- مع تأكيد دول الخليج أنها لم تكن تريد للحرب الحالية أن تندلع، وأنها بذلت كل المساعي الحثيثة لمنعها، نجد إجماعاً خليجياً تقريباً على أن جميع المساعي الخليجية لخفض التصعيد مع إيران والنأي بالنفس لم تُجدِ نفعاً عند لحظة الحرب، ولم تَحُلْ دون استهداف إيران للأراضي الخليجية.
- أدت الاعتداءات الإيرانية المتكررة والمستمرة إلى تراجُع عامل الثقة الخليجي مع إيران إلى درجة متدنية للغاية ربما تكون الأسوأ منذ عقود. فقد أعيد النظر في تقييم حجم ومدى التهديد الذي تمثّله طهران بالنسبة لدول الخليج. ومع أن هذا التهديد لم يختفِ على مدى خمسة عقود، لكنَّه اليوم أكثر شمولية وجدية.
- في ظل غموض رؤية إدارة ترمب، تركز دول الخليج على أولويتين: تجنُّب الانجرار للصراع العسكري لحماية مسار تحولها التنموي، مع الموازنة بين الدفاع والردع؛ وتحييد أراضيها وبنيتها التحتية عن الاستهداف، ورفض أن تكون ساحةً لحروب الآخرين أو رهينةً لحساباتهم الاستراتيجية.
- من المهم اليوم، وفي المرحلة التي تلي الحرب، العمل على رسم الحدود والخطوط الحمراء مع إيران (بما فيها سياسات العسكرة التي تشمل البرنامجين الصاروخي والنووي)، وتوضيح السياسات الثابتة لدول الخليج تجاه التهديد الإيراني، والسعي لضمان عدم استخدام دول الخليج ساحة صراع أو تصفية حسابات مرة أخرى.
لم تُعلن أيُّ دولة خليجية في خلال المواجهة الأمريكية/ الإسرائيلية-الإيرانية الحالية أي موقف تجاه أحاديث واشنطن أو تل أبيب عن النظام في إيران أو تغييره، فثمَّة إجماع خليجي على أن المسألة شأن داخلي إيراني ولا رغبة أو مصلحة لدول الخليج في التدخل أو الانخراط فيه. وقد أوضحت العواصم الخليجية أن هذه الحرب لم تكن خيارها، بل دَفَعت حثيثاً نحو تجنُّبها والالتفاف حول مسار المفاوضات والدبلوماسية.
مع ذلك، وإلى درجة كبيرة، لم تُفرِّق إيران كثيراً في هجماتها بين دول الخليج. فقد ظهرت، حتى بالنسبة لُعمان، بوصفها تهديداً، ونظرت إلى العواصم الخليجية ضمن منظور صراعي على الدور والنفوذ الإقليميين. لقد رسمت استراتيجيتها للردع عبر تعريف الحيّز الخليجي باعتباره ساحة ضغط وصراع وتصفية حسابات مع واشنطن وتل أبيب؛ تمارس عبره طهران تصوّرها عن خياراتها ومكانتها كقوة إقليمية. وبهذا، انتقلت إيران من “دبلوماسية الجوار” إلى “الحرب على الجوار”.
ومنذ اليوم الأول للحرب، التقطت العواصم الخليجية هذا الأمر، وتقلّص أي تناقض بينها دونَه. فقد أدركت أبو ظبي والرياض والدوحة أن رسالة إيران في هذه الحرب لا تخص عاصمة خليجية دون غيرها، فالكلّ مستهدَف: بمطاراته وموانئه وبنيته التحتية للطاقة، وبنيته الرقمية والحيوية وأعيانه السكنية. الكلّ مستهدَف بخياراته الاستراتيجية، وقراراته السيادية؛ في ما يتعلق بالأمن والدفاع والعلاقات الخارجية.
لا تتحدث أي عاصمة خليجية اليوم بتفاؤل عن إمكانات تحييد التهديد الذي تمثله إيران بالنسبة لأمن دول مجلس التعاون وازدهارها. قبل هذه الحرب كان مثل هذا التفاؤل موجوداً بدرجة أو بأخرى بين جميع العواصم الخليجية. وعلى مدى العقود الماضية، وجدناً تشدداً من عواصم خليجية تجاه سياسات طهران ومواقفها، وفي الآن ذاته وجدنا عواصم تدعو لإبداء المرونة والبراغماتية والتواصل وضبط النفس معها. اليوم -وحتى مع تأكيد العواصم الخليجية أنها لم تكن تريد لهذه الحرب أن تندلع، وأنها بذلت كل المساعي الحثيثة لمنعها- نجد إجماعاً خليجياً تقريباً على أن جميع المساعي الخليجية لخفض التصعيد مع إيران والنأي بالنفس ومدّ يد التواصل والحوار معها لم تُجدِ نفعاً عند لحظة الحرب، ولم تَحُلْ دون استهداف إيران للأراضي الخليجية، على رغم كل مساعي دول الخليج من أجل تجنيب نفسها تداعيات حرب كهذه.
