المسؤولية المدنية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين

ملخص

في ظل التحولات الاجتماعية التي عرفها المجتمع المغربي، وتراجع دور الأسرة في رعاية كبار السن، برزت مؤسسات الرعاية الاجتماعية كفاعل محوري في حماية هذه الفئة الهشة. وقد أقر المشرع المغربي مسؤولية هذه المؤسسات عن الأضرار التي قد تلحق بالمسنين، سواء تأسست على رابطة عقدية (في حالة وجود عقد استضافة) أو على أساس تقصيري (في غياب التزام تعاقدي). ففي الحالة الأولى، تتحمل المؤسسة التزامًا بتحقيق نتيجة، خصوصًا فيما يتعلق بضمان سلامة المقيم، تغذيته، صحته، ونظافته، بينما يُفترض الخطأ المهني متى ثبت الإخلال بهذه الالتزامات. أما في المسؤولية التقصيرية، فيشترط إثبات الخطأ والضرر والعلاقة السببية، ويُعتد فيها بسلوك المؤسسة أو موظفيها الذي لا يرقى إلى المعايير المهنية الواجبة. ويُتيح القانون للمؤسسة دفع المسؤولية عنها بإثبات القوة القاهرة، أو خطأ الضحية، أو تدخل الغير، غير أن مركز المسن كطرف ضعيف يجعل القاضي أكثر تشددًا في تقييم هذه الدفوع، حمايةً لكرامته وسلامته البدنية والمعنوية.

مقدمة:

إن انتهاء الوظيفة التقليدية للأسرة في رعاية أفرادها العاجزين خاصة فئة المسنين كان من نتائجه الطبيعية ظهور مؤسسات الرعاية الاجتماعية، والتي تعتبر من أهم أنظمة الرعاية الاجتماعية التي شاع استخدمها في المجتمعات الغربية والتي بدأ يظهر ويتزايد الاهتمام بها في المجتمعات العربية[1]. والمغرب بدوره أعطى لفئة الأشخاص المسنين أهمية كبيرة من خلال إنشاء مراكز لإيوائهم لم يكن الهدف منها تشجيع الأسر على التخلي عن مسنيها، ولكن كحل بديل لمساعدة المسنين الذين تخلت بعض أسرهم عن رعايتهم أو الذين ليس لهم روابط أسرية.

وقد عملت الدولة من خلال مؤسسات الرعاية الاجتماعية المكلفة بهذه الفئة[2] على اتخاذ كل التدابير أو الأنشطة أو البرامج التي تهدف إلى إدماج الأفراد أو الجماعات في بيئتهم الاجتماعية ودعم وتنمية قدراتهم وتمكينهم من تلبية حاجياتهم، وكذا ضمان استقلاليتهم ومشاركتهم الاجتماعية[3]. وحددت المادة الخامسة من القانون 65.15 المنظم لمؤسسات الرعاية الاجتماعية لائحة من الخدمات التي يمكن للأشخاص المسنين الاستفادة منها، وألزمت تلك المؤسسات بتقديم خدمة واحدة أو أكثر من الخدمات حسب صنف المؤسسة، وذلك بصفة دائمة أو مؤقتة، كلية أو جزئية. فهي إذن ملزمة بتقديم تلك الخدمات التي يتم تحديدها وبضمان سلامة الشخص المسن، كما أن الراجح فقها وقضاء هو أن التزام المؤسسة بسلامة الشخص المسن تلتزم التزاما بتحقيق نتيجة، لأن الشخص المسن أثناء تواجده داخل جدران مؤسسة الرعاية الاجتماعية يعد طرفا ضعيفا يحتاج للرعاية، ومن ثم يقع على عاتق المؤسسة الالتزام بضمان سلامة الأغذية والأدوية المقدمة له، ونفس الشيء بالنسبة للأجهزة المستخدمة، ويجب حماية المسن من المخاطر التي يتعرض لها ولو كان هو مصدرها، وفي حالة الإخلال بهذه الالتزامات يمكن هنا إثارة مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية.

وقد صنف المشرع المغربي مؤسسات الرعاية الاجتماعية إلى صنفين حيث جاء في الباب الثالث المتعلق بأحكام مؤسسات الرعاية الاجتماعية في الشق المتعلق بإحداث مؤسسات الرعاية الاجتماعية، خاصة المادة 9 من هذا القانون التي مكنت كل شخص ذاتي أو اعتباري خاضع للقانون العام أو الخاص إحداث مؤسسة للرعاية الاجتماعية كما هو منصوص عليها في المادة 3 من القانون 65.15. كما تتمتع مؤسسات الرعاية الاجتماعية السالف ذكرها بالشخصية الاعتبارية. وهنا يجب التمييز بين الأشخاص المعنوية العامة والأشخاص المعنوية الخاصة من أجل تحديد طبيعة المسؤولية، وبالرجوع إلى الفقه الإداري نجده اعتمد مجموعة من المعايير للتمييز بينهم[4].

وبالرجوع إلى المادة السادسة من القانون 65.15 التي ألزم من خلالها المشرع مؤسسات الرعاية الاجتماعية على تقديم خدماتها بدون عوض لفائدة الأشخاص المتكفل بهم، غير أنه يمكن لمؤسسات الرعاية الاجتماعية التي يحدثها الأشخاص الذاتيون أو الاعتباريون الخاضعون للقانون الخاص، والتي يكمن غرضها في التكفل بالأشخاص المسنين[5] أن تقدم خدماتها بعوض وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي[6].

وإذا كان الاعتراف بوجود مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تتكفل بالأشخاص المسنين  أصبح قائما، إلا أن النقاش حول الأساس القانوني الذي ترتكز عليه هذه المسؤولية لا زال يثير العديد من الإشكالات في إطار قواعد المسؤولية المدنية، فإذا كانت القواعد العامة في التشريعات المدنية تستند إلى مبدأ عام يقرر وجوب التعويض عن كل خطأ يسبب ضررا للغير[7]، فإن الإشكالات القانونية التي يمكن أن تثار بصدد مناقشة المسؤولية  المدنية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية، تبرز من خلال التساؤل عن نطاق هذه المسؤولية، ومدى تطبيق المبدأ السابق الذكر خصوصا أن هذه المؤسسات تعتبر  شخص اعتباري نادرا ما يسند الخطأ إليها وأن الأخطاء التي تقع منها تصدر عن عمالها و موظفيها، الذين هم أشخاص طبيعيين يمكن نسب تلك الأخطاء إليهم، ثم إن هناك من الأنشطة التي تقوم بها الإدارة لا تعد أخطاء بالمعنى القانوني المقرر في المسؤولية و قواعدها العامة , وينتج عن ممارستها أضرار تلحق بالأشخاص المتكفل بهم،  فهل تسأل مؤسسات الرعاية الاجتماعية عن هذه الأعمال ؟

ومن أجل الإحاطة والإجابة عن هذه الإشكاليات سنعتمد التقسيم التالي:

المبحث الأول: المسؤولية العقدية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة التي تتولى رعاية الأشخاص المسنين

المبحث الثاني: المسؤولية التقصيرية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تتولى رعاية الأشخاص المسنين

المبحث الأول: المسؤولية العقدية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة التي تتولى رعاية الأشخاص المسنين

من الثوابت المسلم بها كون المسؤولية المدنية تأتي على شكلين أساسيين فهي إما أن تكون تقصيرية، أو تكون مسؤولية عقدية.  وحيث ألزم المشرع المغربي مؤسسات الرعاية الاجتماعية على تقديم خدماتها بدون عوض لفائدة الأشخاص المتكفل بهم، غير أنه يمكن لمؤسسات الرعاية الاجتماعية التي يحدثها الأشخاص الذاتيون أو الاعتباريون الخاضعون للقانون الخاص والتي يكون غرضها التكفل بالأشخاص المسنين على أن تقدم خدماتها بعوض،

سنتطرق خلال هذا المبحث إلى أسس المسؤولية العقدية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة المتكفلة بالأشخاص المسنين في مطلب أول على أن نتناول خلال المطلب الثاني الأثار المترتبة عن المسؤولية العقدية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة بالأشخاص المسنين.

