- رسَّخ تبني الجمعية الوطنية الفرنسية لمقترح قانون يدعو إلى إدراج جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، إجماعاً غير مسبوقٍ داخل البرلمان في مواجهة الإسلام السياسي. وجاءت هذه الخطوة في سياق ضغط دولي أوسع على الجماعة، لاسيما عقب التصنيف الأمريكي لفروعها في مصر ولبنان والأردن منظمات إرهابية.
- في المدى القريب، يتوقع تزايُد التصعيد السياسي ضد جماعة الإخوان في بعض الدول الأوروبية، حيث من المرجح أن تتبنى برلمانات وطنية أخرى مثل إيطاليا والدنمارك أو أجزاء من أوروبا الوسطى قرارات مماثلة للقرار الفرنسي، وهو ما يزيد من حجم الضغط البرلماني على الحكومات الاوروبية بوتيرة أسرع من الأدلة القانونية.
- من المتوقع أن يمضي الاتحاد الأوروبي في مسار إدراج كيانات أو أفراد أو شبكات مالية محددة قريبة من جماعة الإخوان ولها صلات بمنظمات موجودة سابقاً على قائمة الإرهاب الأوروبية أو أنظمة العقوبات. ويتوافق هذا من الناحية الإجرائية مع المبدأ القانوني للاتحاد، ويسمح بالاستجابة السياسية دون إعادة تعريف قانون مكافحة الإرهاب، كما يُقلل من المخاطر القضائية.
تبنَّت الجمعية الوطنية الفرنسية، في 22 يناير 2026، مقترحَ قرار قدمته كتلة اليمين الجمهوري، يدعو إلى إدراج جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية. وقد حظي القرار بتأييد طيفٍ واسعٍ من الكتل السياسية، مما رسَّخ إجماعاً غير مسبوقٍ داخل البرلمان في مواجهة الإسلام السياسي. ويأتي القرار في سياق معركة سياسية وتشريعية متواصلة بين فرنسا والجماعة منذ عام 2020، وكذلك في ظل ضغوط أوروبية وغربية واسعة على الجماعة، لاسيما بعد السابع من أكتوبر. وعلى رغم الطابع القانوني للقرار فمن المرجح أن تكون له تبعات سياسية داخل المؤسسات الأوروبية، وبخاصة في ظل الوضع الغامض لنشاط الجماعة في الدول الأوروبية.
تَضع هذه الورقة الخطوة الفرنسية ضمن سياقها المحلي والدولي الأوسع، وتُحلِّل الأساس القانوني والسياسي الذي استندت إليه، وتَستعرِض التحديات القانونية والتنفيذية التي يمكن أن تجابه تطبيق القرار على المستوى الأوروبي، ومساراته المستقبلية المتوقَّعة.
سياقات المقترح الفرنسي وأساسه
قدَّم النائب الجمهوري الفرنسي إريك بوجيه، في 23 مايو 2025، مقترح قرار لإدراج جماعة الإخوان المسلمين على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، وذلك بعد يومين من نشر وزارة الداخلية الفرنسية تقرير “جماعة الإخوان المسلمين والإسلام السياسي في فرنسا”، الذي كان حصيلة أعمال تحقيق واسعة حول نفوذ الإسلام السياسي في فرنسا، مع التركيز على الإخوان المسلمين.
