سورية والحرب في لبنان: هل ستتحرك حكومة الشرع ضد حزب الله؟

  • تلتزم دمشق موقف “الحياد” إزاء الحرب الدائرة في الإقليم، رافضةً الانخراط ضد حزب الله على رغم الضغوط المختلفة، ومُكتفيةً بتعزيزات حدودية دفاعية مع لبنان والعراق. في المقابل، يبرز تيار داخل القيادة السورية يدعو لاستغلال الفرصة والتحرك عسكرياً في منطقة البقاع اللبنانية – إبان الحرب أو بعدها – خشية أن تتحمل دمشق تداعيات الحرب دون الحصول على مكاسبها. 
  • تتقاطع الرؤى الدولية حول الدور السوري في حرب لبنان؛ فبينما قد تبارك واشنطن دخول “قوات الشرع” سهل البقاع لنزع سلاح حزب الله، تلتزم إسرائيل الصمت حيال هذه الخطوة، وسط تحفُّظ تركي صريح وتهديدات مباشرة من وكلاء إيران لدمشق حال تحركها ميدانياً ضد الحزب. 
  • بالنسبة لسورية، يظل “استمرار الوضع القائم” السيناريو الأرجح حتى نهاية الحرب في لبنان، عبر ضبط الحدود ومنع التهريب دون تدخل عسكري مباشر. ومع ذلك، قد تتجه دمشق لعمليات توغل حدودية خاطفة ومحدودة في حال تأكُّدها من إنهاك قدرات حزب الله، شريطة عدم التورط في عمق منطقة البقاع. 

 

مع انضمام حزب الله إلى الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل، من جهة، وإيران، من جهة أخرى في 2 مارس 2026، يكون لبنان قد تحول إلى ساحة من ساحات الحرب الدائرة في المنطقة. وقد وقفت دمشق على الحياد حيال هذه الحرب، واكتفت بإرسال تعزيزات عسكرية إلى الحدود مع لبنان والعراق. وعلى الرغم من تأكيد الحكومة السورية أنها لا تعتزم التدخل عسكرياً ضد حزب الله، فإنَّها لم تستطع تبديد المخاوف اللبنانية.

 

تستعرض الورقة الضغوط التي تمارس على دمشق فيما يتعلق بموقفها من الحرب الدائرة بين حزب الله وإسرائيل، والسيناريوهات المحتملة لتطور هذا الموقف.

 

ضغوط متزايدة على سورية لدخول الحرب

فرضت حرب واشنطن وتل أبيب على إيران نفسَها على المنطقة. في بداية الحرب، ظهر أن المتحاربين قرروا تحييد سورية. بمرور الوقت، تصاعدت نبرة التهديدات ضد دمشق من إيران ووكلائها وإسرائيل، بل طالت هجمات من هذه الأطراف الأراضي السورية. ردَّ حزب الله على عملية إنزال في البقاع نفّذتها مروحيات إسرائيلية قادمة عبر الأجواء السورية، بإطلاق قذائف تحذيرية سقطت في جرود إحدى القرى السورية. ثم هدَّدت “المقاومة الإسلامية في العراق” حكومة الشرع بتحويل سورية إلى “ساحة مفتوحة للنار” إذا ما هاجمت حزب الله. ولإظهار جدية تلك التهديدات، أطلقت إحدى مجموعاتها، في 23 مارس، عدة صواريخ على قاعدة خراب الجير بمحافظة الحسكة، بينما استهدفت مجموعة أخرى قاعدة التنف بعدد من المسيرات في 28 مارس، وكررت الهجوم على قواعد آخرى في 30 مارس. وبدوره، قصف الجيش الإسرائيلي في 20 مارس مواقع عسكرية جنوبي سورية، وحذَّر المسؤولون الإسرائيليون الحكومة السورية من استغلال انشغال تل أبيب في حربها مع إيران للمسّ بالدروز.