المطلب الأول: أسس المسؤولية العقدية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين

ارتأينا في هذا المطلب دراسة صورتين تترجم فيهما المسؤولية العقدية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تتكفل بالأشخاص المسنين بشكل جلي ويتعلق الأمر؛ بحالة وجود عقد صحيح يربط بين المؤسسة والشخص المستفيد من خدماتها (الفقرة الأولى)، والحالة التي يكون فيها تحقق الضرر نتيجة إخلال أحد المتعاقدين بالتزام عقدي (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: وجود عقد صحيح بين مؤسسة الرعاية الاجتماعية والشخص المسن المتكفل به

بالرجوع إلى المادة 6 من القانون 65.15 حيث مكنت مؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة – أي التي تقدم خدماتها بمقابل- والتي يحدثها الأشخاص الذاتيون أو الاعتباريون الخاضعون للقانون الخاص والتي يكون غرضها في التكفل بالأشخاص المسنين، أن تقدم خدماتها بعوض وفق الشروط والكيفيات المحددة بنص تنظيمي. وهذا يعني هنا أننا نتكلم مؤسسات خاصة، حيث يتم الاستفادة من خدماتها بمقابل مادي أي أن العلاقة التي تجمع بين الشخص المتكفل به ومؤسسة الرعاية الاجتماعية هي علاقة تعاقدية ملزمة لجانبين بعوض[8]، وحيث إن المؤسسة ملزمة بتقديم تلك الخدمات التي يتم تحديدها بالعقد والمحددة في إطار القانون[9]، على أن يدفع الشخص المسن أو من يقربه مقابل مادي يتم تحديده للاستفادة من خدمات تلك المؤسسة.

ويعتبر العقد شريعة المتعاقدين فلا يجوز نقضه ولا تعديله إلا باتفاق الطرفين أو للأسباب التي يقررها القانون، وعليه فإذا انعقد العقد صحيحا اكتسب قوة ملزمة من حيث مضمونه ومن حيث أشخاصه، وبذلك صار واجب التنفيذ فيمتنع على أحد طرفيه أن ينفرد بتعديل مضمونه أو نقضه بالإرادة المنفردة، فالقوة الملزمة للعقد هي التي تمنع انفراد أحد طرفي العقد بتعديل مضمونه أي أن العقد يصبح ملزما لأطرافه في كل ما تضمنه من شروط وبنود، وبالتالي فهي تأخذ مكانة القانون من حيث القوة الملزمة[10].

يعد هذا العقد الإطار القانوني الذي تُنجَز من خلاله مختلف المعاملات أو الخدمات التي تقدمها مؤسسات الرعاية الاجتماعية، وانطلاقا من ذلك تقتضي الضرورة أن يكون العقد صحيحا ومستوفيا لشروطه القانونية حتى ينتج آثاره. وعليه، فإن انتفاء وجود العقد أصلًا، أو وجوده مع كونه قابلا للإبطال ثم تقرر إبطاله، أو كونه باطلا، يحول دون القول بوجود علاقة تعاقدية، سواء بعد الحكم بالإبطال أو إذا كان البطلان قائما منذ البداية. ذلك أن البطلان يعد عدما، وما بني على عدم لا يمكن أن يرتب أي أثر قانوني، ومن ثم تنتفي أي مسؤولية تعاقدية.

الفقرة الثانية: تحقق الضرر نتيجة إخلال أحد المتعاقدين بالتزام عقدي

يتمثل الضرر فيما يلحق الشخص المسن من أضرار نتيجة اخلال مؤسسة الرعاية الاجتماعية بالتزاماتها المحددة في العقد، والضرر قد يكون مادي سواء متعلق بالذمة المالية أو متعلق بالجسد فإنه يُعوض، أو ضرر معنوي يكون متعلق بسمعة الانسان وكرامته[11] والاضرار المعنوية يصعب قياسها وبالتالي لا تُعوض، أما إذا ارتد الضرر المعنوي على مال فهنا يسهل قياسه وبالتالي يعوض.

ومن أجل قيام المسؤولية العقدية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين يلزم توافر ثلاث عناصر؛ تتمثل في الخطأ والضرر والعلاقة السببية، فالخطأ وحده لا يكفي لقيام المسؤولية العقدية للمؤسسة، وإنما يجب أن يترتب على هذا الأخير ضررا يصيب الشخص المسن المتكفل به، لأن تحققه هو المحرك الأساسي لإقامة مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية، حيث يشكل التعويض على الضرر الهدف الأساسي من سعي الأول (المتكفل به) إلى ترتيب مسؤولية الأخير (مؤسسة الرعاية الاجتماعية).

كما أن التزام المؤسسة بسلامة الشخص المسن تلتزم التزاما بتحقيق نتيجة[12]، وذلك لأن الشخص المسن أثناء تواجده داخل جدران مؤسسة الرعاية الاجتماعية يعد طرفا ضعيفا يحتاج للرعاية؛ فإن لم تتحقق النتيجة المطلوبة، ولم يكن تحقيق هذه النتيجة مستحيلاً، كانت مؤسسة الرعاية الاجتماعية مسؤولة بمجرد ثبوت عدم التنفيذ، وإن لم تثبت المؤسسة أن عدم التنفيذ ناتج عن خطأ واجب الإثبات ارتكبه الشخص المسن المتكفل به؛ فيكفي أن يقوم الدليل على أن التنفيذ لم يحصل حتى يتحقق الخطأ على المدين وتقوم المسؤولية عليه [13].

ولا تستطيع مؤسسة الرعاية الاجتماعية دفع المسؤولية عنها إلا إذا أثبتت أن عدم التنفيذ يرجع إلى سبب أجنبي لا يد لها فيه كالقوة القاهرة، أو خطأ الشخص المسن المتكفل به نفسه، أو خطأ الغير، فلا يكفيه للتخلص من المسؤولية أن يُثبت أنه قد بذل ما في وسعه لتنفيذ الالتزام، كما لا يجب ألا يُساهم المتضرر بخطئه إلى جانب السبب الأجنبي بعدم تنفيذ الالتزام.

فالضرر إذن هو الصورة الملموسة التي تتمثل فيها نتائج الخطأ العقدي، وهذا يعني أن الخطأ إذا لم يترتب عنه ضرر، فإنه لا مجال لإعمال قواعد المسؤولية العقدية[14]، وبالتالي في الحالة التي يلحق المتكفل به ضررا نتيجة خطأ عقدي من طرف المؤسسة مع ضرورة توفر العلاقة السببية بين الخطأ والضرر، حيث يجب أن يكون الضرر نشأ عن الاخلال بالالتزام العقدي، أما إذا لم يؤدي هذا الاخلال الى ضرر هنا تنتفي العلاقة السببية ولا تقوم أركان المسؤولية وبالتالي لا يترتب على المتعاقد التعويض.

كما تجدر الإشارة إلى أن مؤسسة الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين يتم إعفاؤها من المسؤولية تجاه الشخص المتكفل به، في الحالة التي يكون فيها الضرر الذي لحقه، هو نتاج إخلال المسن بالتزام مصدره العقد المؤطر للعلاقة التي تجمع مؤسسة الرعاية الاجتماعية بالشخص المسن المتكفل به.

المطلب الثاني: الأثار المترتبة عن المسؤولية العقدية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية

عند توافر أركان المسؤولية العقدية واثبات وجودها، يحق للشخص المسن أن يرفع دعوى للمطالبة بالتعويض (الفقرة الأولى). كما أن المشرع حدد مجموعة من الشروط لدفع المسؤولية عن مؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: تعويض الشخص المسن المتكفل به

يحق للشخص المسن عند توافر أركان المسؤولية العقدية واثباتها، أن يرفع دعوى المطالبة بالتعويض أمام المحكمة المختصة، وقد يكون التعويض إما نقداّ وهو أفضل وسيلة حتى يستوفي حقه، أو عينيّاً بأن يقوم المدين بإصلاح الاخلال الذي قام به في العقد، ويقدر قاضي الموضوع قيمة التعويض بناءً على ظروف الدعوى والوقائع التي لديه، ومن يرفع دعوى مطالبة بالتعويض نتيجة الاخلال بالعقد، فعليه إثبات وجود الضرر والتعويض، ويتمثل في الضرر الذي لحق بالشخص وليس مقابل الخطأ، والمسؤولية العقدية تكون على العاقد وأخطاء كل شخص تابع للعاقد سواء بحكم الوظيفة أو بحكم القانون أو مسؤول عن أخطاء الأشياء التي تكون تحت حراسته.[15]

وإذا ما تحققت شروط المسؤولية العقدية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة من وجود عقد صحيح يربطه بالمتكفل به وخطأ ثابت في حق المؤسسة، مع ضرر يصيب الشخص المسن المتكفل به وعلاقة سببية بين الخطأ والضرر، فإن المتكفل به المتضرر يستحق تعويضا عن الضرر الذي أصابه ويجب أن يكون هذا التعويض كاملا.

وبالرجوع للفصل 263 من ق ل ع الذي ينص على أنه: “يستحق التعويض، إما بسب عدم الوفاء بالالتزام، وإما بسبب التأخر في الوفاء به، وذلك ولو لم يكن هناك أي سوء نية من جانب المدين.”

