يُعد حزب العمال الكردستاني (PKK) تنظيماً مسلحاً ذا توجه قومي كردي يساري، ظهر إلى العلن في أواخر سبعينيات القرن العشرين (1978م)، وبدأ تمرده المسلح المنظم ضد الدولة التركية عام 1984 بقيادة عبدالله أوجلان .(UK Visas and Immigration,2025) ومنذ ذلك التاريخ، انخرط التنظيم في صراع دموي طويل الأمد، لم يقتصر نطاقه الجغرافي على الأراضي التركية، بل امتد ليشمل دول الجوار الإقليمي، ولا سيما العراق وسوريا وإيران، إضافة إلى تأثيراته المباشرة وغير المباشرة داخل الجاليات الكردية في عدد من الدول الغربية. وخلال ما يزيد على أربعة عقود من العنف المسلح، تسببت أنشطة التنظيم في مقتل ما لا يقل عن أربعين ألف شخص من المدنيين والعسكريين، بمن فيهم نساء وأطفال من الترك والكرد والعرب والفرس وسياح عرب وغربيين(Karadag, 2022). وبسبب هذا السجل الحافل بالهجمات ضد المدنيين والانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، صنّفت تركيا والولايات المتحدة الأمريكية والاتحاد الأوروبي وأستراليا حزب العمال الكردستاني كمنظمة إرهابية(Arslan, 2017) .
إن هذه الدراسة تهدف إلى تقديم عرض تحليلي شامل لانتهاكات وممارسات حزب العمال الكردستاني اللاإنسانية، وللجرائم الموثقة المنسوبة إليه في تركيا والعراق وسوريا وإيران، فضلاً عن أنشطته داخل بعض الدول الغربية، وذلك خلال الفترة الممتدة من عام 1980م وحتى الوقت الراهن. وتعتمد الدراسة أسلوب التقرير الحقوقي الاستقصائي القائم على معطيات دقيقة ومصادر موثوقة، حيث تستعرض بصورة منهجية أبرز الجرائم التي ارتكبها التنظيم، وفي مقدمتها التفجيرات والهجمات الموجهة ضد المدنيين، وعمليات القتل الجماعي والمجازر، وحالات الاختطاف القسري، وتجنيد الأطفال، بما في ذلك القُصّر والفتيات القاصرات، إضافة إلى الاعتداءات الجنسية وجرائم الاغتصاب. كما تتناول الدراسة جرائم التمويل غير المشروع التي تورط فيها التنظيم، مثل الابتزاز وغسيل الأموال وتهريب المخدرات، إلى جانب أنشطة تهريب الأسلحة عبر الحدود.
وتسلط هذه الدراسة الضوء كذلك على دور عدد من قيادات حزب العمال الكردستاني المتورطين بشكل مباشر أو غير مباشر في هذه الانتهاكات، مع إيراد شهادات موثقة لضحايا مدنيين، والاستناد إلى تقارير صادرة عن منظمات حقوقية دولية تناولت تلك الجرائم. كما يُرفق التقرير ببيانات رقمية ورسوم بيانية توضيحية تُدرج ضمن السياق التحليلي، بهدف دعم المعلومات الواردة وتعزيز مصداقيتها، وصولاً إلى تقديم وثيقة حقوقية شاملة يمكن الاستناد إليها في مخاطبة الجهات الدولية المعنية بحقوق الإنسان ومكافحة الإرهاب.
أولاً: النشأة التاريخية لحزب العمال الكردستاني وتطور مسار الصراع المسلح
تأسس حزب العمال الكردستاني عام 1978 بزعامة عبدالله أوجلان، مستنداً إلى أيديولوجيا ماركسية – لينينية ممزوجة بنزعة قومية كردية، واضعاً في بداياته هدف إقامة دولة كردية مستقلة في جنوب شرق تركيا (Australian Government, n.d.). ودخل التنظيم طور العمل المسلح المنظم في أغسطس/آب 1984، عندما شنّ أولى هجماته على قوات الدرك والمنشآت الحكومية التركية، لتتخذ عملياته طابعاً تصاعدياً متدرجاً خلال عقد الثمانينات، وتتحول المنطقة إلى مسرح مفتوح للصراع المسلح.
وخلال تسعينيات القرن العشرين، شهدت الأهداف المعلنة لحزب العمال الكردستاني تحوّلاً لافتاً، حيث انتقل خطابه السياسي من المطالبة بالانفصال الكامل إلى الدعوة لحكم ذاتي أوسع للأكراد داخل الدولة التركية .(UK Visas and Immigration,2025). غير أن هذا التحول الخطابي لم يقترن بتخلٍ فعلي عن العنف، إذ واصل التنظيم اِعتماد الكفاح المسلح وسيلة رئيسية لتحقيق أهدافه السياسية. وفي سياق هذا الصراع، ارتكب الحزب أعمالاً انتقامية واسعة ضد مدنيين أكراد اتهمهم بـ«التعاون» مع الحكومة التركية، شملت مجازر موثقة بحق رجال ونساء وأطفال في قرى كردية رفضت الخضوع لسيطرته أو تعاونت مع مؤسسات الدولة. وقد أسهم هذا النمط من العنف، إلى جانب العمليات العسكرية التي نفذها الجيش التركي، في نزوح وتهجير مئات الآلاف من الأكراد، مما أدخل مناطق واسعة من جنوب شرق تركيا في دوامة ممتدة من العنف والمعاناة الإنسانية .(Human Rights Watch, n.d)
وبحلول أواخر التسعينيات من القرن العشرين، كان النزاع قد أوقع عشرات الآلاف من القتلى. وقدّر تقرير صادر عن البرلمان الأسترالي أنه عند اعتقال أوجلان عام 1999م، كان عدد الضحايا الإجمالي يتراوح بين 30 و40 ألف قتيل، نتيجة «عشرات الآلاف من الهجمات» التي نفذها حزب العمال الكردستاني منذ عام 1984، وكان عدد كبير من هؤلاء الضحايا من المدنيين الأبرياء. وفي أعقاب اعتقال زعيمه، أعلن الحزب وقفاً أحادياً لإطلاق النار، إلا أن العنف لم يتوقف بشكل كامل، واستمرت مناوشات وأعمال مسلحة متفرقة في مناطق مختلفة ( .(Australian Government, n.d
وخلال مطلع الألفية الجديدة، سعى التنظيم إلى إعادة تقديم نفسه سياسياً، فأقدم على تغيير اسمه عدة مرات، من بينها «KADEK» ، ومن ثم «Kongra-Gel»، في محاولة لتحسين صورته الدولية والإيحاء بالتحول نحو العمل السياسي. غير أن هذه المحاولات لم تلبث أن تراجعت، إذ عاد الحزب سريعاً إلى النشاط المسلح، وأعلن في عام 2004م، إنهاء وقف إطلاق النار بشكل كامل، مستأنفاً هجماته بوتيرة متصاعدة. ( .(Australian Government, n.d
وشهدت الفترة الممتدة بين عامي 2006 و2013م، تصعيداً ملحوظاً في أعمال العنف، تخللته في الوقت ذاته محاولات متقطعة لاحتواء الصراع. وفي عام 2013، توصلت أنقرة وحزب العمال الكردستاني إلى هدنة استمرت قرابة عامين ونصف، قبل أن تنهار في يوليو/تموز 2015، ما أدى إلى عودة المواجهات المسلحة بصورة أكثر عنفاً واتساعاً. ومنذ انهيار وقف إطلاق النار منتصف عام 2015 وحتى عام 2023، قُتل نحو 6,677 شخصاً في أعمال العنف والمعارك بين الحزب والدولة التركية (UK Visas and Immigration,2025)
وتشير إحصاءات مجموعة الأزمات الدولية (International Crisis Group – ICG) إلى أن غالبية القتلى خلال هذه المرحلة كانوا من مسلحي حزب العمال الكردستاني، يليهم أفراد قوات الأمن التركية، في حين قُتل أيضاً مئات المدنيين. وفي فبراير/شباط 2023، أعلن الحزب هدنة مؤقتة عقب الزلزال المدمر الذي ضرب تركيا، لكنه أنهى وقف إطلاق النار من جانب واحد في يونيو/حزيران من العام نفسه، مستأنفاً عملياته المسلحة. (Karadag, 2022)
وبصورة عامة، يُقدَّر أن أكثر من 40 ألف شخص لقوا حتفهم خلال النزاع المستمر منذ ثمانينات القرن الماضي، من بينهم آلاف المدنيين، فضلاً عن الخسائر البشرية الكبيرة في صفوف المقاتلين الأكراد وقوات الأمن التركية، وهو ما يجعل هذا الصراع واحداً من أكثر النزاعات دموية وتعقيداً في المنطقة خلال العقود الأخيرة.(Spicer et al., 2022)
ثانياً: استهداف المدنيين كمنهج: التفجيرات والهجمات ضد التجمعات السكانية
اعتمد حزب العمال الكردستاني، منذ انطلاق تمرده المسلح، استراتيجية منهجية تقوم على استهداف المدنيين بوصفه أداة ضغط سياسي وإرهاب نفسي موجّه ضد المجتمع والدولة على حدّ سواء. وقد تجسّد هذا النهج في تنفيذ تفجيرات عشوائية داخل الأسواق العامة والمنتزهات والأماكن السياحية، إلى جانب شنّ هجمات مسلحة على قرى نائية، ارتُكبت خلالها مذابح واسعة النطاق. وخلال السنوات الأولى للتمرد، ركّز مقاتلو الحزب على استهداف القرى الكردية التي أبدت ولاءً للحكومة التركية أو امتنعت عن التعاون مع التنظيم، حيث نفّذوا مجازر بحق سكانها، شملت نساءً وأطفالاً، في سياق سياسة ترهيب ممنهجة هدفت إلى إخضاع المجتمعات المحلية بالقوة.
ومن أبرز الأمثلة الدموية على ذلك مجزرة قرية پينارجك (Pınarcık) في ولاية ماردين عام 1987، حين هاجم مسلحو الحزب القرية وقتلوا ثلاثين مدنياً، بينهم ستة عشر طفلاً وست نساء، بدافع الانتقام من وجود حراس قرويين موالين للدولة. وقد نُقل عن زعيم التنظيم عبدالله أوجلان قوله عقب تلك المجزرة: “لنقتل… وعندها نفرض سلطتنا”، في تبرير صريح لاستهداف المدنيين بوصفه وسيلة لإخضاع المناطق الخارجة عن سيطرة التنظيم ( .(Australian Government, n.dوكما وثّقت هيومن رايتس ووتش سلسلة من الهجمات التي نفذها الحزب ضد قرى كردية اتُّهم سكانها بالتعاون مع الحكومة، من بينها الهجوم الذي وقع في يناير/كانون الثاني 1994 على قريتي أكيوريك وأورمانجيك في ولاية ماردين، وأسفر عن مقتل تسعة عشر مدنياً، بينهم ستة أطفال وتسع نساء، إضافة إلى أربعة من حراس القرى. وفي سبتمبر/أيلول من العام نفسه، اقتحم مسلحو التنظيم قرية داركنت (Darıkent) في تونجلي، حيث أعدموا ستة معلمين أتراك ميدانياً لمجرد كونهم موظفين في مؤسسات الدولة (Human Rights Watch, n.d).