 

مواقف اللاعبين تجاه تدخل سورية في لبنان

1. موقف حكومة الشرع: أعلن الرئيس السوري أحمد الشرع في 20 مارس أن حكومته تعمل على “إبعاد البلاد عن أي نزاع”، كما تواصل مع القادة اللبنانيين لنفي أي نية سورية لقتال حزب الله، بعد نشر القوات السورية على الحدود مع لبنان والعراق، بينما أكدت وزارة الدفاع السورية الطبيعة الدفاعية لهذه الخطوة، مُضيفة أنها ستقاتل حزب الله “إذا تجاوز الحدود” السورية. واشتد اللغط في لبنان، الذي يغذيه بشكل أساسي حزب الله، بعدما تحدثت مصادر سورية لوكالة “رويترز” عن مقاومة حكومة الشرع دعوات أمريكية لإرسال قواتها إلى شرقي لبنان من أجل المساعدة في نزع سلاح حزب الله. وبينما تجاهل المسؤولون السوريون تقرير “رويترز”، فقد نفاه المبعوث الأمريكي إلى سورية توم براك. وحتى الآن، اختارت دمشق طريق التعاون والتنسيق مع الحكومة اللبنانية ودعمت قرارها القاضي بنزع سلاح حزب الله. كما استمرت بملاحقة عمليات تهريب الأسلحة عبر الأراضي السورية إلى لبنان، وشبكات وخلايا تَتبع للحرس الثوري وحزب الله.

 

وعلى الرغم من موقف الشرع فإن الحكومة السورية، وبحشدها عشرات آلاف المقاتلين مقابل الحدود اللبنانية، باتت طرفاً غير مباشر في الحرب الدائرة في المنطقة. حيث فاقمت إجراءات دمشق إحساس مقاتلي حزب الله بالتطويق، وأجبرت قيادته العسكرية على تشتيت جهودها بين التصدي للقوات الإسرائيلية المتوغلة جنوبي الليطاني، وحماية بنية الحزب التحتية والصاروخية في البقاع من هجوم سوري مباغت، وإن لم يكن متاحاً معرفة حجم القوات الإضافية التي نشرها حزب الله في البقاع تحسُّباً لهجوم كهذا. وتعقَّدت حسابات الحزب على الساحة اللبنانية بعد الدعم السوري للتركيبة الحاكمة والقوى المصطفة إلى جانبها، وبات على مسؤوليه أن يأخذوا في الاعتبار احتمالات التدخل السوري إذا ما قرر مواجهة الرئيس جوزاف عون أو إسقاط حكومة نواف سلام.

 

تُعد الخيارات أمام القيادة السورية محدودة؛ إذ إن صمود إيران وحزب الله وانتصارهما في الحرب، قد يدفعهما إلى الانتقام من حكومة سلام ودمشق، والمطالبة باستعادة نفوذيهما في الساحتين اللبنانية والسورية. أما النصر الإسرائيلي، فمن شأنه أن يُغري تل أبيب بمواصلة تدخلاتها في الشؤون الداخلية لسورية، وتقديم دعم أكبر ليس للدروز فحسب وإنما أيضاً للعلويين والأكراد. وبغض النظر عمن سينتصر في الحرب، فإن دمشق تخشى وصول القوات الإسرائيلية إلى وادي البقاع، كما يُقلقها احتمال تمسُّك إسرائيل باحتلال جنوب لبنان، مما يدفع الحزب إلى تركيز ثقله الحربي والديمغرافي في منطقة البقاع. وفي هذه الحالة، تصبح دمشق أمام ضغط مزدوج تمارسه من الجنوب إسرائيلُ المستقوية بتوسعها اللبناني، ومن الشرق حزب الله، الذي سيظل محتفظاً بترسانة صواريخ قادرة على بلوغ معظم المواقع العسكرية والحيوية غربي سورية.

 

ومع أن الحكومة السورية لا تزال مُتمسِّكة بالنأي بالنفس عن قتال حزب الله، إلا أن تيارات داخل صفوفها ترى ضرورة القيام بخطوة ما في هذا الاتجاه، إذ تخشى تلك التيارات أن تخرج دمشق صفر اليدين من الحرب، وأن تتحمل فقط تكاليفها، وأعباء مواجهة المنتصر، سواء أكانت إسرائيل أم إيران. وتدفع هذه التيارات نحو تنفيذ عملية عسكرية ضد الحزب في البقاع خلال الحرب الدائرة حالياً أو بعدها.

