تحلية مياه البحر بالمغرب: خيار استراتيجي لتحقيق الأمن المائي

الملخص:

يشكل موضوع الماء أحد التحديات الكبرى التي يواجهها المغرب في ظل تزايد الضغط على الموارد الطبيعية نتيجة النمو الديمغرافي، والتوسع العمراني، وتوالي سنوات الجفاف، إلى جانب انعكاسات التغيرات المناخية. وأمام محدودية الموارد السطحية والجوفية، اختار المغرب التوجه نحو تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي يندرج ضمن السياسة الوطنية للماء.

هذا ويعتبر المغرب من الدول المصنفة تحت عتبة الإجهاد المائي، حيث لا يتجاوز نصيب الفرد 600 متر مكعب سنوياً، وهو رقم بعيد عن المعدل العالمي، الأمر الذي دفعه إلى تحديث ترسانته القانونية، بغية حماية الثروة المائية مدنيا وجنائيا، ضف إلى ذلك الطلب المتزايد نتيجة ارتفاع حاجيات الساكنة الحضرية، القطاع الصناعي والفلاحة المسقية، ناهيك عن قلة التساقطات.

وقد أضحى خيار تحلية مياه البحر في المغرب ضرورة ملحة دون كونه بديلا تقنيا، فهو يساهم في مواجهة الندرة المائية وضمان الأمن المائي والغذائي، ويشكل رافعة للتنمية الاقتصادية والاجتماعية سيما في المناطق الساحلية، ومع استمرار الاستثمارات في هذا المجال، يسير المغرب نحو إرساء نموذج متكامل يمزج بين التحلية والطاقات المتجددة، بما يعزز مكانته كرائد إقليمي في مجال تدبير الموارد المائية على نحو مستدام.

مقدمة:

يمثل الماء عنصرا أساسيا تقوم عليه الحياة الإنسانية وسائر الكائنات الحية[1]، إذ يشكل مركبا طبيعيا لا غنى عنه لاستمرار الحياة بمختلف أشكالها، فإلى جانب كونه ضروريا لتلبية الاحتياجات الحيوية لجسم الإنسان، يعد أيضا ركنا محوريا في قيام الحياة الاجتماعية والاقتصادية.

وعلى هذا الأساس، حظي هذا المورد الحيوي بأهمية قصوى منذ عصور زمنية قديمة، كما شكل عبر التاريخ محور نشوء صراعات قبلية ونزاعات سياسية وأمنية أرهقت الأمم في حروب دموية.

إن إشكالية المياه في المغرب طرحت في عصور زمنية قديمة، فقد كان المغرب يعيش سنوات جفاف بين الفينة والأخرى، غير أن الإشكال طرح بحدة خلال السنوات القليلة الماضية، ومنذ سنة 2017، (حيث شهد المغرب اجهادا مائيا حادا انتقلت خلاله حصة الفرد من الماء من 2500 متر مكعب للفرد خلال سنة 1960 إلى أقل من 650 متر مكعب بحلول سنة 2030) (المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي) دفعه إلى إعادة هيكلة التشريعات[2] المتعلقة بالماء ومعها السياسات العمومية المتعلقة به.

وقد عبر جلالة الملك في خطابه السامي بمناسبة عيد العرش المجيد عن الوضعية التي يعيشها المغرب فيما يتعلق بقضية الماء بالقول: “ومن أهم هذه التحديات، إشكالية الماء، التي تزداد حدة بسبب الجفاف، وتأثير التغيرات المناخية، والارتفاع الطبيعي للطلب، إضافة إلى التأخر في إنجاز بعض المشاريع المبرمجة، في إطار السياسة المائية”، وقد وصف جلالته هذه القضية بكونها “مصيرية” لما تكتسيه من أهمية استراتيجية بالنسبة لمستقبل البلاد. (الخطاب السامي لجلالة الملك بمناسبة عيد العرش المجيد، 29/07/2024).

في نفس السياق، يراهن المغرب تحت القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله على مواجهة التحديات التي تفرضها السياسات المائية بالمغرب، وذلك من خلال خلق مجموعة من المشاريع، وإعادة هيكلة السياسات العمومية الموجهة للماء، وتحديث الترسانة التشريعية المتعلقة بها، بما يضمن الحماية اللازمة لها.

ولعل، من بين أهم الأوراش الكبرى التي دعا جلالته إلى تعزيز السياسات الموجهة لها، تحلية مياه البحر، باعتبارها محورا مهما لإعادة التوازن لأنماط الاستهلاك المتعلق بالماء، حيث جاء في خطاب جلالته في نفس المناسبة ما يلي “ويتعين كذلك تسريع إنجاز محطات تحلية مياه البحر”.

والقول بكون المغرب اتجه في سياساته المائية إلى استراتيجية تحلية مياه البحر لا ينبغي أن يفهم منه أنه لم يكن يعتمد من ذي قبل على هذا المورد غير التقليدي، بل كانت أول تجربة مغربية لتحلية المياه سنة 1977 ببوجدور بقدرة إنتاجية بلغت (250 م3)[3] في اليوم (BOUCIF، 1998، صفحة 243).

هذا ويعتمد المغرب في سياسته المائية على مشروع طموح، لما توفره هذه التقنية من مزايا متعددة، سواء من حيث فعاليتها في مواجهة أزمة المياه وضمان الأمن المائي، أو من خلال ما تؤكده التجارب الدولية من جدوى هذا الخيار الاستراتيجي في تحقيق الأهداف المنشودة.

