الملخص :
شهدت العقود الأخيرة تزايداً ملحوظاً في اعتماد الدول على الشركات العسكرية والأمنية الخاصة للقيام بمهام عسكرية وأمنية كانت تقليدياً من اختصاص القوات المسلحة النظامية، وذلك في إطار خصخصة الوظائف العسكرية وتخفيف الأعباء البشرية والمادية عن الجيوش الوطنية. غير أن هذا التوجّه أفرز إشكاليات قانونية معقّدة، في مقدمتها صعوبة تحديد الوضع القانوني لأفراد هذه الشركات أثناء النزاعات المسلحة، وما إذا كانوا يُصنَّفون كمقاتلين أم مدنيين، الأمر الذي ينعكس مباشرة على تطبيق مبدأ التمييز بين المدنيين والمقاتلين، بوصفه أحد المبادئ الأساسية للقانون الدولي الإنساني.
يناقش هذا البحث الطبيعة القانونية لأفراد الشركات العسكرية والأمنية الخاصة في ضوء قواعد القانون الدولي الإنساني، ولا سيما اتفاقيات جنيف والبروتوكول الإضافي الأول، من خلال تحليل مدى انطباق صفة المقاتل عليهم، أو اعتبارهم مدنيين يرافقون القوات المسلحة، وفقاً لطبيعة المهام التي يؤدونها ومستوى مشاركتهم في الأعمال العدائية. كما يتناول البحث أثر مشاركة هذه الشركات في النزاعات المسلحة على فاعلية مبدأ التمييز، وما تخلقه من غموض في عملية التصنيف، بما يؤدي إلى إضعاف الحماية المقررة للمدنيين، ويُعقِّد مسألة المساءلة القانونية عن الانتهاكات المرتكبة.
ويُبرز البحث أن غياب إطار قانوني دولي ملزم ينظم عمل الشركات العسكرية والأمنية الخاصة يسهم في اتساع فجوة الإفلات من المسؤولية، سواء على مستوى الدول المتعاقدة أو على مستوى الأفراد العاملين في هذه الشركات. كما يخلص إلى أن تحديد الصفة القانونية لأفراد الشركات يجب أن يتم على أساس كل حالة على حدة، وفق طبيعة النشاط المنفّذ، مع ضرورة التمييز بين المهام ذات الطابع المدني وتلك التي تشكل مشاركة مباشرة في الأعمال العدائية.
ويخلص البحث إلى التأكيد على الحاجة الملحّة لتطوير قواعد القانون الدولي الإنساني، أو اعتماد آليات دولية أكثر فاعلية، تضمن ضبط أنشطة الشركات العسكرية والأمنية الخاصة، وتحقيق التوازن بين متطلبات الواقع العملي للنزاعات المسلحة المعاصرة، والحفاظ على جوهر مبدأ التمييز، بما يكفل حماية المدنيين، ويضمن المساءلة عن انتهاكات القانون الدولي الإنساني.