاطع في المصالح هو ما أطال أمد الصراع وجعل أي حل سياسي شامل شبه مستحيل، لأن أي حل يتطلب موافقة جميع اللاعبين الخارجيين، وهو أمر لم يحدث.
  • اقتصاد الحرب كوقود للصراع: ازدهرت على “الساحة السورية” اقتصاديات حرب ضخمة ومعقدة. قام تنظيم داعش بتمويل “خلافته” المزعومة من خلال السيطرة على آبار النفط والغاز وتهريبها عبر شبكات معقدة، بالإضافة إلى فرض الضرائب والابتزاز وتجارة الآثار¹⁴. كما سيطرت فصائل أخرى على المعابر الحدودية وفرضت رسوماً على حركة التجارة. هذا الاقتصاد الموازي لم يكن مجرد نتيجة للفوضى، بل أصبح وقوداً أساسياً لإدامة الصراع، حيث وفر التمويل اللازم لشراء الأسلحة ودفع رواتب المقاتلين، وخلق مصالح اقتصادية عميقة لدى أمراء الحرب في استمرار حالة اللا دولة.

إن تحليل سوريا من منظور “الدولة كساحة” يكشف عن قصور التحليلات التي ركزت فقط على “الثورة” أو “الحرب الأهلية”. فالصراع السوري لم يكن مجرد مواجهة بين نظام وشعب، بل كان صراعاً دولياً وإقليمياً تم خوضه على أرض سوريا وبدماء السوريين.

خاتمة: نحو تحرير المعرفة السياسية

إن مفهوم “الدولة” التقليدي، بحمولته الويستفالية، لم يعد أداة تحليلية كافية لفهم الصراعات المعقدة في عالمنا اليوم، بل أصبح في كثير من الأحيان أداة للتضليل. إنه يُخفي علاقات القوة الحقيقية، ويُبرئ ساحة الفاعلين الخارجيين، ويُبسط الصراعات بطريقة تخدم مصالح معينة. في المقابل، يُقدم مفهوم “الدولة كساحة”، كجزء من “نظرية الحروب الدولية الجديدة” (NIWT)، لغة تحليلية جديدة وأكثر صدقاً مع الواقع.

إنه مفهوم نقدي “مضاد”، لا يخشى من تفكيك المسلمات وتحدي الهيمنة المعرفية للنماذج الغربية. إنه يعترف بأن العديد من “الدول” في الجنوب العالمي لم تعد “دولاً” بالمعنى الكامل للكلمة، بل أصبحت “ساحات” تُستباح سيادتها وتُستغل مواردها وتُراق دماء شعوبها في حروب لا تخصها بالكامل. إن تبني هذا المفهوم هو خطوة ضرورية نحو “تحرير المعرفة السياسية”، وتقديم أدوات تحليلية تمكننا من رؤية العالم كما هو، لا كما يُراد لنا أن نراه. فقط من خلال هذا الفهم العميق والواقعي، يمكننا أن نبدأ في التفكير في استراتيجيات حقيقية للخروج من هذه الصراعات؛ استراتيجيات لا تكتفي بإدارة “الساحة”، بل تسعى لإعادة بناء “الدولة” الحقيقية ذات السيادة والكرامة. إن الفشل في تطوير مفاهيمنا يعني الفشل في فهم واقعنا، والفشل في فهم الواقع هو الخطوة الأولى نحو الفشل في تغييره.