وتكمن أهمية الموضوع في الأبعاد النظرية والواقعية التي ينطوي عليها، فمن جهة يتجلى الثقل الاستراتيجي الذي يوفره مشروع تحلية مياه البحر في كونه أحد أهم الحلول العملية لمواجهة تحديات ندرة المياه وضمان الأمن المائي، من خلال ضمان الماء الشروب ودعم القطاعات الحيوية كالفلاحة والصناعة. ومن جهةٍ أخرى، تبرز الأهمية النظرية في الطابع العلمي والتقني لهذا المجال، الذي يجمع بين علوم القانون والهندسة والطاقة والبيئة، ويسعى إلى تطوير تقنينات وتقنيات أكثر كفاءة لمواجهة هذه الأزمة.

ومن هنا تبرز الإشكالية المحورية والمتمثلة في دور السياسات العمومية الموجهة نحو تحلية مياه البحر في تعزيز الخيارات الاستراتيجية للأمن المائي في المغرب، في ظل التحولات الراهنة التي تشهدها السياسة المائية الوطنية؟

إن البحث في هذا الموضوع تعيقه عدة صعوبات لعلّ أبرزها تباين المعطيات وتضارب الإحصاءات الصادرة بهذا الخصوص، فضلًا عن التغيّر المستمر في البيانات المرتبطة بالمشاريع والطاقات الإنتاجية، نتيجة الطابع الديناميكي الذي يميز هذا القطاع. كما يُضاف إلى ذلك صعوبة الحصول على وثائق تقنية محدثة تتعلق بالجوانب المختلفة لهذه المشاريع.

وللخوض في جوانب هذه الإشكالية ارتأينا اعتماد المنهج الوصفي التحليلي من خلال مطلبين أولهما: الخيارات الاستراتيجية لتحلية مياه البحر بين حتمية الضرورة وتحقيق الأمن المائي، وثانيهما: آثار تحلية مياه البحر وآفاقها المستقبلية في ضوء الرؤية الاستراتيجية للمغرب.

المطلب الأول: الخيارات الاستراتيجية لتحلية مياه البحر بين حتمية الضرورة وتحقيق الأمن المائي

يعد محور الماء أحد أهم المحاور التي أصبحت تؤرق السياسات العمومية بالمغرب في ظل الأزمة المائية التي يعيشها (جاء في الخطاب المولوي السامي لعيد العرش المجيد لسنة 2024: “ومن أهم هذه التحديات، إشكالية الماء، التي تزداد حدة…”)، والتي تؤثر على مجموعة من القطاعات وتهدد الأمن الاجتماعي للمواطن المغربي، وحقه الدستوري (الفصل 31 من الدستور المغربي لسنة 2011: “تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة، لتيسير أسباب استفادة المواطنات والمواطنين، على قدم المساواة، من الحق في: …… – الحصول على الماء والعيش في بيئة سليمة؛”) في الحصول على الماء.

ووفق هذا المنظور، فإن مشروع تحلية مياه البحر يشكل خيارا بل ضرورة استراتيجية لتحقيق الأمن المائي وتوفير الموارد المائية الكافية في المستقبل القريب والبعيد، كما أنه خيارا مستداما لبناء سياسة مائية مبتكرة توفر حلول دائمة لمعضلة الماء في المغرب.

لذلك، سنعمل على التطرق لهذا المطلب من خلال محورين أساسيين؛ الفقرة الأولى سنتناول فيها تحلية مياه البحر كأولوية قصوى لمواجهة التحديات المناخية، ثم تحلية مياه البحر كركيزة أساسية لتحقيق الأمن المائي في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: تحلية مياه البحر أولوية قصوى لمواجهة التحديات المناخية

عاش المغرب خلال السنوات الأخيرة ظرفية مناخية دقيقة اتسمت بتوالي موجات الجفاف وارتفاع درجات الحرارة إلى مستويات غير معتادة (Direction Générale de la Météorologie Ministère de l’Équipement et de l’Eau، 2025، صفحة 14)[4]، ما نجم عنه ضغط حاد على الموارد المائية الجوفية في مختلف مناطق المملكة، ولا سيما الجهات الجافة وشبه الجافة التي عرفت تراجعًا ملحوظًا في منسوب الفرشات المائية.

ويُظهر تحليل أسباب هذه الأزمة تداخل مجموعة من العوامل المتراكمة، في مقدمتها العوامل المناخية المرتبطة بتغير أنماط التساقطات وارتفاع معدلات الاحترار، إلى جانب العوامل الاقتصادية والاجتماعية والتدبيرية التي ساهمت في تفاقم الوضع. وقد أدى توالي ما يقارب سبع سنوات من الجفاف إلى إضعاف دينامية التغذية الطبيعية للفرشات المائية، وإحداث اختلال واضح في التوازنات المائية الوطنية.

أضف إلى أن الدراسات المناخية التوقعية تضع المغرب ضمن المناطق التي ستشهد أحد أعلى نسب الإجهاد المائي، حيث يقع في المرتبة 19 في ترتيب (World Resources Institute, August 26, 2015) الدول الأكثر مواجهة للإجهاد المائي بحلول سنة 2040 كما يوضح ذلك الشكل التالي:

ولتوضيح التراجع الملحوظ في التساقطات المطرية الذي يشهده المغرب، نأخذ السنة الماضية كمثال لعرض البيانات المتعلقة بهذه التساقطات. ولضمان دقة أكبر في الأرقام، نقوم بالتمييز بين حالتين:

