عين على إفريقيا (7-9 مارس 2026م) إفريقيا والتعويضات: طريق طويل لتصحيح التاريخ

تستعد القارة الإفريقية لطرح واحدة من أهم قضاياها الراهنة، وهي هنا قضية «التعويضات»، أمام الأمم المتحدة في 25 مارس القادم، وهي خطوة مهمة في طريق طويل تخطو فيه القارة أولى خطواتها (على مدار ما يُعرف بعقد التعويضات 2026-2036م) نحو تسوية مطالب تعويضاتها عن أضرار الاستعمار وتجارة العبيد التي لا تزال آثارها ماثلةً حتى اليوم.

يتناول المقال الأول: استخدام الفنون والفعاليات الثقافية للترويج لمطالب تعويضات القارة الإفريقية.

أما المقال الثاني فيتناول: المقاربة الدبلوماسية التي تقودها غانا في المسار نفسه.

ويتناول المقال الثالث: أحد أوجه هذه الجهود الإفريقية المهمة في العام الجاري، وفي غانا أيضاً.

1) «التاريخ يتوق للتعافي»: كيف تأمل إفريقيا في تحقيق عدالة التعويضات[1]:

يناقش فنانون وكُتّاب، في أحد المهرجانات في كينيا، الدور الذي يمكن أن تلعبه الفنون في توجه القارة المتصاعد لتحقيق التعويض عن الجرائم الاستعمارية. في أحد أوقات الظهيرة في أكتوبر الماضي (2025م)، في فندق داخل غابة في إحدى ضواحي نيروبي، جلس عشرات الأفراد في صمت في حجرة لمشاهدة الفيلم الوثائقي If Objects Could Speak (2020)، والذي يتناول التعويض عبر تتبع جذور قطعة كينية محفوظة في أحد المتاحف الألمانية. وكانت المجموعة حاضرة في مهرجان «وقتنا» (بالسواحيلية Wakati Wetu) الذي استمر ليومين، وكان يهدف لإثارة نقاشات عالمية حول عدالة التعويضات.

وفي الشهر الماضي، تبنَّى الاتحاد الإفريقي حراكاً قادته غانا لتصنيف العبودية والاستعمار جرائم ضد الإنسانية. وفي مارس الجاري، سيتم طرح المسألة أمام الأمم المتحدة، مع مطالب لإنجاز مسألة التعويضات على نحوٍ حاسم. ويُعتبر هذا التحرك، الذي أُعلن بدايةً في دورة الجمعية العامة بالأمم المتحدة في سبتمبر الماضي، هو الأحدث من نوعه في توجه إستراتيجي من قِبل القارة الإفريقية الساعية لعدالة التعويضات.

وكان الاتحاد الإفريقي قد أعلن العام 2025 عاماً للتعويضات، مع تبنّيه شعار «العدالة للأفارقة وذوي الأصول الإفريقية عبر التعويضات»، ما ميّز سعي الكتلة المكوّنة من 55 دولةً بوضع هذه المسألة في قلب أجندتها. وبحلول يوليو، كان الاتحاد الإفريقي قد وسّع الجدول الزمني بإعلان الفترة من (2026م إلى 2036م) عقداً للتعويضات لحشد الدعم من أجل هذه العدالة.

وكانت الدول الإفريقية قد عانت لعقودٍ من مظالم كثيرة من الغرب، بما في ذلك الاستعمار والاسترقاق القسري لسكانها. فيما كانت، في المقابل، جهود إصلاح مثل هذه المظالم وآثارها الاقتصادية والاجتماعية والسيكولوجية الباقية قليلةً وقاصرةً بشكلٍ كبير على نقاشات بين الأكاديميا والمجالات غير الهادفة للربح. كما أعاق التقدم مسائل مثل: نقص الموارد والإستراتيجية المُنسَّقة بين النشطاء، وتَحفُّظ الحكومات الأوروبية إزاء إعادة فتح جراح قديمة.

وبانعقاد الفعالية في نيروبي؛ كان المنظمون يأملون في تحقيق حركات عدالة التعويضات في أرجاء القارة القدرة على استغلال الفنون والثقافة في حملتهم. وقالت ليليان أوموبيي Liliane Umubyeyi، المؤسس المشارك والمدير التنفيذي لمؤسسة African Futures Lab، وأحد منظمي الفعالية، إنه يمكن للفنون أن تساعد في جعل المناقشات حول التعويضات أكثر دينامية..

