الفساد السياسي في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء: انعكاساته وآليات مكافحته

صدر حديثًا عن المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات كتاب الفساد السياسي في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء: انعكاساته وآليات مكافحته، يُعالج فيه مؤلفُه مصطفى خواص ظاهرة الفساد السياسي في أفريقيا جنوب الصحراء، بوصف مكوناتها ومصادرها وأشكالها ومظاهرها وتصنيفها وتفسيرها، ويُقوِّم انعكاساتها في الدولة والمجتمع، كما يدرس آليات مكافحتها مركزًا على تحليل ظاهرة الفساد السياسي في أفريقيا جنوب الصحراء في العقد الأخير من القرن الماضي، بما شهده من عمليات تحول كبرى في النظم السياسية الأفريقية.

يركز خواص في كتابه هذا زمانيًا على تحليل ظاهرة الفساد السياسي في أفريقيا جنوب الصحراء بين عامي 1990 و2015. فهذه الفترة هي من أهم الفترات التي حظي فيها الفساد بالأولوية لدى نخب القارة الأفريقية ومفكريها، وباعتبار أن هذه السنوات أيضًا شهدت حراكًا أفريقيًا سياسيًا واقتصاديًا واجتماعيًا كبيرًا، من دون إهمال الإشارة إلى الشواهد التاريخية السابقة لهذه المرحلة.

يتألف الكتاب (404 صفحات بالقطع الوسط، موثقًا ومفهرسًا) من مقدمة وخمسة فصول واستنتاجات، كما يضم بعض الملاحق.

مفهوم ومداخل تفسيرية

في الفصل الأول، “الفساد السياسي: المفهوم والقياس والمداخل التفسيرية”، يقدم خواص مجموعة تعريفات تناولت الفساد السياسي، أو أطلقها الباحثون المهتمون بدراسة هذه الظاهرة، والتي صاغتها أيضًا المؤسسات الدولية المهتمة بهذا الشأن. ثم يتناول المسير التاريخي الذي عرفه الفساد، والإشارة إلى حضارات عرفها العالم، ودرجة اهتمامها ومعاناتها بسبب ظاهرة الفساد، وصولًا إلى الوقت الحالي، والمكانة التي أصبح موضوع الفساد يحظى بها. كما يتناول أشكال الفساد ومظاهره، أو الصور التي يتجلى فيها الفساد والتصنيفات التي يعطيها الباحثون للظاهرة، أو الأنواع والأطر التي يُقسم وفقها، مشيرًا إلى الآليات التي يقاس بها الفساد، أو المؤشرات والمقاييس التي تسمح بالقول هذا النظام فاسد وذاك أقل فسادًا.

ويتطرق خواص إلى كيفيات القياس المختلفة، ومؤشرات تعتمدها منظمات عالمية تُصدر دوريًا تقارير تتعلق بترتيب الدول ومدى انتشار ظاهرة الفساد فيها، ومداخل تفسيرية تُستخدم في تفسير حدوث ظاهرة الفساد السياسي، مثل مقاربات الاقتصاد السياسي والتحديث والوظيفة، مع رصد الانتقادات التي وجّهت إليها، والقصور الذي تضمنته في تفسيرها ظاهرة الفساد.

مصادر الفساد

في الفصل الثاني، “مصادر الفساد السياسي في أفريقيا جنوب الصحراء”، يحاول الباحث الإلمام بالمصادر كلها التي تنتج الفساد، مبتدئًا بالجذور التاريخية والسياسية التي يستند إليها الفساد، من الاستعمار الغربي والآثار التي خلّفها إلى أنظمة الحكم التسلطية، وكيف ساعدت تلك الأنظمة على تحول الفساد إلى ظاهرة اجتماعية، ثم البيروقراطية ودعمها أسس الفساد في المنطقة. وبحسب رأيه، لم يكن دمج مرحلة الاستعمار بمرحلة ما بعد الاستعمار اعتباطيًا؛ إذ حافظت الدولة المستقلة في أفريقيا جنوب الصحراء على تركيبتها المؤسساتية والقانونية نفسها، ولم يُعِد الاستقلال إلى المجتمع المحلي المبادرة الكاملة في شأن بناء الدولة.

بعد هذا يبحث خواص في المصادر الاقتصادية للفساد، من الطبيعة الريعية للاقتصاد وحصر وظائف الحكومة في الوظيفة التوزيعية، إلى تدني الأجور وانتشار الفقر، وعدم وضوح الفصل التام بين القطاعين العام والخاص، والسلطة التقديرية الكبيرة لموظفي الدولة، وانتشار الفساد بشكل واسع في العلاقات الاقتصادية الأفريقية الدولية، ما يدعم وجوده في القارة.

كما يشير إلى المصادر الثقافية والاجتماعية، والعادات المترسخة في أفريقيا التي يمكن أن تدعم الفساد: السيطرة الأبوية، وفكرة الإذعان المنتشرة بقوة في القارة، ونظام تقديم الهدايا المعروف لدى الأفارقة، والتعدد العرقي والديني الذي ربما يقوم بدور مثير للفساد، ولا سيما في ظل ضعف مؤسسات الدولة.