الهوامش

¹ Max Weber, “Politics as a Vocation,” in: H. H. Gerth & C. Wright Mills (Eds.), From Max Weber: Essays in Sociology (New York: Routledge, 1946), pp. 77-128. ² محمد مكي الطاهر، بوابة إلى الحروب الدولية الجديدة: مفاهيم، أطر، ومنهجيات تحليل الصراع المعاصر، (الكتاب الأول من سلسلة فهم عالم الحروب المعاصرة)، (قيد النشر أ). ³ محمد مكي الطاهر، فوق الركام: بناء ‘نظرية الحروب الدولية الجديدة’ لفهم عالم الحروب المعاصرة، (الكتاب الثاني من سلسلة فهم عالم الحروب المعاصرة)، (قيد النشر ب). ⁴ Stephen D. Krasner, Sovereignty: Organized Hypocrisy (Princeton, NJ: Princeton University Press, 1999). ⁵ محمد مكي الطاهر، مرتزقة العصر الحديث: الشركات العسكرية والأمنية الخاصة كفاعلين في الحروب الدولية الجديدة، (الكتاب الثالث من سلسلة فهم عالم الحروب المعاصرة)، (قيد النشر ج). ⁶ Deborah D. Avant, The Market for Force: The Consequences of Privatizing Security (Cambridge: Cambridge University Press, 2005). ⁷ Andrew Mumford, Proxy Warfare (Cambridge: Polity Press, 2013). ⁸ Paul Collier, Economic Causes of Civil Conflict and Their Implications for Policy (Washington, DC: World Bank, 2000). ⁹ محمد مكي الطاهر، الحرب على العقول: التضليل الإعلامي والسرديات الزائفة في الحروب الدولية الجديدة، (الكتاب الرابع من سلسلة فهم عالم الحروب المعاصرة)، (قيد النشر د). ¹⁰ محمد مكي الطاهر، الجيوش غير النظامية في السودان: حالات من إقليم دارفور (الخرطوم: دار المصورات للطباعة والنشر، 2023). ¹¹ The Africa Report, “Sudan: How Russia’s Wagner Group is Fuelling the War,” 14 June 2023, accessed on 27/12/2025, at: https://www.theafricareport.com/311954/sudan-how-russias-wagner-group-is-fuelling-the-war/; Human Rights Watch, “The Massalit Will Not Come Home”: Ethnic Cleansing and Crimes Against Humanity in El Geneina, West Darfur, Sudan, 9 May 2024, accessed on 27/12/2025, at: https://www.hrw.org/report/2024/05/09/massalit-will-not-come-home/ethnic-cleansing-and-crimes-against-humanity-el ¹² محمد مكي الطاهر، “حرب السودان 15 أبريل في الصحافة البريطانية (15 أبريل 2023 – 15 أبريل 2024)”، مجلة القلزم العلمية الدولية المحكمة، العدد 40 (2024). ¹³ عزمي بشارة، سوريا: درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن (بيروت: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2018). ¹⁴ أسامة كاسوحة، اقتصاد الحرب في سورية (الدوحة: مركز حرمون للدراسات المعاصرة، 2019).

قائمة المصادر والمراجع

المراجع العربية

  • بشارة، عزمي. (2018). سوريا: درب الآلام نحو الحرية: محاولة في التاريخ الراهن. المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات.
  • الطاهر، محمد مكي. (2023). الجيوش غير النظامية في السودان: حالات من إقليم دارفور. دار المصورات للطباعة والنشر.
  • الطاهر، محمد مكي. (2024أ). “حرب السودان 15 أبريل في الصحافة البريطانية (15 أبريل 2023 – 15 أبريل 2024)”. مجلة القلزم العلمية الدولية المحكمة، (40).
  • الطاهر، محمد مكي. (قيد النشر أ). بوابة إلى الحروب الدولية الجديدة: مفاهيم، أطر، ومنهجيات تحليل الصراع المعاصر. (الكتاب الأول من سلسلة فهم عالم الحروب المعاصرة) .
  • الطاهر، محمد مكي. (قيد النشر ب). فوق الركام: بناء ‘نظرية الحروب الدولية الجديدة’ لفهم عالم الحروب المعاصرة. (الكتاب الثاني من سلسلة فهم عالم الحروب المعاصرة) .
  • الطاهر، محمد مكي. (قيد النشر ج). مرتزقة العصر الحديث: الشركات العسكرية والأمنية الخاصة كفاعلين في الحروب الدولية الجديدة. (الكتاب الثالث من سلسلة فهم عالم الحروب المعاصرة) .
  • الطاهر، محمد مكي. (قيد النشر د). الحرب على العقول: التضليل الإعلامي والسرديات الزائفة في الحروب الدولية الجديدة. (الكتاب الرابع من سلسلة فهم عالم الحروب المعاصرة) .
  • كاسوحة، أسامة. (2019). اقتصاد الحرب في سورية. مركز حرمون للدراسات المعاصرة.

المراجع الأجنبية

  • Avant, D. D. (2005). The Market for Force: The Consequences of Privatizing Security. Cambridge University Press.
  • Collier, P. (2000). Economic Causes of Civil Conflict and Their Implications for Policy. World Bank.
  • Human Rights Watch. (2024). “The Massalit Will Not Come Home”: Ethnic Cleansing and Crimes Against Humanity in El Geneina, West Darfur, Sudan. Retrieved from [URL].
  • Krasner, S. D. (1999). Sovereignty: Organized Hypocrisy. Princeton University Press.
  • Mumford, A. (2013). Proxy Warfare. Polity Press.
  • The Africa Report. (2023, June 14). Sudan: How Russia’s Wagner Group is Fuelling the War..
  • Weber, M. (1946). Politics as a vocation. In H. H. Gerth & C. W. Mills (Eds.), From Max Weber: Essays in sociology (pp. 77-128). Oxford University Press.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M