المستخلص :
يتناول هذا البحث الدور التاريخي والفكري الذي اضطلعت به الكنيسة الإصلاحية الهولندية في جنوب إفريقيا في إضفاء الشرعية على نظام الفصل العنصري بين عامي 1948 و1994م، مع تتبع مسار المراجعة الداخلية التي عرفتها الكنيسة تحت تأثير تحولات اجتماعية وسياسية عميقة. وينطلق البحث من فرضية مفادها أن التحوّل الكنسي من خطاب التبرير إلى خطاب الاعتراف لم يكن استجابة ظرفية لسقوط النظام العنصري، بل نتاج مسار تاريخي داخلي طويل بلغ ذروته خلال ثمانينيات القرن العشرين.
اعتمدت الدراسة المنهج التاريخي التحليلي، مستندةً إلى وثائق كنسية أصلية وسجلات أرشيفية باللغتين الأفريكانية والإنجليزية، شملت محاضر السينودس، والبيانات العقائدية، ووثائق الاعتراف، وتقارير لجنة الحقيقة والمصالحة. ويظهر التحليل أن الكنيسة أسهمت، عبر تأويل ديني خاص لفكرة «النظام الإلهي للخلق»، في منح التمييز العرقي مسحة أخلاقية جعلته جزءًا من البنية الاجتماعية والسياسية للمجتمع الأبيض. غير أن انتفاضة سويتو سنة 1976م مثلت لحظة مفصلية دفعت المؤسسة الكنسية إلى مراجعة ذاتها، وانتهت إلى إدانة الفصل العنصري بوصفه خطيئة أخلاقية تتعارض مع جوهر الإيمان.
ويخلص البحث إلى أن تجربة الكنيسة الإصلاحية الهولندية تمثل نموذجًا دالًا لتحوّل مؤسسة دينية من موقع تبرير السلطة إلى موقع الشهادة الأخلاقية، مؤكّدًا أن الاعتراف بالذنب التاريخي يشكل مدخلا أساسيا للمصالحة وبناء عدالة مستدامة في المجتمعات المنقسمة.