في إطار جهودها لتلبية احتياجاتها الطارئة من الطاقة، قد تعتمد الحكومة السورية الجديدة على مشغّلي سفن روس خاضعين للعقوبات أو مصادر أخرى غير مشروعة.
تعمل الحكومة السورية المؤقتة بشكل متسارع على تأمين شحنات نفطية إضافية لمعالجة أزمة الطاقة الحادة التي ورثتها من نظام الأسد. غير أن خياراتها تظل محدودة، حيث لا تزال الشركات التجارة الدولية الكبرى ومالكو السفن مترددين في المخاطرة بمخالفة العقوبات الغربية. وقد قام الاتحاد الأوروبي مؤخرًا بـ“تعليق“ الإجراءات التقييدية في قطاعات رئيسية مثل الطاقة، كما أصدرت الإدارة الأمريكية السابقة إعفاءات مؤقتة للمعاملات التي تلبي الاحتياجات الإنسانية الأساسية. ومع ذلك، سيستغرق الأمر وقتًا حتى تؤثر هذه التدابير على معنويات السوق المتقلبة في ظل الشكوك المحيطة بالعقوبات الأمريكية.
وفي ظل هذه الظروف، من المرجح أن يكون بعض التجار ومشغلي السفن ذوي النزعة الانتهازية أكثر استعدادًا من غيرهم للدخول في علاقات تجارية مع سوريا، بما في ذلك الدول المناوئة للغرب مثل روسيا، التي تمتلك معرفة عميقة بقطاع الطاقة السوري وتسعى للحفاظ على موطئ قدم لها هناك، خاصة بعد تقليص وجودها العسكري في مرحلة ما بعد الأسد. فخلال الأسبوعين الماضيين فقط، تم رصد سفينتين مرتبطتين بروسيا وخاضعتين للعقوبات الأمريكية أثناء توجههما إلى الموانئ السورية (انظر أدناه). لذا يتعين على واشنطن وشركائها الأوروبيين إيلاء اهتمام وثيق لطبيعة أي موردين يسعون إلى تلبية احتياجات سوريا الملحة من النفط والطاقة. فبعد أربعة عشر عامًا من الحرب، تعرض قطاع النفط في سوريا بأكمله للشلل ما يستدعي إعادة بنائه تحت إشراف السلطات الجديدة بطريقة مدروسة، إذا كان المسؤولون يأملون في تجنب الإخفاقات الهيكلية التي شهدتها دول مجاورة خلال العقود الماضية.
مستقبل النشاط النفطي الروسي في سوريا بعد الأسد
في 23 شباط/فبراير، قامت ناقلة النفط بروكسيما، التي ترفع علم بربادوس (رقم تعريف المنظمة البحرية الدولية 9329655)، بتغيير وجهتها في نظام التعريف الآلي(AIS) من مدينة مرسين في تركيا، إلى ميناء بانياس السوري أثناء إبحارها من روسيا. تم اكتشاف هذا التغيير في المسار عبر بيانات “مارين ترافيك”، وتم تأكيده من قبل متتبعي السفن في” قائمة لويدز المخابراتية”، وموقع TankerTrackers.com)) .في 26 شباط/فبراير، أعادت السفينة تغيير وجهتها في نظام التعريف الآلي إلى مدينة مرسين، مما أثار شكوكًا حول محاولتها إخفاء وجهتها الحقيقية.