وتُظهر هذه الوقائع أن الحزب لم يتردد في استهداف المدنيين الأكراد والأتراك على السواء، سواء عبر تفجير عبوات ناسفة وسط تجمعات مدنية مكتظة، أو من خلال تنفيذ إعدامات ميدانية داخل القرى، في انتهاك صارخ لمبادئ القانون الدولي الإنساني.
وخلال تسعينيات القرن الماضي، وسّع الحزب نطاق حملته العنيفة لتشمل المدن الكبرى في غرب تركيا، مستهدفاً مرافق مدنية وسياحية بقصد توجيه رسائل سياسية وإلحاق أضرار جسيمة بالاقتصاد التركي. ففي يوليو/تموز 2005، فجّر مسلحو الحزب قنبلة في قطار ركاب بين ألازيغ وتاتفان، ما أدى إلى مقتل ستة أشخاص وإصابة خمسة عشر آخرين. وبعد أيام قليلة، تعرّض منتجع كوشاداسي السياحي لهجوم انتحاري أسفر عن مقتل خمسة أشخاص، بينهم سائحتان أجنبيتان من بريطانيا وإيرلندا. وفي أغسطس/آب 2006، نفّذ تنظيم صقور حرية كردستان (TAK)، المرتبط أيديولوجياً وتنظيمياً بحزب العمال الكردستاني، سلسلة تفجيرات متزامنة استهدفت منتجعات سياحية في أنطاليا ومرماريس، أدت إحداها إلى مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة عشرين آخرين في أنطاليا، فيما أُصيب واحد وعشرون شخصاً، بينهم عشرة بريطانيين، في تفجيرات مرماريس (Al Jazeera Media Network, 2011).
وكما شهدت مدينة دياربكر ذات الغالبية الكردية تفجيراً مأساوياً في سبتمبر/أيلول 2006، حين انفجرت قنبلة قرب متنزه عام، ما أدى إلى مقتل عشرة مدنيين، بينهم ثمانية أطفال. وفي العاصمة أنقرة، نُفذ تفجير انتحاري عند مدخل مركز تجاري في حي أولوس التاريخي في مايو/أيار 2007، أسفر عن ستة قتلى وإصابة واحد وتسعين شخصاً. وتواصلت الهجمات في أواخر العقد الأول من الألفية، إذ أدى تفجير سيارة مفخخة أمام مدرسة في دياربكر في يناير/كانون الثاني 2008 إلى مقتل خمسة تلاميذ وإصابة مئة وعشرة آخرين، أعقبه تفجير مزدوج في إسطنبول في يوليو/تموز 2008 أوقع سبعةً وعشرين قتيلاً وأكثر من مئتي جريح (Al Jazeera Media Network, 2011). وكان أحد التفجيرين في حي سكني مكتظ بهدف إيقاع أكبر عدد ممكن من الضحايا المدنيين ( .(Australian Government, n.d
وتصاعدت موجة العنف مجدداً عقب انهيار وقف إطلاق النار عام 2015م، حيث شهدت تركيا بين عامي 2015 و2017م سلسلة تفجيرات دامية، تبنّى بعضها تنظيم صقور حرية كردستان. وفي واحدة من أخطر الهجمات الحديثة، انفجرت قنبلة في شارع الاستقلال السياحي وسط إسطنبول في 13 نوفمبر/تشرين الثاني 2022م، ما أسفر عن مقتل ستة مدنيين من عائلتين وإصابة واحد وثمانين آخرين. وقد اتهمت الحكومة التركية الحزب ووحدات حماية الشعب (YPG) بالوقوف وراء الهجوم عبر عنصر كردي سوري، في حين نفت كل من PKK وقوات سوريا الديمقراطية أي مسؤولية. غير أن نمط العملية، من حيث التوقيت والمكان واستهداف المدنيين، يعكس أسلوباً سبق أن تبنّاه الحزب أو فصائله المرتبطة به في هجمات مماثلة منذ استئناف القتال عام 2015م (Spicer et al., 2022).
وتُعد حصيلة استهداف المدنيين من قبل الحزب كارثية بمختلف المعايير. فإلى جانب آلاف القتلى الذين سقطوا مباشرة جراء التفجيرات والمجازر والكمائن، أسهم هذا العنف في ترسيخ حالة دائمة من عدم الاستقرار والخوف في مناطق واسعة من البلاد. وتشير التقديرات الرسمية التركية إلى أن حملات الحزب أدت إلى مقتل أكثر من 1200 مدني تركي منذ ثمانينيات القرن الماضي وحتى اليوم، بينهم أطفال ورضّع، وإن كان هذا الرقم بحاجة إلى تدقيق مستقل ومفصل (Arslan, 2017). ويلاحظ أن الحزب كثيراً ما سعى إلى التنصل من مسؤولية الهجمات التي تثير إدانات دولية واسعة، من خلال تحميلها لمجموعات منشقة مثل تنظيمTAK ، إلا أن تقارير وتحليلات أمنية موثوقة تؤكد أن هذا التنظيم لا يعدو كونه واجهة عملياتية تتيح للحزب الحصول على «إنكار مقبول» أمام الرأي العام، بينما تظل القيادة والتوجيه الفعليان بيد حزب العمال الكردستاني .(Australian Government, n.d).
وخلاصة القول، فإن الإرهاب الذي مارسه الحزب خلّف خسائر فادحة في صفوف المدنيين الأتراك، ولا سيما الأكراد منهم، وتسبب في مآسٍ إنسانية واسعة النطاق، شملت عائلات أُبيدت بالكامل، وأطفالاً تُركوا أيتاماً، ومجتمعات محلية تعيش تحت وطأة الخوف المستمر. وتؤكد الشهادات الميدانية حجم هذه المأساة؛ إذ يروي أحد سكان إسطنبول عقب تفجير عام 2022م: “كان المشهد أشبه بالكابوس… الناس يكافحون للنجاة وسط الدماء والزجاج المحطم” (Arslan, 2017). وقد دفعت هذه الوقائع منظمات حقوقية دولية عديدة إلى إدانة لجوء الحزب إلى العنف العشوائي، واعتبار ممارساته هذه جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية تستوجب المساءلة والمحاسبة القانوني.
ثالثاً: تجنيد الأطفال واختطاف القُصَّر: انتهاك ممنهج لحقوق الطفل
يُعدّ تجنيد الأطفال والقاصرين أحد أخطر الانتهاكات المنهجية التي ارتكبها حزب العمال الكردستاني، حيث اعتمد التنظيم، على مدى سنوات طويلة، سياسة قائمة على اختطاف الأطفال أو استدراجهم عبر الإغراء الأيديولوجي والدعاية التعبوية، ثم زجّهم في صفوفه القتالية (Alptekin, 2017). وتؤكد تقارير حقوقية متعددة أن الحزب يعتمد على آلاف الأطفال المجنّدين، بعضهم لم يتجاوز التاسعة أو العاشرة من العمر، يتم اختطافهم أو التغرير بهم للالتحاق بمعسكرات التدريب في المناطق الجبلية، حيث يُجبر كثير منهم لاحقاً على حمل السلاح والمشاركة في الأعمال القتالية.
وفي دراسة أكاديمية نُشرت عام 2017م، أكد الباحث Hüseyin Alptekin أن الحزب «يحشد في صفوفه آلاف الجنود الأطفال»، مشيراً إلى أن التجنيد يتم غالباً بوسائل قسرية، وأن القاصرين يُدفعون إلى ساحات القتال في سن مبكرة. وعلى الرغم من أن التنظيم يوظّف وجود مقاتلين يافعين في دعايته بوصفه دليلاً على «الالتزام الثوري»، فإن الواقع الميداني يُظهر أن عدداً كبيراً من هؤلاء الأطفال يلقون حتفهم قبل بلوغهم سن الرشد، في انتهاك صارخ للمعايير الدولية لحماية الطفولة (Alptekin, 2017). وتشير تقارير هيومن رايتس ووتش إلى حالات موثقة لأطفال لا تتجاوز أعمارهم 11–12 عاماً جرى تجنيدهم من قبل الحزب في تركيا وسوريا والعراق (Alptekin, 2017).
وتتنوع أساليب التنظيم في تجنيد القُصَّر بين الاختطاف المباشر، والتهديد، والتأثير الدعائي المكثف، ولا سيما في المناطق الفقيرة والمهمّشة. ففي تركيا، سُجلت عشرات الحالات لأطفال اختفوا من منازلهم ثم ظهروا لاحقاً ضمن صفوف الحزب. ووفق تقارير أمنية تركية، اختطف التنظيم 316 طفلاً خلال عامي 2013–2015 م فقط، من بينهم 88 فتاة قاصراً، فيما كان الباقون من الفتيان دون سن الثامنة عشرة. وفي عام 2014 م وحده، بلغ عدد الأطفال المختطفين لغرض التجنيد 205 حالات. كما اختطف التنظيم خلال الفترة نفسها قرابة 1070 شخصاً بالغاً على مدى عشرين شهراً، معظمهم من الشباب والشابات، وأُدرجوا ضمن قوائم المفقودين على خلفية أنشطة مرتبطة بالإرهاب (Daily Sabah, 2015).
وقد أثارت هذه الظاهرة موجة غضب واسعة داخل المجتمع الكردي نفسه في تركيا، حيث نظّمت أمهات كرديات عام 2014 اعتصامات مفتوحة وإضرابات عن الطعام في مدينة دياربكر، مطالبات بإعادة أبنائهن المختطفين، الذين لم تتجاوز أعمار بعضهم خمسة عشر عاماً. واستمرت هذه الاعتصامات لأشهر أمام مقر حزب سياسي محلي متهم بالتواطؤ مع الحزب (Daily Sabah, 2015)، وشكّلت إحدى أبرز صور الاحتجاج المدني ضد تجنيد الأطفال. وتعبّر شهادة إحدى الأمهات، التي قالت: “أريد ابني حيّاً .… لا أريده أن يعود إليّ جثة من الجبل”، عن حجم المأساة الإنسانية والخوف العميق الذي تعيشه الأسر المتضررة. وعلى الرغم من إعلانات متكررة من قبل الحزب حول وقف تجنيد القاصرين، فإن هذه الممارسات استمرت بشكل ممنهج (Daily Sabah, 2015).
