تمهيد:
تقف القارة الإفريقية مع انقضاء عام 2025م وبداية عام 2026م أمام لحظةٍ فارقة، تتكثف فيها التحديات البنيوية مع تحولاتٍ عميقة في البيئة الدولية. فالقارة التي تُعدّ اليوم إحدى أكثر مناطق العالم ديناميكيةً من حيث النمو السكاني واتساع قوة العمل لديها؛ تواجه في الوقت ذاته ضغوطاً متزايدةً ناجمةً عن انكماش المساعدات الخارجية، وتفاقم أعباء المديونية، واتساع فجوات التمويل اللازمة للتنمية والبنية التحتية والخدمات الاجتماعية. ويضع هذا التداخل بين العوامل الداخلية والخارجية المسار الاقتصادي والاجتماعي لإفريقيا عند مفترق طرق حاسم، تتحدد عنده ملامح المستقبل القريب للقارة.
ولا تنفصل هذه اللحظة عن أسئلةٍ أعمق تتعلق بقدرة الدول الإفريقية على تحويل مواردها البشرية والطبيعية إلى رافعة للنمو الشامل والمستدام، في ظل نظام دولي يشهد إعادة تشكيل في موازين القوة وتراجعاً في فاعلية التعددية التقليدية. فبينما تمثل التحولات الديموغرافية فرصةً تاريخية لإطلاق طاقات الإنتاج والابتكار؛ فإن غياب السياسات والاستثمارات الإستراتيجية اللازمة قد يحوّلها إلى مصدر جديد للهشاشة والاضطراب.
وفي هذا السياق؛ يأتي تقرير «استشراف مستقبل إفريقيا لعام 2026م: الأولويات والتوصيات»، الصادر عن مؤسسة بروكينغز في يناير من العام 2026م، كمحاولةٍ لاستشراف المسارات المحتملة أمام القارة، واستكشاف الأدوات الكفيلة بتعزيز الاعتماد على الذات وبناء نماذج تنموية أكثر صلابةً ومرونة. وإذ يضع التقرير نصب عينيه أُفق عام 2026م؛ فإنه يهدف إلى إثراء النقاش العام حول أولويات القارة في المرحلة المقبلة، ويفتح المجال أمام سياسات أكثر تنسيقاً وطموحاً، في النظام الدولي المتغيّر.
من هذا المنطلق؛ نحاول قراءة أبرز ما ورد في التقرير، وفقاً للمحاور الرئيسة التالية:
أولاً: تعبئة موارد القارة الإفريقية من أجل التنمية.. أولوية متجددة.
ثانياً: سوق العمل في إفريقيا بين التحدي الديموغرافي وفرص التحول التنموي.
ثالثاً: رسم مسار إفريقيا نحو النمو القائم على الصناعة (صُنِع في إفريقيا).
رابعاً: إعادة النظر في إستراتيجيات تعزيز السلام والأمن والمرونة في إفريقيا.
خامساً: تمكين إفريقيا وريادتها في عالم متعدد الأقطاب.
سادساً: إفريقيا في قلب الاستقطاب الجيوسياسي: رهانات القوة ومخاطر التهميش.
أولاً: تعبئة موارد القارة الإفريقية من أجل التنمية.. أولوية متجددة:
في البداية؛ يشير تقرير استشراف مستقبل إفريقيا في هذا المحور إلى أنه، ورغم تباطؤ آفاق النمو الاقتصادي العالمي، لا تزال إفريقيا تُظهر قدراً ملحوظاً من المرونة في مواجهة صدماتٍ كبرى متلاحقة، بدءاً من التداعيات الممتدة لجائحة كوفيد-19، مروراً بالاضطرابات المرتبطة بالصراعات الجيوسياسية والسياسات التجارية العالمية. وفي هذا السياق؛ من المتوقع أن يشهد النمو الاقتصادي في إفريقيا جنوب الصحراء تحسناً طفيفاً خلال عام 2026م، في وقتٍ يتواصل فيه التوسع السكاني بوتيرةٍ سريعة، مع توقع تضاعف عدد سكان القارة بحلول عام 2050م.