تعزز خلفية ناقلة “بروكسيما”، التي تحمل حاليًا منتجًا نفطيًا يُرجح أنه ديزل، من حدة هذه الشكوك. فالسفينة مدرجة على قائمة العقوبات التي يحتفظ بها مكتب مراقبة الأصول الأجنبية التابع لوزارة الخزانة الأمريكية ، كما أنها مرتبطة بشركة “فورناكس شيب مانجمنت”، وهي شركة مقرها الإمارات العربي ة المتحدة وتربطها علاقات بشركة الشحن الروسية المملوكة للدولة، “سوفكومفلوت”. في ظل العقوبات الغربية، برز أسطول من السفن المتخصصة في نقل النفط الروسي إلى الأسواق الرئيسية، خصوصًا الهند والصين – اللتين تعدان أكبر عملاء موسكو، بحسب منصة “الأضواء الكاشفة البحرية” التابعة لمعهد واشنطن. بالإضافة إلى تركيا التي أصبحت مستوردًا رئيسيًا ومعيد تصدير للديزل الروسي. وتعد روسيا موردًا أساسيًا للعملاء الذين يحتاجون إلى الديزل لتوليد الطاقة وتشغيل الشاحنات والآلات، وغيرها من الاستخدامات – وهي فجوة تحتاج سوريا إلى سدها بشكل عاجل.
لا تزال الوجهة النهائية لشحنة الناقلة “بروكسيما” غير واضحة حتى وقت كتابة هذا التقرير، إذ لم تصل السفينة بعد إلى مياه الشرق الأوسط، وقد لا تكون سوريا وجهتها النهائية. ومع ذلك، أظهرت بيانات نظام التعريف الآلي في وقت سابق اليوم أن ناقلة أخرى مرتبطة بروسيا وخاضعة لعقوبات أمريكية– وهي “بروسبريتي” (رقم تعريف المنظمة البحرية الدولية 9322956)، المعروفة سابقًا باسم “إن إس برايد”-وصلت إلى سواحل بانياس، وعلى الأرجح تحمل شحنة ديزل تم تحميلها في ميناء بريمورسك الروسي، وفقًا لشركة “كبلر”. وغالبًا ما تكون صور الأقمار الصناعية ضرورية لتحديد مواقع ناقلات النفط الخاضعة للعقوبات، خصوصًا إذا كانت متورطة في عمليات إخفاء متعمدة. ولكن في هذه الحالة أكد كل من “مارين ترافيك” وTankerTrackers.com أن بيانات نظام التعريف الآلي أظهرت وجود “بروسبريتي” في سوريا اعتبارًا من 5 آذار/مارس؛ وسيتم تأكيد نتائجهم بشكل أكبر بمجرد توفر صورة الأقمار الصناعية. وتخضع السفينة حاليًا لعقوبات متعلقة بالغزو الروسي لأوكرانيا، وهي مسجلة في بربادوس- وهي ممارسة شائعة بين مشغلي السفن الذين يتاجرون بالنفط الخاضع للعقوبات من موردين مثل روسيا وإيران.
والأهم من ذلك، يرى خبراء مخضرمون في ملف تدفقات النفط إلى نظام الأسد، مثل سمير مدني من موقع TankerTrackers.com، أن موسكو قد ترسل شحنات نفط إلى الحكومة الجديدة مقابل ضمان استمرار وجودها العسكري في سوريا والحفاظ على قواعدها هناك. في غضون ذلك، أفاد تقرير إعلامي بتاريخ 3 آذار/مارس بأن دمشق تمكنت من تأمين شحنة من النفط الخام الخفيف لتكريره محليًا، ومن المتوقع وصولها خلال الأسابيع المقبلة.
واردات المنتجات النفطية السورية: الاتجاهات والحدود
تضم محطة بانياس عدة أرصفة مخصصة لأنواع مختلفة من النفط، بما في ذلك الغاز النفطي المسال (LPG)، والنفط الخام، وزيت الغاز/الديزل، والبنزين. وقد شهدت المحطة قبل انهيار نظام الأسد رسو ناقلات تحمل شحنات نفط خام من إيران، التي كانت في السابق المورد البحري الرئيسي للنفط إلى سوريا. ووفقًا لشركة “كبلر”، بلغ متوسط واردات النفط السورية من إيران العام الماضي نحو 55,000 برميل يوميًا، تُنقل عبر شحنة أو شحنتين شهريًا بواسطة ناقلات من فئة “سويزماكس”. وقد وفرت هذه الشحنات مواد أولية أساسية للمصافي السورية، ومع ذلك، لا يزال من غير الواضح كيف ستتمكن دمشق من إعادة تشغيل خط إمداد ثابت وكبير من النفط الخام البحري لمصفاتي بانياس- الأكبر في البلاد-وحمص.