«إن الفنون… يمكنها التحدث لكلٍّ منّا كأفارقة»، واستطردت: إن «الفن طريقٌ عالمية لتجربة الأمور. وليس علينا أن تكون لدينا درجةٌ ما لتعلّم الموسيقى».

وفي خطبتها الرئيسية قالت الكاتبة الكينية إيفون أوور Yvonne Adhiambo Owuor: إن المهرجان قدّم «أملاً لاعترافٍ واضح- وغالباً مؤلم، لكنه شافٍ»، وعلى مستوى شامل عن المعاناة التي مَرّ بها الأفارقة. وأضافت: «لا يمكنني المبالغة في استغلال فعالية مثل هذه- إنها بقعة ضوء في نفق طويل من الذات التي أسكتناها، ودفنّاها، وخنقناها لفترة طويلة»، «إنّ الجرح يتألم طلباً للتحرر، والتاريخ يتوق للشفاء».

وحذّرت مما وصفته «بالاندفاعة غير الملائمة» نحو التعويض، ودعت إلى مراجعة تاريخية للجرائم والأخطاء بدايةً؛ لتزويد حركة المطالبة بالتعويضات بأساس أيديولوجي صارم. «إن التعويض في المقام الأول فعلٌ تشريحي أخلاقي، ومن ثَمّ فإنه تعويذة أخلاقية»- حسب رؤيتها.

ويقول محللون، مثل أديكيي أديباجو Adekeye Adebajo، مؤلف كتاب The Black Atlantic’s Triple Burden: Slavery, Colonialism and Reparations، إن تركيز الاتحاد الإفريقي الكبير على التعويضات يمكن أن يكون نتيجةً لتحدياتٍ فرضها المناخ الجيوسياسي الراهن. ويؤكد أديباجو، وهو أيضاً أستاذ في العلاقات الدولية في جامعة بريتوريا، أن «الاتحاد الإفريقي يعرف أن ذلك نضالٌ بعيد المدى، وأن البيئة الجيوسياسية الراهنة هي البيئة التي يوجد فيها، في رأيي، (الرئيس دونالد) ترامب، وهو رئيس عنصري».

إن خطوات الاتحاد الإفريقي من أجل معالجة المظالم التاريخية تعود إلى تسعينيات القرن الماضي خلال مؤتمر عموم إفريقيا الأول حول التعويضات Pan-African Conference on Reparations، والذي نتج عنه إعلان أبوجا 1993م الذي طالب بتعويضات عن الاستعمار وتجارة العبيد عبر المحيط الأطلنطي. بأيّ حالٍ؛ فإنه رغم تعدد القمم، والتقدم المؤسسي على مستوى السياسات، فإن القوى الاستعمارية السابقة عمدت إلى إدخال تعديلات طفيفة. ففي العام 2024م، ألمحت فرنسا إلى رغبتها في مناقشة التعويضات عن مذبحة 1899م لنحو أربعمائة شخص في النيجر، لكنها رفضت الإقرار بمسؤوليتها. وفي إحدى الحالات النادرة اعترفت ألمانيا في العام 2011م للمرة الأولى بإبادة جرَت في العصر الاستعماري لأكثر من 70 ألف من شعبي الهيريرو والناما في ناميبيا، ووعدت بتقديم 1.1 بليون يورو في شكل مساعدات تنموية لناميبيا. لكن ألمانيا رفضت بكل وضوح تسمية ذلك بـ«التعويضات»، خشية أن تُرسي سابقةً قانونية لمثل هذه الادعاءات.

2) مطالب التعويضات لإفريقيا: من الاتحاد الإفريقي إلى الأمم المتحدة[2]:

يبدو جلياً تماماً أن المثقفين والأكاديميين والباحثين والنخب السياسية الإفريقية، الذين قادوا مسألة المطالبة بالتعويضات، لم يحققوا إلا تقدّماً يسيراً ونتائج محدودة حتى اليوم. فالمقاربات السياسية والدبلوماسية ضعيفة وغير منسقة، بينما استُخدمت منصات الدفاع الإستراتيجي (عن هذه المطالب) على نحوٍ مستمر لأهداف التضامن الجيوسياسي بشكلٍ أساسي. مع تغير الأزمنة، بات على إفريقيا التعامل مع قضايا التنمية بإستراتيجيات واستمرارية والتحول تماماً عن مجرد التضامن. إن النزعة الرومانسية الجارفة للماضي لدى إفريقيا مع القوى الخارجية تؤثر في التنمية والوحدة القارية. وتتطلب التغيرات الجيوسياسية الجارية إعادة طرح وتعريف علاقة إفريقيا بالقوى العالمية، والارتقاء بها من أجل الحفاظ على جوانب السيادة الإفريقية.