رسم الخطوط الحمراء
لقد تركّز الخطابان السياسي والإعلامي لدول الخليج في هذه الحرب على أن هذه الدول، وهي تحتفظ بحق الرد على الاعتداءات الإيرانية، تريد خفض التصعيد والتهدئة وليس المواجهة. وعلى أهميته، لم يعد هذا الخطاب كافياً لأنْ تُعيد طهران تقييم حساباتها تجاه جيرانها، وفي لحظة مفصلية كاللحظة الحالية.
صار من المهم اليوم، وفي المرحلة التي تلي الحرب، العمل على رسم الحدود والخطوط الحمراء مع إيران، وتوضيح السياسات الثابتة لدول الخليج تجاه التهديد الإيراني، والسعي لضمان عدم استخدام دول الخليج ساحة صراع أو تصفية حسابات. والأخطر أن يخرج قرار الحرب والسلام من أيدي دول الخليج، في ظل بيئة إقليمية متقلبة ومضطربة، وفيها هوامش تتسع من المفاجأة وعدم المقدرة على التنبؤ.
وفي الأسبوع الثاني من هذه الحرب، يمكن استنتاج تقييم خليجي أولي لبعض مآلات هذه الحرب مفاده بأنه حتى مع توجه دول الخليج نحو مزيد من التوافق الأمني مع الولايات المتحدة، فإنها ستسعى إلى إقامة علاقات مستقرة مع الحكومة القائمة في إيران، وذلك لحماية أمنها وازدهارها. ولطالما كان لجيوبولتيك الجوار حساب وازن في السياسات الخليجية، وعلى الأغلب أن هذه السياسات ستُبنى مستقبلاً على أساس استثمار أكبر في تخفيف المخاطر، التي تغيَّرت كمّاً ونوعاً.
وفي دولة مترامية الأطراف مثل إيران، فإن آخر ما ترجوه الإمارات ودول الخليج تكرار سيناريو ما بعد سقوط نظام صدام حسين في العراق. وربما بَنَت العواصم الخليجية-وهي تدفع منذ شهور بالحل الدبلوماسي ورفض الحل العسكري- تصوّرها لمآلات الحرب على أساس أن إضعاف الدولة في إيران وتحوُّلها إلى دولة فاشلة مع السماح للنظام بالبقاء، سيُمزق البلاد ويُبقيها في حالة من عدم الاستقرار إلى أجل غير معلوم، على غرار سورية (2011-2024)، أو العراق (1990-2003). كان التقدير الخليجي، على ما يبدو، أن من المرجح أن يكون لذلك السيناريو تداعيات ومخاطر على دول الخليج؛ إذْ قد تؤدي زعزعة الاستقرار في إيران والفراغ الأمني والسياسي لفترة طويلة إلى زيادة عنف النظام في الداخل، وإلى تهديد طرق التجارة وسلاسل الإمداد، وزيادة القرصنة ونشاط المجموعات المسلحة غير المنضبطة، وإطلاق موجات لجوء، والضغط على أمن الحدود، وتثبيط الاستثمارات طويلة الأجل عبر الخليج.
وقد تؤدي زعزعة استقرار إيران إلى تفاقُم التنافسات الجيوسياسية الإقليمية. وعلى وجه الخصوص، قد يُؤجج التنافس الاستراتيجي بين تركيا وإسرائيل في وقت تتزايد فيه مخاوف أنقرة من ترسيخ نظام إقليمي تقوده إسرائيل يُهمّش النفوذ التركي.
إنّ فكرة تغيير النظام ليست محصورة بفكرة واحدة بسيطة وسريعة، فقد تتضمن مدى زمنياً نشهد فيه تآكلَ النّظامِ الإيرانيّ القديم، وربَّما يتداعى ذاتياً أو نتيجة المواجهةِ العسكرية والاقتصادية مع الولايات المتحدة وإسرائيل. والاحتمالُ القويُّ الآخر أن يصمدَ النّظامُ أمام التَّحدي العسكريّ، لكنَّه يتغيَّر من داخله، كما حدثَ لروسيا والصّين قبل عقود. يتضمن ذلك في المحصلة، صمودِ النّظام ومحافظته على سياساتِه القديمة، أو تغيُّر النّظام جزئياً بحيث يصبح أكثرَ تطرّفاً وانغلاقاً. وقد لا يلعب ذلك على المديين القريب والمتوسط في مصلحة دول مجلس التعاون الخليجي، حتى وإن كان هذا النظام أضعف مما كان سابقاً، وأكثر عزلة. وهذا السيناريو عزز رفض العواصم الخليجية لأي كلام عن احتمالات أي مشاركة هجومية لها في هذه الحرب، والالتزام بموقفها الدفاعي الحالي وضبط النفس.