حاليًا، يبدو أن شحنات الغاز النفطي المسال البحرية- التي تُستخدم بشكل عاجل للتدفئة والطهي-تشهد تدفقًا أكبر من منتجات النفط الأخرى. وتأتي معظم هذه الشحنات من مدينة دورتيول في تركيا، التي تُعد مُصدرًا سريًا منذ فترة طويلة خلال عهد الأسد. خلال شهر شباط/فبراير، قامت ناقلة الغاز النفطي المسال “غاس كاتالينا” (رقم تعريف المنظمة البحرية الدولية 9183568)، التي ترفع علم بالاو، بثلاث رحلات على الأقل من دورتيول إلى بانياس. ويُقال إن هذه السفينة مرتبطة بشركة “هامبورغ مارين لاينز”، التي يقع مقرها في الهند. وفي 1 آذار/مارس، غادرت “غاس كاتالينا” دورتيول متجهة إلى بيروت، لبنان، لكنها على الأرجح توجهت إلى بانياس. كما لوحظت ناقلة غاز نفطي مسال أخرى تشير إلى ميناء طرابلس اللبناني، ومع ذلك، يجب مراقبتها نظرًا للسجل السابق لبعض ناقلات النفط التي تشير إلى وجهة واحدة ثم تنتهي في سوريا بدلاً من ذلك مع إخفاء وجهتها النهائية. علاوة على ذلك، غادرت ناقلة الغاز البترولي المسال “غاس هاسكي” (رقم تعريف المنظمة البحرية الدولية 9507764)، التي ترفع علم ليبيريا-وتُعد جزءًا من أسطول شركة “ستيلث ماريتايم كوربوريشن” اليونانية- ميناء دورتيول في 26 شباط/فبراير، متجهة إلى بانياس.
وفيما يتعلق بالديزل، أعلنت وكالة الأنباء العربية السورية في 27 شباط/فبرا يرعن وصول ناقلة نفط تحمل مادة “المازوت” الضرورية إلى ميناء بانياس، دون الكشف عن اسم السفينة أو مصدرها. وتشير بيانات S&P Global Commodity Insights إلى أن إجمالي الطلب النفطي للبلاد قد يبلغ متوسطه حوالي 100,000 برميل يومياً في المدى القريب، معظمها من الديزل/زيت الغاز. وتجدر الإشارة إلى أن هذه التقديرات قد تكون محدودة، نظرًا لأن الحكومة ستحتاج إلى مزيد من الوقت لإتمام مهمة ما بعد الحرب الصعبة المتمثلة في تحديث قواعد بيانات الطاقة الخاصة بها.
وبشكل لافت، كشف وزير النفط السوري المؤقت غياث دياب في كانون الثاني/يناير أن شحنات النفط يتم “استيرادها من شركات خاصة” ولم يتم الحصول عليها من خلال ” اتفاقيات وعقود دولية”، مما يشير إلى عدم وجود عقود إمداد بين الحكومات. وأضاف أن الشركات الخاصة مسموح لها باستيراد النفط وتفريغه في مرفأ بانياس، ولكن ليس توزيعه. وفي الوقت الحالي، لا تزال طبيعة ودور الشركات المحلية المشاركة في عملية الاستيراد غير واضحة، وكذلك العملية نفسها.