Daily Sabah. (2015, August 24). Over 300 children kidnapped by the PKK terrorist organization. Daily Sabah.
وفي العراق وشمال سوريا، حيث تنشط فصائل مرتبطة بالحزب، استُخدم الأطفال أيضاً كوقود للصراع المسلح. فقد وثّقت هيومن رايتس ووتش في تقرير مفصل صدر في ديسمبر/كانون الأول 2016م قيام مجموعات تابعة للحزب في إقليم كردستان العراق بتجنيد واستخدام أطفال، لا سيما خلال الحرب ضد تنظيم داعش وما بعدها. وأظهر التحقيق أن الجناح المسلح للحزب (HPG) ومليشيا وحدات حماية شنگال (YBŞ) المرتبطة به جنّدوا ما لا يقل عن 29 طفلاً كردياً وإيزيدياً في شمال العراق. وتراوحت أعمار هؤلاء بين 11 و17 عاماً، وكان بينهم فتيات قاصرات جرى نقلهن إلى معسكرات جبلية دون علم أو موافقة أسرهن. كما وثّق التقرير حالات تعرّض أطفال لإساءة ومعاملة قاسية عند محاولتهم الفرار من الخدمة القسرية (Human Rights Watch, 2016).
ونقلت المنظمة شهادة والد فتى كردي من حلبجة ترك الدراسة في سن الخامسة عشرة والتحق بالجناح المسلح للحزب عام 2016م، حيث رفض مسؤولو الحزب مراراً الإفصاح عن مكان وجوده أو السماح له بالتواصل مع أسرته. وقد عرض الوالد للباحثين مقطع فيديو يظهر فيه ابنه مرتدياً الزي العسكري وحاملاً بندقية، محاطاً بمقاتلين أطفال، ما سبّب للأسرة صدمة نفسية وقلقاً بالغاً على مصيره (Human Rights Watch, 2016).
وفي سوريا، ورغم التعهدات المعلنة من قبل قوات سوريا الديمقراطية بإنهاء تجنيد الأطفال، تؤكد المنظمات الحقوقية استمرار هذه الانتهاكات. وتبرز في هذا السياق حركة الشبيبة الثورية، التي تنشط في مناطق الإدارة الذاتية شمال شرق سوريا. فقد كشف تقرير حديث لـهيومن رايتس ووتش (أكتوبر/تشرين الأول 2024م) أن هذه الحركة تقوم باختطاف وتجنيد فتيان وفتيات تتراوح أعمارهم بين 12 و17 عاماً من المدارس والمنازل في الحسكة والقامشلي، ثم نقلهم إلى معسكرات تدريب تمهيداً لإلحاقهم بوحدات قتالية. ووثّق التقرير سبع حالات لأسر اختُطف أبناؤها خلال عام 2023م، بينهم ست فتيات وفتيان اثنان، بعضهم لم يتجاوز الثانية عشرة أو الثالثة عشرة من العمر، مع حرمان الأسر كلياً من أي تواصل مع أبنائها.
وأشار التقرير إلى اعتماد منهجي على التضليل الأيديولوجي والضغط النفسي لاستقطاب الأطفال، في ظل غياب أي رقابة أو محاسبة من سلطات الأمر الواقع. وفي السياق نفسه، أدرجت الأمم المتحدة قوات سوريا الديمقراطية وحلفاءها ضمن اللائحة السوداء لاستغلال الأطفال في النزاعات المسلحة، حيث وثّق تقرير الأمين العام للأمم المتحدة لعام 2023 ما لا يقل عن 231 حالة تجنيد أطفال خلال عام واحد فقط. كما وثّقت منظمة سوريون من أجل الحقيقة والعدالة 43 حالة تجنيد أطفال من قبل حركة الشبيبة الثورية في النصف الأول من عام (Human Rights Watch, 2024).
وقد دفعت هذه الوقائع منظمات دولية إلى توجيه إدانات صريحة للحزب. إذ شدّد مدير قسم حقوق الطفل في هيومن رايتس ووتش، Jo Becker، على ضرورة أن «يدين الحزب بوضوح تجنيد واستخدام الأطفال الجنود»، مذكّراً بأن تجنيد من هم دون الخامسة عشرة يُعد جريمة حرب بموجب القانون الدولي. وأكدت المنظمة أن مكان الأطفال هو المدارس وبيوتهم، لا ساحات القتال والمعسكرات الجبلية (Human Rights Watch, 2016)
ورغم إعلان الحزب عام 2013 م، توقيع «وثيقة تمنع تجنيد من هم دون 18 عاماً»، استمرت تقارير الأمم المتحدة والمنظمات الحقوقية في توثيق حالات سنوية لتجنيد قاصرين من قبل أذرعه المختلفة. ويُعد هذا الاستغلال المستمر للأطفال انتهاكاً صارخاً لاتفاقية حقوق الطفل، والبروتوكول الاختياري بشأن إشراك الأطفال في النزاعات المسلحة، وقواعد القانون الدولي الإنساني، ويتحمل قادة الحزب المسؤولية المباشرة عنه. وقد دعت هيومن رايتس ووتش ومنظمات أخرى إلى محاسبة القادة المتورطين في تجنيد الأطفال، وملاحقتهم وفق الآليات القانونية الدولية المعتمدة (Human Rights Watch, 2016).
رابعاً: العنف الجنسي القائم على النوع الاجتماعي داخل التنظيم ومناطقه
تجلّت ممارسات حزب العمال الكردستاني الوحشية أيضاً في الانتهاكات الجنسية الجسيمة التي ارتكبها بحق النساء، سواء داخل صفوفه التنظيمية أو ضد مدنيات في المناطق التي مارس فيها نفوذه المسلح. فعلى الرغم من الخطاب الدعائي الذي يروّج له التنظيم حول «تحرير المرأة» وادعائه منح النساء أدواراً قيادية ومكانة متقدمة ضمن بنيته القتالية، تكشف شهادات منشقّات ومواد توثيقية متعددة صورة مغايرة تماماً، تتسم بالاستعباد الجنسي، والاغتصاب المنهجي، والقمع العنيف لكل من ترفض الانصياع أو تحاول فضح تلك الممارسات (Arslan, 2017).
إذن، في هذا السياق، نشرت صحيفة Daily Sabah عام 2017م، تقريراً استقصائياً استند إلى إفادات عشرات المقاتلات السابقات في الحزب، ممن سلّمن أنفسهن للسلطات التركية، كشف أن معسكرات التنظيم تحولت فعلياً إلى بيئات مغلقة تشهد أنماطاً متكررة من الاغتصاب والتعذيب الجنسي بحق النساء، بإشراف مباشر أو غير مباشر من قيادات عليا. ووفقاً للمعلومات الاستخبارية المستخلصة من تلك الإفادات، فإن كثيراً من النساء يتعرضن للاستغلال الجنسي منذ لحظة انضمامهن إلى التنظيم، ويتم إخضاعهن لمنظومة تهديد ممنهجة، تشمل التصفية الجسدية في حال الاعتراض أو محاولة الكشف عما يتعرضن له (Arslan, 2017).
وتشير هذه الإفادات إلى أن المقاتلات اللواتي يرفضن الانصياع لتلك الممارسات يُتهمن غالباً بـ«العمالة» للدولة التركية، ثم يُعدمن بدم بارد، في إطار سياسة تصفية داخلية تهدف إلى إسكات الضحايا وترهيب الأخريات. كما لا يتورع قادة التنظيم عن استغلال الفتيات القاصرات جنسياً بعد تجنيدهن قسراً، حيث تُسجَّل حالات تزويج قسري لبعضهن لقيادات ميدانية، إضافة إلى فرض الإجهاض القسري على من تحمل منهن، بهدف منع أي ارتباط عائلي قد يعيق استمرار استغلالهن القتالي أو الجنسي (Arslan, 2017).
وتكشف شهادات محددة تورط قياديين بارزين في هذه الجرائم بشكل مباشر. فقد روت مقاتلة سابقة، عُرفت بالاسم الحركي (K.S.) وتبلغ من العمر 32 عاماً، أنها عملت حارسة شخصية للقيادي البارز مراد قره يلان خلال عامي 2002–2003م، ضمن وحدة ضمّت 28 فتاة. وأفادت في شهادتها أن قره يلان، وهو عضو في القيادة العليا للتنظيم، اعتدى جنسياً على فتاة قاصر تبلغ من العمر 17 عاماً تُدعى «ديلان»، كانت ضمن الوحدة نفسها، ما دفع الأخيرة إلى الانتحار عبر تفجير قنبلة يدوية في نفسها، هرباً من واقع الاغتصاب والانتهاك المستمر الذي تعرضت له (Arslan, 2017).
وفي شهادة أخرى، أدلت بها منشقة تُعرف بالحرفين (S.K.)، وردت تفاصيل اعتداء جنسي ارتكبه القيادي جميل باييك بحق مقاتلة تُدعى «دلبَر». ووفق الشهادة، قام باييك باغتصاب الضحية، وعندما كُشف الأمر ونُقلت إلى مقر القيادة، أصدر قراراً فورياً بتصفيتها بحجة «الحفاظ على سمعة التنظيم»، ونُفذت عملية الإعدام لإخفاء الجريمة ومنع تسربها. كما تورد شاهدة ثالثة وقائع صادمة عن حالات حمل غير شرعي داخل معسكرات الحزب، من بينها حادثة تتعلق بزوجة القيادي المؤسس علي حيدر كايتان، التي حملت أثناء وجودها في أحد المعسكرات، وقامت – بحسب الشهادة – بإجهاض الجنين في شهر متقدم وحرقه لإزالة أي أثر قد يفضح الواقعة (Arslan, 2017).
وتضيف شهادة أخرى لمقاتلة سابقة تُعرف بالرمز (B.Y.) وتبلغ من العمر 24 عاماً، أنها تعرضت لتحرش واعتداء جنسي علني من قبل مسؤول معسكر كانت تتواجد فيه داخل كهف جبلي. وعندما اعترضت وواجهته، لفّق لها تهمة «التجسس»، ما اضطرها إلى الفرار وتسليم نفسها للسلطات خوفاً على حياتها. وتؤكد هذه الشهادات مجتمعة وجود نظام داخلي قمعي يستبيح أجساد النساء ويكمّم أفواههن بالعنف والقتل (Arslan, 2017).