ويُنتج هذا الزخم الديموغرافي، إلى جانب مظاهر الصمود الاقتصادي، مزيجاً من الفرص الواعدة والتحديات الضاغطة، وفي مقدمتها الحاجة إلى مضاعفة الاستثمارات القادرة على توليد فرص عمل واسعة النطاق، وتوسيع قاعدة الاندماج الاجتماعي والاقتصادي. غير أن التحدي الأكثر إلحاحاً يظل مرتبطاً بتمويل التنمية، إذ يُقدّر التقرير أن دول إفريقيا جنوب الصحراء تحتاج إلى ما لا يقل عن 245 مليار دولار إضافية سنوياً لسد فجوة التمويل. ومع تراجع المدخرات الوطنية، وانحسار تدفقات التمويل الخارجي، بات البحث عن آلياتٍ مبتكرة لتعبئة الموارد المحلية ضرورةً لا تحتمل التأجيل.
ومن هنا؛ تبرز الموارد الطبيعية للقارة، التي قُدّرت قيمتها بأكثر من 6 تريليونات دولار في عام 2020م، باعتبارها أحد أكبر الأصول غير المستغلة، والمسار الأكثر وعداً لتعزيز التمويل المحلي على نطاقٍ واسع. ويأتي ذلك في ظل تدهور مسألة المساعدات الخارجية، حيث يشير التقرير إلى تراجع المساعدة الإنمائية الرسمية بنسبة 9% في عام 2024م وفق تقديرات منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، إلى جانب تشديد شروط الاقتراض وتقلص التمويل الميسر، وهو ما تفاقم مع حل الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) خلال عام 2025م. ويؤكد هذا التراجع في منظومة المساعدات العالمية أن تعبئة الموارد المحلية لم تعد خياراً يمكن التفاوض بشأنه، بل تحوّل إلى حتميةٍ إستراتيجية لضمان استدامة أجندة التنمية الإفريقية. وفي الوقت ذاته؛ يمثل هذا التحول فرصةً لإعادة توجيه البوصلة نحو الداخل الإفريقي، والاستفادة من المزايا النسبية التي تمتلكها القارة. وتشمل هذه الفرص تعزيز كفاءة نظم تحصيل الإيرادات الضريبية، والحد من التهرب الضريبي للشركات متعددة الجنسيات، إلى جانب تفعيل دور صناديق الثروة السيادية، وصناديق التقاعد المحلية، وبنوك التنمية الوطنية. ومن خلال توظيف هذه الأدوات بفاعلية؛ يمكن للاقتصادات الإفريقية تأمين مصادر تمويل أكثر استقراراً وموثوقيةً لدعم مساراتها التنموية على المدى الطويل.
وحول الاستثمارات والمدخرات في إفريقيا جنوب الصحراء حتى العام 2029م؛ فيوضحها الشكل رقم (1) كما يلي:
شكل رقم (1):

الاستثمارات والمدخرات في إفريقيا جنوب الصحراء خلال الفترة (2000-2029م)
في السنوات الأربع المقبلة، ستكون هناك فجوة قدرها 245 مليار دولار بين مدخرات إفريقيا ومستوى الاستثمار المطلوب:
المصدر: تقرير استشرف مستقبل إفريقيا لعام 2026م، النسخة الإنجليزية، ص11.
Brookings Institution, «Foresight Africa:» Top Priorities for the Continent in 2026«, (Washington, D.C: Brookings Institution, Jan 2025), Available at: https://www.brookings.edu/wp-content/uploads/2026/01/Foresight-Africa-2026-FULL-REPORT-1.pdf
في المحصلة؛ يتبين من خلال هذا المحور أنه مع اتجاه الدول المانحة لتقليص التمويل الخارجي لصالح أولوياتها الداخلية؛ يتوقع أن تشهد دول إفريقيا جنوب الصحراء انخفاضاً بنسبة 16-28% في المساعدات الإنمائية الثنائية، ما يكشف عن هشاشة النظام العالمي للمساعدات، ويؤكد الحاجة الملحة لتحديد مصادر بديلة للتمويل الاجتماعي. ومن هذا المنطلق؛ بات استغلال الموارد المحليّة، بما في ذلك تحفيز التحويلات والعمل الخيري من الجاليات الإفريقية بالخارج (Diaspora Philanthropy) خياراً إستراتيجياً يوفّر تمويلاً أكثر مرونة، ويعزز الاستقلال المالي للقارة. وبذلك؛ تصبح هذه الموارد الذاتية والمساهمات من الشتات محوراً رئيسياً لبناء مساراتٍ تنموية مستدامة وأكثر استقراراً.