إذن فالتعويض على نوعين: إما تعويض عن عدم الوفاء بالالتزامات مؤسسة الرعاية الاجتماعية التي يتم تحديدها، أو تعويض عن التأخير في تنفيذ تلك الالتزامات، وللإشارة فإن الإعذار إجراء لا بد منه للحكم بالتعويض عن التأخر في التنفيذ، ولا يكون لازما دائما في التعويض عن عدم التنفيذ، والجمع بين التنفيذ العيني والتعويض عن عدم التنفيذ غير ممكن، وهو جائز بالنسبة إلى التعويض عن التأخر في التنفيذ[16]. ويجوز للمتعاقدين أن يتفقا على التعويض عن الأضرار[17] التي قد تلحق الدائن من جراء عدم الوفاء بالالتزام الأصلي كليا او جزئيا أو التأخير في تنفيذه. أما إذا انعدم العقد بين مؤسسة الرعاية الاجتماعية والشخص المتكفل به، فإن هذا الأخير لا يمكنه الاستفادة في إطار المسؤولية العقدية وعليه المطالبة بالتعويض بناء على قواعد المسؤولية التقصيرية.

والتعويض هو الجزاء الذي يترتب على تحقق المسؤولية، ويرى الأستاذ السنهوري: “على أن التعويض يسبقه في الغالب دعوى المسؤولية ذاتها لأن المسؤول لا يسلم بمسؤوليته ويضطر المضرور إلى أن يقيم عليه الدعوى[18]“.

ويختلف التعويض عن العقوبة، ذلك أن الغاية من التعويض هو جبر الضرر الذي لحق المصاب إذ يقدر التعويض بقدر الضرر وجسامته، وهذه الوظيفة من اختصاص القاضي المدني، وعليه أن يلزم المسؤول بما يزيل ضرر المضرور، كما يبقى الحق للقاضي الجنائي في تحديده إذا ما ارتبطت الدعوى المدنية بالجنائية وكانت تابعة لها.

ويترتب على اعتبار التعويض وسيلة لجبر الضرر أن القاضي لا يعتد وقت تقديره إلا بالضرر المطلوب تعويضه، ليكون ما يقضي به من التعويض مكافئا لما ثبت من الضرر لا يزيد عليه ولا ينقص منه.

وهنا يجدر بنا التمييز بين التعويض عن الضرر المادي والضرر المعنوي:

فالضرر المادي: هو الذي يصيب المتضرر في مصلحة مالية، يثبت الحق في التعويض للمضرور وينتقل منه إلى خلفه ويستطيع وارثه أن يطالب بالتعويض الذي كان مورثه يطالب به لو بقي حيا، وينتقل التعويض إلى الورثة كل بقدر نصيبه في التركة.

أما بالنسبة للضرر المعنوي: هو الذي يصيب الزبون في مصلحة غير مالية -كما سبق توضيحه- ويجب أن يكون محققا، وللمتضرر المصاب بالضرر المعنوي الحق في المطالبة بالتعويض عنه، لكن بوفاته لا ينتقل هذا الحق في التعويض عن الضرر المعنوي، بالإرث أو بالعقد أو بغير ذلك إلا إذا كان هناك اتفاق على مبدأ ومقدار التعويض ما بين الشخص المسن المتكفل به المضرور ومؤسسة الرعاية الاجتماعية المسؤولة عن الضرر.

ويتصور الضرر المعنوي بشكل أيسر في نطاق المسؤولية التقصيرية منه في نطاق العقدية. والتعويض عموما يقدره القاضي، وهو ما يطلق عليه التعويض القضائي، وتحكم به المحاكم للشخص المسن المتضرر، ويمكن أن يكون ماديا أو معنويا.

وتبقى السلطة التقديرية للقاضي واسعة في تقدير التعويض، إذ له اختيار الوسيلة التي تعوض المتضرر، كما له أن يحدد مبلغ التعويض بالقدر الذي يتناسب مع الضرر الواقع.

وإذا كان التعويض موضوع الدعوى  في الغالب وهو الذي يحدده المدعي، فإن للقاضي حرية التقدير، وإن كان لا يجوز له  أن يقضي بتعويض يزيد عما طلبه المدعي، لأنه سيقضي عندئذ بما لا يطلبه الخصوم، ويحكم خارج طلباتهم، وبالتالي  يعرض حكمه للنقض[19]، لكن يبقى له الحق في التقليص من مقدار التعويض المطالب به إذا ما ثبت لديه ان المبلغ مبالغ فيه،  وأنه يتجاوز مقدار الضرر، ويبقى له الحق في ذلك حتى ولو سبق الاتفاق بين الأطراف على مبلغ التعويض إذا لاحظ تعسف الطرف القوي  في تحديد مبلغ التعويض[20]، ويبقى تحديد القاضي   لمقدار التعويض مسالة واقعية لا رقابة لمحكمة النقض عليه.

الفقرة الثانية: دفع المسؤولية عن مؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين

إذا كانت القاعدة العامة تقضي بأن البينة على المدعي، فإن مؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة المتكفلة بالأشخاص المسنين، في إطار دعوى المسؤولية المرفوعة ضدها تتحول من مدعى عليها إلى مدعية تحاول نفي العلاقة السببية بين خطئها والضرر الذي أصاب الشخص المسن المتكفل به، وعليها أن تثبت للمحكمة ان الضرر الحاصل للمتكفل به ناتج عن سبب أجنبي سواء كان هذا السبب هو الوحيد في إحداث الضرر أو اختلط بأسباب أخرى.

وحيث إن مقتضيات الفصل 268 من ق ل ع تنص على أنه: “لا محل لأي تعويض إذا أتبت أن عدم الوفاء بالالتزام أو التأخير فيه ناشئ عن سبب لا يمكن أن يعزى إليه كالقوة القاهرة أو الحادث الفجائي أو مطل الدائن”.

ومن خلال الفصل أعلاه يمكن حصر الأسباب الأجنبية التي تعدم العلاقة السببية بين خطأ مؤسسة الرعاية الاجتماعية والضرر الذي تعرض له الشخص المسن المتكفل به، والمتمثلة في القوة القاهرة أو الحادث الفجائي وخطأ المتكفل به وخطا الغير. وإذا كان المشرع المغربي قد عرف القوة القاهرة ضمن مقتضيات الفصل 269 من قانون الالتزامات والعقود؛ بأنها هي كل أمر لا يستطيع أي إنسان أن يتوقعه كالظواهر الطبيعية (الفيضانات والجفاف، والعواصف والحرائق والجراد) وغارات العدو وفعل السلطة، بالإضافة إلى الخطأ في جانب الغير من شأنه أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا. ولا يعتبر من قبيل القوة القاهرة الأمر الذي كان من الممكن دفعه، ما لم يقم المدين الدليل على أنه بذل كل العناية لدرئه عن نفسه. والأمثلة كثيرة على القوة القاهرة والحادث الفجائي، فالحريق بالمؤسسة والمرض والسرقة… قد تكون من القوة القاهرة والحادث الفجائي إذا ما توافرت شروطها[21].

أما في حالة خطا الشخص المسن المتكفل به، فإذا كان عدم قيام مؤسسة الرعاية الاجتماعية بتنفيذ التزامها التعاقدي قد نشأ عن خطأ الشخص المسن المتكفل به في حالة عدم الوفاء بالتزاماته، فإن المسؤولية العقدية لمؤسسة الرعاية الاجتماعية لا تتحقق ويتحمل المسن تبعة خطئه.

أما بالنسبة لفعل الغير أي ذلك الفعل الصادر عن شخص لا تقوم بينه وبين مؤسسة الرعاية الاجتماعية أيه صلة، فإذا صدر فعل من هذا الغير جعل تنفيذ الالتزام تنفيذا مستحيلا ورتب بذلك ضرارا للشخص المسن، فإن هذا الفعل الصادر من الغير يعتبر من قبيل السبب الذي ينفي مسؤولية مؤسسة الرعاية الاجتماعية العقدية متى توافرت في شروط القوة القاهرة، ولا يعتبر من الغير كل شخص تكون المؤسسة مسؤولة عنه، وقد يكون كذلك فعل الغير هو السبب الوحيد للضرر، كما قد يشترك في إحداثه مع خطأ المؤسسة. وعليه، إذا كان هو السبب الوحيد انتفت مسؤولية المؤسسة ولا يهم في انتفاء مسؤوليتها أن يكون فعل الغير الخطأ، أو غير خطأ ما دام فعل الغير هو السبب الوحيد فيما وقع من ضرر للشخص المسن المتكفل به[22].