وانتهى التقرير إلى أن استراتيجية التغلغل والتمكين التي تتبعها الجماعة في أوروبا تعتمد على عملية غزو سياسي طويلة الأمد، تقوم على تكييف الأيديولوجيا مع السياق الغربي لتسهيل انتشارها في مجتمعات يمثل فيها المسلمون أقلية. وتتمثل أبرز ملامح هذه الاستراتيجية في الهيكل التنظيمي والسرية، إذ تقوم الجماعة على دوائر مركزية متداخلة تتوسطها دائرة ضيقة من الناشطين. كما تعتمد ثقافة السرية والغموض، حيث يُبنى تنظيم مزدوج يشمل هيكلاً رسمياً يحترم الإطار القانوني، وهيكلاً سرياً يدير الاستراتيجية الحقيقية ولا يعرفه إلا الأعضاء. أما مجالات التغلغل الرئيسة، فتركز الجماعة على ثلاثة حقول أساسية لضمان التمكين الاجتماعي والديني، وهي: الحقل الدعوي والديني عبر السيطرة على المساجد وتكوين الكوادر الدينية؛ والحقل التعليمي عبر فتح مدارس خاصة ومعاهد للتعليم العالي لتنشئة الأجيال الجديدة وفق رؤيتها؛ والحقل الخيري والاجتماعي عبر إنشاء جمعيات إغاثية وشبابية لتوسيع القاعدة الشعبية.
وعلى مستوى تكتيكات الخطاب المزدوج والمظلومية، تُظهِر الجماعة علناً مشاركتها في القواعد والقيم الديمقراطية الغربية، بينما تظل متمسكة في الخفاء بأهداف المؤسسين الأوائل. لكن أخطر ما أشار إليه التقرير هو التغلغل المؤسسي والضغط، حيث تسعى الجماعة إلى التغلغل في الحياة الاجتماعية والسياسية للدول الأوروبية للتأثير في القرارات من الداخل، وذلك عبر امتلاك شبكة منظمات مُهيكلة على المستوى الأوروبي مخصصة للضغط لدى المؤسسات الأوروبية.
وعقب نشر التقرير صعّدت السلطات الفرنسية المواجهة ضد الجماعة. فقد أعلن الرئيس إيمانويل ماكرون عن فرض عقوبات مالية وإدارية جديدة على “محاولات تسلل جماعة الإخوان المسلمين”. وطرح ماكرون عدة تدابير مالية وإدارية في خلال اجتماع مجلس الدفاع والأمن القومي الذي خُصص لمناقشة نتائج التقرير. كما أعلن عن توسيع نطاق عمليات الحل الإداري للجمعيات والمؤسسات التابعة للجماعة، والتي استهدفت بالحلّ في 3 سبتمبر 2025 منظمة “المعهد الأوروبي للعلوم الإنسانية”، إحدى أبرز المنظمات التابعة للإخوان المسلمين في فرنسا وأوروبا.
لكن نتائج التقرير لم تتوقف عند فرنسا، فقد أثارت زخماً أوروبياً وجدلاً حول تأثير نشاط الإخوان المسلمين، لأن التقرير خصّص قسماً مهماً للروابط بين الجماعة في فرنسا وهيكلها التنظيمي الأوروبي، إذ أشار إلى فروع الجماعة في ألمانيا والسويد وهولندا والدنمارك والمملكة المتحدة وبلجيكا، وإلى تأثير جماعات الضغط الإخوانية على المؤسسات الأوروبية في بروكسل، مؤكداً أنها نجحت في أن تصبح شريكاً للمؤسسات الأوروبية عبر الضغط السياسي، وبخاصة في قضايا مثل حرية العقيدة وتجريم التجديف، كما يُشارك ممثلوها في صياغة سياسات الاتحاد الأوروبي، ويحصلون على تمويل من برامج أوروبية لدعم المجتمع المدني. وأوصى التقرير بضرورة “رفع مستوى الوعي لدى المفوضية الأوروبية والمسؤولين والبرلمانيين الأوروبيين حول طبيعة جماعة الإخوان المسلمين وتأثيرها على المؤسسات الأوروبية”. وقد دفع تحذير التقرير من الترابط بين فروع الجماعة في أوروبا، الكتلةَ الجمهورية (يمين الوسط الديغولي)، بدعم من بقية كتل اليمين وأقصى اليمين، إلى تقديم المقترح.