وتفيد تقارير استخبارية بأن عدداً من حالات الانتحار أو القتل التي يُعلن عنها التنظيم باعتبارها وقعت خلال اشتباكات مع الجيش التركي، ليست في حقيقتها سوى عمليات تصفية داخلية لمقاتلات حاولن الهرب أو كشف جرائم الاستغلال الجنسي. كما أشارت تلك التقارير إلى أن الحزب يعمد أحياناً إلى إلقاء جثث المقاتلات المنتحرات أو المقتولات في مواقع المواجهات المسلحة، لإظهار الأمر وكأنهن سقطن خلال القتال، في محاولة لإخفاء الجرائم وحماية القيادات المتورطة، والحفاظ على الخطاب الدعائي الزائف حول “المساواة والتحرر” (Arslan, 2017).
وإلى جانب الانتهاكات داخل صفوفه، وُجّهت اتهامات موثقة بارتكاب مقاتلي الحزب اعتداءات جنسية بحق مدنيات في القرى التي هاجموها. فقد وثّقت Human Rights Foundation of Turkey حالتين لاغتصاب نساء قرويات خلال هجمات نفذها الحزب في تسعينيات القرن الماضي، من بينها حادثة في محافظة باتمان التركية، حيث اغتُصبت امرأة أمام أفراد أسرتها قبل أن تُقتل على يد المسلحين، في سياق ترهيبي بالغ القسوة، ورد توثيقه في أرشيف تقارير حقوق الإنسان لعام 1993م. كما أفادت شهادات نازحين إيزيديين من منطقة سنجار في العراق بأن بعض الفتيات الإيزيديات اللواتي التحقن بفصائل مرتبطة بالحزب بعد تحريرهن من تنظيم داعش، تعرضن لاحقاً لسوء معاملة أو استغلال جنسي داخل معسكرات تلك الفصائل، رغم محدودية التوثيق العلني بسبب حساسية الموضوع وخوف الضحايا من الوصم أو الانتقام.
وبصورة عامة، يشكل العنف الجنسي في سياق ممارسات الحزب جريمة مركبة: فهو من جهة انتهاك صارخ لحقوق المرأة وكرامتها الإنسانية، ينطوي على اغتصاب واستعباد جنسي تحت تهديد السلاح، ومن جهة أخرى يكشف تناقضاً أيديولوجياً فاضحاً، إذ يستخدم التنظيم خطاب «تحرير المرأة» لاستقطاب الفتيات، بينما يمارس بحقهن أبشع أشكال القهر والاستغلال. وقد دعت منظمات حقوقية دولية إلى فتح تحقيقات مستقلة في مزاعم الاغتصاب هذه وملاحقة المسؤولين عنها، إلا أن مرتكبي هذه الجرائم ما زالوا يفلتون من المحاسبة، في ظل تحصّنهم في مناطق خارجة عن سيادة القانون، مثل جبال قنديل ومناطق نائية أخرى.
ولا شك أن مساءلة قادة الحزب عن الانتهاكات الجنسية المرتكبة تمثل تحدياً قانونياً وأمنياً كبيراً، لكنها تظل ضرورة أخلاقية وقانونية لإنصاف الضحايا وردع هذه الممارسات، التي ترقى إلى جرائم حرب بموجب اتفاقيات جنيف، ولا سيما الحظر الصريح للاغتصاب والاستعباد الجنسي أثناء النزاعات المسلحة.
خامساً: الجريمة المنظمة كمصدر تمويل: الأنشطة غير المشروعة لحزب العمال الكردستاني
لتمويل نشاطاته المسلحة وضمان استمرارية تمرده، انخرط حزب العمال الكردستاني عبر شبكاته داخل تركيا وخارجها في منظومة متكاملة من الأنشطة الإجرامية المنظمة، التي لا تشكّل فقط وسائل تمويل، بل تمثل بحد ذاتها انتهاكات جسيمة للقانون الجنائي الوطني والدولي، وتهديداً مباشراً لأمن المجتمعات واستقرارها. وتشمل هذه الأنشطة على وجه الخصوص الابتزاز وفرض الإتاوات على المدنيين، وتهريب المخدرات، وغسيل الأموال، وتهريب الأسلحة، إضافة إلى السرقات المسلحة وعمليات الخطف مقابل الفدية.
وتؤكد تقارير أمنية وصحفية أوروبية أن الحزب أقام بنية مالية واسعة النطاق في أوروبا، مستفيداً من وجود جاليات كردية كبيرة، حيث طوّر آليات غير مشروعة لجمع الأموال. وفي هذا السياق، كشف تحقيق لصحيفة The National عام 2025 أن التنظيم يمتلك قاعدة تمويل راسخة في القارة الأوروبية، تقوم في جوهرها على الابتزاز المنظم لأفراد الجاليات الكردية (Stickings, 2025). ويوضح الباحث الهولندي Joost Jongerden، المتخصص في دراسة أنشطة الحزب، أن عناصره يفرضون ما يُسمّى «ضريبة الثورة» عبر جمع تبرعات إجبارية، حيث يقومون بزيارة المنازل والمتاجر باباً باباً تحت ذريعة دعم «القضية الكردية». وبينما يدفع بعض الأفراد طوعاً بدافع التعاطف أو الخوف، يُجبر كثيرون آخرون على الدفع تحت التهديد المباشر (Stickings, 2025)
وقد وثّقت قضايا قضائية أوروبية هذا النمط من الابتزاز القسري. ففي إحدى القضايا بفرنسا، أفاد شاهد بتلقيه تهديدات بكسر ساقيه في حال امتناعه عن الدفع، فيما أشارت محكمة فرنسية حكمت على 11 متهماً بتمويل الإرهاب إلى أن الممتنعين عن دفع الإتاوات كانوا يُهدَّدون بـ«النبذ من المجتمع» الكردي المحلي(Stickings, 2025) . ووفق وثائق قضائية وأمنية أوروبية، نجح الحزب عبر هذه «الضرائب الثورية» في تحصيل ملايين اليوروهات سنوياً. إذ تقدّر الاستخبارات الألمانية أن شبكات الحزب تجمع ما يقارب 18 مليون دولار سنوياً نقداً في ألمانيا وحدها، وهو رقم تضاعف ثلاث مرات منذ عام 2010م. وفي فرنسا، كشفت تحقيقات تتعلق بمركز كردي في مرسيليا أن الخلايا المحلية تجمع قرابة مليوني دولار سنوياً من الإتاوات في محيط المدينة.(Stickings, 2025)
وامتد هذا النشاط إلى دول إسكندنافية، حيث أدانت محكمة سويدية عام 2023 شخصاً هدّد رجل أعمال كردياً بمسدس في ستوكهولم لإجباره على دفع عشرة آلاف دولار لصالح الحزب، وتبيّن خلال التحقيق أن قيادياً بارزاً في التنظيم قدم خصيصاً من مقره للإشراف على عملية الابتزاز. وقد حكمت المحكمة على الجاني بالسجن أربع سنوات، ووصفت مخطط الابتزاز بأنه «نشاط واسع النطاق لجمع التمويل في أوروبا» لحساب الحزب. وتزامنت هذه القضية مع ضغوط تركية على السويد لتشديد الإجراءات ضد خلايا الحزب خلال مفاوضات انضمامها إلى حلف شمال الأطلسي، ما أضفى بعداً سياسياً إضافياً على ملف تمويل التنظيم.(Stickings, 2025)
ويُعد تهريب المخدرات أحد أقدم وأهم مصادر الدخل للحزب. إذ تشير تقارير أوروبية وتركية متطابقة إلى تورطه في مختلف مراحل تجارة المخدرات، من الإنتاج إلى التهريب والتوزيع. وقد فرض مسلحو الحزب إتاوات على مزارعي القنب في المناطق الحدودية، وأداروا شبكات لنقل الهيروين من آسيا، ولا سيما من إيران وأفغانستان، مروراً بتركيا إلى الأسواق الأوروبية (Republic of Türkiye, Ministry of Foreign Affairs, n.d.) (Karaca, 2010). ووفق تقرير صادر عن الاستخبارات البريطانية عام 1993م، حقق الحزب نحو 75 مليون دولار من تجارة المخدرات في أوروبا خلال عام واحد. وفي السنوات الأخيرة، تزعم السلطات التركية أن عائدات الحزب السنوية من تهريب المخدرات قد تصل إلى 500 مليون دولار أمريكي، وهو رقم قد يكون محل نقاش، إلا أن الثابت أن التنظيم يعتمد بشكل كبير على هذه التجارة لتمويل شراء الأسلحة ودفع رواتب مقاتليه. وقد أعلنت أنقرة مراراً تفكيك شبكات مرتبطة بالحزب وضبط كميات كبيرة من الهيروين والحشيش، خصوصاً في جنوب شرق تركيا، كما أشار تقرير لـ “يوروبول” إلى تورط الحزب في تجارة المخدرات ضمن شبكات الجريمة المنظمة العابرة للحدود في أوروبا .(Stickings, 2025)
وإلى جانب ذلك، يدير الحزب عمليات واسعة لغسيل الأموال بهدف إخفاء مصادر تمويله غير المشروعة. فبعد جمع ملايين اليوروهات من الابتزاز أو عائدات المخدرات، تُبيّض هذه الأموال عبر شركات واجهة وجمعيات تعاونية تحمل غطاءً قانونياً ظاهرياً. وفي القضية الفرنسية المشار إليها، أوضحت المحكمة أن أعضاء في الحزب أسسوا شركات تعاونية خصيصاً لغسل الأموال قبل تحويلها إلى الخارج.(Stickings, 2025) وكما برزت قضية قناة Roj TV في الدنمارك، التي فُرضت عليها غرامة تجاوزت مليون دولار عام 2013 بعد إدانتها بالارتباط بتمويل الحزب، ما أدى إلى إغلاقها. وتشير تقارير أوروبية حديثة، ولا سيما دنماركية، إلى أن الحزب يُعد من أخطر شبكات تمويل الإرهاب في أوروبا، إذ يجمع سنوياً «عشرات الملايين» ويعيد تدويرها بوسائل غير مشروعة، رغم الحظر القانوني المفروض عليه في معظم دول القارة .(Stickings, 2025)
ومن الأنشطة الإجرامية الأخرى التي اعتمدها الحزب تاريخياً السرقات المسلحة وعمليات الخطف مقابل فدية. ففي ثمانينيات وأوائل تسعينيات القرن الماضي، نفذ مسلحوه عمليات سطو على بنوك ومكاتب بريد في ولايات تركية عدة، منها دياربكر وأورفة، وفق مصادر أرشيفية تركية. كما تورط التنظيم في خطف سياح أجانب خلال التسعينيات، حيث احتجز عام 1993م عدة سياح غربيين، من بينهم ثلاثة ألمان في جبال طوروس، للإفراج عنهم لاحقاً بعد مفاوضات استمرت اثني عشر يوماً ( .(Australian Government, n.dوعند اعتقال زعيم حزب العمال عبد الله أوجلان عام 1999م، نفذ أنصاره موجة أعمال عنف في أوروبا، شملت اقتحام سفارات واحتجاز رهائن، في محاولة للضغط السياسي، ما أبرز الطابع العابر للحدود لأنشطته الإجرامية ( .(Australian Government, n.d
وأما تهريب الأسلحة، فيُعد ركناً أساسياً في بقاء التنظيم. فمنذ تأسيسه، اعتمد الحزب على شبكات التهريب لتأمين الأسلحة والذخائر والمتفجرات عبر الحدود الوعرة مع سوريا والعراق وإيران. واستفاد خلال العقد الماضي من الفوضى الأمنية في العراق وسوريا للحصول على أسلحة متطورة. وقد أعلنت السلطات التركية مراراً ضبط شحنات أسلحة متجهة إلى مسلحي الحزب. وفي هذا الإطار، ذكرت وكالة الأناضول عام 2022م أن الجيش التركي ضبط قاذفات مضادة للدروع من طراز AT-4 سويدية الصنع في مخابئ للحزب شمال العراق وجنوب تركيا، وأكدت مصادر أمنية استخدامها في هجمات ضد القوات التركية (Karadag, 2022). كما أعلنت أنقرة أنها صادرت بين عامي 2018 و2021 م، ما لا يقل عن 35 قاذف AT-4 في مناطق هكّاري وشرناق داخل تركيا، وفي منطقتي هاكورك وآفاشين–باسيان شمال العراق (Karadag, 2022). وإضافة إلى ذلك، ضبطت القوات التركية في عمليات سابقة صواريخ محمولة مضادة للطائرات من طراز SA-18 Igla روسية الصنع، إلى جانب صواريخ TOW أمريكية استُخدمت ضد قواتها في سوريا (Sakoufaki, 2021).