ثانياً: سوق العمل في إفريقيا بين التحدي الديموغرافي وفرص التحول التنموي:
يشير تحليل واقع سوق العمل في إفريقيا، وفقاً لتقرير استشراف مستقبل إفريقيا لعام 2026م، إلى أن التحدي الرئيس لا يتمثل فقط في كيفية زيادة عدد فرص العمل، بل في بناء منظومة متكاملة للوظائف ذات الجودة؛ القادرة على استيعاب الطفرة الديموغرافية الشبابية وتحويلها إلى رافعة للنمو الاقتصادي والتنمية المستدامة. فالتقرير يؤكد أن القارة مقبلةٌ على توسّع غير مسبوق في حجم القوى العاملة، ما يفرض إعادة هيكلة سياسات التعليم والتدريب وربطها باحتياجات السوق الفعلية، مع التركيز على المهارات الرقمية والتقنية، وبرامج التعلم القائم على الكفاءة، والتدريب المهني الموجه للقطاعات الإنتاجية. كما يبرز الاستثمار المبكر في رأس المال البشري- خاصةً في مجالات الصحة والتغذية والتعليم الأساسي- بوصفه مدخلاً إستراتيجياً لتعزيز الإنتاجية، والحدّ من الفجوات في المهارات، ورفع قابلية الشباب للاندماج في سوق العمل الرسمي.
وفي السياق ذاته؛ يوضح التقرير أن تسريع التحول نحو وظائف مستدامة يتطلب حزمة سياسات هيكلية متكاملة، تشمل تفعيل منطقة التجارة الحرة القارية الإفريقية لتوسيع الأسواق وتحفيز التصنيع وسلاسل القيمة الإقليمية، ودعم الشركات الصغيرة والمتوسطة باعتبارها العمود الفقري للتوظيف، إضافةً إلى تعظيم الاستفادة من التحول الرقمي والصناعة الزراعية بوصفهما قطاعَيْن كثيفي العمالة وقابلِيْن للتوسع السريع. غير أن نجاح هذه المسارات، بحسب التقرير، يظل مرهوناً بوجود إطار مؤسسي داعم يقوم على الحوكمة، وتطوير البنية التحتية، وتعزيز سياسات الإدماج الاجتماعي، بما يضمن الانتقال التدريجي من اقتصاد غير رسمي هش إلى اقتصاد منتج قادر على توليد وظائف لائقة ومستقرة، وتحويل الضغط الديموغرافي إلى مكاسب اقتصادية واجتماعية طويلة الأمد. وحول واقع سوق العمل في القارة الإفريقية؛ فيوضحه الجدول رقم (1)، كما يلي:

واقع سوق العمل في إفريقيا: التحديات والإستراتيجيات والأثر المتوقع:
ثالثاً: رسم مسار إفريقيا نحو النمو القائم على الصناعة (صُنِع في إفريقيا):
يركّز التقرير في هذا السياق على فكرةٍ مفاداها: أن مسار النمو الصناعي في إفريقيا لم يعد مقتصراً على التصنيع التقليدي، بل بات يعتمد على مفهوم أوسع للتحول الهيكلي يقوم على ما يُعرف بـ«الصناعات من دون مداخن»، مثل السياحة، والخدمات الحديثة، والتصنيع الزراعي، والخدمات الرقمية، والنقل واللوجستيات. ففي ظل دخول ملايين الشباب سنوياً إلى سوق العمل، وتباطؤ مساهمة التصنيع في الناتج المحلي، برزت هذه القطاعات بوصفها بدائل قادرة على خلق وظائف منتجة وقابلة للتوسع، وتعزيز الإنتاجية، وتحقيق قيمة مضافة عبر الاندماج في الأسواق الإقليمية والعالمية. ويعكس هذا التحول إعادة تعريف لمسار التنمية الصناعية في إفريقيا، يقوم على الانتقال من الاقتصاد غير الرسمي إلى الاقتصاد المنظم، ومن العمل الهش إلى التوظيف بأجورٍ مستقرة ومنتظمة، ومن الأنشطة منخفضة القيمة إلى سلاسل إنتاج أكثر تطوراً.