  • السنة الميلادية العادية 2024: سجّل عام 2024 عجزًا مطريًا وطنيًا متوسطًا بلغ %24.7- ، ما يؤكد استمرار موجة الجفاف. ورغم الكميات المطرية القياسية التي عرفتها بعض مناطق سلسلة جبال الأطلس وسفوحها الشرقية وكذا النجود العليا شرق البلاد ومناطق تابعة للنفوذ الترابي لطاطا نتيجة التيارات المدارية التي شهدتها هذه المناطق خلال شهر شتنبر إلا أن العجز في التساقطات على المستوى الوطني ظل مراوحا مكانه حتى متم سنة 2024(Direction Générale de la Météorologie Ministère de l’Équipement et de l’Eau, 2025, p. 4).
  • السنة الهيدرولوجية الزراعية (السنة الزراعية تتناسب مع السنة الهيدرولوجية؛ وتمتد من 1 شتنبر إلى غاية 31 غشت من السنة الموالية ): تُظهر البيانات المتعلقة بالسنة الهيدرولوجية الزراعية 2023-2024 أنها مثّلت أكثر الفترات جفافا منذ ستينيات القرن الماضي، إذ بلغ العجز في التساقطات المطرية نسبة %6 -مقارنة بالمعدل المرجعي. وقد ساهم النقص الحاد في الأمطار والثلوج، والمصحوب بارتفاع واضح في درجات الحرارة، في تفاقم مظاهر الجفاف الهيدرولوجي على نطاق واسع، مما انعكس سلبا على الواردات المائية للسدود التي لم تتجاوز 27% من طاقتها التخزينية في نهاية الموسم، كما أدى إلى استنزاف متزايد للفرشات المائية. وتراجع ملحوظ في مستوياتها، مما خلّف انعكاسات مباشرة وخطيرة على النشاط الزراعي، وجعل تأمين مياه الشرب أكثر كلفة وتعقيدا.

وقد تم الكشف عن أرقام الأحواض خلال هذه السنة في التقرير الصادر عن المديرية العامة للأرصاد الجوية، إذ بلغت في حوض الساقية الحمراء-وادي الذهب (%81,9-)، حوض درعة واد نون (%76,8-)، حوض سوس ماسة (%59,3-)، حوض ملوية (%46,9-)، حوض أم الربيع (%44,6-)، حوض أبي رقراق والشاوية (%44,2-)، حوض تانسيفت (%44,1-)، (%34,4-) في حوض كير زيز غريس و(%25,4-) في حوض سبو، بينما كانت النسبة الأقل عجزا هي المسجلة في حوض اللوكوس والتي بلغت %3,2- (Direction Générale de la Météorologie Ministère de l’Équipement et de l’Eau, 2025, p. 13).

إلى جانب ندرة التساقطات، ساهم الضغط الفلاحي والصناعي المتزايد على الموارد المائية السطحية والجوفية في تفاقم اختلال التوازن المائي، خاصة في المناطق التي تشهد استغلالًا مفرطًا للفرشات. كما أدى سوء التدبير الإداري والسلوكي إلى زيادة العجز في تلبية الاحتياجات وضمان المعدل الوسطي للفرد من الماء.

أمام هذه الاكراهات، نهج المغرب خلال السنوات الماضية سياسة إصلاحية كبرى على مستوى قطاع الماء، وذلك بإعادة هيكلة المشاريع العمومية الموجهة لهذا القطاع، عبر إصلاح المنظومة التشريعية وتقوية الأوراش الكبرى المتعلقة بها.

وقد عمل المغرب على تعزيز الأوراش التقليدية في مجال تدبير الموارد المائية، في مقدمتها سياسة بناء السدود، وذلك في إطار البرنامج الوطني للتزويد بالماء الشروب ومياه السقي 2020-2027. وقد شمل إلى جانب ذلك مشاريع نوعية جديدة، أبرزها الربط بين الأحواض المائية وتحلية مياه البحر، بهدف تعزيز الأمن المائي الوطني ومواجهة تحديات الندرة.

وإذا كانت الحلول التقليدية التي نهجها المغرب خلال السنوات الماضية قد أبانت عن فعاليتها في مواجهة التحديات المائية مبدئيا (مبدئيا على اعتبار أن المغرب سجل نسب عجز في الموارد المائية مقلقة جدا خلال السنوات من 2018 إلى 2023  تقدر على التوالي في السنوات المذكورة بـ %48 و%67 و%54 و%83 و%66، حسب المعطيات التي أوردها تقرير المجلس الأعلى للحسابات لسنة 2024 دفع السلطات العمومية إلى إقرار تدابير استباقية بهدف مواجهة العجز) ، فإنها مع ما يعرفه الوضع المناخي أصبحت غير كفيلة لوحدها بتحقيق أمن مائي مستدام (تفاقمت الوضعية بشكل غير مسبوق خلال السنوات الأخيرة، حيث عرفت الفترة 2018-2023 مواسم جفاف متعاقبة وحادة، إذ سُجّلت، حسب معطيات وزارة التجهيز والماء، نسب عجز في الواردات المائية بالسدود تقدر على التوالي في السنوات المذكورة بـ 48% و%67% و54% و83% و66%، وذلك مقارنةً بالمعدل السنوي لمتوسط الواردات المائية المقدر ب 11,5 مليار متر مكعب ما بين سنتي 1945 و2023) (تقرير المجلس الأعلى للحسابات، 2024)، لم تستطع تقنية السدود وحدها مواكبة الاحتياجات الوطنية المتزايدة من الماء خصوصا في ظل ندرة التساقطات السابقة الذكر.

في نفس السياق، فإن توزيع الموارد المائية بالمغرب يظهر على أنه يشكل هو الآخر تحدي كبير في ظل تمركز السدود الكبرى في المناطق التي تعرف تساقطات مطرية بشكل معتدل في الشمال والوسط، في حين أن مناطق أخرى من المغرب تعرف اضطرابا كبيرا في الموارد المائية خصوصا مناطق الجنوب والجنوب الشرقي.