وتشير هذه الوقائع إلى امتلاك الحزب ترسانة متنوعة جرى الحصول عليها عبر السوق السوداء، أو من مخازن أسلحة إقليمية، أو من خلال شبكات تهريب دولية، فضلاً عن دعم إقليمي تاريخي، إذ اتهمت تركيا خلال ثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي كلاً من سوريا وليبيا بتسهيل تسليح الحزب أو تهريب الأسلحة إليه. وتُعد السيطرة على طرق التهريب هذه جزءاً من المواجهة المستمرة بين أنقرة والتنظيم، حيث تنفذ تركيا ضربات جوية متكررة لتدمير مخابئ الأسلحة، ولا سيما في جبال قنديل التي تُعد المقر الرئيسي للحزب (Karadag, 2022)
وخلاصة القول، أسس حزب العمال الكردستاني منظومة إجرامية عابرة للحدود لتمويل أنشطته، تمتد من ابتزاز المدنيين وسرقة مواردهم، إلى نشر المخدرات، وغسيل الأموال، والاتجار بالسلاح. وقد أكدت تقارير يوروبول السنوية تورط الحزب في الجريمة المنظمة داخل أوروبا، ما دفع عدداً من الدول إلى ملاحقة عناصره قضائياً في إطار مكافحة تمويل الإرهاب (Karadag, 2022). وتمثل هذه الأنشطة تحدياً دولياً معقداً، لأنها تتطلب تنسيقاً أمنياً وقضائياً بين دول متعددة. وعلى الرغم من بعض النجاحات القضائية في فرنسا والسويد وغيرها، لا يزال الحزب يعتمد على موارده الإجرامية الضخمة لمواصلة تمرده، الأمر الذي يفرض على المجتمع الدولي التعامل معه ليس فقط كفاعل سياسي عنيف، بل كشبكة إجرامية دولية تهدد الأمن والاستقرار الإقليمي والدولي.
سادساً: المسؤولية القيادية عن الجرائم والانتهاكات في هيكل حزب العمال الكردستاني
اتّسم حزب العمال الكردستاني منذ نشأته بهيكلية قيادية مغلقة ومركزية، هيمنت عليها مجموعة محدودة من الشخصيات النافذة التي تولّت صياغة القرارات الاستراتيجية، وأشرفت بشكل مباشر أو غير مباشر على توجيه أنشطة التنظيم، بما في ذلك العمليات المسلحة والانتهاكات الجسيمة للقانون الدولي الإنساني وحقوق الإنسان. وفيما يلي عرض لأبرز هذه القيادات ودورها في الجرائم الموثقة:
- عبدالله أوجلان (المعروف بـ«آبو»)
يُعد عبدالله أوجلان المؤسس والزعيم التاريخي للتنظيم، وقد قاده منذ أواخر سبعينيات القرن العشرين وحتى اعتقاله عام 1999. مثّل أوجلان العقل المدبّر للاستراتيجية العامة التي انتهجها الحزب، والتي شملت استهداف المدنيين، ولا سيما الأكراد المعارضين لهيمنته. وخلال سنوات قيادته الأولى، وقعت أخطر المجازر بحق القرى الكردية المصنفة «متعاونة» مع الدولة التركية، ومنها مجزرة پينارجك عام 1987م. ويُنسب إليه تصريح «لنقتل ونفرض سلطتنا» بوصفه تبريراً أيديولوجياً لتصفية المدنيين وإخضاع المجتمعات المحلية بالقوة ( .(Australian Government, n.d
وعقب اعتقاله، حُكم على أوجلان بالسجن المؤبد ولا يزال معتقلاً في جزيرة إمرالي. ورغم ذلك، احتفظ بمكانة رمزية وتأثير معنوي داخل التنظيم، حيث تُعد رسائله وتوجيهاته المكتوبة مرجعاً لأتباعه. وفي رسالة عام 2013م، أعلن دعمه لإنهاء الكفاح المسلح، غير أن تأثيره العملي ظل محدوداً، إذ واصلت القيادات الميدانية العمليات العسكرية. وخلال محاكمته، نفى أوجلان إصدار أوامر بقتل مدنيين، إلا أن منظمات حقوقية، بينها هيومن رايتس ووتش، وثّقت مسؤوليته القيادية عن سلسلة واسعة من العمليات الإرهابية خلال الثمانينيات والتسعينيات. وبصفته القائد الأعلى آنذاك، يتحمل أوجلان مسؤولية معنوية وقانونية عن الجرائم المرتكبة في عهده (Human Rights Watch, n.d.).
- مراد قره يلان (Murat Karayılan)
يُعد مراد قره يلان من أقدم قادة التنظيم، وقد أصبح الزعيم الفعلي له بعد اعتقال أوجلان. انضم إلى الحزب مطلع الثمانينيات، وتدرّج في المناصب حتى تولّى قيادة الجناح العسكري وهيئة الدفاع الشعبي (HPG)، ثم أصبح عضواً في القيادة التنفيذية. أشرف قره يلان على عمليات واسعة خلال التسعينيات، بما في ذلك التخطيط لتفجيرات داخل المدن (Arslan, 2017).
وفي عام 2018، أعلنت الولايات المتحدة عن مكافأة قدرها 3 ملايين دولار مقابل معلومات تؤدي إلى اعتقاله، لدوره في الإرهاب والاتجار بالمخدرات. كما ارتبط اسمه بانتهاكات جنسية جسيمة، حيث أكدت شهادة المقاتلة المنشقة K.S. تورطه في اغتصاب فتاة قاصر تُدعى «ديلان» كانت ضمن حراسته الشخصية، وهو ما أدى – وفق الشهادة – إلى انتحارها (Arslan, 2017). وإن ثبتت هذه الواقعة، فإنها تشكل جريمة اغتصاب وجريمة حرب باستغلال طفل مجنّد. ولم يُعرف أن قره يلان خضع لأي مساءلة داخلية، بل ما يزال أحد أبرز قادة التنظيم، ويُعتقد أنه يدير عملياته من مخابئه في جبال قنديل (Karadag, 2022).
- جميل باييك (Cemil Bayık)
يُعد جميل باييك من المؤسسين الأوائل وعضواً في القيادة العليا، ويشغل منصب «المنسق العام» ضمن منظومة اتحاد المجتمعات الكردستانية (KCK)، التي تمثل المظلة السياسية للتنظيم. اضطلع بدور محوري في رسم سياسات الحزب منذ الثمانينيات، وكان قائداً عسكرياً بارزاً خلال التسعينيات. وتعتبره أنقرة مسؤولاً عن عدد من الهجمات الكبرى، وهو مشمول بعقوبات أمريكية، مع رصد مكافأة قدرها 4 ملايين دولار للإدلاء بمعلومات عنه (Arslan, 2017).
وكما تشير تقارير استخبارية إلى قيامه بدور تنسيقي مع الحرس الثوري الإيراني في فترات معينة، مقابل دعم لوجستي وتسليحي. وعلى صعيد الانتهاكات الجسيمة، ورد اسمه في شهادة المنشقة S.K. كأحد القياديين المتورطين في اغتصاب مقاتلات، ثم إصدار أوامر بتصفيتهن للتستر على الجرائم، ومن ذلك واقعة اغتصاب المقاتلة «دلبَر» ثم إعدامها (Arslan, 2017). ورغم صعوبة التحقق المستقل من كل تفاصيل هذه الشهادات، فإن تعدد إفادات المنشقين يعزز مصداقية الاتهامات. ويُعتقد أن باييك لا يزال يشارك في توجيه عمليات التنظيم من جبال قنديل، وقد ظهر في تسجيلات مصورة عام 2021 متوعداً بشن هجمات جديدة، ما يجعله مسؤولاً مباشراً عن الجرائم الجارية.