 

جنود سوريون يقومون بدوريات على طول الحدود السورية اللبنانية في ريف القصير، 1 أبريل 2026. (أ.ف.ب)

 

2. الولايات المتحدة: بدا الموقف الأمريكي مُرحِّباً بنشر القوات السورية على الحدود مع العراق ولبنان، وأبْدت واشنطن اهتماماً بالمحافظة على استقرار سورية. وعلى الرغم من نفي برّاك التقارير التي تحدثت عن تشجيع الولايات المتحدة حكومة الشرع على التدخل شرقي لبنان ضد حزب الله، فإنّ معلومات تواترت عن حصول نقاشات بين مسؤولين عسكريين من البلدين بشأن لبنان. إن واشنطن قادرة على إلحاق دمار هائل بالبنية التحتية لقوات الحرس الثوري الإيراني، لكنَّ ذلك يبقى محدود التأثير إذا لم يترافق مع تعديل موازين القوى الإقليمية وإحداث تغييرات جيوسياسية في المنطقة من طريق تقليص النفوذ الإيراني في كلٍّ من العراق ولبنان واليمن. وفي هذا السياق، ربما داعبت مسؤولون في إدارة ترمب فكرة تكليف حكومة الشرع بدخول البقاع من أجل تجريد حزب الله من السلاح، في تكرار لرعايتها اقتسام لبنان بين سورية وإسرائيل في سبعينيات القرن الماضي. وعلى أي حال، ستُوازن واشنطن بين إدخال دمشق الحرب ضد حزب الله، وبين رغبة ترمب في وقف الحرب، لتجنُّب الوقوع في فخ جيوسياسي على شاكلة فخ أوكرانيا بالنسبة لموسكو.

 

3. تركيا: تعمل أنقرة على وقف الحرب بين إيران والولايات المتحدة، وهي تشكل أحد أضلاع مثلث الوساطة بين الطرفين إلى جانب مصر وباكستان. وقد حدد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان موقف بلاده بمنع انتشار الحرب وانتقالها إلى دول أخرى. وفي السياق اللبناني، قدمت أنقرة “نصائح مباشرة” إلى الحكومة السورية بعدم الانخراط في الساحة اللبنانية، كما عملت على تهدئة مخاوف دمشق وحزب الله عبر توجيه “رسائل طمأنة” لهما. ويُشير الحذر الذي تتعامل به أنقرة مع الحرب، إلى قلق المسؤولين الأتراك حيال تعاظم الدور الإسرائيلي، وخشيتهم من أن تؤدي هزيمة طهران، أو خسارتها القسم الأكبر من قدراتها، إلى خروج إيران من موازين القوى الإقليمية. فقد يرحب المسؤولون الأتراك بتراجع النفوذ الإيراني في الهلال الخصيب نظراً لما مثّله من عقبة كأداء أمام المد التركي، إلا أنهم يخشون أيضاً زعزعة بنية الدولة الإيرانية وانعكاساتها على البيئة الاستراتيجية لتركيا والتوازنات التاريخية الراسخة في الشرق الأوسط.

 

4. فرنسا: عملت باريس على رفع درجة التنسيق السياسي بين دمشق وبيروت، وتوسَّطت مع الاتحاد الأوروبي لفتح قنوات التواصل بين الجانبين وعلى أعلى المستويات من أجل منع أي خطأ في الحسابات. وتُظهر فرنسا دعماً لموقف الشرع المنفتح على الحكم اللبناني والرافض للتدخل في الشؤون اللبنانية. ويتملك المسؤولون الفرنسيون خشية من احتلال إسرائيل لجنوب لبنان، ومع تراجع نفوذ الحكم اللبناني يجدون في حكومة الشرع وسيلة لإسناده للتعامل مع تحديات الحرب.

 

5. إسرائيل: تريد تل أبيب بقاء سورية ضعيفةً ومقسمة، كما تطالب بإقامة منطقة منزوعة السلاح في كامل الجنوب السوري حتى العاصمة دمشق، وتوفير الأمن للأقلية الدرزية. وفي المقابل، يستحيل على إسرائيل إنهاء خطر صواريخ الحزب دون السيطرة على معاقله في البقاع. وإلى الآن، وازَنت إسرائيل بين أهدافها من دون طلب معونة الشرع، وإن أشارت تقارير إلى ممارستها ضغوط ميدانية لدفعه إلى دخول البقاع.