على هذا الأساس، فقد حتمت الظرفية التي يعيشها المغرب تبني مشاريع نوعية متعلقة بقطاع الماء على رأسها تحلية مياه البحر لما له من أدوار مهمة على مستوى تكريس الأمن المائي، باعتبارها أولوية قصوى لتأمين مياه الشرب في السياقات الساحلية المتأثرة بنقص المياه وتقلبات المناخ؛ فهي تولِّد موارد مائية غير تقليدية لا تعتمد بصورة مباشرة على هطول الأمطار، مما يجعلها مصدراً مستقراً وقابلاً للتشغيل على مدار السنة. كما تُعد مشاريع التحلية أداة فعّالة من أدوات التكيّف مع تغيّر المناخ، لأنها تزيد من مرونة شبكات الإمداد وتضمن استمرارية التزويد خلال فترات الجفاف.

ثم إن حاجة المغرب إلى مثل هذه المشاريع تزداد بالنظر إلى توفره على شريط ساحلي كبير تبلغ مساحته 3411 كلم (رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي بخصوص، 2014) يتضمن واجهتين بحريتين يمكن استغلالهما بشكل يضمن للمواطن المغربي أمن مائي وسهولة في الولوج إلى الحق في الماء، بالرغم الإشكالات والاكراهات التي تعترضه.

الفقرة الثانية: تحلية مياه البحر ركيزة أساسية لتحقيق الأمن المائي 

أبانت السياسة المائية الوطنية وفي مقدمتها سياسة بناء السدود عن قدر كبير من الكفاءة خلال العقود الماضية، إذ مكّنت من تعبئة موارد مائية هامة ضمنت مستوى معقولا من الأمن المائي لسنوات طويلة. غير أنّ هذه السياسة التقليدية لم تعد في السياق المناخي الراهن قادرة وحدها على تحقيق التوازنات المائية الكفيلة بضمان الحق الدستوري لكل مواطن في الحصول على الماء، إذ أظهرت السنوات الأخيرة محدوديتها أمام توالي موجات الجفاف وتراجع معدلات التساقطات، الأمر الذي يستدعي اعتماد مقاربة أكثر شمولاً وتنوعاً في تدبير الموارد المائية.

وعلى هذا الأساس شكل ورش تحلية مياه البحر أحد أهم المشاريع البديلة التي توفر حلولا مستدامة تراعي في طياتها المحافظة على التوازنات المائية بشكل مستدام، كما تعد وسيلة فعالة لتحقق الأمن المائي بالإضافة إلى الأوراش الأخرى ووسيلة فعالة لتخفيف الضغط على المياه الجوفية.

وقد عزز المغرب طموحه في هذا المجال عبر إطلاق مشاريع مهيكلة تروم إنشاء محطات لتحلية مياه البحر في مختلف جهات المملكة، مع إيلاء أولوية خاصة للمناطق التي تعاني من خصاص حاد في الموارد المائية، خاصة في الجنوب والجنوب الشرقي، فضلا عن المحاور الكبرى التي تشهد استنزافا متزايدا للبنية المائية، وعلى رأسها محور الدار البيضاء – سطات، والرباط – سلا – القنيطرة.

إن المشروع الطموح للمغرب يستهدف توفير موارد مائية تبلغ 1.4 مليار متر مكعب سنويا ابتداء من سنة 2027، وتبلغ 1.7 مليار متر مكعب في أفق سنة 2030 (تقرير المجلس الأعلى للحسابات، 2024) موجهة لمياه الشرب والاستعمال المنزلي والصناعي والتجاري والفلاحي[5]، مما سيعزز الأمن المائي في مجموعة من المحاور التي تعرف شحا كبيرا في الماء.

هذا، وقد نظم المشرّع المغربي مسألة تحلية مياه البحر ضمن القانون رقم 36.15 المتعلق بالماء، حيث خصّص لها ست مواد من المادة 72 إلى المادة 77. وقد نصّت المادة 72 على تحديد الفئات المخوّل لها إنجاز منشآت التحلية، وذلك من خلال تمكين أي شخص ذاتي أو اعتباري، خاضع للقانون العام أو الخاص، من القيام بهذه المنشآت، سواء لتلبية حاجياته الذاتية أو حاجيات مستعملين آخرين، شريطة التقيد بالنصوص التشريعية والتنظيمية الجاري بها العمل.

كما أن المشرع المغربي منح إمكانية القيام بهذا النوع من المشاريع في إطار شراكة بين القطاع العام والخاص (PPP – Public-Private Partnership)؛ وفقا للقانون 86.12 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاع العام والخاص، الصادر بتنفيذه ظهير شريف رقم 1.14.192 في فاتح ربيع الأول 1436 (24 ديسمبر 2014(، والمغير والمتمم بالقانون رقم 46.18 الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم 1.20.04 بتاريخ 11 من رجب 1441 (6 مارس 2020) باعتبار هذه الشراكة عقد محدد المدة، يعهد بموجبه شخص عام إلى شريك خاص مسؤولية القيام بمهمة شاملة تتضمن التصميم والتمويل الكلي أو الجزئي والبناء أو إعادة التأهيل وصيانة أو استغلال منشأة بنية تحتية أو تقديم خدمات ضرورية لتوفير مرفق عمومي (المادة الأولى من القانون 86.12).