بالنسبة لمعظم الدول العربية وتركيا، يُعدّ الاستقرار – حتى في ظل وجود إيران المعادية – أفضل من الانهيار والتفكك. قد تختلف حسابات إسرائيل هنا، إذ فضّلت الاستراتيجية الإسرائيلية تاريخياً خيار إضعاف الخصوم، مهما كانت المخاطر، بدلاً من خيار الدول الإقليمية المتماسكة القادرة على بسط نفوذها. وتُعدّ إيران أقوى هذه القوى المتبقية. هذا التبايُن يزيد من تعقيد حسابات دول الخليج بشأن نهاية الحرب. ويتمثل التحدي الرئيس أمام الدول الخليجية في منع تحوّل الانكشاف العملياتي إلى فخ استراتيجي.
هواجس وأولويات دول الخليج في اليوم التالي من الحرب
في اليوم التالي للحرب الأمريكية/الإسرائيلية-الإيرانية ستطفو إلى السطح الخليجي ثلاث مسائل أساسية:
1. تآكل الثقة مع طهران، والتفكير بمستقبل العلاقات الخليجية-الإيرانية.
2. مستقبل منظومات وأدوات الدفاع الخليجية على مستوى كل دولة خليجية، والبحث عن مأسسة التعاون والتكامل الدفاعي الخليجي الجماعي.
3. مستقبل البرنامج الصاروخي الإيراني
تآكُل الثقة مع الجانب الإيراني
في هذه الحرب تراجع عامل الثقة مع طهران إلى درجة متدنية للغاية ربما تكون الأسوأ منذ عقود. فقد أعيد النظر في تقييم حجم ومدى التهديد الذي تمثله طهران بالنسبة لدول الخليج. ومع أن هذا التهديد لم يختفِ على مدى 47 عاماً، لكنَّه اليوم أكثر شمولية وجدية. وقد أفسدت الضربات الإيرانية على العواصم الخليجية الجدوى التي كانت متوقعة من سياسات دول الخليج المتعلقة بخفض التصعيد مع إيران على مدى السنوات الماضية. قوّضت الحرب الأمريكية/الإسرائيلية-الإيرانية الجارية جهود الوساطة والحوار، وأعطت إيرانُ الأولوية لزيادة تكلفة الحرب على إدارة الرئيس ترمب فوق كل شيء، من دون مراعاة لحسابات وحساسيات ومصالح جيرانها في الخليج. إنها مقامرة إيرانية محفوفة بالمخاطر؛ فقد يُجبر الاضطراب الشديد في الخليج القوى الصناعية العالمية على التدخل بشكل مباشر لتأمين خطوط الإمداد، مما يُوسع نطاق الصراع (وتدويله) بدلاً من احتوائه. وقد أدان رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري، الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، بشدة الهجمات الإيرانية على دولة قطر ودول خليجية أخرى، مؤكداً أن التبريرات التي قدمتها طهران “مرفوضة تماماً”. ووصف تصرفات إيران بأنها “خيانة”، وقال إن “الضربات كانت مُخططة مسبقاً، حيث استهدفت قطر ودولاً خليجية أخرى فور اندلاع الحرب، مع أننا كنا نقول ونكرر إننا لن نشارك في أي هجمات أو حروب ضد جيراننا”. وتابع: “الحساب الخاطئ من قبل الإيرانيين بمهاجمة دول الخليج دمَّر كل شيء”.
في هذا السياق، وصف أنور قرقاش، المستشار الدبلوماسي لرئيس دولة الإمارات، الجانب الأكثر إثارة للقلق في الصراع، مؤكداً أنه ليس في الحرب ذاتها، والتي توقعها الكثيرون، ولكن في قرار إيران بضرب دول الخليج بشكل عشوائي. ورفضَ الادعاءات الإيرانية السابقة بأن القواعد العسكرية الأجنبية هي المستهدفة فقط، قائلاً إن الهجمات لم تفرّق بين البنية التحتية المدنية والعسكرية، ووصف قرار إيران بتوسيع الصراع بأنه سوء تقدير “يائس وغير مدروس” لم يُؤدِ إلا إلى تعميق عزلتها الدولية. وقال: “إعادة بناء الثقة – بغض النظر عمن يحكم إيران-ستستغرق عقوداً”. وفي الإطار نفسه، قال وزير الخارجية القطري السابق حمد بن جاسم آل ثاني، إن إيران فقدت بهجومها على دول الخليج “تعاطفاً خليجياً كان يدفع بكل جهد ممكن نحو التهدئة، وزرعت كذلك شكوكاً يصعب محوها في مستقبل علاقاتها مع دول المجلس بهجومها على دول المجلس.. التي لن تنسى ما حدث “.