لكن المقترح الفرنسي يأتي أيضاً في سياق دولي أوسع للضغوط التي تواجهها جماعة الإخوان المسلمين، لاسيما عقب توقيع الرئيس الأمريكي دونالد ترامب أمراً تنفيذياً في نوفمبر 2025، يهدف إلى إطلاق عملية رسمية لتصنيف بعض فروع الجماعة منظمات إرهابية أجنبية، مما يخول فرض عقوبات مالية وحظر معاملات معينة وتنسيق السياسات الدولية ضدها. وتَجسَّد هذا النهج فعلياً في يناير 2026، عندما صنَّفت الولايات المتحدة فعلياً فروع جماعة الإخوان المسلمين في مصر ولبنان والأردن منظمات إرهابية. وتُمثِّل هذه السياسة الأمريكية نقطة تحول جذرية على الصعيد الدولي، فلطالما كانت الولايات المتحدة لاعباً رئيساً في منظومة معايير التصنيف الإرهاب العالمي. ويُعدّ التصنيف الرسمي لهذه الجماعات منظمات إرهابية بمنزلة تغيير جذري في العلاقات عبر الأطلسي، وإجراءات التعاون الاستخباراتي والضغط الدبلوماسي المُمارس على الدول الأوروبية. فقد عززت توجهات ترامب حججَ القوى السياسية الفرنسية المؤيدة لنهج أكثر صرامة تجاه الإسلام السياسي وشبكات جماعة الإخوان المسلمين.
ويتألف قرار الجمعية الوطنية الفرنسية، الرامي إلى إدراج جماعة الإخوان المسلمين على قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، من سبعة بنود، أهمها: التأكيد أن الجماعة “تشكل تهديداً أيديولوجياً عالمياً للمبادئ الأساسية للاتحاد الأوروبي”؛ والطلب من المفوضية الأوروبية والمجلس “إجراء تقييم قانوني وواقعي للشبكة العابرة للحدود للجماعة”، وكذلك “تعزيز الضوابط بشكل صارم في المراحل الأولية والنهائية لتخصيص التمويل الأوروبي لضمان عدم قيام المستفيدين، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، بالدعوة إلى أيديولوجية انفصالية إسلامية أو الانخراط في منطق التغلغل الإسلامي”، ودعوة المفوضية إلى تقديم اقتراح إلى المجلس الأوروبي لإدراج الإخوان وقادتهم على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، مع المطالبة بأن يستند هذا التقييم إلى المعايير التي وضعها المجلس الأوربي عام 2001، ولاسيما “وجود دعم مباشر أو غير مباشر للإرهاب، وأيديولوجية تبرر العنف السياسي، وأدلة ملموسة على المشاركة في أعمال تخريبية أو أعمال تمهيدية لزعزعة استقرار الدول الأوروبية”. فضلاً عن الدعوة إلى الاعتراف القانوني من قبل الاتحاد الأوروبي بالبُعد السياسي “للانفصالية الإسلامية التي تدعو إليها جماعة الإخوان المسلمين من أجل مكافحة التخريب المؤسسي الذي يتم تحت غطاء الجمعيات، ولاسيما الجمعيات الدينية أو الثقافية أو التعليمية أو الرياضية أو الخيرية”. وأخيراً، دعا نص القرار إلى “زيادة التعاون بين أجهزة الاستخبارات والسلطات القضائية للدول الأعضاء، من أجل تحديد خصائص الشبكات التابعة لجماعة الإخوان المسلمين بدقة، وتمويلها، وقنواتها السياسية، ودورها في عمليات التطرف”.