وتُفسّر السيادة بأنها: القدرة على التحكم في السلطة داخل إقليمٍ ما، والسماح للدولة بتحديد نظام حكمها دون تدخّل خارجي. وفي غياب هذه الضوابط، في السنوات السابقة عولت القوى الغربية على عوامل الضعف من أجل السيطرة على موارد إفريقيا البشرية والطبيعية، ثم ظهرت اليوم قضية التعويضات.

والتعويضات هي تحرك للمطالبة بمدفوعات أو تعويضات عن شيءٍ غير لائق حدث في الماضي، وقد باتت صيحة اليوم في القارة الإفريقية وفي الشتات. وتجدر هنا ملاحظة الاستمرارية الحثيثة في السنوات القليلة الماضية لوقوف الشعوب الإفريقية وقادتهم بقوة دفاعاً عن تحقيق عدالة التعويضات. وبالنسبة للجميع؛ فإن التعويضات باتت حاجةً ملحة من ذكرى تاريخية إلى الواقع الحالي من أجل إعادة الوضع لما كان عليه. وهناك إجماعٌ متصاعد داخل الاتحاد الإفريقي، وفي أرجاء القارة، يُعيد تعريف التعويضات بأنها ليست مجرد تعويضات عن جرائم الماضي؛ لكن كأساس إستراتيجي للبنية الاقتصادية لإفريقيا مستقبلاً. ويُقر هذا التغير بحقيقةٍ بسيطة: أن الخراب الذي لحق بالقارة جراء العبودية والاستعمار كان شاملاً في نطاقه، ويجب أن يكون التعافي أيضاً قارّياً في بنيته.

ويمكن القول، بوضوحٍ تام، أن عدالة التعويضات لا تتعلق فحسب بالتعافي أو التعويضات المالية، بل تشمل استعادة المجال السياسي، والاستقلال التنموي، والاستخدام التكنولوجي، وإصلاح الديون، والتعويض الثقافي، وإعادة البناء الاقتصادي الذي يتيح للاقتصادات الإفريقية أن تخدم المجتمعات الإفريقية في نهاية المطاف. وتكمن أهمية الإجماع على قضية التعويضات اليوم في إقرارها أن قضية «التخلف» في إفريقيا ليس فشلاً داخلياً يمكن تصويبه من خلال المعونات أو الإصلاحات أو المشورة الخارجية، بل إنه نتيجة تاريخية ومستمرة للعدوان الاستعماري.

ومن ثَمّ؛ فإن قضية التعويضات تستجيب لجُرحٍ غائر، وليست خطأً أخلاقياً مجرداً. وخلال مؤتمر صحفي، في القمة 39 للاتحاد الإفريقي في أديس أبابا، حث الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما القادة الأفارقة على تبنّي إستراتيجية قارية مشتركة حول إرث العبودية والاسترقاق العنصري، الذي وصفه بأنه «أعظم الجرائم ضد الإنسانية». وأضاف في كلمته: «لقد أجرت غانا مشاورات موسعة لتقوية فرص الوصول لقرار. وانخرطنا مع اليونسكو، ومجموعة الخبراء العالمية للتعويضات Global Group of Experts on Reparations، واتحاد المحامين الإفريقي Pan-African Lawyers Union، والمؤسسات الأكاديمية، ولجنة خبراء الاتحاد الإفريقي حول التعويضات African Union Committee of Experts on Reparations، والمجموعة المرجعية للخبراء القانونيين بالاتحاد الإفريقي African Union Legal Experts Reference Group. ولقد استضفنا الاجتماع المشترك الافتتاحي للجنة خبراء الاتحاد الإفريقي حول التعويضات والمجموعة المرجعية في أكرا مطلع هذا الشهر (فبراير 2026)، من أجل تدقيقٍ مزيد لنص القرار. كما بدأنا في التواصل مع الشتات في قمة غانا للشتات المنعقدة في ديسمبر في العام 2025م».

وقدّمت كلمة الرئيس الغاني توضيحاً وأملاً فيما يلي في هذا المسار. ستكون إفريقيا مسموعة الجانب، في جميع الأحوال، ومن ثَمّ لن يكون القرار مجرد أمل في سنوات طويلة تالية؛ بل واقع يمكن تحقيقه. والحقيقة أن «إفريقيا مُوحَّدة» ستكون قوة عالمية قوية لا يمكن وقف تقدُّمها أو إعاقته. لكن «إفريقيا مُقسَّمة» هي إفريقيا عرضة لسيطرة الإمبريالية والهيمنة الغربية.