الأمر الذي سيفتح المجال أمام المقاولات الصغيرة والشركات الكبرى للاستثمار في هذا النوع من المشاريع، كما أنه سيخلق لا محالة تحولا جذريا في مقاربة المشاريع الاستثمارية في قطاع الماء وتنافسية كبيرة فيها (الغوفيري، 2023، صفحة 795).

غير أنّ الملاحظ عند استقراء المواد الست المنظمة لتحلية مياه البحر في التشريع المغربي، كونها أغفلت الإشارة إلى إمكانية إنجاز مشاريع التحلية في إطار الشراكة بين القطاعين العام والخاص (PPP)، واقتصرت على صيغة الامتياز كآلية وحيدة للتدبير. ويُعدّ هذا القصور ملاحظة جوهرية في قانون أحدث من حيث الزمن من القانون رقم 86.12 المتعلق بعقود الشراكة بين القطاعين العام والخاص، الأمر الذي يستدعي مراجعته تحقيقًا للانسجام التشريعي وضمانًا للأمن القانوني. ويزداد هذا المطلب إلحاحًا بالنظر إلى أنّ اعتماد نمط الشراكة (PPP) في بناء وتشغيل منشآت التحلية أثبت نجاعته في عدة تجارب، لما يتميز به من مرونة تمويلية وكفاءة تدبيرية وتقاسم للمخاطر (وردت مميزات هذه الوسيلة في ديباجة القانون 86.12)، بما من شأنه المساهمة بشكل فعّال في إنشاء محطات ذات سعات كبرى قادرة على تلبية الحاجيات المائية المستقبلية. فـتقييم تطور تحلية المياه لا يقتصر على قياس الطاقة الإنتاجية الإجمالية، بل يشمل أيضًا تحليل حجم الوحدات المُركّبة باعتباره مؤشرًا على كفاءة النظم التقنية ومستوى التحكم في الكلفة الاقتصادية والبيئية. وتُظهر التجارب الدولية الحديثة اتجاهًا متناميًا نحو تشييد محطات تحلية ضخمة بفضل توظيف آليات التمويل والشراكة الحديثة، في إطار تنافس دولي لتعزيز الاستثمارات وتوسيع نطاق هذه المنشآت (El Hassane EL MAHDAD، 2024، صفحة 75).

وفقا لما سبق، يتبين أن مشروع تحلية مياه البحر يعد ورشا استراتيجيا وحيويا، لما يوفره من حلول مبتكرة تسهم في تحقيق الأمن المائي، كما يتوقع أن يساهم بشكل ملموس في تعزيز مكانة المغرب ضمن الدول الرائدة في مجال تدبير الموارد المائية.

وهو ما من شأنه أن ينعكس إيجابا على مختلف المستويات، ولا سيما الجوانب الاجتماعية والاقتصادية والفلاحية، كما سيساهم في تلبية الحاجيات المتزايدة للقطاع السياحي من الموارد المائية، انسجاما مع الرؤية الاستراتيجية للمغرب في هذا المجال، خاصة في ظل الاستحقاقات الكبرى التي يستعد لاستضافتها، وعلى رأسها نهائيات كأس العالم 2030.

المطلب الثاني: آثار تحلية مياه البحر وآفاقها المستقبلية في ضوء الرؤية الاستراتيجية للمغرب

إن تحلية المياه باعتباره حلا من الحلول لمواجهة الإجهاد المائي يتطلّب موارد بشرية وتقنية ومالية ضخمة، فضلاً عن أنها ترتب آثارا صحية وبيئية. فهي عملية عالية الاستهلاك للطاقة، تفرض أعباء مالية كبيرة وتخلّف انعكاسات سلبية على البيئة.

مما ارتأينا معه التطرق إلى كل من التأثيرات المترتبة عن تحلية المياه في الفقرة الأولى ومستقبل هذه التقنية على ضوء الرؤية الاستراتيجية للمغرب في الفقرة الثانية.

الفقرة الأولى: تحلية المياه وإشكالية تحقيق التوازنات الكبرى

تثير مسألة تحلية مياه البحر إشكالات عدة تتجاوز بعدها التقني البحت لتلامس أبعادًا أوسع ترتبط بالتوازنات الكبرى. فبينما يُنظر إلى التحلية بوصفها خيارًا استراتيجيًا لمعالجة ندرة الموارد وضمان الأمن المائي، فإنّ التوسّع في اعتمادها يطرح في المقابل تساؤلاتٍ حول كلفتها واستدامتها وانعكاساتها المختلفة. ومن ثَمّ، تحليل هذا الخيار ضمن سياق التوازنات التي يسعى المغرب إلى تحقيقها بين متطلبات التنمية والحفاظ على الموارد الحيوية.

أولا: التأثير البيئي

سبق أن أشارت لجنة كاليفورنيا الساحلية إلى أن أبرز التأثيرات السلبية المباشرة لمحطات تحلية مياه البحر تتعلق بالكائنات البحرية، وقد يكون هذا التأثير كبيرًا في بعض الحالات (Pappas، 2011، صفحة 88).

فعلى الرغم من وجود مجموعة متنوعة من التقنيات والعمليات الحديثة لتحلية المياه[6]، إلا أن كل منها يتضمن نفس المكونات اللازمة، ويُنتج أساسا نفس النتائج الثانوية.

وتجدر الإشارة أن المادة الخام اللازمة لتحلية المياه هي المياه المالحة؛ حيث يجب أن تستقبل جميع محطات تحلية المياه المياه المالحة بالاعتماد عادةً على أنابيب مزودة بمرشحات لتصفية المواد الكبيرة. بعد ذلك، يُسحب الماء المالح ويخضع لعملية تحلية المياه التي تُنتج تيارين من المخرجات: أولهما منتج المياه العذبة المطلوب، وثانيهما منتج ثانوي من محلول ملحي يحتوي على تركيزات عالية من الأملاح المُزالة، بالإضافة إلى أي مواد كيميائية أو معادن أخرى فُصلت خلال عملية التحلية (Pappas، 2011، صفحة 86).