الدفاع الخليجي
إن دول الخليج تخشى “الجوانب المعتمة” و”المساحات الرمادية” غير المُتنبَأ بها في هذه المواجهة. وكلما طال أمد الصراع فإن هذا يضغط بشكل أكبر على أولويات دول مجلس التعاون وعلى النموذج التنموي الخليجي. وتتصدر في اليوم التالي لهذه الحرب أولويات كل دولة خليجية في المحافظة على أمنها، وفي الضرورات المتزايدة لبناء منظومة دفاع خليجي مشترك، ومأسسة التعاون الخليجي في استراتيجيات الردع وتوفير مزيد من الاستثمار الخليجي في الجانب الدفاعي وتحصين البنية التحتية الحيوية، وفي المحصلة توطيد العلاقات مع الطرف الأمريكي خاصة، والغربي عموماً.
إنّ القوة الناعمة الخليجية تتطلب القوة الصلبة لحمايتها، دون استفزاز أو عسكرة أو الوقوع في فخ تغيير الأولويات بناء على رغبة الخصم وخياراته.
البرنامج الصاروخي الإيراني
تتناقض استراتيجيات الاستقرار والازدهار التي تتبناها دول مجلس التعاون مع استراتيجيات العسكرة الإيرانية. من غير المرجح أن تتراجع العسكرة الإيرانية مع العهد الجديد في إيران، وبعد اختيار مجتبى خامنئي مرشداً جديداً. لا بد لأي علاقة خليجية-إيرانية هادئة بعد هذه الحرب من أن تُعالج وتضبط حدود هذه العسكرة وتداعياتها على دول جوار إيران. إنّ الحلول العسكرية لا تصنع الاستقرار المرتجى. ومن المجدي لأي أفق مستقبلي بَنّاء لهذه العلاقة أن يميّز بين سياسات ما قبل هذه الحرب، وفي أثنائها، وسياسات ما بعد الحرب. ويتطلب ذلك جهداً دبلوماسياً مكثّفاً، فردياً وجماعياً، من أجل النجاح في التوصّل إلى رسمٍ جديدٍ للخطوط الحمراء، التي هي في الحقيقة الجامع المشترك للمسائل الثلاث المذكورة سابقاً.
في الرؤية الخليجية، لا تنحصر جذور التوتر في الخليج فقط في البرنامج النووي الإيراني، إذ تمتد إلى البرنامج الصاروخي الذي يشكّل تهديداً مباشراً لجيران إيران، ويتطلب معالجة دولية شاملة ومسؤولة. وفي هذا الإطار، يمكن الرجوع إلى تصريحات أنور قرقاش بأن الهجوم الإيراني على العواصم الخليجية “يعزل طهران”، ويعزز الرأي القائل بأن برنامجها الصاروخي لا يزال يشكل تهديداً مستمراً للمنطقة. كما حذَّر حمد بن جاسم من أن الهجمات الإيرانية ستدفع دول الخليج إلى الاعتماد بشكل أكبر على قوى خارجية في مجال الأمن.
الخلاصة والاستنتاجات
في ظل غموض وتشتت رؤية إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترمب لليوم التالي لهذه الحرب، تكاد أولويات دول الخليج في اليوم التالي تنحصر في أولويتين أساسيتين:
أولاً، ألا تنجر دول الخليج العربية إلى فخ المشاركة في هذه الحرب، وألا يتم حرف استراتيجياتها التنموية الوطنية عبر تركيز استثماراتها ومواردها في العسكرة بدلاً من برامج التحول الوطني والاستعداد لصناعات المستقبل. لا بد من استراتيجية جديدة توائم بذكاء وحكمة بين ذلك وحقيقة أن الدفاع المتين والردع الاستراتيجي جزء أصيل لا يتجزّأ من تلك الاستراتيجيات التنموية.
ثانياً، ليس هدف دول الخليج تحديد مصير إيران، ولا التحكم في الطموحات الاستراتيجية الأمريكية الإسرائيلية، بل هدفها منع استهداف أراضيها وبنيتها التحتية ومستقبلها التنموي، أو جعلها تصبح الساحة الرئيسة التي تُخاض فيها هذه الحرب أو غيرها. والحقيقة المُرَّة اليوم، أنَّه لا يمكن لمفترق طرق الطاقة العالمي أن يعتمد كلياً على الحسابات الاستراتيجية للآخرين.