وفي المقابل؛ يبرز قطاع الطاقة بوصفه القيد الهيكلي الأهم أمام النمو القائم على الصناعة، خاصةً في ظل اتساع فجوة الوصول إلى الكهرباء وتسارع الطلب المستقبلي بفعل النمو السكاني. وتطرح المقاربات الجديدة في هذا الإطار معادلةً مزدوجة تجمع بين تحقيق التصنيع وتقليل الانبعاثات، عبر الاستثمار في مصادر الطاقة النظيفة، وعلى رأسها الطاقة الكهرومائية. ويُعدّ مشروع «غراند إنغا»- أو كما يعرف بـ «سد إنجا»- في الكونغو الديمقراطية نموذجاً رمزياً لهذا التوجه، لما يمتلكه من قدرة هائلة على توفير طاقة نظيفة منخفضة التكلفة، وتحفيز ممرات نمو صناعي ولوجستي، وربط الموارد الطبيعية بتحويلها إلى رأس مال بشري وفرص عمل واسعة النطاق. وبذلك؛ يصبح الاستثمار في البنية التحتية للطاقة ركيزةً مركزية لإطلاق مسار تنموي جديد يقود إلى نمو صناعي شامل ومستدام في إفريقيا.
رابعاً: إعادة النظر في إستراتيجيات تعزيز السلام والأمن والمرونة في إفريقيا:
ينتقل تقرير استشراف مستقبل إفريقيا 2026م في هذا المحور للتركيز على أهمية إعادة النظر في إستراتيجيات بناء إفريقيا آمنة ومستقرة وقادرة على الصمود، مع التركيز على أن الحوكمة وتعزيز المؤسسات وبناء قدرات الدولة تُمثل ركائز مركزية لتحقيق الاستقرار السياسي والديمقراطي؛ فالديمقراطية في القارة تواجه تحديات بنيوية، أبرزها تراجع الثقة في المؤسسات العامة وضعف آليات المساءلة، على الرغم من استمرار الدعم الشعبي للنظم الديمقراطية. وتشير الدراسات المقارنة- وفقاً للتقرير- إلى أن مفهوم الديمقراطية لا يُقاس فقط بانتظام عقد الانتخابات، بل بقدرة النظم السياسية على منع التدهور المؤسسي، وتعزيز أشكال المساءلة الرأسية والأفقية والمجتمعية، وبناء عقد اجتماعي يُعيد ربط الدولة بالمجتمع.
ومن ناحية أخرى؛ يشير التقرير إلى الدور الحيوي الذي تلعبه وسائل التواصل الاجتماعي في تمكين الشباب الإفريقي من المشاركة السياسية والتعبير عن آرائهم، إذ توفر لهم الوصول إلى المعلومات، وتُنمي الوعي المدني، وتتيح الانخراط في الشأن العام بطرقٍ أقل تكلفةً وأكثر انتشاراً مقارنةً بالأساليب التقليدية. كما تساعد هذه الوسائل في تعزيز الديمقراطية، وتقوية الثقة بين الشباب والمؤسسات السياسية، وتمكينهم من المساهمة في النقاشات المجتمعية واتخاذ القرار. وفي هذا المنحى؛ يوضح الشكل أدناه نسب مشاركة الفئات العمرية المختلفة في الاحتجاجات خلال العام الماضي، مما يعكس ارتفاع الانخراط السياسي للشباب مقارنة ًبالفئات الأكبر سناً.
شكل رقم (2):

المشاركة في الاحتجاجات داخل القارة الإفريقية بحسب الفئة العمرية
النسبة المئوية للمستجيبين الذين أفادوا بالمشاركة في احتجاجات خلال العام 2025م:
المصدر: تقرير استشرف مستقبل إفريقيا لعام 2026م، النسخة الإنجليزية، ص85.