انعكاس على السياسة

يرى الباحث في الفصل الثالث المعنون “الفساد وانعكاساته على التنمية السياسية في أفريقيا جنوب الصحراء”، أن التداعيات التي يخلّفها الفساد على التنمية الاقتصادية مثيرة للانتباه دائمًا، مقارنة بانعكاساته على التنمية السياسية؛ إذ يجري غالبًا إغفال تأثيره في هذه الأخيرة، على الرغم من أن تكرار تأثيره فيها أكبر وأعمق، ويصيب الدولة كلها بالعجز، وربما يهدد وجودها من الأساس.

من هنا، تناول الباحث تأثيرات الفساد السياسي في التنمية السياسية في أفريقيا جنوب الصحراء، على أنها أمر حتمي، وهذا يجري من خلال ثلاث نقاط أساسية: أولها، تأثيرات الفساد في العملية الديمقراطية، وقدرته على تقويض التحول الديمقراطي في بلدان كثيرة، ومن طريق التأثير في العملية الانتخابية والأحزاب السياسية والصحافة وجمعيات المجتمع المدني؛ وثانيها، تأثير الفساد في الاستقرار السياسي، وكيف يزيد إمكان الانفراد بالسلطة، ودعم الحركات المسلحة في أفريقيا السوداء، وضرب الاستقرار؛ وثالثها، تأثير الفساد في حقوق الإنسان في تلك البلدان، وكيفية إعاقته بناء هندسة سياسية حقيقية في المنطقة يكون محورها الإنسان.

انعكاس على الاقتصاد

أما في الفصل الرابع الموسوم “انعكاسات الفساد في التنمية الاقتصادية والاجتماعية في أفريقيا جنوب الصحراء”، فيرى الباحث أن العملية الاقتصادية لأي بلد تتضمن تخطيط الموارد المعتبرة أو النادرة للدولة وتسييرها. لكن غالبًا ما يلجأ أصحاب السلطة الرسمية إلى التحكم في المناصب المكلفة تسيير الموارد الاقتصادية والمالية للدولة، وغالبًا ما يكون الهدف من ذلك هو الفساد، حيث تكون الأرباح خيالية. ويجري التحكم في السوق عبر سياسات اقتصادية معيّنة تنتجها البيروقراطية، وتعتمدها ضمن سياسة عليا تخدم توجّه النخبة الحاكمة، لكن المشكلة هي عندما لا يكون الهدف تنمية البلد وجلب الاستثمار والاستعمال الرشيد للمساعدات، بل توجيه ذلك كله لخدمة المصالح الخاصة لأصحاب السلطة.

في جانب آخر، يرصد خواص علاقة الفساد بالتنمية الاجتماعية، من حيث تأثيره في تعميق ظاهرتَي الفقر والبطالة، والحد من الإنفاق الحكومي على المنظومتين التعليمية والصحية في بلدان المنطقة. فالفساد يعمل على تدمير القدرة الشرائية، ويرسخ عملية عدم تكافؤ الفرص، ويمنع وصول الأموال من المركز إلى القاعدة. وبناء عليه، فهو يمس بشدة الطبقات الضعيفة في المجتمع، ويمنع الأفراد من الحصول على مرتبات في مقابل العمل، أو يُنقص هذه المرتبات، ويعيق وصول الأفراد إلى منظومة تعليم جيد، وحصولهم على نظام صحي فاعل، فيتسبب في إسقاطهم في حالة من الفقر المتعدد البعد.

سياسات المكافحة

يقدّم خواص في الفصل الخامس بعنوان “استراتيجيات مكافحة الفساد السياسي في أفريقيا جنوب الصحراء”، أنظمة النزاهة الوطنية في بلدان أفريقيا جنوب الصحراء، ويتعرف مدى قدرتها وجدواها، ونقاط قوتها وضعفها. فنظام النزاهة الوطني الذي وضعته منظمة الشفافية الدولية هو مجموع المؤسسات الرئيسة أو القطاعات أو النشاطات المحددة الأعمدة التي تساهم في إرساء مبادئ النزاهة والشفافية والمساءلة داخل المجتمع.

ثمة مؤشرات محدَّدة تُستخدم في قياس قوة نظام النزاهة أو ضعفه في كل بلد، مع إمكان إجراء مقارنة بين البلدان في هذا المجال، بناءً على تقويم يجريه خبراء حياديون من خارج البلد، في مجالات مختلفة، ومعنيون بالحوكمة ومكافحة الفساد، على أساس بحوث مكتبية وميدانية يستمدونها من الدولة والمانحين والقطاع الخاص والمهن المختلفة ووسائل الإعلام والمجتمع المدني، بهدف إشراك شريحة كبيرة وواسعة في تقويم نظام النزاهة الوطني، وكشف ثُغَره.

بحسب الباحث، تقتضي معرفة الاستراتيجيا الأفريقية لمكافحة الفساد أو الوقاية منه وتقويمها القيام بذلك عبر مستويين: الأول، تحديد سياسات أو استراتيجيات مكافحة الفساد في بلدان جنوب الصحراء، وأسباب فشل أنظمة النزاهة في غالبية تلك الدول؛ أي لماذا لم تقم المؤسسات الحكومية وغير الحكومية بالحد من الفساد، وبتشجيع النزاهة والشفافية والعمل عليهما؟ والثاني، تحديد الطرائق والأساليب والسياسات أو المناهج التي يجب اتّباعها من أجل السيطرة على الفساد.

رابط المصدر:

https://bookstore.dohainstitute.org/p-1675.aspx

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M