- دوران كالكان (Duran Kalkan)
يُعد دوران كالكان من القيادات القديمة وعضواً في اللجنة التنفيذية، ويُعرف بتشدده ورفضه لأي تسويات سياسية. تولّى في فترات سابقة تنظيم الخلايا في أوروبا، ثم قاد عمليات في جنوب شرق تركيا. أدرج اسمه مع قره يلان وباييك على قائمة المطلوبين أمريكياً عام 2018 م، مع مكافأة قدرها 3 ملايين دولار أمريكي .(UK Visas and Immigration,2025)
وتتهمه الاستخبارات التركية بدعم وتحريض خلايا صقور حرية كردستان (TAK) التي نفذت تفجيرات أنقرة وإسطنبول عام 2016م، كما يُربط اسمه بالتنسيق مع قيادة وحدات YPG في سوريا، ما يضعه في دائرة المسؤولية غير المباشرة عن تجنيد الأطفال هناك. وظهر كالكان في تسجيلات إعلامية محرّضاً على خطف وقتل جنود أتراك، وهو ما ينسجم مع وقائع إعدام أسرى، أبرزها جريمة قتل 13 أسيراً تركياً في كهف شمال العراق عام 2021م، وهي جريمة أدينت دولياً.(UK Visas and Immigration,2025)
- فهمان حسين (Fehman Hüseyin) المعروف بـ بهوز إردال (Bahoz Erdal)
يُعد بهوز إردال قائداً عسكرياً متشدداً، سوري الأصل، انضم إلى الحزب في الثمانينيات، وبرز اسمه في منتصف العقد الأول من الألفية. تتهمه السلطات التركية بأنه العقل المدبّر لجناح TAK، حتى لُقّب بـ «مهندس العمليات الانتحارية». ورغم ادعاءات الحزب بانشقاقه، تؤكد مصادر أمنية أنه ما يزال جزءاً من القيادة الداخلية .(UK Visas and Immigration,2025)
ولقد ورد اسمه في لوائح الإرهاب الأمريكية، ويواجه اتهامات بقيادة عمليات خطف وقتل، من بينها هجوم 2007 على قافلة عسكرية تركية قُتل فيه 12 جندياً. كما أُشيع مقتله في سوريا عام 2016م، إلا أن تلك المعلومات ثبت عدم صحتها، ويُعتقد أن ترويجها كان بهدف التمويه وحمايته.
- علي حيدر كايتان (Ali Haydar Kaytan)
يُعد علي حيدر كايتان من مؤسسي التنظيم ومن أبرز منظّريه، وكان عضواً في القيادة لسنوات طويلة. ورغم أن دوره الميداني في الجرائم أقل بروزاً، فإنه يتحمل مسؤولية قيادية عن القرارات التي أفضت إلى تلك الجرائم. ارتبط اسمه بحوادث داخلية، من بينها واقعة زوجته التي حملت وأجهضت قسراً، في دلالة على طبيعة السيطرة القمعية داخل التنظيم. ويُقال إنه توفي عام 2020، دون تأكيد مستقل، وقد وصفه منشقون بأنه كان مسؤولاً عن تصفيات داخلية في التسعينيات (Arslan, 2017).
- قيادات أخرى جديرة بالذكر
تشمل القائمة أسماء أخرى لعبت أدواراً محورية في المنظومة الإجرامية للتنظيم، مثل رضا آلتون وصبري أوك (نشاط أوروبا)، وعبد الرحمن حاجي أحمدي (زعيم فرع PJAK الإيراني)، وقيادات ميدانية مثل صالح مصطفى وصوفي نور الدين. وتفيد تقارير حقوقية بأن PJAK تورط في تجنيد قاصرين أكراد إيرانيين، كما اتُهم صبري أوك بالإشراف على شبكات ابتزاز وغسيل أموال في أوروبا خلال العقد الأول من الألفية الثالثة للميلاد.
- امتدادات القيادة: كوادر حزب العمال الكردستاني داخل قسد والإدارة الذاتية في سوريا
لا يقتصر التأثير القيادي لحزب العمال الكردستاني (PKK) على بنيته التنظيمية التقليدية المتمركزة في جبال قنديل، بل يمتد إلى أطر عسكرية وسياسية وإدارية في شمال شرق سوريا، ولا سيما ضمن قوات سوريا الديمقراطية (قسد) ومؤسسات ما يُعرف بـ«الإدارة الذاتية». وتشير تقارير أمنية ودراسات بحثية غربية وتركية إلى أن عدداً من الشخصيات القيادية في هذه الهياكل خضعوا لتدريب أيديولوجي وتنظيمي في معسكرات PKK، ويتبنون مشروع «الكونفدرالية الديمقراطية» المستلهم من فكر عبدالله أوجلان. وإن من أبرز قادة تنظيم قسد YPG – SDF:
- مظلوم عبدي (شاهين جيلو)
يُعد مظلوم عبدي القائد العام لقوات سوريا الديمقراطية، ويُعرف باسمه الحركي السابق «شاهين جيلو». وتشير مصادر متعددة إلى انخراطه السابق في صفوف PKK وخضوعه لتدريب عسكري وأيديولوجي في قنديل، قبل انتقاله إلى الساحة السورية. ويُنظر إليه بوصفه حلقة الوصل الأساسية بين القيادة التقليدية للحزب في قنديل والبنية العسكرية لقسد، مع تبنيه العلني للمرجعيات الأوجلانية في الخطاب والتنظيم. وكما يتبنى عبدي علناً المرجعيات الأوجلانية، ولا سيما مشروع «الكونفدرالية الديمقراطية»، الذي يشكّل الإطار الفكري والسياسي الحاكم لعمل قسد والإدارة الذاتية. وخلال فترة قيادته، ارتبط اسم قسد بتقارير حقوقية دولية تتعلق بتجنيد الأطفال والانتهاكات ضد مدنيين، ما يثير تساؤلات قانونية حول المسؤولية القيادية (Command Responsibility)، حتى في حال غياب دليل على تورطه الشخصي المباشر في تلك الأفعال.
- صبري أوك: من القيادات التاريخية في حزب العمال الكردستاني، وبرز اسمه منذ التسعينيات ضمن الجناح الخارجي للتنظيم، ولا سيما في أوروبا. وتولّى أدواراً تنظيمية وسياسية مرتبطة بإدارة النشاط الحزبي والعلاقات مع الجاليات الكردية في الخارج. وقد ورد اسمه في تقارير أمنية أوروبية بوصفه أحد الوجوه القيادية المرتبطة بهياكل PKK الخارجية.
ويُشار في بعض التحليلات إلى تأثيره غير المباشر على الأذرع السورية للحزب بحكم موقعه القيادي العام.
وتفيد تقارير أمنية بأنه يمارس دوراً إشرافياً غير معلن على قسد، وهو يُصنّف كقيادي مركزي في PKK. - صالح مسلم محمد: يُعد صالح مسلم من أبرز الوجوه السياسية المرتبطة بحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وقد شغل منصب الرئيس المشترك للحزب لعدة سنوات، كما يُنظر إليه بوصفه أحد مهندسي المشروع السياسي للإدارة الذاتية في شمال سوريا. وتشير تقارير بحثية وأمنية إلى أن صالح مسلم تربطه علاقات تنظيمية وأيديولوجية وثيقة بحزب العمال الكردستاني، ويُصنَّف ضمن التيار الأوجلاني الملتزم بفكر عبدالله أوجلان، ولا سيما مشروع «الكونفدرالية الديمقراطية». وقد ظهر مسلم مراراً في تصريحات علنية يؤكد فيها مرجعية أوجلان الفكرية، ويدافع عن نموذج الحكم الذاتي المستوحى من أدبيات PKK.
- إلهام أحمد: تشغل منصب الرئيسة التنفيذية لمجلس سوريا الديمقراطية (مسد)، وهو الذراع السياسي لقسد. وبرز دورها منذ عام 2016م كممثلة سياسية ودبلوماسية للإدارة الذاتية في اللقاءات الدولية. وتؤكد في تصريحاتها العلنية تبنّيها مشروع «الأمة الديمقراطية» المستند إلى فكر عبدالله أوجلان. وتُصنَّف في مراكز أبحاث غربية ضمن التيار السياسي القريب أيديولوجياً من PKK دون إثبات عضوية تنظيمية مباشرة. وتتحمل، بوصفها قيادة سياسية عليا، مسؤولية سياسية عن سياسات مسد في مناطق الإدارة الذاتية.
- آلدار خليل: يُعد آلدار خليل من أبرز المنظّرين السياسيين لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في سوريا. وكان عضواً في الهيئة الرئاسية لـPYD، ولعب دوراً رئيسياً في تأسيس مؤسسات الإدارة الذاتية. ويُعرف بتبنّيه الصريح لفكر عبدالله أوجلان ونقله لمفهوم «الكونفدرالية الديمقراطية» إلى السياق السوري. وقد شارك في صياغة الأطر الفكرية للمجالس المحلية ونظام الإدارة المجتمعية وهو يُعد تأثيره فكرياً وسياسياً أكثر منه عسكرياً، ضمن البنية الأيديولوجية للمشروع القائم.
- سيبان حمو: يُعتبر سيبان حمو من أبرز القادة العسكريين في وحدات حماية الشعب وحدات حماية الشعب (YPG)، وقد شغل منصب القائد العام للوحدات لعدة سنوات، قبل إعادة هيكلة القيادة العسكرية لقسد. وتفيد مصادر متعددة بأن سيبان حمو تلقى تدريباً عسكرياً وأيديولوجياً في معسكرات حزب العمال الكردستاني في جبال قنديل، ويُصنَّف ضمن الكوادر العسكرية المرتبطة تنظيمياً بـPKK . وقد ظهر في تسجيلات وتصريحات يؤكد فيها التزامه بفكر عبدالله أوجلان، ويشير إلى YPG بوصفها امتداداً لتجربة الحزب في سوريا. وخلال فترة قيادته، ارتبط اسم سيبان حمو بعدد من الملفات المثيرة للجدل، ولا سيما تجنيد الأطفال في صفوف YPG، وهي انتهاكات وثقتها تقارير الأمم المتحدة ومنظمات حقوقية دولية. وبوصفه قائداً عسكرياً أعلى في تلك المرحلة، يُثار تساؤل قانوني حول مسؤوليته القيادية (Command Responsibility) عن هذه الممارسات، حتى في الحالات التي لم يثبت فيها تورطه المباشر. ويُنظر إلى سيبان حمو على أنه أحد رموز العسكرة الأوجلانية في شمال سوريا، حيث لعب دوراً محورياً في بناء البنية القتالية المتأثرة بعقيدة PKK وأساليبه التنظيمية.
- فوزة يوسف: تُعد من القيادات السياسية النسوية البارزة في حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، وقد شغلت منصب الرئيسة المشتركة للحزب، إلى جانب أدوار قيادية في هيئات الإدارة الذاتية. وتشير تقارير بحثية إلى أن فوزة يوسف تُصنَّف ضمن الكوادر الأوجلانية التي تلقت تدريباً أيديولوجياً وتنظيمياً مرتبطاً بحزب العمال الكردستاني، وتتبنى خطاب «تحرير المرأة» المستمد من أدبيات أوجلان. وقد لعبت دوراً مركزياً في ترسيخ النموذج السياسي للحزب داخل مؤسسات الإدارة الذاتية، لا سيما في ما يتعلق بتنظيم المرأة والمجالس المحلية. وورغم خطابها المعلن حول الديمقراطية وحقوق المرأة، ارتبطت فترة قيادتها بانتقادات حقوقية تتعلق بممارسات PYD والإدارة الذاتية، مثل تقييد التعددية السياسية، والتجنيد الإجباري، والانتهاكات المرتبطة بحرية التعبير. وتُدرج هذه الملفات ضمن مسؤولية القيادة السياسية، بما فيها فوزة يوسف، بوصفها جزءاً من البنية القيادية التي صاغت السياسات العامة. وتُعد فوزة يوسف مثالاً على القيادة السياسية الأيديولوجية التي أسهمت في نقل مشروع PKK من الإطار العسكري إلى البنية الحزبية والإدارية في سوريا.