وبخصوص المحلول الملحي الناتج عن هذه التقنية أو ما يسمى بالرجيع الملحي فيتم إعادته إلى المحيط، مما يؤدي حتما إلى التأثير على الحياة البحرية من خلال تغيير نسبة ملوحة بيئة الكائنات الحية.

وهو ما يثير الإشكالية القانونية المرتبطة بحماية البيئة وحماية الساحل، حيث نصّ القانون رقم 81.12، ومن خلال مادته الأولى على ضرورة المحافظة على توازن الأنظمة الساحلية وصون التنوع البيولوجي. تضاف إلى ذلك مقتضيات القانون رقم 99.12 بمثابة الميثاق الوطني للبيئة والتنمية المستدامة، الذي يمنع أي شخص من الإضرار بالبيئة أو المساس بعناصرها بمقتضى المادة الرابعة منه والتي تنص على: “يجب على كل شخص ذاتي أو اعتباري، عام أو خاص الامتناع عن إلحاق الضرر بالبيئة”.

وهذا ولتقنية التحلية أضرارا بيئية، كتلوث الهواء بفعل انبعاثات الأكاسيد والآثار الضارة على الحياة البحرية، الناتج عن التخلص من نفايات المحاليل شديدة نسبة الملوحة، وبقايا مواد المعالجة الكيمائية، وتسرب المحاليل الملحية، لكون تلك النفايات تشكل ضررا مهددا للحياة البحرية والنظام البيئي البحري في حالة التخلص أو تسرب هذه النفايات والمحاليل إلى مياه البحر من محطات التحلية الموجودة بالقرب من الشواطئ، هذا ويسبب التخلص من الأملاح ومواد والمحاليل الملحية من محطات التحلية بطريقة عشوائية أضرارا وخيمة، أضف إلى ذلك خطر تسربها إلى أعماق الأرض وتلويث المياه الجوفية، وانبعاث الغازات الدفينة من جراء تشغيل محطات التحلية (الصحراوي، 2018-2019، صفحة 214).

ثانيا: الاستهلاك الطاقي

لا تزال تقنيات تحلية المياه تستهلك كمية كبيرة من الطاقة إما عن طريق الاستهلاك المباشر للوقود الأحفوري أو الكهرباء وبشكل عام قد يعتمد استهلاك الطاقة واختيار تقنية تحلية المياه على العديد من المعايير؛ حيث تتطلب طرق التحلية الحرارية حوالي 40 إلى 80 كيلواط ساعة/م³ من الطاقة الكهربائية المكافئة للتدفئة. وفي الوقت نفسه، تستهلك من 2.5 إلى 5 كيلواط ساعة/م³ من الكهرباء لمعداتها المساعدة. يبلغ متوسط ​​استهلاك الطاقة لأكثر طرق تحلية المياه التجارية بالتناضح العكسي حوالي 100 تيراواط ساعة في السنة (B.Anand، 2021، صفحة 1).

ومن ثَمّ، وتجنّبًا للاعتماد الكلي على الطاقة الأحفورية، تُعدّ الطاقة المتجددة مصدرًا مستدامًا وبديلًا لتوفير الطاقة الحرارية والكهربائية اللازمة لوحدات التحلية. وتُعدّ هذه المصادر الأنسب للمناطق الجافة التي تعتمد على التحلية لتأمين المياه العذبة. ومن بين هذه المصادر، تبرز الطاقة الشمسية كمورد وفير ومجاني يمكن استغلاله لإنتاج الطاقة الكهربائية والحرارية، بما يتيح تحقيق إمداد مستمر بالمياه العذبة من وحدات التحلية، خصوصًا عند دعمها بأنظمة تخزين الطاقة المختلفة. وتُظهر تقنيات الطاقة الشمسية الحرارية المركزة (CST) قدرة عالية على توليد الطاقة المطلوبة لعمليات التحلية (B.Anand، 2021، صفحة 2).

ثالثا: التأثير الاقتصادي

تستهلك عملية تحلية المياه، بصرف النظر عن التقنية المعتمدة، كمياتٍ كبيرة من الطاقة، مما يجعلها مرتفعة التكلفة. وحتى مع اعتماد أحدث التقنيات، تُمثّل تكاليف الطاقة ما بين الثلث ونصف التكلفة الإجمالية لإنتاج المياه العذبة عبر التحلية. ويؤدي هذا العبء الطاقي الكبير، إلى جانب تقلب أسعار مصادر الطاقة، إلى ارتفاع التكلفة النهائية للمتر المكعب من المياه المحلّاة (Pappas، 2011، صفحة 86).

ورغم الفوائد الكبيرة لتحلية المياه، إلا أن هذا القطاع يواجه انتقادات عالمية تتعلق بالآثار البيئية وتكاليف الاستثمار والتشغيل المرتفعة نتيجة الاستهلاك الكبير للطاقة. وعليه، تبقى المياه المحلاة خيارًا مكلفًا للري مقارنة بالمصادر التقليدية، باستثناء استخدامه في محاصيل عالية القيمة معدة للتصدير. وتعد محطة شتوكة آيت باها مثالا عمليا على ذلك، إذ توفر مياه الري لـ15,000 هكتار، يستفيد منها نحو 1,500 مزارع لإنتاج محاصيل مبكرة مثل الطماطم والتوت المخصصة للأسواق الأوروبية (تقرير المعهد المغربي لتحليل السياسات، يناير 2025، صفحة 28).