المبحث الثاني: المسؤولية التقصيرية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية التي تتولى رعاية الأشخاص المسنين

تتعلق المسؤولية التقصيرية بالالتزامات الواقعة على عاتق مؤسسات الرعاية الاجتماعية تجاه المسنين في حالة وقوع أضرار أو إهمال يؤدي إلى إصابة أو أذى، بغض النظر عن وجود عقد بين الطرفين وهذ ما يخص المؤسسات التي تقدم خدماتها بدون عوض. حيث تلتزم هذه المؤسسات باتخاذ جميع الإجراءات الضرورية لضمان سلامة ورعاية المسنين، بما يتوافق مع القوانين واللوائح والمعايير المهنية المعمول بها.

ولهذا سنحاول بسط المسؤولية التقصيرية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين التي يتم من خلال مطلبين؛ إذ سنفصل الحديث عن الأساس القانوني لمسؤولية التقصيرية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين (المطلب الأول)، على أن نبحث شروط التعويض بالنسبة للمسن المتكفل به وشروط دفع المسؤولية عن مؤسسة الرعاية الاجتماعية (المطلب الثاني).

المطلب الأول: الأساس القانوني للمسؤولية التقصيرية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالشخص المسنين

إن تحديد المسؤولية التقصيرية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين، يقتضي الحديث عن مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية الشخصية (الفقرة الأولى)، على أن نتطرق لمسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين عن أفعال مستخدميها (الفقرة الثانية).

الفقرة الأولى: مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين عن الفعل الشخصي

تعتبر المسؤولية التقصيرية عن الفعل الشخصي من أهم مظاهر المسؤولية المدنية على الإطلاق، ولقيام المسؤولية عن الفعل الشخصي فإنه يلزم توافر الأركان الثلاثة المعروفة وهي الخطأ والضرر والعلاقة السببية[23].

وفي إطار المسؤولية التقصيرية لمؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين، فالخطأ هو إخلال تلك المؤسسة بواجباتها المفروضة عليها طبقا للقانون[24] والعادات المهنية الصحيحة، فعندما يتعلق الأمر بنشاط مهني يتمثل في الرعاية والتكفل بالشخص المسن، فإن لكل مهنة أصولا يتعين مراعاتها، يتمثل فيها الواجب العام منظورا إليه داخل الإطار الذي تتم فيه ممارسة هذا النشاط، ثم إن مقياس الخطأ في العمل الاجتماعي حسب بعض الباحثين غير مستقر، ولا يخضع لقواعد ثابتة وعامة، نظرا لطبيعته، لهذا من الصعب وضع معيار ثابت لدرجة الحرص أو معيار العناية التي تلتزم بها مؤسسات الرعاية الاجتماعية في جميع الحالات، حيث إن لكل حالة ما تفتضيه وتتطلبه من مراقبة خاصة بها، بمعنى آخر فإن مؤسسات الرعاية الاجتماعية المتكفلة بالأشخاص المسنين ملزمة بمراعاة قدر من الحيطة والحذر تتناسب مع ظروف كل حالة على حدة، وإذا لم تقم بذلك اعتبرت مسؤولة عن الأضرار التي تصيب الشخص المسن متى أثبت هذا الأخير أن الخطأ الذي ارتكبته مؤسسة الرعاية الاجتماعية والضرر الذي أصابه بينهما علاقة وطيدة[25].

وإذا حاولنا إسقاط هذا النوع من المسؤولية التقصيرية على مؤسسات الرعاية الاجتماعية، فإن تطبيقاتها العملية تبرز في إخلال المؤسسة بالتزام قانوني سابق، ومن تم فإن الخطأ المترتب عن الإهمال يمكن أن يرقى إلى مرتبة الخطأ المهني، إذ عادة ما تلجأ المحكمة إلى تقدير الخطأ بنوع من التشدد. ولذلك فإن مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية لم تعد محصورة في الالتزامات أو التعهدات العقدية كمصدر حصري للمساءلة، بل أضحت الالتزامات المهنية والتي تنامت في كل القوانين الحديثة تعتبر أن الأخطاء التي ترتكبها مؤسسات الرعاية الاجتماعية تعد من صميم مسؤوليتها التقصيرية والتي تتمثل في تقصيرها بواجباتها الإجبارية، من قبيل القيام بواجب المراقبة والعناية.

الفقرة الثانية: مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية عن أفعال مستخدميها

يعتبر هذا النوع من المسؤولية خروجا عن المبدأ العام الذي يقضي بضرورة تحمل كل شخص لنتائج أفعاله الشخصية، وباعتبار أن المسؤولية عن فعل الغير ما هي في الواقع إلا حالات استثنائية[26]، لذلك فإنه يلزم أن يكون هناك سبب جدي ومعقول لتحمل الفرد لنتائج أفعال الغير.

وما دامت مؤسسات الرعاية الاجتماعية شخصية اعتبارية، فإنه تسأل مسؤولية تقصيرية إذا كان الخطأ قد صدر من ممثلها أو وكيل عنها أثناء تأدية مهامه، باعتبار أن هذا الأخير يشكل جزءا لا يتجزأ من كيان الشخص المعنوي، فتكون مؤسسات الرعاية الاجتماعية مسؤولة عن هذه الأفعال ما دامت قد صدرت في حدود ما لهؤلاء من سلطة العمل باسمه ولحسابه.

فمسؤولية المتبوع قائمة لوجود رابطة التبعية بين المؤسسة ومستخدميها وارتكاب هذا الأخير لخطإ في تأدية وظيفته أو بسببها محدثا ضررا للغير يؤدي إلى إلزامها بتعويض المتضرر تعويضا كاملا عن الضرر اللاحق به. ونرى أن مؤسسة الرعاية الاجتماعية تسأل عن الفعل الضار الصادر عن مستخدميها وإن كان هذا الفعل خارجا عن إطار المهنة ما دام مرتبطا بها أو ارتكب بسببها.

أما فيما يخص طبيعة الخطأ الذي على ضوئه تقررت مسؤولية مؤسسة الرعاية الاجتماعية، فإن الفقه انقسم بشأن ذلك إلى اتجاهين؛ اتجاه يرى[27] أنه يعتد بالخطأ حتى ولو كان يسيرا، بينما يؤكد الاتجاه الآخر[28] على أن الخطأ الذي يأخذ بالحساب في إطار إقرار مسؤولية مؤسسة الرعاية الاجتماعية عن فعل مستخدميها هو ذلك الخطأ الجسيم الذي يلحق ضررا بالشخص المسن المتكفل به.

وتقوم مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية في حالة خطأ المستخدم مقررة بقرينة قانونية قاطعة لا تقبل اثبات العكس، على خلاف مسؤولية ارباب الحرف وكذا المكلفين  برعاية  القاصرين أو رقابة المجانين وغيرهم  من مختلي العقل الذين  تقوم مسؤوليتهم على اساس  قرينة  قابلة  للنقض  أو اثبات العكس[29]، ولكنه  يمكنه  أن  يتحلل  من  كل  مسؤولية  إذ مـا استطاع اثبات عدم مسؤولية التابع على العمل وذلك بوسيلة أخرى غير الأولى؛ كما لو استطاعت مؤسسة الرعاية الاجتماعية اثبات أن الضرر الذي اصاب الغير كان لسبب اجنبي لا يد للتابع فيه.

كما أن أساس مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية عن افعال مستخدميها تنبني على فكرة الخطإ المفترض التي تدور حول الاعتداء بالدرجة الأولى، لا بالخطإ في اختيار التابع بل الخطإ في الرقابة والتوجيه وهذه المسؤولية شأنها شأن مسؤولية المتبوع عن اعمال تابعيه ينبغي لتحققها أن تتوفر مجموعة من الشروط.

المطلب الثاني: شروط قيام مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية عن أعمال مستخدميها وطرق الحصول على التعويض

حدد المشرع المغربي مجموعة من الشروط الأساسية من أجل حصول الشخص المسن على التعويض عند توافر أركان المسؤولية التقصيرية واثبات وجودها، سنحاول خلال هذا المطلب أن نتطرق في فقرة أولى إلى شروط قيام مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية عن أعمال مستخدميها، ثم نتطرق في فقرة ثانية إلى تعويض الشخص المسن المتضرر.

الفقرة الأولى: شروط قيام مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية عن أعمال مستخدميها

تقوم نظرية مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع على روابط جوهرية لابد من تحققها؛ إذ بدونها لا تثور مشكلة مسؤولية المتبوع عن أعمال التابع، بقدر ما تثور مشكلة مسؤولية الشخص عن فعله الشخصي التي تعتبر القاعدة الأصل في مجال المسؤولية المدنية التقصيرية.

وتتلخص هذه الروابط في تحقق شروط ثلاثة هي: قيام علاقة التبعية بين المتبوع والتابع، ووقوع خطأ من التابع، وأخيرا صدور هذا الخطأ أثناء تأدية التابع لوظيفته أو بسببها.