- سوزدار درويش: تُعد سوزدار درويش من القيادات النسوية البارزة في قسد، وتشير تقارير إلى عضويتها السابقة في PKK ومشاركتها في نشاطاته قبل انتقالها إلى العمل ضمن الهياكل العسكرية في شمال سوريا، حيث تمثل نموذجاً لانتقال الكوادر الحزبية من التنظيم الأم إلى الأذرع المحلية.
- نسرين عبد الله: تشغل نسرين عبد الله منصب المتحدثة باسم وحدات حماية المرأة (YPJ)، وتُصنَّف ضمن الكوادر الأوجلانية التي تلقت تدريباً أيديولوجياً وتنظيمياً مرتبطاً بـPKK، وتُسهم في ترسيخ الخطاب النسوي المسلّح المنبثق من أدبيات الحزب.
- شاهوز حسن: تولى شاهوز حسن منصب الرئيس المشترك السابق لحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، ويُصنَّف كقيادي سياسي أوجلاني، ساهم في نقل الفكر السياسي للحزب إلى مؤسسات الإدارة الذاتية.
- رضا آلوجرا: يُشار إلى رضا آلوجرا كأحد القادة الميدانيين الذين شاركوا في قيادة معارك الرقة وشرق الفرات، مع خلفية تنظيمية مرتبطة بالهياكل العسكرية المتأثرة بـ
- نواف خليل: يعمل نواف خليل ناطقاً باسم حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) في أوروبا، وتشير تقارير إلى عضويته السابقة في PKK، واضطلاعه بدور في الترويج السياسي والإعلامي للتنظيم في الأوساط الأوروبية.
- أحمد خليل: تشير مصادر بحثية إلى أن أحمد خليل، المسؤول عن العلاقات الخارجية في الإدارة الذاتية، يُعد من الكوادر القديمة المرتبطة بالحزب، ويؤدي دوراً في التواصل السياسي الخارجي.
- إسراء حسا: تُعد إسراء حسا من القيادات النسوية في مجال تنظيم المرأة، وتفيد تقارير بتلقيها تدريباً أيديولوجياً في معسكرات قنديل، ضمن الأطر التنظيمية للحزب.
وتُظهر المعطيات الميدانية في أن قسماً مهماً من البنية القيادية في قسد والإدارة الذاتية يرتبط تنظيمياً أو أيديولوجياً بحزب العمال الكردستاني، سواء عبر العضوية السابقة، أو التدريب في قنديل، أو الالتزام الفكري بمشروع «الكونفدرالية الديمقراطية». ويُعد هذا الامتداد عاملاً مركزياً في فهم طبيعة القرارات العسكرية والسياسية المتخذة في شمال شرق سوريا، وكما يثير تساؤلات قانونية وحقوقية تتعلق بالمسؤولية القيادية المشتركة، ولا سيما في ملفات تجنيد الأطفال عبر وحدات حماية المرأة والشبيبة الثورية، والعسكرة الأيديولوجية، وحفر الأنفاق، وتحويل المراكز المدنية لثكنات عسكرية، وملف السجون والتعذيب للعرب ولكل من يخالف فكر أوجلان من الكورد والسريان والمكونات السورية المختلفة. وكذلك تغيير المناهج التعليمية وفق أدبيات القائد أوجلان، بالإضافة إلى السرقات وغسيل الأموال، وبيع النفط والمحاصيل الزراعية السورية في إقليم كوردستان، وعبر وسطاء في العراق وتركيا وداخل سوريا.
سابعاً: المساءلة والملاحقة القانونية عن الجرائم والانتهاكات لــ pkk
صدرت بحق عدد من هؤلاء القادة مذكرات توقيف دولية ونشرات حمراء بطلب من تركيا، كما أدرج بعضهم على قوائم عقوبات أمريكية وأوروبية، ولا سيما في ملفات تمويل الإرهاب وتجنيد الأطفال. غير أن معظمهم ما يزال متحصناً في مناطق خارجة عن سيادة القانون، لا سيما شمال العراق. وتطالب منظمات حقوقية وأسر الضحايا بإحالة هؤلاء القادة إلى المحاكمة أمام جهات وطنية أو دولية، باعتبار ذلك خطوة أساسية لتحقيق العدالة، وإنصاف الضحايا، وردع القيادات المسلحة الأخرى عن ارتكاب انتهاكات مماثلة.
ثامناً: المواقف الدولية والتقارير الحقوقية بشأن انتهاكات حزب العمال الكردستاني pkk
أثارت الجرائم والانتهاكات المنسوبة إلى حزب العمال الكردستاني تنديداً واسعاً على المستويين الحكومي والدولي، وإن تفاوتت حدة هذا التنديد وحدّة التركيز عليه تبعاً للاعتبارات السياسية والمصلحية في بعض الأحيان. فعلى الصعيد الدولي العام، ثمة إجماع داخل منظومة الأمم المتحدة ومعظم الدول الغربية على إدانة الأعمال الإرهابية التي ينفذها التنظيم، ولا سيما استهدافه المباشر للمدنيين. وقد أكدت قرارات وتقارير أممية متعددة، في سياق جهود مكافحة الإرهاب، حق الدولة التركية في التصدي لهجمات الحزب، واعتبرت ممارساته تهديداً للأمن والسلم الإقليميين .(UK Visas and Immigration,2025)
وفي الإطار القانوني الدولي، صنّف الاتحاد الأوروبي حزب العمال الكردستاني منذ عام 2002 كمنظمة إرهابية محظورة، وهو تصنيف أُعيد تأكيده مراراً. كما أيّدت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان مبدأ حق الدول في اتخاذ تدابير صارمة ضد التنظيمات الإرهابية، شريطة التزامها بأحكام القانون الدولي لحقوق الإنسان. وعلى النهج ذاته، أدرجت الولايات المتحدة ودول أخرى عديدة، من بينها كندا وأستراليا واليابان، الحزب على قوائم الإرهاب الوطنية، ما يعكس توافقاً دولياً واسعاً حول طبيعته العنيفة .(UK Visas and Immigration,2025)
وأما المنظمات الحقوقية الدولية، فقد تبنّت مقاربة تقوم على توثيق الانتهاكات من جميع أطراف النزاع التركي–الكردي، بما في ذلك الانتهاكات الجسيمة التي ارتكبها الحزب بحق المدنيين. وفي هذا السياق، أصدرت هيومن رايتس ووتش سلسلة من التقارير خلال تسعينيات القرن الماضي وبدايات الألفية الجديدة، أدانت فيها تكتيكات الحزب القتالية التي «لا تميّز بين المدنيين والمقاتلين»، واعتبرت قتل المدنيين وخطف الأطفال من قبل الحزب جرائم حرب. ففي تقريرها الصادر عام 1995م حول تركيا، ذكرت المنظمة صراحة أن الحزب «ارتكب العديد من المجازر بحق رجال ونساء وأطفال أكراد»، واتخذ من بعض القرى «أهدافاً انتقامية» بسبب مواقفها السياسية أو تعاونها مع الدولة.(Human Rights Watch, n.d)
وكما وثّقت المنظمة حالات إعدام نفذها الحزب بحق مدنيين اتُّهموا بالتجسس أو التعاون مع السلطات، ومن ذلك إعدام معلمين وموظفين مدنيين خلال تسعينيات القرن الماضي (Human Rights Watch, n.d.). وتطرقت تقاريرها السنوية كذلك إلى ضحايا التفجيرات العشوائية في المدن، مثل تفجير مركز تجاري في أنقرة عام 2007، مؤكدة ضرورة التزام الحزب بقواعد القانون الدولي الإنساني التي تحظر استهداف غير المقاتلين. وفي عام 2014، وجّهت هيومن رايتس ووتشHRW رسالة مفتوحة إلى قيادات حزب الاتحاد الديمقراطي، بوصفه الجناح السوري المرتبط أيديولوجياً بالحزب، دعتهم فيها إلى وقف تجنيد الأطفال في صفوف وحدات حماية الشعب وتسريح من تم تجنيدهم، مستندة إلى اعترافات صادرة عن قادة ميدانيين بوجود هذه الظاهرة .(Alptekin, 2017)
ومن جهتها، تناولت منظمة العفو الدولية انتهاكات الحزب في سياقات متعددة، ولا سيما في حالات الخطف الجماعي. ففي عام 1996، أدانت المنظمة خطف الحزب مجموعة من السياح الغربيين في جنوب تركيا، ووصفت الحادثة بأنها «احتجاز رهائن غير مشروع يجب إنهاؤه فوراً». وفي عام 2015، أصدرت بياناً أعربت فيه عن قلقها إزاء تقارير اختفاء قاصرين من جنوب شرق تركيا، وحثّت الحزب على احترام التزاماته بموجب القانون الدولي الإنساني. ورغم أن تقارير المنظمة ركّزت في الغالب على الانتهاكات الحكومية بحق السكان الأكراد، فإنها لم تُغفل توصيف تفجيرات الحزب في المدن، إذ وصفت في تقرير عام 1991 تلك العمليات بأنها «أعمال إرهابية غير مبررة»، وطالبت بمحاسبة مرتكبيها.