ومن ثَمّ؛ فإنه ثمة أولوية لجميع الأفارقة للتضامن والوقوف معاً من أجل ضمان تحقيق أهداف هذه القرارات. ومن ثَمّ؛ فإنه بحلول 25 مارس فإن القرار سيتم طرحه من قِبل شخص واحد، الذي سيُعلي صوت ملايين الأفارقة وذوي الأصول الإفريقية. ويمكن القول حقيقةً إن «إفريقيا المُوحَّدة» في مطالبتها بالتعويضات لا تشبه إفريقيا التي تطالب بأن يتم ضمها في نظامٍ غير عادل، بل تشبه أكثر إفريقيا التي تؤكد حقها في المساهمة في إعادة صياغة هذا النظام.

ويُمثل عقد التعويضات Decade of Reparations، على وجه الخصوص هنا، فرصةً تاريخية لإفريقيا للانتقال من الاعتراف الرسمي بمظالم الماضي إلى إصلاح اقتصادي محدد. ونعيد هنا تأكيد أن مسألة التعويضات بسبب الاستعمار ليست مجرد حلقة في حكم أجنبي، بل إنها كانت نظاماً اقتصادياً، فقد تم الاستيلاء على الأراضي الإفريقية، وتم فرض العمل القسري على أبنائها، وأُعيد تشكيل المؤسسات لخدمة المصالح الخارجية، وأُعيد تصميم مجمل اقتصادات القارة لتقوم على تصدير المواد الخام.

وقبل عقودٍ طويلة من الاستقلال، كانت تجارة العبيد عبر الأطلسي قد حرَمت القارة من مواطنيها، ومهاراتهم، واستقرارها الاجتماعي، وخلقت ضرراً ديموغرافياً وتنموياً دائماً، وقد عزز الحكم الاستعماري منذ ذلك الوقت هذا الدمار وحوّله إلى بناءٍ عالمي دائم من التفاوت. وهكذا، فإن المعركة التي تخوضها إفريقيا اليوم بالغة الأهمية، وهي تصحيحٌ لخطأ تاريخي غير إنساني، وهو خطأ يجب تعديله وتصحيحه، بدايةً من الاعتراف به.

وفي النهاية، فإن رسالة إفريقيا يجب أن تتناول العبودية والاستعمار والأبارتهيد، والتخلف المنهجي بشكلٍ عام، ويجب أن يتم هذا التحرك الآن! وإحدى الخطوات المهمة أو الأساسية هي الإعلان الرسمي للاتحاد الإفريقي عن عقد التعويضات (2026-2036م).

3) إطلاق منتدى جديد لاستعادة تراث إفريقيا المنهوب[3]:

تجمَّع أكاديميون ودبلوماسيون ومثقفون، في متنزه كوامي نكروما التذكاري في أكرا يوم الأربعاء 5 مارس، لإطلاق «منتدى إفريقيا للتعويضات» Restitution Africa Forum، وهو مبادرة مجتمعية أهلية جديدة مكرّسة لدعم حركة عودة التراث الثقافي الإفريقي وإعادة بناء هوية تاريخية كان الحكم الاستعماري قد قضى عليها.

وتزامنت عملية الإطلاق مع شهر التراث في غانا في العام 2026، ومع تعميق الدولة مسعاها في مسار قضية التعويضات على أعلى المستويات الدولية. ويستعد الرئيس الغاني جون دراماني ماهاما، الذي يتولى رئاسة عمل الاتحاد الإفريقي في مسألة التعويضات، بطرح مشروعات قرارات رئيسة أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة في 25 مارس المقبل، معلناً أن تهريب الأفارقة المستعبدين هو أسوأ جريمة ضد الإنسانية.

وقد عُقد المنتدى من قِبل الباحث كواسي نكروما بودي Kwasi N. Boadi، الذي قدّم أيضاً عرضاً لكتابه الجديد (القائد المنقذ كوامي نكروما، واستلهام التراث) Osagyefo Kwame Nkrumah, Sankofa في الفعالية. ويُحيي الكتاب الفلسفة السياسية لرئيس غانا المؤسس (كوامي نكروما)، ومفهوم الآكان Akan عن «السانكوفا» كإطار عملي لإعادة التفكير في الحكم والوعي الثقافي عبر إفريقيا اليوم.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M