أولا: قيام علاقة التبعية بين مؤسسة الرعاية الاجتماعية والمستخدم بالمؤسسة

يقصد بعلاقة التبعية هنا أن تكون لمؤسسة الرعاية الاجتماعية على مستخدميها سلطة فعلية في الرقابة والتوجيه، هذه السلطة التي قد يكون مصدرها العقد فيكون للمؤسسة بذلك كامل الحرية في اختيار المستخدم[30]، أو يكون مصدرها القانون.

وأيا كان مصدر هذه السلطة فإن علاقة التبعية تعتبر قائمة، إذ العبرة بتوافر السلطة للمؤسسة في أن تصدر لمستخدميها من التعليمات ما يوجهه في عمله ولو كان توجيها عاما بشرط أن يكون في إطار عمل معين يقوم به المستخدم لحسابه، وليس فقط توجيها عاما في إطار عمل مطلق غير محدد[31].

وامتلاك المؤسسة لسلطة الرقابة والتوجيه كشرط لقيام علاقة التبعية لا يشترط فيها أن تنصب على الناحية الفنية، بل يكفي فقط أن تكون من الناحية الإدارية للقول بوجودها.

إذن  فعلاقة التبعية تقوم بين مؤسسة الرعاية الاجتماعية ومستخدميها ولو لم تكن المؤسسة حرة في اختيار مستخدميها متى كانت لها سلطة في رقابته وتوجيهه، لذلك يعتد حتى بالتبعية العرضية التي تثار غالبا لما يكون المستخدم تابعا لمتبوعين؛ إذ يكون المسؤول هو الشخص المتبوع الذي ارتكب التابع الخطأ أثناء أو بمناسبة العمل عنده، وفي ذلك أقرت محكمة النقض في إحدى قراراتها على أنه: “عندما يكون العامل تابعا لشخصين مختلفين لكل منهما مكان عمله الخاص به، فإن الضرر الذي  يتسبب فيه هذا العامل للغير أثناء عمله لا يسأل عنه إلا رب العمل الذي وقع الضرر أثناء أو بمناسبة العمل عنده ولا تمتد هذه المسؤولية إلى رب العمل الآخر[32]“.

كما أن القضاء المغربي[33] قد أقر بدوره في مجموعة من الأحكام والقرارات على ضرورة توافر عنصر التبعية لقيام هذا الصنف من المسؤولية، وذهب إلى أقصى الحدود بترتيب المسؤولية على الشخص الذي يقوم العامل بالعمل له ما دام هذا العمل هو الذي سهل وقوع الفعل أو هيأ الفرصة لوقوعه.

ثانيا: وقوع خطأ من الشخص المستخدم بمؤسسة الرعاية الاجتماعية

يستنتج من نص الفقرة الثالثة من الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود [34] أن الخطأ الذي تسأل عنه مؤسسة الرعاية الاجتماعية هو الذي يرتكبه المستخدم بالمؤسسة أثناء تنفيذه للمهام المسندة إليه أو بمناسبتها، وبذلك فإن مساءلة مؤسسة الرعاية الاجتماعية تتوقف أولا على صدور خطأ من المستخدم وذلك امتثالا لمضمون الفقرة أعلاه وللقواعد العامة في المسؤولية التقصيرية التي تعد الخطأ الركن الأول لقيامها.

وإذا كان الأصل في هذا الخطأ هو مساءلة المستخدم بالمؤسسة المرتكب للخطأ بصفة شخصية عملا بالمبدأ العام في المسؤولية التقصيرية الذي يجعل الشخص مسؤولا مسؤولية شخصية عن فعله الضار بالغير، فإنه واستثناء من ذلك تكون المؤسسة مسؤولة عن هذا الخطأ كلما تحققت شروط معينة. فيكون بذلك هذا الخطأ هو المحل الرئيس لهذه المسؤولية.

أما عن شروط وطبيعة هذا الخطأ، فنرى أنه بالرجوع إلى الفصل 85 قانون الالتزامات والعقود.  وخاصة في الفقرة الثالثة نجد أن المشرع المغربي قد امتنع عن جعل هذا الخطأ موصوفا بأي وصف أو مقيدا بقيد. مما يمكن معه القول بأن مؤسسة الرعاية الاجتماعية تكون مسؤولة عن خطأ المستخدم أيا كانت طبيعته أي سواء كان خطأ ماديا أو معنويا، جسيما أو يسيرا مباشرا أو غير مباشر[35].

ثالثا: صدور الخطأ أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها

اتفقت جل التشريعات المدنية على أن مساءلة المتبوع على أساس ما ارتكبه تابعه من خطأ يتوقف بالضرورة على صدور هذا الخطأ أثناء تأدية الوظيفة الموكولة إليه أو بسببها. فهذا هو الضابط الذي يربط مسؤولية المتبوع بعمل التابع ويبررها.[36]

والقاعدة هنا، أن يصدر الخطأ من المستخدم بسبب هذه الوظيفة؛ حيث لا يكفي أن يقع بمناسبة الوظيفة بأن تكون هذه الأخيرة قد سهلت ارتكاب الخطأ أو ساعدت أو هيأت الفرصة لارتكابه، بل يجب أن تكون على الأقل علاقة سببية وثيقة بين الخطأ والوظيفة إذا لم يكن الخطأ قد وقع في عمل من أعمال الوظيفة.

وإذا كان الخطأ بمناسبة الوظيفة لا يجعل مؤسسة الرعاية الاجتماعية مسؤولة عن عمل مستخدميها، فأولى بالخطأ الأجنبي عن الوظيفة أن له هذا الحكم[37].

وبالرجوع إلى الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود نجده يقتصر على الخطأ المرتكب أثناء أداء العمل دون الأخطاء التي يرتكبها التابع بسبب تأدية العمل، بخلاف الفصل 174 من القانون المدني المصري الذي كان صريحا في إقرار مسؤولية المتبوع عن عمل التابع في حالة ارتكاب الخطأ أثناء تأدية الوظيفة وكذا ارتكابه بسببها[38].

لكن وبالرغم من أن المشرع المغربي قد حصر المسؤولية عن أخطاء التابع في تلك التي تصدر عنه أثناء القيام بوظيفته مستبعدا بذلك فرضية ارتكابها بسبب هذه الوظيفة، فإن الناحية العملية أثبتت أن قيام بعض الأخطاء بسبب تأدية العمل[39]. لذلك ذهب الفقه إلى تأييد تحقق مسؤولية المتبوع عن الأخطاء التي يرتكبها التابع لا أثناء تأدية وظيفته فحسب، بل أيضا عن الأخطاء التي يرتكبها بسبب الوظيفة [40].

وإذا كان هذا هو توجه الفقه، فإن القضاء بدوره فطن إلى منطقية هذا الرأي وأيده في العديد من قراراته. فقد قضى في إحداها بأنه: “يسأل المخدوم عن الفعل الضار الصادر عن أحد خدامه إذا كان الفعل قد ارتكب أثناء تأدية الوظيفة أو بسببها؛ بحيث توجد بين الفعل والوظيفة علاقة سببية أو تبعية”[41].

وفي نقض مصري قررت المحكمة أنه” تتحقق مسؤولية المتبوع كلما كان فعل التابع قد وقع أثناء تأدية الوظيفة أو استغلالها أو مساعدتها على إتيان الفعل غير المشروع أو هيأت له الفرصة أن تكون هي السبب المباشر لهذا الخطأ أو ضرورية لا مكان وقوعه، ومتى تحقق ذلك تثبت مسؤولية المتبوع”[42].

وإذا كان هذا هو شأن مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية عن أعمال مستخدميها إذا كان الفعل الضار في إطار التبعية التي تجمع بين الاثنين، فإن السؤال يطرح حول مدى مسؤولية المؤسسة عن الضرر العمدي الذي اقترفه المستخدم إذا كان راجعا إلى الإساءة في أداء العمل من طرفه؟

وفي هذا الإطار بث القضاء المغربي من خلال محكمة النقض؛ فيما إذا كان الفعل الضار الذي يقترفه الأجير، ويرجع إلى الإساءة في أداء العمل من طرفه، يجعل المشغل المتبوع مسؤولا عن تعويض الضرر المتولد عنه، فذهب المجلس الأعلى إلى الإجابة على هذا التساؤل بالنفي بقوله: “لا يعتبر المشغل مسؤولا مدنيا عن الضرب العمدي الذي ارتكبه الأجير لكون ذلك مستقلا عن التبعية التي تربطه بمشغله وخارجا عن مهنته”[43].

