انتهاك حرمة كسوة الكعبة وضرورة المساءلة

بقلم:
د.رعدهادي جبارة
الأمين العام
للمجمع القرآني الدولي

﷽﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ وَالْهَدْيَ وَالْقَلَائِدَ ذَٰلِكَ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾
سورة المائدة–97

مما يحزّ في النفس و يقرح وجدان المسلمين في كل مكان ما ورد في تقارير إعلامية حديثة عن إهداء أجزاء من كسوة الكعبة المشرفة — الرمز الأقدس المتصل مباشرة بقبلة المسلمين وبيت الله الحرام — إلى جيفري إبستين الهالك، وهو شخص منحرف قواد فاسق ضال أُدين سابقًا بجرائم جنسية خطيرة تتعلق بالاتجار الجنسي بالقاصرين.
فكسوة الكعبة ليست قطعة قماش عادية، بل رمز ديني بالغ القداسة، ارتبط تاريخيًا بالتبجيل والتوقير والاحترام، وجرت العادة أن تُهدى أجزاؤها — بعد استبدالها السنوي — إلى علماء دين، أو مؤسسات إسلامية، أو متاحف عالمية، تقديرًا لدورهم في خدمة الإسلام والقرآن أو التعريف بحضارته، وليس بوصفها هدية شخصية تُمنح على أساس الثراء أو النفوذ أو العلاقات.
ووفق ما بثّته القناة الرابعة البريطانية، استنادًا إلى وثائق ومراسلات مؤرخة في فبراير/شباط ومارس/آذار 2017، فإن سيدة أعمال خليجية تُدعى عزيزة الأحمدي قامت بسوء تصرف وعملية نكراء، يساعدها شخص يُدعى عبد الله المعاري، بشحن ثلاث قطع من كسوة الكعبة المشرفة المصنوعة من الحرير الأسود المطرّز بالذهب، وإرسالها إلى جيفري إبستين، وذلك بعد إدانته وقضائه عقوبة بالسجن.
وتُظهر المراسلات المنشورةمن قبل وزارةالعدل الأمريكية والتلفزيون البريطاني، (لاحقاً ) أن الشحن تم جواً عبر لندن ومنها إلى فلوريدا وصولًا إلى جزيرته الخاصة، في واقعة تثير تساؤلات أخلاقية وقانونية عميقة حول كيفية خروج هذه القطع من مسارها المعروف، و الجهة التي سمحت أو غضّت الطرف عن ذلك.
إن هذا التصرف الشائن المعيب يمثّل انتهاكًا جسيمًا لحرمة الكعبة المشرفة، و استخفافًا بمشاعر أكثر من مليار ونصف المليار مسلم، فضلًا عن كونه إساءة مباشرة لرمزية أقدس مكان في الإسلام، وتحويلًا لما هو مقدّس إلى أداة مجاملة فجة أو تملّق سخيف أو استثمار علاقات في غير محله.

🔻المساءلة الشرعية قبل الإدارية
لماذا لم نر أي موقف حازم من رئاسة شؤون الحرمين الشريفين أو الأزهر الشريف واستنكارا لهذه الإساءة؟!
إن خطورة هذه الواقعة لا تكمن فقط في الفعل ذاته، بل في ازدواجية المعايير الصارخة في التعامل مع حرمة بيت الله الحرام؛ إذ في الوقت الذي تُلاحَق فيه تغريدة، أو تُستنكر صورة سيلفي، أو يُستدعى مسلم بسبب تصرّف فردي داخل الحرم تحت رقابة عشرات الكاميرات، يُغضّ الطرف عن خروج أجزاء من كسوة الكعبة إلى أيدٍ قدرة نجسة لا تحترم أي قيمة دينية أو أخلاقية لكسوةالكعبة المشرفة.
ومن هنا، تبرز المسؤولية المباشرة للجهة المشرفة على شؤون الحرمين الشريفين، وعلى رأسها الشيخ عبد الرحمن السديس بصفته المسؤول الأعلى عن إدارة شؤون المسجد الحرام ومجمع كسوة الكعبة المشرفة فضلا عن هيئة كبارالعلماء؛ إذ إن موقعهم الشرعي والإداري يفرض عليهم واجب البيان و المساءلة والإستنكار والتنديد ومنع تكرار الإسائة، لا أن يلوذوا بالصمت أو التجاهل.
كما أن دور المدعوة عزيزة الأحمدي يستوجب تحقيقًا جادًا ومحاسبة قانونية واضحة، لأن التصرف في رموز دينية محترمة ومتبركة ككسوة الكعبة لا يدخل في نطاق المبادرات الفردية، ولا يُبرَّر بأي صفة تجارية أو اجتماعية.
🔻مطلب شرعي و قانوني لايقبل التسويف
وعليه، فإن الواجب الديني والأخلاقي والقانوني يقتضي:
1.فتح تحقيق علني شفاف يحدد بدقة كيفية خروج أجزاء الكسوة والجهات التي سمحت أو سهّلت ذلك.
2.محاسبة كل من يثبت تورطه، أياً كان موقعه أو صفته أو مكانته.
3.وضع ضوابط شرعية وقانونية صارمة تمنع نهائيًا تكرار مثل هذه الإساءات.
4.التأكيد أن حرمة الكعبة ليست ملفًا إداريًا، بل أمانة دينية يُسأل عنها المسؤولون أمام الله قبل البشر.
إن صيانة حرمة الكعبة ليست شأنًا بروتوكوليًا أو أمنيًا، بل عقيدة وتعظيم لشعائر الله، والتهاون فيها خيانة للأمانة التي حمّلها الله لمن تولّى أمر بيته الحرام.
﴿ذَٰلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ﴾
سورة الحج –30
وفي المقابل، فإن انتهاك حرمات الله، والاستخفاف بقدسية بيته العتيق، والإساءة إلى رموزه المقدسة، هو باب من أبواب الفتنة العظيمة، ومما يستوجب غضب الله عز وجل، ويحمّل الإثم لكل من شارك أو سهّل أو سكت أو تستّر.
{وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلَعَنَهُمْ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَهَنَّمَ وَسَاءَتْ مَصِيرًا} ﴿الفتح6﴾
فما رأيك أنت؟

 

وردنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M