 

6. موقف إيران وحلفائها: يتعامل المسؤولون الإيرانيون بحذر شديد حيال سورية، بخلاف مواقفهم العدائية حيال دول الخليج العربية. وبينما تجنَّبت إيران والحزب التعليق على الإجراءات والخطوات السورية على الحدود مع لبنان والعراق، جاءت مواقف “المقاومة الإسلامية في العراق” لتعكس مواقف المحور الشيعي، حيث “أنذرت” سورية بأن أي تحرك ضد الحزب سيعد بمنزلة “إعلان حرب” ضد المحور بأكمله، وتعهَّدت بـ “مواجهة مباشرة واسعة النطاق” رداً عليه. ويبدو من الإنذار أن طهران كلفت الفصائل العراقية الولائية بالجهد الرئيس في حماية الحزب من أي تحرك سوري ضده، على أن يساندها الحرس الثوري. والخيار الأسهل والأقل كلفة بالنسبة لهذه الفصائل، يتمثل في شن حملة صاروخية على آبار النفط والغاز شرقي ووسط سورية، تنفيذاً لتهديدها بتحويل سورية إلى “ساحة نار“، وذلك بالترافق مع إطلاق موجات من الصواريخ على العاصمة دمشق، وتفعيل الخلايا المدعومة إيرانياً، المتخفية في دمشق والجنوب وحمص والساحل لزعزعة استقرار البلاد.

 

حتى الآن، وازَنت إسرائيل بين أهدافها في لبنان من دون طلب معونة الرئيس السوري أحمد الشرع. (أ.ف.ب)

 

سيناريوهات التدخل السوري المحتمل

السيناريو الأول: قيام الجيش السوري بتمشيط الجانب اللبناني من الحدود، وبعمق لا يتجاوز بضعة كيلومترات. في هذا السيناريو تكتفي القوات السورية بتنفيذ عمليات توغل محدودة العمق (من 2 إلى 3 كيلومترات) في مناطق حدودية يستخدمها مقاتلو حزب الله مراكز قيادة وسيطرة. تستهدف هذه العمليات إبعاد حزب الله عن الحدود السورية، وإضعاف قبضته على شبكات التهريب بين البلدين، وتحييد مخاطر فلول الأسد أيضاً. ولضمان نجاح العمليات ترفع الحكومة السورية مستوى تعاونها مع نظيرتها اللبنانية، بحيث تنسحب قوات الجيش السوري بمجرد انتهاء مهامها وتسلّم المواقع التي تؤمّنها إلى قوات الجيش اللبناني على الحدود.

 

  • العوامل الداعمة للسيناريو: نظراً لحصر عمليات التمشيط في الجزء اللبناني من الحدود، الخالي من أي ثقل ديمغرافي، قد توافق واشنطن وباريس وبيروت على تنفيذها، كما قد تغض أنقرة الطرف عنها. يمكن لهذه الأطراف سحب دعمها للعمليات السورية إذا ما استفزت ردود فعل إيرانية غاضبة، أو غرقت في وحول قتال عنيف مع حزب الله. وإذا ما نُفِّذَت هذه العمليات في خلال الحرب الدائرة بين الحزب وإسرائيل، فستنظر تل أبيب إليها إيجابياً، لسببين: أولاً، لأنها ستُخفف الضغط عن الجيش الإسرائيلي المتقدم في جنوب لبنان، وثانياً، لتناسبها مع هدف إسرائيل إبقاء حكومة الشرع بعيداً عن الشؤون اللبنانية.

 

  • العوامل المُعيقة للسيناريو: تخشى السلطات السورية احتمال انزلاق المواجهة الحدودية المحدودة إلى حرب أكبر، إذ قد يُفسِّر الحزب العمليات بوصفها مقدمة لهجوم سوري أوسع نطاقاً، مما يدفعه نحو إطلاق صواريخه على دمشق ومراكز البنية التحتية في العمق السوري. كما أن عمليات التمشيط قد تؤدي إلى تعبئة شيعية وعلوية متجددة ضد سورية ونظام الشرع، تُحفِّز الفصال العراقية الولائية على استهداف حقول النفط السورية بالصواريخ والمسيرات التي لا يملك الجيش السوري قدرات على اعتراضها، وإن كان يملك القيام بردود مماثلة في عمق الأراضي العراقية.