واستناداً إلى هذه الأهمية، يمكن لصانعي السياسات توظيف وسائل التواصل الاجتماعي لتعزيز المشاركة السياسية للشباب عبر عدة مسارات، أبرزها: نشر الأخبار السياسية والتثقيف المدني حول كيفية المشاركة في الاجتماعات المجتمعية والسياسات المحلية، بالشراكة مع وزارات التعليم أو منظمات المجتمع المدني الموثوقة من قِبَل الشباب؛ إضافةً إلى الاستفادة من حسابات الجامعات الحكومية وبرامج الخدمة الوطنية للشباب لنشر المعلومات الموثوقة؛ والتعاون مع الفنانين الشباب في الصناعات الثقافية والإبداعية الذين يمتلكون متابعين كُثر لنشر التثقيف المدني وتشجيع الانخراط السياسي. ومع ذلك؛ يجب مراعاة المخاطر المحتملة لهذه الوسائل، مثل تضليل الرأي العام. لذا، يوصي التقرير بتبنّي إستراتيجياتٍ متوازنة تُنظم الفضاء الرقمي بشفافية، وتبني شراكات مع المجتمع المدني والقطاع الخاص، وتطوير منصات محلية، لتحويل هذه الأدوات إلى رافعة لتعزيز الثقة السياسية، وتوسيع المشاركة الشبابية، ودعم الاستقرار الديمقراطي في إفريقيا.
خامساً: تمكين إفريقيا وريادتها في عالم متعدد الأقطاب:
على مدى السنوات القليلة الماضية؛ واجهت الاقتصادات الإفريقية ضغوطاً كبيرة نتيجة تداعيات الجائحة وارتفاع مستويات الديون وتقلّص السيولة العالمية، ومع ذلك؛ تبرز القارة بمعدلات نمو استثنائية تفوق بقية مناطق العالم، حيث سجلت إفريقيا أسرع نمو في عام 2025م، واحتوت على 11 من بين 15 اقتصاداً الأسرع نمواً عالمياً. كما أنه، بحلول عام 2050م، سيُشكل الأفارقة ربع سكان العالم، فيما سيزداد عدد سكان المدن الإفريقية من 700 مليون حالياً إلى 1.4 مليار، مع توقع وصول حجم الإنفاق الاستهلاكي والتجاري إلى 16.1 تريليون دولار. وتشير هذه المؤشرات، وفقاً لتقرير استشراف مستقبل إفريقيا 2026م، إلى أن التحولات الديموغرافية والاقتصادية تفتح أمام القارة فرصاً كبيرة للتنمية المستدامة، إلا أن قدرتها على استثمار هذه الفرص تتأثر بشكلٍ متزايد بتقلبات الشراكات الدولية، مع إعادة هيكلة نماذج التنمية التقليدية، وظهور شركاء جدد يُقدّمون نماذج تعاون بديلة، وانخفاض حجم المساعدات الرسمية للتنمية.
وحول الاتجاهات الأساسية التي تمكّن إفريقيا من تعزيز ريادتها على الصعيد العالمي؛ يقدّم الشكل التالي رسماً توضيحياً يُبرز أهم هذه الاتجاهات على النحو التالي:
شكل رقم (3):
العوامل الرئيسية الدافعة لفرص الريادة الإفريقية:

المصدر: من إعداد الباحثة، بحسب تقرير استشرف مستقبل إفريقيا لعام 2026م، النسخة الإنجليزية، ص91.
من ناحية أخرى، وفي ظل تقلص المساعدات الدولية، يشير التقرير إلى بروز شركاء جدد لتعويض هذا النقص، حيث أعلنت بعض الدول مثل أيرلندا وكوريا وإسبانيا عن زيادة مساهماتها تجاه القارة الإفريقية، بينما التزمت دول مثل الدنمارك والنرويج ولوكسمبورغ بالحفاظ على مستوياتها الحالية، كما وسّعت دول الخليج، مثل الإمارات وقطر- بحسب التقرير- تحركاتها صوب الدول الإفريقية، سواءً في دعم الأمن أو الوساطة في النزاعات.