الفقرة الثانية: تعويض الشخص المسن المتضرر

من أجل حصول الشخص المسن المتكفل به على تعويض فإنه يمكنه الاختيار بين؛

  1. رجوعه به على مؤسسة الرعاية الاجتماعية: وهو أفضل خيار لأن خطأ المتبوع في رقابة التابع مفترض بقوة القانون لا يلزم المضرور بإثباته، كما أن المتبوع غالبا يكون مليء الذمة أي له الأموال الكافية لدفع التعويض.

وقد أثبت الواقع العملي أن المضرور غالبا ما يتجه إلى الرجوع على المتبوع بدلا من التابع للمطالبة بالتعويض. ولعل ما يفسر ذلك أن المشرع المغربي ونظيره المقارن[44]،  قد جعله مسؤولا بقوة القانون وبقرينة قاطعة غير قابلة لإثبات العكس وذلك استنادا إلى ما ورد في الفقرة الثالثة من الفصل 85 من قانون الالتزامات والعقود؛ حيث جعل مسؤوليته قائمة على الخطأ المفترض غير القابل لإثبات العكس، مما لا يستطيع معه دفع هذه المسؤولية، ولو أثبت أنه كان يستحيل عليه أن يمنع الفعل الذي سبب ضررا للغير[45]. فضلا عن أن المضرور قد يستند إلى ملاءة الذمة المالية لمؤسسة الرعاية الاجتماعية لمطالبتها بالتعويض حتى يكون في منأى عن تذرع المستخدم بعسره.

  1. أن يرجع الشخص المسن المتكفل به على المستخدم بمؤسسة الرعاية الاجتماعية: وهو أسوء خيار لأن الرجوع سيتم وفق قواعد المسؤولية عن الفعل الشخصي، وعلى المضرور إثبات خطأ التابع والضرر اللاحق به، العلاقة السببية بين الخطأ والضرر، وقد يكون التابع معسرا، أي لا يتوفر على أموال لدفع التعويض.

غير أنه بسلوكه هذا الطريق سيواجه بمجموعة من الصعوبات أبرزها أن الشخص المسن المتكفل به يتوجب عليه بالأساس إثبات خطأ المستخدم وفقا لقواعد المسؤولية التقصيرية عن الفعل الشخصي، وذلك استنادا للفصلين 77 و78 من قانون الالتزامات والعقود، وحتى في فرض نجاحه في الحصول على حكم بالتعويض فإنه يمكن أن يواجه بإعسار[46]  التابع[47] الشيء الذي قد يؤدي إلى عدم تحقيق الهدف المتوخى من الدعوى المرفوعة، والمتمثل في الحصول على التعويض.

  1. رجوع الشخص المسن المتكفل به على المستخدم بالمؤسسة بالإضافة إلى مؤسسة الرعاية الاجتماعية معا: أي مطالبتهما معا بأداء التعويض، وليس المطالبة بتعويضين لأن ذلك يعد إثراء بلا سبب.
  2. أما بالنسبة لرجوع مؤسسة الرعاية الاجتماعية على المستخدم بمؤسسة الرعاية الاجتماعية فإنه يمكن لمؤسسة الرعاية الاجتماعية بعد دفع التعويض للمضرور أن يرجع على التابع لاسترداد مبلغ التعويض خاصة إن ارتكب هذا التابع خطأ جسيم، ولا يمكن للمتبوع الرجوع على التابع إن كان خطأ هذا التابع ناتج عن تعليمات وتوجيهات المتبوع.

وختاما نشير على أن المشرع المغربي ملزم باستكمال ترسانته القانونية من خلال إصدار النص التنظيمي المتعلق بإحداث مؤسسات الرعاية الاجتماعية الخاصة التي تتكفل بالأشخاص المسنين، على أن يتم في هذا الإطار تحديد الالتزامات والخدمات التي تقدمها هذه المؤسسات بشكل محدد ومفصل من أجل تحديد مسؤولية الطرفين وحماية الطرف الضعيف في العقد (الشخص المسن).

كما يجب على القطاع الوصي عن مؤسسات الرعاية الاجتماعية أن يعمل على تقوية قدرات الموارد البشرية العاملة بهذه المؤسسات، حيث يتضح جليا أن قيام مسؤولية مؤسسات الرعاية الاجتماعية عن أعمال مستخدميها تعد من أهم مظاهر المسؤولية التقصيرية عن فعل الغير، ومن أجَل تطبيقاتها من الناحية العملية، كما أنها تتجاوز إلى حد كبير نطاق تطبيق قانون الشغل الذي يعتبر المجال الخصب لتطبيق أحكامها.

المراجع

أولاً: الكتب والمراجع العامة

  1. إدريس فتاحي: الاتفاق على تعديل أحكام المسؤولية العقدية في القانون المغربي والمقارن، مطبعة الأمنية، الرباط، 2004.
  2. سعيد الفكهاني: عبد العزيز توفيق، حسين جعفر، التعليق على قانون الالتزامات والعقود المغربي في ضوء الفقه والقضاء – الجزء الأول، مطبعة الدار العربية للموسوعات، طبعة 1986.
  3. سيلمان الطماوي: القضاء الإداري، دار الفكر العربي القاهرة، الطبعة الأولى 1976.
  4. عبد الرزاق أحمد السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، منشورات الحلبي دار النهضة العربية، طبعة 1964.
  5. د القادر العرعاري: مصادر الالتزام، الكتاب الثاني، المسؤولية المدنية، مكتبة دار الأمان الرباط، الطبعة الثالثة 2014.
  6. عبد الكريم شهبون: الشافي في شرح قانون الالتزامات والعقود المغربي، الكتاب الأول، الالتزامات بوجه عام، الجزء الأول مصادر الالتزام، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1999.
  7. عمروعيسى الفقي: المسؤولية المدنية – دعوى التعويض، مطبعة المكتب الجامعي الحديث، الطبعة الأولى 2002.
  8. مأمون الكزيري، نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي – الجزء الأول، دون ذكر الطبعة والمطبعة.
  9. محمد أحمد عابدين، التعويض بين المسؤولية العقدية والتقصيرية، مطبعة دار المطبوعات الجامعية، الإسكندرية، طبعة 1980.
  10. محمد البوشواري، المسؤولية المدنية: العقدية والتقصيرية، مطبعة أشرف، الطبعة الثانية 2008.
  11. محمد الكشبور، نظام التعاقد ونظريتا القوة القاهرة والظروف الطارئة – دراسة مقارنة من وحي حرب الخليج، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1993.
  12. محمد سعيد بناني، قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل، الجزء الثاني، المجلد الأول، مطبعة النجاح الجديدة، طبعة 2007.
    • مصادر الالتزام – الكتاب الأول: نظرية العقد، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الثانية 2005.
    • مصادر الالتزام – الكتاب الثاني: المسؤولية المدنية، مكتبة دار الأمان الرباط، الطبعة الثالثة 2014.
  13. ناديه محمد مصطفى قزمار: حدود المسؤولية العقدية في إطار الالتزام ببذل عناية وبتحقيق نتيجة، جامعة عين الشمس – مركز بحوث الشرق الأوسط، سنة 2019.

ثانياً: الرسائل والأطروحات

  1. مجبر فتيحة، الحماية القانونية للمسنين في إطار برنامج الحماية الاجتماعية للأسرة، مذكرة ماجستير، جامعة وهران، كلية الحقوق والعلوم السياسية، السنة الجامعية: 2013-2014.

ثالثاً: المواد القانونية والنصوص التنظيمية

  1. القانون رقم 65.15 المتعلق بتنظيم مؤسسات الرعاية الاجتماعية:
  2. قانون الالتزامات والعقود المغربي:

رابعاً: الاجتهادات القضائية المغربية والمقارنة

  1. أحكام محكمة النقض (المغرب)
  • قرار محكمة النقض، الملف المدني رقم 1681/1/3/2016، قرار عدد 395/2018، بتاريخ 26/06/2018.
  • قرار محكمة النقض، الملف الاجتماعي رقم 1368/5/2/2017، قرار رقم 188/2018 بتاريخ 7 مارس 2018.
  • قرار الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى رقم 9502 بتاريخ 24 أكتوبر 1985، الملف الجنائي عدد 71706، مجلة المحاكم المغربية، عدد 49.
  1. المجلس الأعلى (سابقاً)
  • قرار رقم 758 بتاريخ 15/12/1976، الملف المدني عدد 41799، مجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 28، 1981.
  • قرار رقم 73 بتاريخ 18/03/1975، الملف الاجتماعي عدد 45965، مجلة القضاء والقانون، عدد 126، 1977.
  1. القضاء المقارن
  • نقض مصري جلسة 1/6/1971 – أورده عبد العزيز توفيق في كتابه التعليق على قانون الالتزامات والعقود 1999، ص 95.