ويستند القرار إلى تقرير لجنة الشؤون الخارجية في البرلمان، الصادر في 14 يناير، والذي يقدم الأساس القانوني والسياسي لمقترح إدراج الإخوان على لوائح الإرهاب الأوروبية. ويرى التقرير أنه في مواجهة هذا التهديد، تتوافر الأدوات اللازمة. فبعد هجمات الحادي من عشر سبتمبر عام 2001، أنشأ الاتحاد الأوروبي أداة لمكافحة الإرهاب، وهي قائمة الاتحاد الأوروبي للمنظمات الإرهابية، والتي تُحدَّث بانتظام وتُرفق بآليات ملزمة. ويستلزم إدراج أي منظمة في هذه القائمة، على وجه الخصوص، تجميد الأصول وحظر جميع أشكال التمويل المباشر وغير المباشر. كما تُعزز هذه القائمة التعاونَ الأمني والقضائي بين الدول الأعضاء من طريق تسهيل تبادل المعلومات والتحقيقات العابرة للحدود والملاحقات الجنائية، مشيراً إلى أن المشكلة “لا تكمن في نقص الوسائل القانونية، بل في غياب الإرادة السياسية لاستخدامها ضد خصم يعمل في الخفاء، ويهدف إلى استغلال التردد الأوروبي”.
أما على مستوى الدوافع، فيشير التقرير أولاً إلى وجود “استراتيجية لإضفاء الشرعية على جماعة الإخوان المسلمين في السياق الأوروبي”، حيث يهدف الإخوان إلى تقديم أنفسهم ممثلين ومدافعين عن الأقليات المسلمة، وكذلك الطريقة المعقّدة التي تعمل بها الجماعة، فبوصفها شبكة غامضة تضم هياكل عديدة نادراً ما يُعترف بها صراحةً، تُحافظ الجماعة على روابط مرنة وغير رسمية في الغالب، لذلك عندما يتم حلّ كيان ما تابعٍ لها يسهل عليه إعادة تشكيل نفسه بشكل مختلف قليلاً. ويسمح غياب إطار أوروبي لها بالتحايل على العقوبات التي تفرضها سلطات دولة ما والظهور مجدداً في دولة مجاورة.
كما يُسلِّط التقرير الضوء على الروابط بين الجماعة والعنف، سواءً من طريق العمل المباشر أو بإضفاء الشرعية على عنف أطراف إسلامية أخرى، مشيراً إلى أنه “على رغم نفي جماعة الإخوان المسلمين تنفيذ أعمال إرهابية مباشرة في الغرب، فإنّها تُسهِم في خلق البيئة الفكرية والاجتماعية التي تدعمها، حيث تُهيئ أرضاً خصبة لجماعات أو أفراد أكثر تطرفاً للتحرك”.
ومن بين الدوافع يحتج تقرير اللجنة البرلمانية بالسياق الدولي المتصاعد في مواجهة الإخوان، حيث يخصص قسماً مستقلاً لردود الفعل المتفرقة للدول تجاه الجماعة، من طريق تسليط الضوء على تجارب النمسا والولايات المتحدة والإمارات والأردن والسعودية ومصر والبحرين. كما يعتبر إدراج الإخوان على القائمة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، إلى جانب حركة “حماس” وتنظيم “القاعدة و”داعش”، “من شأنه أن يشكل رمزيةً سياسية ودبلوماسية مهمة لصورة الاتحاد”، مع التأكيد أن ذلك “لا يهدف بالتأكيد إلى وصم المواطنين المسلمين أو استبعادهم، بل على العكس يهدف إلى تعزيز التماسك داخل المجتمعات الأوروبية عبر الحد من مخاطر الانفصال والتطرف الديني”.
تحديات قانونية وإجرائية
على الرغم من الدعم السياسي الذي حظي به مشروع القرار في البرلمان الفرنسي، حتى من المعسكر الحكومي نفسه، فإنَّه يظل قراراً غير ملزمٍ للمؤسسات الأوروبية، إذ يرقى إلى مرتبة المقترح، ويحتاج دعماً من إدارة الرئيس ماكرون أو كتلة من النواب في البرلمان الأوروبي ليتحول إلى جزء أساسي من جدول أعمال المؤسسات الأوروبية. ومع ذلك تبدو هذه الإشكاليات الإدارية والإجرائية تحديات أقل إشكالاً من التحديات السياسية والقانونية التي يمكن أن يواجهها المقترح مستقبلاً.