 

السيناريو الثاني: دخول الجيش السوري إلى منطقتي البقاع والهرمل اللبنانيتين للسيطرة على البنية التحتية لصواريخ حزب الله. في هذا السيناريو تتقدم القوات السورية من عدة محاور، باتجاه مصانع إنتاج الصواريخ ومستودعات تخزينها ومنصات إطلاقها المحصنة في جبال وجرود البقاع والهرمل. وتكتفي الحملة بالوصول إلى خط بلدات (طاريا – شمسطار – زحلة – شتورة). هذا السيناريو يتطلب وقتاً أطول من السيناريو السابق وسرعة في التنفيذ، تجنُّباً لاستخدام الحزب صواريخه باتجاه الأراضي السورية. وبخلاف السيناريو الأول، ستجد الدولة اللبنانية صعوبة في التعاون مع دمشق جراء ضغوط الثنائي الشيعي، في حين سيلاقي هذا السيناريو ترحيباً عربياً وأمريكياً وإلى حدٍّ ما إسرائيلياً، خلافاً لإيران التي ستعترض عليه بقوة.

 

  • العوامل الداعمة للسيناريو: امتلاك حكومة الشرع معلومات مفصلة عن بنية حزب الله التحتية في منطقتي البقاع والهرمل ورثتها عن نظام الأسد. وفضلاً عن إشراف المواقع السورية على وادي البقاع ومحدودية عمقه، فإن مساحة محافظتي البقاع والهرمل معاً لا تتجاوزان 2000 كيلومتر مربع، يسكنهما مئات آلاف اللاجئين السوريين، ويتخللهما العديد من القرى والبلدات ذات الأغلبية السنية الممتعضة من هيمنة الحزب. سيكون تنفيذ هذا السيناريو في خلال الحرب بين الحزب وإسرائيل أسهل مما بعدها، إذ إنَّه يجعل قوات الحزب المشتتة والمنهكة تخوض حرباً قاسيةً على جبهتين. ونجاح الحملة، سيُكسِب حكومة الشرع عدة منافع، هي: تحجيم تهديد الحزب على وسط سورية وإضعاف قدرته على دعم الجماعات العلوية، وحجز مقعد على طاولة ما بعد الحرب، وإغلاق البقاع في وجه الإسرائيليين وتقوية موقف دمشق أمام إسرائيل الراغبة في تحويل إنجازاتها ضد إيران إلى مكاسب إقليمية في بلاد الشام، وتحديداً في محافظة السويداء وعموم الجنوب السوري.

 

  • العوامل المُعيقة للسيناريو: بينما قد تُرحِّب واشنطن بهذا السيناريو للتخلص من القسم الأكبر من ترسانة حزب الله الصاروخية، ستتعامل أنقرة معه بسلبية، وبخاصة إذا ما تنفيذه إبان الحرب الدائرة في المنطقة، لأنه سيؤثر في موقف الحياد الذي اتخذته من الحرب. ولربما حمّلت طهران أنقرة المسؤولية عن تصرفات دمشق، وأوّلتها كطعنة جديدة مشابهة لطعنة إسقاط نظام الأسد في ديسمبر 2024. وفي المقابل، من المرجح أن ترد طهران بقوة كبيرة على هذه الحملة، التي من شأنها تدمير جهود إيرانية بُذلِت على مدار عقود لتركيب ما يشبه “المنجنيق” في البقاع، كجزء من استراتيجية إيران للدفاع المتقدم. ولقد أثبتت هذه الاستراتيجية جدواها بالنسبة لطهران إبان هذه الحرب، إذ أطلق الحزب صواريخه على إسرائيل بالتزامن مع إطلاق إيران صواريخها، ما زاد فعالية الضربات. وعلى الأرجح أن يعارض جزء وازن من الجيش وأجهزة الأمن اللبنانية دخول السوريين إلى البقاع، ويندفع لقتال القوات الغازية إلى جانب حزب الله، ما يعني انفراط عقد الجيش اللبناني. كما سيُثير دخول قوات الشرع قلقاً وجودياً في أوساط شيعة لبنان، وبخاصة أن تلك القوات تضم في صفوفها متطرفين متعطشين للانتقام منهم، سبق لهم ارتكاب جرائم حرب بحق الأقليات في سورية. وإذا ما فشلت الحملة في الوصول إلى مستودعات الصواريخ أو ظهر أن حزب الله خزَّن عدداً منها خارج البقاع والهرمل، فستُعاني دمشق والمدن السورية الأخرى من قصف صاروخي يزيد من حراجة الأوضاع الخانقة التي تشهدها البلاد بالفعل.

