لقاء مدريد حول قضية الصحراء: خطوة إيجابية على طريق تسوية النزاع

  • عُقِد في مقر السفارة الأمريكية بمدريد اجتماعٌ تشاوري ضَمَّ ممثلين من المغرب وجبهة البوليساريو والجزائر وموريتانيا، بالإضافة إلى الولايات المتحدة وهيئة الأمم المتحدة. ويندرج الاجتماع في سياق جهود واشنطن لتطبيق القرار الأممي رقم 2797 وفق الرؤية الداعمة لمقترح الحكم الذاتي المغربي. 
  • مع أن نتائج الاجتماع وتفاصيل مُداولاته أُحيطَت بالكتمان، لكن المعلومات المترشحة عنه أكدت عرض المغرب خطة تفصيلية لمبادرة الحكم الذاتي، لم تحظ بعد بموافقة الجزائر والبوليساريو، ومن المفروض أن يُستأنف الحوار بشأنها في العاصمة الأمريكية، في موعد أقصاه شهر مايو المقبل. 
  • يُمثِّل اجتماع مدريد خطوة إيجابية على طريق تسوية قضية الصحراء، لكن مواقف الأطراف الرئيسة بشأنها لا تزال متباعدة، ويُرجَّح مواصلة الإدارة الأمريكية مساعيها للضغط من أجل قبول الحل النهائي للنزاع على أساس المبادرة المغربية.

 

عُقِدَ في مقر السفارة الأمريكية بمدريد، في 8 فبراير 2026، لقاءٌ تشاوري بين ممثلين من المغرب وجبهة البوليساريو بمشاركة وزيرَي خارجية الجزائر وموريتانيا، ومسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأمريكي للشؤون العربية والأفريقية، وستيفان دي مستورا المبعوث الشخصي للأمين العام للأمم المتحدة إلى الصحراء الغربية. ومع أن نتائج الاجتماع وتفاصيل مُداولاته لم تعلن للعموم، لكن فُهِمَ أن المناقشات تركزت على تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي رقم 2797، الذي يدعو القرار الأطراف المعنية بنزاع الصحراء الغربية إلى الانخراط في مفاوضات بشأن مبادرة المغرب للحكم الذاتي في إطار مقبول لجميع الأطراف، تحت رعاية الأمم المتحدة.

 

السياق العام لمفاوضات مدريد

أصدر مجلس الأمن في 31 أكتوبر 2025 القرار رقم 2797 حول الصحراء الغربية، يتضمن على الخصوص تجديد ولاية بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية “مينورسو” لسنة إضافية، والإشارة غير المسبوقة إلى مقترح الحكم الذاتي المغربي من حيث هو “حلٌّ” يمكن أن يكون ” الأكثر قابلية للتطبيق”، مع دعوة الأطراف المعنية بالنزاع إلى التفاوض على أساس مقترح الحكم الذاتي. وقد اعتبرت الحكومة المغربية هذا القرار انتصاراً دبلوماسياً للمغرب الذي استطاع فرض مقترحه للحكم الذاتي في الأروقة الدولية، بعد أن تبنّته الولايات المتحدة وعدد من الدول الأوربية الرئيسة. ومع أن البوليساريو والجزائر تشبَّثتا بحق تقرير المصير لحل مشكلة الصحراء، إلا أن قرار مجلس الأمن ولّد دينامية جديدة لم يعد بالإمكان تجاوزها.

 

وبعد صدور القرار، زار مسعد بولس الجزائر في 26 يناير 2026، والتقى بكبار مسؤوليها في إطار خطة أمريكية واضحة لتسويق خيار الحل الذاتي في الصحراء بوصفه إطاراً للتفاوض بين الأطراف المعنية بالنزاع. وفي خلال هذه الزيارة اقترح المبعوث الأمريكي عقد لقاء سري مباشر بين الأطراف المعنية بقضية الصحراء، كما قدَّم خطة للمصالحة الشاملة بين المغرب والجزائر، بيد أن المواقف بين البلدين لا تزال متباعدة، واكتفت السلطات الجزائرية بالموافقة على حضور الاجتماع التشاوري بين المغرب وجبهة البوليساريو دون تقديم تعهُّدات صريحة بخصوص تنفيذ قرار مجلس الأمن الدولي الذي ينص لأول مرة على التفاوض على أساس مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
وهكذا يندرج لقاء مدريد في سياق الجهود الأمريكية لتطبيق قرار مجلس الأمن وفق الرؤية الداعمة للموقف المغربي في النزاع.

 

جاء اجتماع مدريد في سياق الجهود الأمريكية لتطبيق قرار مجلس الأمن وفق الرؤية الداعمة للموقف المغربي في النزاع (أرشيفية/أ.ف.ب)

 

مجريات اجتماع مدريد

مع أن المعلومات لا تزال شحيحة بخصوص اجتماع مدريد، إلا أن بعض المعطيات أصبحت شبه مؤكدة، ومنها عرض المغرب خطته التفصيلية للحكم الذاتي في 40 صفحة، تتضمن الآليات العملية للحكم الذاتي في المجالات التشريعية والتنفيذية والقضائية. ووفق الوثيقة، التي لم تُنشَر رسمياً بعد، يُمنَح سكان الصحراء حق انتخاب برلمان جهوي بالاقتراع العام المباشر، وحق تشكيل حكومة جهوية مسؤولة أمام هذا البرلمان الجهوي، على أن تمثل الجهة في الهيئات الوطنية المغربية من برلمان ومجلس المستشارين.