وإجمالاً؛ يشير تقرير استشراف مستقبل إفريقيا 2026م، وفقاً لهذا المحور، إلى أن تمكين إفريقيا من لعب دور قيادي على الصعيد العالمي يتطلب إصلاحات هيكلية، تشمل تعزيز الموارد المحلية عبر تحسين تحصيل الضرائب وتنويع الإيرادات، كما يبرز الدور الأبرز للحكومة والمجتمع المدني باعتباره حاسماً لتوجيه هذه الموارد نحو أولويات التنمية الأكثر إلحاحاً على أرض الواقع.
سادساً: إفريقيا في قلب الاستقطاب الجيوسياسي: رهانات القوة ومخاطر التهميش:
تُشير قراءة واقع التنافس الدولي المتزايد، وفقاً للتقرير، إلى أن إفريقيا تقف اليوم في قلب نظام عالمي يشهد إعادة تشكُّل عميقة، دون أن تمتلك القارة بَعدُ تصوراً تفصيلياً واضحاً لشكل النظام الدولي المفضل لديها، باستثناء إجماع عام على أولوية تحقيق نمو اقتصادي سريع وشامل، والدفع نحو إصلاح منظومة الأمم المتحدة. ويعبّر هذا التوجه، كما يتجلى في أجندة الاتحاد الإفريقي 2063م، عن طموح إفريقيا لأن تكون شريكاً موحداً ومؤثراً في الشؤون الدولية، لا مجرد متلقٍ للأجندات الخارجية، وهو ما يفترض حدّاً أدنى من الاستقرار العالمي وتعزيز الاندماج الإقليمي، خاصةً عبر اتفاقية التجارة الحرة القارية الإفريقية. غير أن تصاعد التنافس بين القوى الكبرى، ولا سيما بين الولايات المتحدة وأوروبا من جهة، والصين من جهةٍ أخرى-بحسب التقرير- يُعيد إلى الأذهان أنماطاً تاريخية من الصراع كان لها أثرٌ مدمر على القارة خلال الحرب الباردة. واليوم، تتجسد تداعيات هذا التنافس في ارتفاع كلفة الغذاء والطاقة نتيجة الحرب في أوكرانيا، وفي تزايد الحضور العسكري والأمني لقوى خارجية، فضلاً عن تعقيد مشروعات البنية التحتية والاستثمار بفعل الاستقطاب الجيوسياسي. وعلى الرغم من دخول فاعلين جدد مثل الإمارات وتركيا؛ فإن الصين وأوروبا والولايات المتحدة يظلون هم الشركاء الأهم لإفريقيا- لا يركز التقرير كثيراً على النفوذ الروسي، وربما ذلك يمكن تفهمه باعتبار التقرير صادراً عن مؤسسة بحثية (مركز فِكر) أمريكية- لكل منهم مزاياه وقيوده، بينما يكشف التوسع المتسارع في التجارة مع الصين وتحسّن العلاقات مع آسيا عموماً عن تحوّل مركز الثقل الاقتصادي العالمي بعيداً عن شمال الأطلسي، وهو تحوّل يمنح إفريقيا فرصاً إستراتيجية، لكنه يفرض عليها في الوقت ذاته تحديات دقيقة في إدارة التوازن بين الشركاء، وتعظيم مكاسبها في عالم متعدد الأقطاب.
وفي هذا السياق الدولي المتحوّل؛ لا يظل التنافس بين القوى الكبرى إطاراً عاماً مجرداً، بل ينعكس مباشرةً في سياساتٍ بعينها تتبناها هذه القوى تجاه إفريقيا، من بينها التحول في السياسة الخارجية الأمريكية تحت شعار «أمريكا أولاً». فهذه المقاربة، التي تُعيد تعريف العلاقات الدولية على أُسس نفعية وتجارية، تفرض على القادة الأفارقة التعامل مع بيئة دبلوماسية أكثر تقلباً، تسودها منطق المعاملة بالمثل والصفقات قصيرة الأجل، بدلاً من الشراكات التنموية المستقرة. ورغم أن هذا التحول قد يفتح نوافذ محدودة لتعزيز التجارة والاستثمار؛ فإنه يعكس في جوهره تراجعاً نسبياً عن الالتزامات الأمريكية التقليدية تجاه قضايا التنمية والإصلاح المؤسسي في إفريقيا.