وفيما يتعلق بالطرق البرية، يُقال إن دمشق استأنفت اتفاقًا “معدلا ً” مع الإدارة الكردية في شمال شرق سوريا لتلقي النفط الخام وإمدادات النفط الأخرى من الحقول التي يسيطر عليها الأكراد، وهي صفقة تعود إلى عهد نظام الأسد. ومع ذلك، تُقدر الكميات المعنية بنحو خمسة آلاف برميل يومياً فقط – وهي كمية غير كافية إطلاقًا لتلبية احتياجات سوريا. وخلال تلك الفترة، قيل إن بعض عمليات نقل النفط الخام الكردي تمت من خلال وسطاء خاضعين للعقوبات الأمريكية مثل القاطرجي، وهي شركة كانت متورطة سابقًا في تسهيل مبيعات نفط “تنظيم الدولة الإسلامية” للنظام. ومع ذلك، لا تزال تفاصيل الاتفاق الجديد بين الإدارة الكردية والحكومة السورية غير واضحة، بما في ذلك التكاليف والوكلاء المتورطين.
وفي غضون ذلك، بدأت الأردن بإرسال الغاز النفطي المسال إلى سوريا عبر الشاحنات. ومع ذلك، سيكون من الصعب العثور على عدد كافٍ من الموردين الشرعيين، خاصة مع وقف شبكات التهريب المتجذرة بعمق، التي كانت مسؤولة عن جلب البنزين ومنتجات النفط الأخرى من لبنان. ونظرًا للحاجة المُلِحّة للغاز المسال في سوريا، يُتوقع أن تتزايد محاولات تهريب الوقود من لبنان، ما يسمح ببيعه بأسعار مرتفعة في السوق السوداء السورية.
التداعيات على السياسة الأمريكية
أظهرت تجارب ما بعد الحرب في لبنان (بعد عام 1990) والعراق (بعد عام 2003) أن قطاع الطاقة يُعد من أكثر القطاعات عرضة للمخططات الفاسدة التي تعرقل التنمية الاقتصادي. ومن ثم، تحتاج سوريا في مرحلة ما بعد الأسد بشكل عاجل إلى موارد مالية وسلع لدعم تشغيل الخدمات العامة الأساسية، والتي تعرضت لقيود كبيرة خلال فترة حكم الأسد. وإذا لم تتمكن السلطات من إيجاد حلول فعالة لتلبية هذه الاحتياجات والتعامل مع مخاوف السوق المتعلقة بالعقوبات، فقد تبرز عدة سيناريوهات غير مواتية.
- قد يستغل عدد محدود من الموردين الوضع لاحتكار إمدادات الطاقة في سوريا، مستفيدين من غياب المنافسة.
- يمكن أن يؤدي استمرار الغموض بشأن تخفيف العقوبات الأمريكية إلى منح الشبكات التجارية والوسطاء الحاليين فرصة لتكثيف عملياتهم، وهو ما يشكل مشكلة خطيرة، لا سيما أن هذه الشبكات اعتادت العمل في ظل نظام الأسد الفاسد ولا تخدم عمومًا المصالح الأمريكية، مما يجعل مراقبتها أمرًا بالغ الأهمية.
- قد تستغل روسيا الفرصة لتعزيز نفوذها في سوريا عبر إبرام صفقات غير مواتية مع دمشق، تتعلق بإمدادات الطاقة ونقص العملة، لضمان استمرار حضورها في البلاد.
وفي ظل التدهور الاجتماعي والاقتصادي الحاد في سوريا، قد يجادل بعض المسؤولين في واشنطن وأوروبا بضرورة تجاوز هذه المخاوف والتركيز على تلبية الاحتياجات الإنسانية العاجلة بكل السبل المتاحة. ومع ذلك، فإن تجاهل هذه التحديات قد ينطوي على مخاطر كبيرة، ليس فقط من حيث استدامة الفساد الذي ترسخ أثناء حكم الأسد، بل أيضًا من خلال تمكين الشبكات غير القانونية وتقوية نفوذ الخصوم الدوليين.