 

تخشى السلطات السورية من احتمال انزلاق أي مواجهة حدودية محدودة مع حزب الله إلى حرب أكبر. (أ.ف.ب)

 

السيناريو الثالث: استمرار الوضع القائم إلى حين انتهاء الحرب. فوفق هذا السيناريو تستمر دمشق في حشد قواتها على الحدود مع لبنان، وتواصل جهودها لمنع عمليات تهريب الأسلحة إلى حزب الله، من دون أن تتدخل محافظةً على موقف الحياد.

 

  • العوامل الداعمة للسيناريو: إن عدم وضوح الموقف الأمريكي النهائي من الحرب على إيران، والمساعي الإقليمية الدائرة من أجل وقف الحرب، تدفع السوريين إلى الحذر من أي تورط، الذي تحذر منه أنقرة. كما أن دمشق تتحسب للمصاعب الاقتصادية المتزايدة في البلاد، وتتخوف على الاستقرار الهش الذي سيهتز تحت وطأة ردود المحور الشيعي أو ضربات الخلايا العلوية وتنظيم داعش. كما تخشى دمشق أن تستغل القوات الكردية، والشيخ حكمت الهجري انشغالها في البقاع من أجل تعديل موازين القوى الداخلية. وفي هذا السياق، تخشى دمشق أن توقعها إسرائيل في فخ جديد مماثل لـ “فخ السويداء”، ولن تكون متحمسة لتحويل عداء حزب الله من إسرائيل إليها. كما أن عدم امتلاك الجيش السوري قوات مدرعة، وأسلوب قتال قواته المعتمد على حرب العصابات، يؤثران في تفكيره حيال البقاع. وأخيراً، لا يملك الجيش السوري وسائل دفاع جوي أمام الصواريخ والمسيرات التي تملكها تنظيمات المحور الشيعي.

 

  • العوامل المُعيقة للسيناريو: إن ديناميكية الحرب الدائرة في جنوب لبنان، وتأثيراتها الكبرى على أمن سورية، من شأنها أن تجر الشرع إلى استخدام القوة. فمع اقتراب إسرائيل من فتح محور البقاع الغربي، وإعلان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن مناطق عازلة جنوبي سورية ولبنان، يغدو مطلوباً من دمشق اتخاذ خطوة لزيادة قوتها وتوسيع هامش مناورتها. ومن جهة أخرى، لن يتسامح المحور الشيعي مع خطوات حكومة الشرع وإجراءاتها على الحدود مع لبنان والعراق والتي أربكت حساباته، وقد يحاول الانتقام من دمشق سواء انتصر في الحرب أو خسرها.

 

استنتاجات

تمتنع سورية، حتى الآن، عن التورط في الحرب الدائرة في الإقليم، كما ترفض فتح جبهة ضد حزب الله. ومن جهة أخرى لا يريد الشرع تحويل سورية إلى هدف لاعتداءات المحور الشيعي، ولربما راقبت دمشق بارتياح القتال المحتدم بين عدويها على الأرض اللبنانية، وفضلت تركهما يتقاتلان حتى النهاية، لذلك يبدو السيناريو الثالث الأكثر ترجيحاً. لكن هذا السيناريو لا يُقدِّم استجابةً واضحة لتحديات ما بعد الحرب. فنجاح تل أبيب في طرد حزب الله من جنوب لبنان سيجعلها أكثر إصراراً على مطالبها الأمنية جنوبي سورية، وفي المقابل سيضغط حزب الله على دمشق من أجل فتح ممرات تهريب السلاح.

 

وفي العموم، تقف دمشق على مفترق طرق حاسم بين التدخل أو عدم التدخل في لبنان. وإذا ما انجرت إلى التدخل، فسيتحدد حجمه بناءً على ما تقدمه الأطراف الإقليمية والدولية من تمويل ودعم عسكري، يشمل حماية الأجواء السورية من الصواريخ الإيرانية والعراقية، وضمانة صلبة بضبط إسرائيل. وإذا لم تتوافر هذه الشروط، وشعرت دمشق أن حزب الله قد أُضعِفَ إلى حد كبير وخسر ترسانته الصاروخية، فقد تنفذ عمليات توغل محدودة على الحدود من دون الوصول إلى أعماق منطقة البقاع.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M