بالنسبة للمدافعين عن المقترح، فإن “الاتحاد الأوروبي يملك الأدوات القانونية والتنفيذية الكافية للمضي في وضع الجماعة على لوائح الإرهاب، لكن المشكلة تكمن في غياب الإرادة السياسية لاستخدامها”. ويستشهد النائب إريك بوجيه بما اتخذته النمسا من إجراءات محددة الأهداف ضد الإسلام السياسي وجماعة الإخوان المسلمين في أعقاب هجوم فيينا الإرهابي عام 2020، كما يستشهد بالولايات المتحدة التي اتخذت إجراءات تصنيف مماثلة، حيث صُنِّفت فروع الجماعة في الأردن ومصر ولبنان منظمات إرهابية. بالإضافة إلى تجارب أخرى في العالم الإسلامي، حيث حظرت عدة دول نشاط الجماعة. كما يرى تقرير لجنة الشؤون الخارجية أن هذه الأمثلة “تُظهر أنه لا يوجد عائق جوهري أمام اتخاذ إجراء حاسم بمجرد تحديد التهديد وتوثيقه”.
وفي المقابل، لا تبدو المسألة بسيطة من الناحية الإجرائية، وهو ما يكشفه موقف الحكومة الفرنسية الذي قدمته إليونور كاروا، الوزيرة المنتدبة، في خلال جلسة البرلمان لمناقشة القرار، والتي على رغم دعمها للتوجه من حيث المبدأ، أشارت إلى الفوارق بين “الانفصالية والتغلغل الإسلاموي والإرهاب”. وقالت: “إن فرض عقوبة قانونية ضعيفة [على جماعة الإخوان المسلمين] سيعرضنا لمخاطر تقاضٍ كبيرة. ومع أن جماعة الإخوان وشخصياتها الفكرية قد فتحوا فضاءً عقائدياً متطرفاً استقى منه بعض المفكرين والفاعلين في الإرهاب، إلا أنه لا يوجد استمرارية تنظيمية منهجية بينها..”. وأشارت الوزيرة إلى أن الولايات المتحدة التي “يُعد نظامها لإثبات تصنيف المنظمات الإرهابية أقل صرامة بكثير من نظام الاتحاد الأوروبي”، شرعت في تصنيف جماعة الإخوان المسلمين في شكل مُتدرِّج، بدءاً بفروع الجماعة في مصر والأردن ولبنان، مؤكدةً أن الرئيس ماكرون “طلب من الحكومة اقتراح تدابير جديدة، بما في ذلك فرض حظر وأدوات جديدة تُكمّل قانون أغسطس 2021، بهدف منع نشوء مثل هذه البيئات داخل الأراضي الفرنسية”.
ويبدو موقف الحكومة الفرنسية أكثر تحسُّباً للعوائق القانونية والسياسية داخل المؤسسات الأوروبية حول التوافق بشأن إدراج الإخوان على لائحة الإرهاب. فبموجب قواعد الاتحاد الأوروبي، يجب إثبات تورط أي منظمة بشكل مباشر في الإرهاب، أي ارتكاب أعمال عنف أو دعمها مادياً، وذلك بناءً على نتائج تقدمها السلطات القضائية أو سلطات إنفاذ القانون المختصة داخل الدول الأعضاء. ويرى نقاد هذه النهج أن القواعد تنطوي على ثغرة قانونية، إذ تُركّز استراتيجية جماعة الإخوان المسلمين على الأيديولوجية والمشاركة السياسية بدلاً من النشاط العنيف المنظم، الذي لا يندرج ضمن تعريف الاتحاد الأوروبي الصارم للإرهاب. ومع ذلك تُجابِه المسألة العائق الهيكلي للتنظيم الإخواني، فخلافاً للجماعات المركزية، فإن جماعة الإخوان المسلمين في أوروبا تعد شبكةً لامركزيةً عابرةً للحدود تضم العديد من المنظمات التابعة لها والمنظمات غير الحكومية والجمعيات الثقافية والمؤسسات التعليمية والجهات الفاعلة السياسية. وهذا الهيكل يُصعِّب على السلطات الأوروبية تحديد كيان قانوني واحد مسؤول عن الأعمال الإرهابية، وإثبات علاقة قيادة وسيطرة مع الجماعات العنيفة، وبالتالي تطبيق العقوبات دون وجود صلات واضحة وقابلة للإثبات. وخلافاً لتنظيم الجماعة في الدول العربية والإسلامية الواضح، فإن الجماعة في أوروبا لا تملك عنواناً تنظيمياً واضحاً يحمل اسم الاخوان.