وعلى مستوى الأمم المتحدة، أصدر مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، عبر المقررين الخاصين المعنيين بحماية حقوق الإنسان في سياق مكافحة الإرهاب، بيانات تدين الهجمات التي ينفذها الحزب لما تسببه من سقوط ضحايا مدنيين. كما أدرجت تقارير الأمم المتحدة حول الأطفال والنزاعات المسلحة الحزب وفروعه في سوريا والعراق ضمن الجهات المتورطة في تجنيد الأطفال واستخدامهم، الأمر الذي أدى إلى إدراجها بصورة متكررة على «قائمة العار» السنوية للأمين العام. وفي بيانات رئاسية صادرة عن مجلس الأمن الدولي بشأن الأوضاع في العراق وسوريا، جرى التأكيد على إدانة أي جماعات مسلحة تستهدف المدنيين أو تجنّد الأطفال، في إشارات غير مباشرة إلى ممارسات الحزب وحلفائه. (Human Rights Watch, 2024)
وعلى الصعيد القانوني، لم تُنشأ حتى الآن محكمة دولية خاصة بجرائم الحزب، إلا أن الدولة التركية نفذت ملاحقات قضائية داخلية واسعة بحق أعضائه وأنصاره، حيث حوكم آلاف المشتبه بانتمائهم للتنظيم خلال العقود الماضية. غير أن المحاكمات الغيابية بحق القيادات العليا لم تحقق أثراً رادعاً كافياً، كما وثّقت منظمات حقوقية عراقيل أمام العدالة، من بينها محدودية التعاون القضائي من بعض الدول الأوروبية في تسليم مطلوبين يقيمون على أراضيها تحت غطاء النشاط السياسي. ومع ذلك، شهد هذا الملف تطوراً نسبياً في السنوات الأخيرة، إذ وافقت دول مثل السويد عام 2023م على تشديد تشريعات مكافحة تمويل الإرهاب، بما يشمل أنشطة الحزب، في سياق مفاوضات الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (Karadag, 2022)
وأما على مستوى شهادات الضحايا المدنيين، فقد بدأت تحظى باهتمام متزايد في الإعلام والمنصات الحقوقية. إذ أُطلقت مبادرات تركية لتوثيق شهادات «أمهات دياربكر» وقصص الأطفال المختطفين، بهدف عرضها في المحافل الدولية. كما نظّمت منظمات مجتمع مدني لقاءات لضحايا تفجيرات الحزب، نقلوا خلالها معاناتهم الشخصية، مثل عائلات ضحايا تفجيرات إسطنبول في أعوام 2003 و2016 و2022م (Al Jazeera Media Network, 2011). وتسهم هذه الشهادات، ومنها روايات آباء فقدوا أبناءهم القُصَّر، في إظهار البعد الإنساني العميق للانتهاكات، والتأكيد على أن وراء الأرقام والإحصاءات بشراً وعائلات تضررت بصورة مباشرة.(Spicer et al., 2022)
- وفي النتيجة، تبدو الصورة الدولية لممارسات الحزب واضحة في جوهرها: تنظيم ارتكب أفعالاً يمكن توصيفها قانونياً كإرهاب دولي وجرائم حرب، شملت القتل العمد للمدنيين، والخطف، والتعذيب، وتجنيد الأطفال. ورغم التعاطف الدولي المشروع مع الحقوق الثقافية والسياسية للأكراد، فإن الأساليب العنيفة التي انتهجها الحزب قوبلت بالرفض والإدانة، واعتبر كثير من المراقبين أنها ألحقت ضرراً بالغاً بالمجتمع الكردي نفسه وشوّهت نضاله المشروع. ومن هنا، تبنّى الاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة مقاربة مزدوجة تقوم على إدانة إرهاب الحزب من جهة، والدعوة في الوقت ذاته إلى احترام حقوق الإنسان أثناء مكافحته من قبل الدولة التركية (Human Rights Watch, n.d.). وقد أكدت وزارة الخارجية الأمريكية مراراً أن لتركيا «الحق في الدفاع عن نفسها ضد حزب العمال الكردستاني ضمن حدود القانون» (UK Visas and Immigration, 2025)، مع التشديد المتزامن على ضرورة حماية المدنيين الأبرياء من أي انتهاكات خلال العمليات العسكرية.
- الخاتمة
تُظهر الوقائع والمعطيات الموثقة في هذه الدراسة صورة شديدة القتامة لسجل حزب العمال الكردستاني على امتداد أكثر من أربعة عقود. فقد انطلق التنظيم، نظرياً، تحت شعار الدفاع عن قضية تُعد في أصلها مشروعة، وهي الحقوق القومية والثقافية للأكراد، غير أن المسار العملي الذي انتهجه قاده إلى تبنّي أنماط عنف وإرهاب ممنهج أوقعته في دائرة الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان والقانون الدولي الإنساني. وقد بيّنت الدراسة كيف تورّط الحزب في تفجير الأسواق ووسائل النقل العامة وقتل المدنيين دون أي تمييز، وكيف نفّذ مجازر وحشية في القرى الكردية بحق من خالفه أو رفض الانصياع لسلطته، وكيف جرّد الأطفال من طفولتهم عبر اختطافهم وتجنيدهم قسراً في معاركه، وكيف وجّه العنف ضد النساء اللواتي يفترض أنه يستقطبهن تحت شعارات التحرر، فمارس بحقهن الاستعباد الجنسي والاغتصاب، فضلاً عن اعتماده الجريمة المنظمة – من تجارة المخدرات والابتزاز وغسيل الأموال – وسيلةً لتمويل أنشطته، ونشره ترسانة مهربة أسهمت في زعزعة الاستقرار الإقليمي.
وإن الحصيلة الإنسانية لهذا المسار الدموي ثقيلة للغاية: عشرات الآلاف من القتلى والمصابين، مجتمعات كاملة عاشت لعقود تحت وطأة الخوف والبؤس، وأجيال من الأطفال فقدوا براءتهم وتعرّضوا لصدمات نفسية عميقة ستلازمهم طويلاً. وقد دفع المدنيون في تركيا والعراق وسوريا ثمناً باهظاً لعنف الحزب، كما لحقت أضرار جسيمة بصورة القضية الكردية على الصعيد الدولي، نتيجة اقترانها في أذهان كثيرين بأعمال الإرهاب. وفي المقابل، أسهمت ردود الدولة التركية، التي اتسمت أحياناً بالقسوة وترافقت مع انتهاكات موثقة خلال حملات مكافحة التمرد، في تكريس حلقة مفرغة من العنف والعنف المضاد، كان المدنيون – ولا سيما الأكراد منهم – ضحيتها الأولى.
وإن من الضروري التأكيد بوضوح أن الحقوق المشروعة للأكراد في تركيا وسوريا والعراق وإيران، لا يمكن بأي حال من الأحوال أن تشكّل مبرراً للجرائم التي ارتكبها الحزب. فالنضال من أجل الحقوق، مهما كانت عدالته، يفقد شرعيته حين ينزلق إلى استهداف المدنيين، وتجنيد الأطفال، وممارسة التعذيب والاغتصاب، وارتكاب أفعال ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. وبالتالي، فإن هذه الممارسات تمثل انتهاكات لا تسقط أخلاقياً ولا قانونياً، ويجب أن يُحاسَب مرتكبوها دون استثناء. وانطلاقاً من ذلك، توصي هذه الدراسة بما يلي:
- المساءلة الدولية : على المجتمع الدولي، ممثلاً بالأمم المتحدة والهيئات القضائية الدولية، دراسة السبل القانونية لمحاسبة قيادات الحزب المتورطين في جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية. ويمكن النظر في إنشاء لجنة تحقيق دولية مستقلة، على غرار اللجان المعتمدة في نزاعات أخرى، تتولى فحص الانتهاكات الموثقة ورفع توصيات بالملاحقة القضائية، سواء أمام المحكمة الجنائية الدولية – حيثما توافر الاختصاص – أو عبر المحاكم الوطنية استناداً إلى مبدأ الولاية القضائية العالمية.
- حماية الأطفال ومنع التجنيد: ينبغي تعزيز الدعم الدولي لجهود حكومات تركيا والعراق وسوريا في منع تجنيد الأطفال. ويشمل ذلك تفعيل خطط عمل مشتركة مع الأمم المتحدة لضمان تسريح أي طفل مجنّد في شمال سوريا أو شمال العراق، وإعادة تأهيلهم ودمجهم اجتماعياً، مع ممارسة ضغوط فعالة على الفصائل المرتبطة بالحزب للالتزام الصارم بذلك. كما يُوصى بدعم برامج اليونيسف والمنظمات الشريكة في التوعية بمخاطر التجنيد وإعادة الأطفال إلى أسرهم.
- تجفيف منابع التمويل: فرض مزيد من العقوبات الدولية المحددة (Targeted Sanctions) على الأفراد والكيانات المرتبطة بتمويل الحزب، بما يشمل تجميد الأصول وحظر السفر. وقد شكّلت الخطوة الأمريكية عام 2018 بوضع مكافآت على قيادات بارزة سابقةً مهمة، إلا أن الأمر يتطلب توسيع هذا النهج على مستوى الاتحاد الأوروبي وغيره، مع تعزيز التعاون الشرطي والاستخباراتي لتفكيك شبكات المخدرات والابتزاز وغسيل الأموال، والبناء على السوابق القضائية في فرنسا والسويد ودول أخرى.
- دور المنظمات الحقوقية: على المنظمات الحقوقية الدولية، وفي مقدمتها هيومن رايتس ووتش ومنظمة العفو الدولية، مواصلة تسليط الضوء على جرائم الحزب بالزخم نفسه الذي تُنتقد به انتهاكات الدول. فهناك حاجة لحملة حقوقية أوسع تُبرز الجانب المظلم لممارسات الحزب، بما يضمن إنصاف الضحايا ويدحض أي تعاطف غير مبني على معرفة دقيقة بالوقائع. ويمكن تحقيق ذلك عبر تنظيم جلسات استماع وشهادات علنية للضحايا في المحافل الدولية، ولا سيما في مجلس حقوق الإنسان.
- المعالجة التنموية والوقائية: دعم برامج تنموية وتعليمية وتوعوية في المناطق الكردية بتركيا والعراق وسوريا، لمعالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية التي يستغلها الحزب في استقطاب الشباب. فالتهميش والفقر وغياب الفرص تشكل بيئة خصبة للتجنيد القسري والطوعي، ومعالجتها تمثل خطوة أساسية في تجفيف المنابع البشرية للتنظيم.
وفي نهاية الأمر، تؤكد هذه الدراسة التفصيلية في أن حزب العمال الكردستاني (وتشكيلاته العسكرية والسياسية في سوريا والعراق وإيران)، يتحمل مسؤولية سجل طويل من الجرائم والانتهاكات اللاإنسانية التي لا يمكن تبريرها بأي ذريعة سياسية. ويُعد توثيق هذه الانتهاكات خطوة أولى وضرورية على طريق العدالة، غير أن القيمة الحقيقية لهذا التوثيق تكمن في تحويله إلى إجراءات ملموسة من قبل المجتمع الدولي، تفضي إلى محاسبة الجناة وإنصاف الضحايا. حيث أن معاناة آلاف الأسر التي فقدت أبناءها، أو شُرّدت، أو عاشت تحت التهديد المستمر، ستظل وصمة أخلاقية في جبين الإنسانية ما لم يُبذل كل جهد ممكن لضمان عدم إفلات مرتكبي هذه الجرائم من العقاب، والعمل في الوقت ذاته على حل عادل وسلمي للقضية الكردية، يحقق الحقوق المشروعة للشعب الكردي ضمن أطر ديمقراطية وسلمية، بعيداً عن العنف والإرهاب، ويجنّب المدنيين مزيداً من المآسي.