كما تعدّ التحسينات في تكنولوجيا الأغشية وتطوير أنظمة استعادة الطاقة من العوامل الأساسية التي ساهمت في خفض تكاليف إنتاج المياه بواسطة تقنية التناضح العكسي بشكل ملحوظ. وقد تناولت دراسات متعددة هذا التأثير وفقًا لسعة المحطة. ففي محطات التحلية ذات القدرة الإنتاجية التي تتراوح بين 100,000 و320,000 متر مكعب يوميًا، تتراوح تكلفة إنتاج المياه بين 0.45 و0.66 دولار أمريكي للمتر المكعب. أما في المحطات المتوسطة التي تتراوح طاقتها بين 15,000 و60,000 متر مكعب يوميًا، فتبلغ التكلفة ما بين 0.48 و1.62 دولار أمريكي للمتر المكعب. في حين تتراوح التكلفة بين 0.70 و1.72 دولار أمريكي للمتر المكعب في المحطات الصغيرة التي تتراوح قدرتها الإنتاجية بين 1,000 و48,000 متر مكعب يوميا.

الشيء الذي يفسر تنافس الدول الرائدة في تحلية المياه في بناء أكبر المحطات، مما يطلق عليه ظاهرة العملاقية حيث توجد أكبر المحطات من حيث السعة والإنتاجية في كل من المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة (El Hassane EL MAHDAD, 2024, p. 75).

الفقرة الثانية: مستقبل تحلية مياه البحر على ضوء الرؤية الاستراتيجية 

سنحاول في هذه الفقرة التعرض لكل من المرتكزات الاستراتيجية والتقاطع مع التحولات الطاقية وكذا العدالة المجالمائية:

أولا: المرتكزات الاستراتيجية

تعد سنة 2022 منعطفًا حاسمًا في مسار تحلية المياه بالمغرب، إذ دشّن مرحلة جديدة تتجه نحو إنشاء محطات كبرى ذات قدرات إنتاجية عالية. فبينما بلغت محطة أكادير سعة 275 ألف متر مكعب يوميًا مع قابلية التوسّع، يجري التخطيط لبناء محطات متعددة الاستخدامات في شمال البلاد. وفي هذا السياق، أُسند في نوفمبر 2023 عقد إنشاء محطة عملاقة على ساحل الدار البيضاء الكبرى بطاقة تصميمية تفوق 550 ألف متر مكعب يوميًا بحلول 2027، قابلة للرفع إلى أكثر من 800 ألف متر مكعب يوميًا على المدى المتوسط، أي ما يعادل سعة سد كبير يبلغ 300 مليون متر مكعب. كما يشمل البرنامج الوطني إحداث محطة في المنطقة الشرقية بطاقة 350 ألف متر مكعب يوميًا (حوالي 130 مليون متر مكعب سنويًا) وأخرى بطاقة 100 ألف متر مكعب يوميًا مخصصة لتزويد مشروع ميناء الداخلة الأطلسي الكبير، بما يعكس التحول الاستراتيجي نحو تحلية المياه كمصدر رئيسي لتعزيز الأمن المائي الوطني (El Hassane EL MAHDAD, 2024, p. 76).

ويشغّل المغرب حاليا سبعة عشرة محطة لتحلية المياه، في حين توجد أربع محطات أخرى قيد الإنشاء، ويجري التخطيط لإنجاز تسع محطات إضافية، بهدف بلوغ طاقة إنتاجية إجمالية تقدر بـ1.7 مليار متر مكعب سنويًا بحلول عام 2030 (وزير التجهيز والماء).

كما تمثل محطة تحلية المياه “شتوكة آيت باها”، التي افتتحت في فبراير 2022 بتكلفة استثمارية بلغت 4 مليارات درهم، نموذجًا بارزًا للمشاريع الرائدة في المغرب. ويُنفذ المشروع بتعاون بين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب ووزارة الفلاحة، لتغطية احتياجات مياه الشرب لمنطقة أكادير الكبرى وتوفير مياه الري لسهل شتوكة. وتبلغ القدرة الإنتاجية للمرحلة الأولى 275,000 متر مكعب يوميًا، منها 150,000 متر مكعب مخصصة للشرب و125,000 متر مكعب للري (المعهد المغربي لتحليل السياسات، يناير 2025، صفحة 28).

ثانيا: التقاطع مع التحولات الطاقية

تحتاج محطات تحلية مياه البحر إلى استهلاك طاقي كبير، مما يؤثر على المجال الطاقي والمجال البيئي بل المجال الاقتصادي، إلا أن المغرب وبفضل القيادة الرشيدة لصاحب الجلالة اعتمد مجموعة من الاستراتيجيات الوطنية للنهوض بمجال الطاقات المتجددة، وقد ورد في رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي لسنة 2014 ضرورة التآزر بين الاستراتيجية الوطنية للماء ونظيرتها المتبعة في مجال الطاقة من خلال تحسين برمجة وملاءمة مشاريع الطاقات المتجددة لتنمية الموارد المائية (رأي المجلس الاقتصادي والاجتماعي والبيئي، 2014، صفحة 8).

وقد ورد في المؤتمر ال 16 للطاقة المنعقد بورزازات أن المملكة المغربية بصدد تجاوز الهدف المحدد في 52 في المائة من الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي بحلول سنة 2026، قبل الموعد المقرر بأربع سنوات (الطاقة، 23 أبريل 2025).