خامساً: المقالات والدراسات

  1. حمدادو لمياء: مبدأ الحيطة كبعد جديد للمسؤولية المدنية: من التعويض إلى الوقاية، مجلة الفكر للدراسات القانونية والسياسية، العدد الخامس، 2019.
  2. مقال صحفي: المغرب يستعد لفتح مؤسسات الرعاية الاجتماعية أمام الخواص”، موقع هسبريسwww.hespress.com ، 23/01/2023.
  3. سهير منتصر، مسؤولية المتبوع من أعمال التابع أساسها ونطاقها، دار النهضة العربية.
  4. سهير منتصر، مسؤولية المتبوع من أعمال التابع أساسها ونطاقها، دار النهضة العربية.

سادسا: مقال باللغة الفرنسية

  1. Jean Calais-Auloy، Les clauses abusives en droit français, Actes de la table ronde du 12 décembre 1990.

[1] –  مجبر فتيحة: الحماية القانونية للمسنين في إطار برنامج الحماية الاجتماعية للأسرة، مذكرة لنيل دبلوم الماجيستير في القانون الخاص تخصص قانون الأسرة وحقوق الطفل، جامعة وهران كلية الحقوق والعلوم السياسية، السنة الجامعية: 2013-2014، ص: 204-205.

[2]  – حددت المادة 3 من القانون 65.15 المنظم لمؤسسات الرعاية الاجتماعية أنواع هذه المؤسسات حيث نصت على أنه: “تشمل مؤسسات الرعاية الاجتماعية المنصوص عليها في المادة الأولى أعلاه، مهما كانت تسميتها، المؤسسات التي يتمثل غرضها في التكفل بالغير وفق أحكام هذا القانون والنصوص المتخذة لتطبيقه، ولاسيما:

  • المؤسسات التي تتكفل بالأشخاص المسنين…”

[3]  – المادة الأولى من القانون 65.15 المنظم لمؤسسات الرعاية الاجتماعية.

[4] – تم وضع مجموعة من المعايير التي يمكن إجمال أهمها فيما يلي:

  • فكرة المنشأة العامة: فإذا كان هذا الشخص من إنشاء الدولة فهو شخص عام وإذا كان من إنشاء الأفراد فهو منشأة خاصة.
  • فكرة الهدف: وفقا لهذا المعيار فإن الأشخاص المعنوية العامة تستهدف تحقيق المنفعة العام، أما الأشخاص المعنوية الخاصة فهي تستهدف تحقيق المصلحة الخاصة.
  • معيار طبيعة النشاط: وفقا لهذا المعيار فإن الشخص المعنوي العام هو الشخص الذي يقوم بنشاط عام، بينما الشخص المعنوي الخاص يقوم بنشاط خاص.
  • معيار الانضمام الإجباري: الأشخاص المعنوية العامة هي التي يكون الانضمام إليها إجباري أي ملزما، أما الأشخاص المعنوية الخاصة يكون اختياريا.

غير أن هذه المعايير جميعها تبقى عاجزة إلى حد ما عن التفرقة بين الشخص المعنوي العام والشخص المعنوي الخاص، ويبقى المعيار الراجح في التمييز بينهما يتمثل في المعيار المركب أو المزدوج، والذي يقوم على عنصرين، هما:

عنصر ذاتي: يتمثل في إرادة المشرع التي تتضمنها النصوص القانونية المنشئة للشخص المعنوي المراد تحديد طبيعته، فالوقوف على إرادة المشرع والكشف عنها يساعد على تحديد نوعية الشخص المعنوي، هل هو عام أم خاص.

عنصر موضوعي: يتكون من المعايير الستة السابق الإشارة إليها كدلائل على نوعية الشخص المعنوي هل هو عام أم خاص.

للمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع أنظر محمد كرامي: القانون الإداري التنظيم الإداري والنشاط الإداري، مطبعة النجاح الدار البيضاء، الطبعة الثانية 2015.

[5]  –  منح المشرع في إطار القانون 65.15 هذا الاستثناء لفئتين؛ الأشخاص المسنين والأشخاص في وضعية إعاقة.

[6]  – وفق مصدر من وزارة التضامن والادماج الاجتماعي والأسرة، فإن مجموعة من الشركات ترغب في الاستثمار في هذا المجال، خاصة أن عددا من المسنين المتقاعدين يرغبون في إيجاد مؤسسات تعتني بهم بعوض، كما قد يتحول المغرب إلى وجهة للمتقاعدين الأجانب نظرا لفارق التكلفة في الخدمات التي ستقدم لهم بين المغرب والبلدان الأوروبية.

مقال حول: “المغرب يستعد لفتح مؤسسات الرعاية الاجتماعية أمام الخواص” منشور بالموقع الإلكتروني:

www.hespress.com CONSULTE LE 23/01/2023.

[7]  – محمد البوشواري: المسؤولية المدنية -العقدية والتقصيرية، مطبعة أشرف-الدارالبيضاء ، الطبعة الثانية 2008، ص: 8.

[8] – يعرف عقد المعاوضة على أنه العقد الذي يأخذ فيه كل من المتعاقدين مقابلا لما يعطيه. فكل منهما يبحث عن مصلحة معينة يسعى للحصول عليها بإبرامه للعقد.

– عبد القادر العرعاري: مصادر الالتزام -الكتاب الأول نظرية العقد، مطبعة النجاح الجديدة- الدارالبيضاء، الطبعة الثانية 2005، ص: 41.

[9]  – يشمل التكفل بالغير الخدمات التالية على الخصوص:

  • الاستقبال؛
  • الإيواء؛
  • الإطعام؛
  • التوجيه؛
  • الإسعاف الاجتماعي؛
  • المساعدة الاجتماعية والقانونية؛
  • الوساطة الاجتماعية؛
  • تقوية القدرات والتكوين والتأهيل؛
  • التتبع والمواكبة الاجتماعية؛
  • تأمين العلاجات الصحية الأولية؛
  • الدعم والمواكبة الطبية والنفسية؛
  • تأمين الترويض والتأهيل وإعادة التأهيل الوظيفي؛
  • منح المعينات التقنية والأجهزة التعويضية والبديلة؛
  • التنشيط الثقافي والرياضي والترفيهي.

تقدم مؤسسات الرعاية الاجتماعية واحدة أو أكثر من الخدمات المشار إليها في الفقرة أعلاه، حسب صنف المؤسسة، وذلك بصفة دائمة أو مؤقتة، كلية أو جزئية.

[10]  –  الفصل 230 من قانون الالتزامات والعقود ينص على أنه: “الالتزامات التعاقدية المنشأة على وجه صحيح تقوم مقام القانون بالنسبة إلى منشئيها، ولا يجوز إلغاؤها إلا برضاهما معا أو في الحالات المنصوص عليها في القانون”.

[11]  – يجب أن يتم التكفل بالأشخاص المسنين وفق المبادئ التي تم تحديدها في إطار المادة 4 من القانون 65.15 التالية:

  • صيانة كرامة الأشخاص المتكفل بهم؛
  • احترام السلامة الجسدية والنفسية للأشخاص المتكفل بهم؛
  • عدم التمييز؛
  • حماية حقوق الأشخاص المتكفل بهم ومصالحهم المادية والمعنوية؛
  • المحافظة على سرية المعلومات والوثائق المتعلقة بالأشخاص المتكفل بهم واحترام خصوصياتهم؛
  • إخبار الأشخاص المتكفل بهم بجميع الحقوق والواجبات والمعلومات المتعلقة بالخدمات المتاحة لهم.

[12] – في هذا النوع من الالتزامات يقع على عاتق المدين تحقيق نتيجة معينة، وهذه النتيجة هي محل التزامه.

[13] – ناديه محمد مصطفى قزمار: حدود المسؤولية العقدية في إطار الالتزام ببذل عناية وبتحقيق نتيجة، جامعة عين الشمس – مركز بحوث الشرق الأوسط، سنة 2019، ص: 392.

[14]  – عبد القادر العرعاري: مصادر الالتزام، الكتاب الثاني، المسؤولية المدنية، مكتبة دار الأمان الرباط، الطبعة الثالثة 2014، ص: 50.

[15]  – اختلفت الآراء في تحديد أساس مسؤولية حارس الأشياء، جانب يرى أن اساس هذه المسؤولية هو تحمل التبعة، فمن يستفيد من الشيء عليه تحمل تبعة الضرر الذي يحدثه للغير بسبب هذا الشيء، والبعض الآخر يرى أن مسؤولية حارس الشيء قوامها الخطأ المفترض في جانب الحارس، وهو الخطأ في الرقابة وعدم بذل العناية الخاصة التي تتطلبها حراسة الشيء وهذا هو الرأي الذي تبناه القضاء في المغرب.