وتشمل صلاحيات الحكومة الجهوية المجالات الاقتصادية والتنموية والتجارية والتربوبة والثقافية والاجتماعية والبيئية، على أن تحتفظ الدولة المركزية بشؤون الدفاع والخارجية والدينية والرموز السيادية.

 

وقد عُرضت الخطة على اجتماع مدريد، فأكد ممثل جبهة البوليساريو استعداد الجبهة لقبول المقترح، مع بعض الشروط أهمها:

 

  • أن تكون تجربة الحكم الذاتي خطوة مؤقتة تُفضي إلى تنظيم استفتاء للحل النهائي وفق مبدأ حق تقرير المصير للشعب الصحراوي.
  • رفض تعيين الملك لرئيس الحكومة الجهوية والمطالبة بانتخابه بالاقتراع المباشر.
  • تدعيم الصلاحيات الإدارية التنفيذية لسلطات الحكم الذاتي الصحراوية.

 

إلا أن الطرف المغربي رفض هذه الشروط، معتبراً أن الاستفتاء يجب أن يكون محصوراً في خيار الحكم الذاتي باعتباره الحل النهائي الوحيد لنزاع الصحراء. وللتغلب على هذه العقبات، اقترح المفاوض الأمريكي تشكيل لجنة فنية تعمل على تذليل كل المصاعب التي تعترض تطبيق القرار الأممي، على أن تجتمع في الشهرين المقبلين، قبل أن يلتئم اجتماع ثانٍ للأطراف المعنية بقضية الصحراء في الولايات المتحدة الأمريكية في وقت أقصاه شهر مايو المقبل. ولا تزال طبيعة اللجنة التقنية المقترحة موضوع جدل واسع، ففي حين ترى الجزائر والبوليساريو أنها مُخولة بتقديم خيارات عملية لا تتلخص في مسلك الحكم الذاتي، بما يعني إمكانية الرجوع إلى مسار استفتاء تقرير المصير، يرى المغرب أنها مجرد لجنة فنية لتطبيق مشروع الحكم الذاتي الذي أصبح الخيار الأوحد المطروح لحل قضية الصحراء.

 

وبعض المعلومات التي رشَحت عن لقاء مدريد ذكرت أن الطرف الأمريكي عبّر عن إمكانية مراجعة الخطة المغربية لزيادة صلاحيات الحكومة الجهوية الصحراوية بما لا يصل إلى الانفصال والاستقلال التام، في حين يرى المغرب أن الخيار المتاح هو تجربة مناطق الحكم الذاتي في إسبانيا التي هي نوع من النظام الجهوي المتطور وليس النسق الفيدرالي الذي لا يناسب الخصوصيات المغربية.

 

لم ينجح اجتماع مدريد في تطويق الخلاف بين الجزائر والمغرب وتحقيق المصالحة الشاملة بينهما (تعبيرية/شَترستوك)

 

وبخصوص العلاقات المغربية-الجزائرية، لم ينجح اجتماع مدريد في تطويق الخلاف بين البلدين وتحقيق المصالحة الشاملة بينهما، كما كان هدف الإدارة الأمريكية (علماً أن الاجتماع سجَّل أول لقاء علني بين مسؤولين مغاربة وجزائريين منذ قطع العلاقات الدبلوماسية في عام 2021)، بل إن وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف رفض التقاط صورة مشتركة مع وزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، بما يُجسِّد عمق الخلاف الذي لا يزال سارياً بين الطرفين. بيد أن بعض المعلومات ذكرت أن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب أكد للمسؤولين الجزائريين حرصه على تسوية الخلاف العالق مع المغرب من خلال اتفاقية توقع في واشنطن في مايو المقبل.

ووفق المعطيات المتداولة، طرحت الجزائر على الإدارة الأمريكية مقترحات عملية بتقديم حوافز اقتصادية ومالية لرفع مستوى العلاقات بين البلدين، مع التلويح بإمكانية الانفتاح على إسرائيل ودعم خطة ترمب في غزة (في 18 نوفمبر الماضي، صوَّتت الجزائر لصالح قرار أمريكي يدعم خطة ترمب في مجلس الأمن)، لكن الولايات المتحدة لا تزال تُصِرّ على دعم سيادة المغرب على الصحراء، وتتبنى خطة إلزام الجزائر بمخرجات هذه الرؤية التي أصبحت قاعدة الحل طبقاً للقرارات الدولية.

 

آفاق الحكم الذاتي في الصحراء الغربية 

على رغم معارضة جبهة البوليساريو والجزائر، يبدو أن خيار الحكم الذاتي أصبح هو الخيار الأوحد للتسوية في ملف الصحراء الغربية. بيد أن الإدارة الأمريكية قد تعتمد صياغة قانونية تعزز من صلاحيات الحكومة الجهوية الصحراوية مراعاةً لمطالب الأطراف الأخرى. ومن ثمَّ فإن السيناريو الأكثر توقعاً هو أن تضغط الإدارة الأمريكية على الجزائر من أجل قبول مخطط الحكم الذاتي والمصالحة مع المغرب مقابل بعض التنازلات الجزئية تُقدِّمها الحكومة المغربية، قد يكون من بينها الاتفاق على رسم حدود نهائية بين البلدين بخصوص ما يُعرف بملف الصحراء الشرقية.

 

ومع ذلك، لا يمكن استبعاد سيناريو جمود الوضع، وفشل الإدارة الأمريكية في استراتيجية التقريب بين المغرب والجزائر وفي فرض حل الحكم الذاتي، ما يعني استمرار الأزمة القائمة في المنطقة، وإن كان من المتوقع أن يخلق قرار مجلس الأمن الأخير رقم 2797 ديناميةً دبلوماسية إيجابية بالنسبة للموقف المغربي.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M