شهدت العلاقات العراقية – الكويتية، في أعقاب سقوط نظام صدام حسين عام 2003، تحوّلاً تدريجياً من نمط العداء البنيوي والصراع المزمن إلى مسارٍ يتّسم بدرجات متفاوتة من التعاون النسبي والانخراط الدبلوماسي. ويعكس هذا التحوّل تغيّراً ملحوظاً في طبيعة التفاعلات السياسية والأمنية بين البلدين بعد عقودٍ من التوتر وعدم الثقة المتبادلة. وتسعى هذه الورقة، بالاستناد إلى إطار «الثقافات الثلاث للفوضى» الذي طوّره ألكسندر وِنت ضمن المقاربة البنائية في العلاقات الدولية، إلى الإجابة عن سؤالٍ بحثيٍّ محوري يتمثّل في: كيف يمكن فهم مسارات الصراع والتعاون في العلاقات العراقية – الكويتية، وما العوامل المحدِّدة لاتجاهاتها المستقبلية؟
تنطلق الدراسة من فرضيةٍ رئيسية مفادها أن تحوّل العلاقات بين بغداد والكويت لا يمكن تفسيره فقط من خلال المتغيرات المادية أو توازنات القوة، بل يرتبط بصورةٍ أساسية بتغيّر الهويات والإدراكات المتبادلة بين الطرفين. فقد أسهمت التفاعلات التي أعقبت عام 2003 في إحداث انتقالٍ تدريجي من الثقافة الهوبزية القائمة على العداء والصراع الصفري إلى الثقافة اللوكية، التي تقوم على التنافس المنضبط ذي النزعة التعاونية، حيث بات كل طرف ينظر إلى الآخر بوصفه خصماً سياسياً يمكن التعايش معه ضمن قواعد متفق عليها، لا عدواً وجودياً يجب مواجهته.
وتفترض الدراسة كذلك أن هذا التحوّل يفتح المجال، نظرياً وعملياً، أمام إمكانية الانتقال نحو بلورة عناصر من الثقافة الكانتية القائمة على التعاون المستدام والمؤسَّس، شريطة تسوية الخلافات العالقة، ولا سيما النزاعات الحدودية. وفي هذا السياق، تُظهر نتائج البحث وجود مؤشرات أولية على انتقال محدود نحو الثقافة الكانتية، يتجلّى ذلك في إجراءات بناء الثقة الأمنية، وتوسيع مجالات التعاون الاقتصادي، وتطوير الأطر والآليات المؤسسية المشتركة، سواء على المستوى الثنائي أو في إطار المنظمات الإقليمية والدولية.
غير أنّ استمرار جملةٍ من التحديات البنيوية والسياسية، وفي مقدّمتها الخلاف حول خور عبد الله، ما يزال يشكّل عائقاً رئيسياً أمام ترسيخ ثقافة كانتية تقوم على التعاون الدائم والثقة المتبادلة. فهذه القضايا لا تقتصر على أبعادها القانونية أو التقنية فحسب، بل تنطوي أيضاً على دلالات سيادية ورمزية عميقة تؤثّر في تصوّرات النخب السياسية واتجاهات الرأي العام في كلا البلدين.