وفي هذا الإطار؛ يبرز الطرح الذي تتبناه بعض التحليلات الصادرة عن مؤسسات بحثية أمريكية، من بينها مؤسسة بروكينغز، ضمن تقرير استشراف مستقبل إفريقيا 2026م، والذي يؤكد أن سياسة «أمريكا أولاً» قد تتيح فرصاً لتعميق الروابط التجارية والاستثمارية عبر الدبلوماسية التجارية، والانخراط مع الولايات والمدن الأمريكية، وتطوير الممرات الإستراتيجية. غير أن هذا الطرح يظل محل نقاش نقدي، إذ يفترض قدرة الدول الإفريقية على التكيّف مع شروطٍ غير متكافئة، ويُحمّلها مسؤولية تعظيم المكاسب في إطارٍ دولي مختل القوة، دون معالجةٍ جذرية لاختلالات النظام التجاري العالمي أو لتداعيات تقليص المساعدات والالتزامات التنموية الأمريكية. ومن ثَمّ؛ فإن استفادة إفريقيا من هذا التوجه تظل رهينةً بقدرتها على التعامل البراغماتي والنقدي مع السياسة الأمريكية، وتفادي إعادة إنتاج علاقات تبعية جديدة؛ عبر تنويع الشركاء، وتعزيز التفاوض الجماعي، وربط الانخراط مع الولايات المتحدة برؤية إفريقية أوسع للريادة في عالم متعدد الأقطاب.
خاتمة:
في المجمل؛ يُقدّم تقرير (استشراف مستقبل إفريقيا لعام 2026م) إطاراً موسعاً يُسلّط الضوء على جملةٍ من القضايا المحورية التي ستؤثر في مسارات القارة خلال المرحلة القريبة (العام 2026م)، دون أن يدّعي تقديم وصفةٍ جاهزة أو مسارٍ حتمي للتنمية.
كما يكشف التقرير، بصورةٍ غير مباشرة، أن مستقبل إفريقيا سيظل مرتبطاً إلى حدٍّ كبير بقدرة دولها على بلورة سياساتٍ ذاتية أكثر تماسكاً، بدل التعويل على تصوراتٍ متفائلة بشأن استقرار النظام الدولي أو افتراض انتقالٍ منظم نحو تعددية مستقرة. وهو افتراض تُضعفه بوضوح اتجاهات السياسة الأمريكية في عهد الرئيس دونالد ترامب، التي تميل إلى منطق الصفقات الثنائية، وإعادة توظيف النفوذ الاقتصادي بما يخدم أولويات داخلية محددة. وفي هذا السياق؛ تغدو الشراكات الخارجية ساحة اختبار لقدرة الدول الإفريقية على تعظيم مكاسبها، إذ يمكن أن تتحول إلى رافعة للتنمية أو إلى مصدر لإعادة إنتاج اختلالات قديمة، تبعاً لمدى التفاوض من موقع قوة، والقدرة على ضبط شروط الانخراط الخارجي.
وبعبارة أخرى: لا تنحصر الإشكالية في تحديد الأولويات بحد ذاتها، بقدر ما تتصل بامتلاك إفريقيا لإرادةٍ سياسية ومؤسسية قادرة على ترجمة هذه الأولويات إلى سياسات عامة قابلة للتنفيذ، في ظل بيئةٍ دولية مضطربة لا توفّر دعماً خارجياً مستداماً، ولا تمنح القارة هامشاً واسعاً للمناورة أو الخطأ.
وأخيراً؛ فإن القيمة الأساسية للتقرير لا تكمن في كونه خريطة طريق مُلزِمة، بقدر ما تتمثل في اعتباره مدخلاً لنقاشٍ نقدي أوسع حول الخيارات المتاحة أمام إفريقيا من زاوية مؤسسة أمريكية بالأساس. وهو ما يُبرز الحاجة إلى موازنة هذا الطرح برؤى وتحليلات صادرة عن مؤسسات بحثية إفريقية، وإقليمية، ودولية أخرى، من أجل بناء صورةٍ أشمل وأكثر توازناً لمسارات القارة المستقبلية.