[16]  –  محمد أحمد عابدين: التعويض بين المسؤولية العقدية والتقصيرية، مطبعة دار المطبوعات الجامعية، الاسكندرية، طبعة 1980، ص: 98.

[17]  – للمزيد من التفصيل حول هذا الموضوع أنظر ادريس فتاحي: الاتفاق على تعديل أحكام المسؤولية العقدية في القانون المغربي والمقارن، مطبعة الأمنية الرباط 2004.

[18] – عبد الرزاق أحمد السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الخاص بالمسؤولية المدنية، منشورات الحلبي دار النهضة العربية، طبعة 1964، ص: 967.

[19] –  قرار محكمة النقض في الملف المدني رقم 1681/1/3/2016 عدد 395/2018، الصادر بتاريخ 26/06/2018 حيث جاء فيه: “إن المحكمة لما قضت على الطالبة، بالتعويض دون أن تبرز العناصر المعتمدة لتحديده، ودون الجواب عن دفوعها بشأن ذلك، رغم ما لذلك من تأثير في بيان وتحديد الخطأ الذي ينسب للطالبة، ولم تبين في تعليلها نوع الأضرار ومداها اللاحقة بالمدعى فيه، تكون قد عللت قرارها تعليلا ناقصا ينزل منزلة انعدامه”. قرار منشور بموقع محكمة النقض.

[20] – Jean calais AULOY : Les clauses abusives en droit français, Actes de la table ronde du 12 décembre 1990, P :117.

[21]  – عرف الدكتور محمد الكشبور القوة القاهرة أو الحادث الفجائي: “بأنه أمر غير متوقع الحصول وغير ممكن الدفع، مما يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا دون أن يكون هناك خطا في جانب المدين، وعليه فان من اللازم توفر شروط في الحادث حتى يمكن أن يكون قوة قاهرة أو حادثا فجائيا وهي:

  • لا يمكن توقع حصوله
  • لا يمكن دفعه
  • أن يجعل تنفيذ الالتزام مستحيلا
  • لا خطأ في جانب المدين”.

أنظر محمد الكشبور: نظام التعاقد ونظريتا القوة القاهرة والظروف الطارئة –دراسة مقارنة من وحي حرب الخليج، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1993، ص: 25.

[22]  –

[23]  – عبد القادر العرعاري: مصادر الالتزام، الكتاب الثاني، المسؤولية المدنية، م.س، ص: 69

[24]  – المادة 5 من القانون 65.15

[25] –  حمدادو لمياء: مبدأ الحيطة كبعد جديد للمسؤولية المدنية: من التعويض إلى الوقاية، مجلة الفكر لدراسات القانونية والسياسية، العدد الخامس 2019، ص: 292-293.

[26]  – عبد الكريم شهبون: الشافي في شرح قانون الالتزامات والعقود المغربي الكتاب الأول الالتزامات بوجه عام، الجزء الأول مصادر الالتزام“، مطبعة النجاح الجديدة، الطبعة الأولى 1999، ص: 439.

[27] – عبد الرزاق أحمد السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، م.س، ص: 537.

[28] – سيلمان الطماوي: القضاء الإداري، دار الفكر العربي القاهرة، الطبعة الأولى 1976، ص: 560.

[29]  – عبد القادر العرعاري: مصادر الالتزام، الكتاب الثاني، المسؤولية المدنية، م.س، ص: 153.

[30]  – تجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يلزم في العلاقة التي تربط المتبوع بالتابع أن تكون ثابتة بمقتضى عقد رسمي مكتوب، بل يكفي أن يكون هناك اتفاق شفوي جرى العرف على تداوله.

[31]  – في هذا السياق نذكر أن هذا ما يميز مسؤولية المتبوع عن مسؤولية الأب ومعلم الحرفة، حيث إن الأب له سلطة الرقابة على ولده، ولكن في عمل معين. ومعلم الحرفة له الرقابة والتوجيه على المتعلم في عمل معين، ولكن لا يقوم المتعلم بهذا العمل لحساب معلمه، بل للتدرب على العمل.

– سعيد الفكهاني، عبد العزيز توفيق، حسين جعفر: التعليق على قانون الالتزامات والعقود المغربي في ضوء الفقه والقضاء- الجزء الأول، مطبعة الدار العربية للموسوعات القانونية – القاهرة، طبعة 1986، ص: 310.

[32]  –  قرار المجلس الأعلى رقم 758 الصادر بتاريخ 1976/12/15 في الملف المدني عدد 41799، منشور بمجلة قضاء المجلس الأعلى، عدد 28، السنة السادسة دجنبر 1981، ص: 29.

[33]  –  جاء في قرار لمحكمة النقض أن: “العنصر الذي يميز عقد الشغل عن غيره من العقود هو عنصر التبعية من إشراف وتوجيه ورقابة تجاه الأجير، وأن وصف العلاقة الرابطة بين طرفي العقد يرتبط بمدى تبعية الأجير لمشغله من حيث الرقابة والإدارة والإشراف”

قرار صادر عن محكمة النقض رقم الملف 1368/5/2/2017 رقم 188/2018 الصادر بتاريخ 7 مارس 2018غير منشور.

[34]  –  جاء في الفقرة الثالثة من الفصل 85 من ق.ل.ع على أن: “المخدومون ومن يكلفون غيرهم برعاية مصالحهم يسألون عن الضرر الذي يحدثه خدامهم ومأمورهم في أداء الوظائف التي شغلوهم فيها”.

[35]  – على العكس من ذلك فإن مسؤولية المتبوع عن أفعال تابعه لا تقوم في مفهوم المشرعين المصري والفرنسي إلا أذا كان خطأ التابع خطأ بالمعنى الفني، حاصرا بذلك مسؤولية المتبوع عن أعمال تابعه في حالة ما إذا أساء هذا الأخير تنفيذ التعليمات الصادرة إليه من متبوعه.

– سهير منتصر: مسؤولية المتبوع من أعمال التابع أساسها ونطاقها، دار النهضة العربية، دون ذكر تاريخ الطبعة، ص: 49.

[36]  – حسين جعفر، سعيد الفكهاني؛ عبد العزيز توفيق، م.س، ص: 311.

[37]  – عبد الرزاق أحمد السنهوري: الوسيط في شرح القانون المدني، الجزء الأول، مصادر الالتزام، دون ذكر الطبعة والمطبعة. ص: 871.

[38]  – تنص المادة 174 من القانون المدني المصري على أنه:”

  1. يكون المتبوع مسئولا عن الضرر الذي يحدثه تابعه بعمله غير المشروع، متى كان واقعاً منه في حال تأدية وظيفته أو بسببها.
  2. وتقوم رابطة التبعية، ولو لم يكن المتبوع حراً في اختيار، تابعه، متى كانت له عليه سلطة فعليه في رقابته وفي توجيهه”.

[39]  – محمد سعيد بناني: قانون الشغل بالمغرب في ضوء مدونة الشغل – الجزء الثاني، المجلد الأول، مطبعة النجاح الدار البيضاء، طبعة 2007، ص: 434.

[40]  – مأمون الكزيري: نظرية الالتزامات في ضوء قانون الالتزامات والعقود المغربي- الجزء الأول، دون ذكر الطبعة والمطبعة، ص: 461.

[41]  – قرار المجلس الأعلى رقم 73 صادر بتاريخ 18 مارس 1975 في الملف الاجتماعي عدد 45965، منشور بمجلة القضاء والقانون عدد 126 السنة 16 يوليوز 1977، ص: 149.

[42] – نقض مصري جلسة 1/6/1971. أورده عبد العزيز توفيق: التعليق على قانون الالتزامات والعقود بقضاء المجلس الأعلى ومحاكم النقض العربية لغاية 1998″ الجزء الأول الالتزامات، مطبعة النجاح الدار البيضاء، الطبعة الأولى 1999، ص: 95.

[43]  – قرار الغرفة الجنائية بالمجلس الأعلى رقم 9502 بتاريخ 24 أكتوبر 1985 في الملف الجنائي عدد 71706 منشور بمجلة المحاكم المغربية، عدد 49، هيئة المحامين بالدار البيضاء، ص: 51.

[44]  – كالتشريع المصري مثلا.

[45]  – عمروعيسى الفقي: المسؤولية المدنية (دعوى التعويض)، الطبعة الأولى 2002، مطبعة المكتب الجامعي الحديث القاهرة، ص: 102.

[46]  –  الإعسار هو حالة قانونية تنشأ من زيادة ديون المدين المستحقة الأداء على أمواله أو هو زيادة ديون المدين جميعها الحالة والمؤجلة على قيمة أمواله.

[47]  – عبد القادر العرعاري: مصادر الالتزام، الكتاب الثاني، المسؤولية المدنية، م.س، ص: 156

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M