هذا ويجب القول بأن المغرب يربط بين السياسات الطاقية والمائية، حيث يعتمد المشروع الكبير بمدينة الداخلة بشكل متزايد على الطاقات المتجددة لتقليص الكلفة والانبعاثات (الطاقة، 23 أبريل 2025).

وفي تقريره لسنة 2020 قام بتقديم 3 توصيات كبرى بشأن البيئة، كانت الثالثة منها مرتبطة بوضع سياسة جريئة لتحلية مياه البحر، وذلك من خلال استخدام مصادر الطاقة المتجددة لتشغيل محطات تحلية المياه وتطوير نشاط للبحث والتطوير يهدف إلى بلورة حلول مبتكرة ومستدامة لتحلية المياه، ومعالجة المنتجات الفرعية لتحلية المياه.

وفي إطار التداخل بين هذه القطاعات ورغبة في عدم تحقيق  مصلحة إحداها حساب القطاعات الأخرى يعتمد المغرب مقاربة النكسوس (Nexus approach) المتمثلة في ربط القطاعات بعضها ببعض لتحقيق فائدة أكثر دون الإضرار بها، وفي هذا السياق تم بناء محطة الدار البيضاء لتحلية مياه البحر تعمل بالطاقة النظيفة كما أكد ذلك صاحب الجلالة في خطابه السامي بمناسبة عيد العرش المجيد: “وذلك على غرار محطة الدار البيضاء لتحلية الماء، التي ستكون أكبر مشروع من نوعه بإفريقيا، والثانية في العالم التي تعمل 100 في المائة بالطاقة النظيفة”.

ثالثا: الانعكاسات الاجتماعية والحد من الهجرة الداخلية بسبب ندرة المياه.

تؤدي هذه المقاربة إلى إعادة صياغة الجغرافيا المائيّة الوطنية، إذ توجّه الاستثمار إلى الشريط الساحلي كثقل مركزي للتنمية العمرانية والاقتصادية، بينما تعمل أيضا على تخفيف الضغط في المناطق الداخلية. غير أنّ هذا التوجّه يحمل في طيّاته تحديات منها إمكان تفجّر الاختلالات المجالية والنزوع إلى تمركز إضافي في الساحل، فضلاً عن كلفة الطاقة وتشغيل محطات التحلية.

الأمر الذي يستوجب تسريع العمل على العدالة المجالمائية[7]؛ فالمغرب وبالرغم من اعتماده على تحلية المياه كخيار استراتيجي لمواجهة الإجهاد إلا أنه لم يتخلّ عن بناء السدود؛ بل مازال يسرع في بنائها بما يحقق هذه العدالة.

وعلى غرار ربط الأحواض بطرق السيار المائية، يمكن توجيه المياه المحلاة إلى المناطق الداخلية مع الاستمرار في توسيع المحطات المائية، إن دعت الضرورة التكامل بين المصادر التقليدية والجديدة، إلى جانب باقي الموارد المائية المتاحة، بما شأنه تعزيز العدالة المجالمائية وضمان توزيعا أكثر إنصافا للمياه غير مختلف جهات المملكة.

خاتمة:

هكذا؛ نستشف أن تحلية مياه البحر كخيار استراتيجي مهم لمواجهة الإجهاد المائي المتزايد في المغرب، خصوصا في ظل ندرة التساقطات والضغط المتصاعد على الموارد المائية التقليدية. لكن الاعتماد على هذه التقنية لا يعفي من أهمية تطوير السدود وإدارة الموارد الجوفية والسطحية بشكل متوازن، بما يحقق العدالة المجالمائية ويوجه المياه إلى المناطق الأكثر حاجة. كما يبرز الاهتمام بالطاقات المتجددة كعامل حاسم لضمان استدامة عمليات التحلية وتقليل البصمة البيئية.

ومنه يظهر أن تعزيز الأمن المائي يتطلب تكاملاً بين السياسات العمومية والتقنيات الحديثة، مع تحسين إدارة الموارد التقليدية وضرورة الاستمرار في الابتكار والتخطيط المستقبلي لتلبية حاجيات السكان والمساهمة في التنمية الاقتصادية والاجتماعية المستدامة للمملكة.

ولابد في نهاية هذه الورقة البحثية من تقديم مقترحات لتعزيز هذه الاستراتيجية، وهي كالتالي:

  • الحرص على تأهيل وتكوين الموارد البشرية المختصة في تحلية مياه البحر، بما يُعد استثمارًا مستقبليًا يضمن كفاءة تشغيلية مستدامة؛
  • تشجيع البحث العلمي والابتكار لتحسين تقنيات التحلية وتقليل آثارها السلبية، بما يجعلها أقل تكلفة وأكثر استدامة وملاءمة للبيئة في المستقبل؛
  • تعديل وتطوير التشريعات المرتبطة بهذا القطاع لضمان تكامل تشريعي يسهم في تنظيم المشروع بشكل آمن وفعال، ويضمن حماية الموارد المائية والبيئة؛
  • تعزيز التمويل والاستثمار في الطاقة المتجددة لتشغيل محطات التحلية، بما يقلل الاعتماد على الطاقة الأحفورية ويخفض البصمة الكربونية، مع العمل على التوجه نحو بناء محطة نووية مدنية لما لها من إيجابيات بخصوص الطاقة؛
  • تطوير شبكات توزيع مرنة ومترابطة تسمح بتوجيه المياه المحلاة إلى المناطق الأكثر حاجة، وربط الأحواض المائية بشكل يحقق العدالة المجالمائية ويعزز الأمن المائي على المستوى الوطني؛
  • تعزيز الشراكات العربية لتطوير هذه التقنيات وتبادل الخبرات.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M