تُعَدّ الانتخابات البرلمانية أحد أهم مظاهر الديمقراطية التمثيلية في الدول الحديثة، إذ تمنح المواطنين فرصة اختيار ممثّليهم الذين يتولّون مسؤولية صياغة السياسات العامة والتشريعات التي تؤثّر في حياتهم اليومية ومستقبل المجتمع. وعلى الرغم من تعدّد القضايا التي تُثار خلال الحملات الانتخابية، فإنّ قضايا البيئة وتغيّر المناخ تستحق اهتماماً خاصاً، ولا سيّما في البلدان التي تواجه تحدّيات بيئية حادّة كالعراق، حيث أدّت التغيّرات المناخية، وتدهور الموارد الطبيعية، والتلوّث إلى آثار اجتماعية واقتصادية وصحية واضحة على المواطنين.
في السياق العالمي، أصبح تضمين القضايا البيئية في الحملات والبرامج الانتخابية مؤشّراً متنامياً على مدى استجابة القوى السياسية لتطلّعات الناخبين الذين يولون أهمية متزايدة لحماية البيئة والاستدامة، لا سيّما في ضوء الوعي المتصاعد بالمخاطر المناخية. وتُشير الأبحاث إلى أنّ وجود مضمون بيئي واضح في برامج الأحزاب والمرشّحين يمكن أن يؤثّر في خيارات الناخبين ويدفع إلى تبنّي سياسات عامة أكثر «خُضرة» واستدامة.
في العراق، تُعَدّ الانتخابات مثالاً مركزياً على التنافس السياسي، لكن ما زال هناك نقص في الدراسات التي تبحث في كيفية تناول المرشَّحين لقضايا بيئية محدَّدة في برامجهم أو خطابهم الانتخابي، سواءً على الصعيد الوطني أم المحلّي. وقد أشارت بعض الدراسات والكتابات السياسية إلى صعوبة الوصول إلى برامج انتخابية مكتوبة أو رسمية للعديد من المرشَّحين، ممّا يجعل تحليل هذه البرامج أو الخطاب السياسي المرتبط بها تحدّياً يستحق الدراسة المنهجية.
إنّ هذه الدراسة تأتي في سياق الحاجة إلى تقييم مدى حضور وتناول برامج المرشَّحين لقضايا البيئة وتغيّر المناخ خلال انتخابات مجلس النواب العراقي لعام 2025، وذلك من خلال قراءة تحليلية لعيّنة مختارة من برامج المرشَّحين، سواء كانت مكتوبة أم مستنبطة من تصريحاتهم وخطابهم الانتخابي. ويهدف هذا البحث إلى تحديد ما إذا كانت هذه القضايا تحظى بالاهتمام الكافي في الخطاب الحزبي والشخصي للمرشَّحين، وما إذا كانت تُترجم إلى رؤى سياساتية واضحة أم لا، وذلك عبر تحليل المحتوى النوعي والكمّي لبرامجهم الانتخابية.
تنبع أهمية هذه الدراسة من كونها تُسهم في سدّ فجوة معرفية قائمة في الأدبيات العراقية المتعلّقة بتحليل البرامج الانتخابية من منظور بيئي ومناخي، كما تكتسب أهميتها من بعدها الحقوقي، إذ ترتبط القضايا البيئية ارتباطاً وثيقاً بحقوق أساسية، مثل الحق في الصحة والحياة والبيئة السليمة. وتوفّر الدراسة مؤشّراً موضوعياً على مستوى الوعي البيئي لدى المرشَّحين، وتساعد في تعزيز المساءلة الانتخابية، من خلال تمكين الناخبين ومنظمات المجتمع المدني من تقييم الخطاب الانتخابي على أسس واضحة تتجاوز الشعارات العامة.
ومن خلال ذلك تنطلق الدراسة من سؤال رئيسي مفاده؛ إلى أي مدى تحضر قضايا البيئة وتغيُّر المناخ في البرامج الانتخابية لمرشَّحي انتخابات مجلس النواب العراقي، وما طبيعة هذا الحضور من حيث العمق والوضوح والالتزام السياساتي؟ ومن هذا نستطيع ان نصوغ مجموعة أسئلة فرعية، تبين هذه الإشكالية:
- هل تتضمن البرامج الانتخابية رؤى واضحة لمعالجة التحديات البيئية؟
- هل يختلف مستوى الاهتمام بالقضايا البيئية بين المرشَّحين والأحزاب؟
- هل يُطرح البعد البيئي بوصفه أولوية سياساتية أم كجزء ثانوي من الخطاب الانتخابي؟