أما العائق الثالث، فهو الخلافات السياسية داخل الاتحاد الأوروبي. ففي حين تؤيد دول مثل النمسا وفرنسا بقوة اتخاذ إجراءات ضد الجماعة، كما تؤيد مجموعة المحافظين والإصلاحيين الأوروبيين في البرلمان الأوروبي علناً المساعي الفرنسية لإدراج الجماعة في القائمة، توجد حكومات أخرى وأصوات سياسية ترى أن الأنشطة السياسية للجماعة لا تتوافق مع سلوك إرهابي مؤكد، ولذلك ينبغي التعامل معها عبر المراقبة وسياسات مكافحة التطرف والتدابير الإدارية، بدلاً من تصنيفها منظمة إرهابية. وتجعل هذه الآراء المتباينة بين الدول الأعضاء مسألة بناء التوافق المطلوب على مستوى الاتحاد الأوروبي أمراً يكتنفه بعض الصعوبة، لأن عملية الإدراج تتطلب موافقة المجلس الأوروبي، وحتى في حال تقديم دولة أو أكثر مقترحات للإدراج، فيجب أن تكون هذه المقترحات قابلة للدفاع عنها قانونياً ومقبولة سياسياً لدى جميع الأعضاء.
التوقعات المستقبلية
من الناحية الإجرائية، تُرسِل الجمعة الوطنية الفرنسية قرارها بعد اعتماده إلى مؤسسات الاتحاد الأوروبي، وأساساً المفوضية والمجلس، حيث يُنظَر فيه من ناحية الشكل، وتتناقش الدول الأعضاء بشأن قرارات الإدراج، لتحديد إمكانية النظر في إجراء رسمي لنقاش الإدراج. أما من ناحية المضمون، فيبدو مصير القرار موزَّعاً بين أكثر من مسارٍ، مع ضعف احتمالات أن يأخذ طابعاً رسمياً أوروبياً في المدى القصير، ومع ذلك من شأن القرار أن يحدث ديناميكية أوروبية جديدة في مواجهة جماعة الإخوان.
ومن المرجح أن يتم الإقرار بطلب الجمعية الوطنية الفرنسية، لكن ذلك لا يعني إدراج الجماعة على قائمة الإرهاب الأوروبية في الوقت الراهن، إذ يتطلب ذلك وجود قرارات قضائية على مستوى الاتحاد الأوروبي تربط الجماعة بصفتها التنظيمية بأعمال إرهابية محددة، فضلاً عن وجود مخاطر عالية قد تُهدد القرار بالإلغاء من قبل المحاكم الأوروبية. ومع أن الجماعة ستظل خارج قائمة الإرهاب التابعة للاتحاد الأوروبي، إلا أن ذلك سيزيد من حدة الضغط عليها، ولكن بشكل غير رسمي وغير متساوٍ بين البلدان.
وعلى رغم تجنُّب مسألة الإدراج، ربما يتحرك الاتحاد الأوروبي في مسار بديل، مثل إدراج كيانات أو أفراد أو شبكات مالية محددة قريبة من الجماعة ولها صلات بمنظمات موجودة سابقاً على قائمة الإرهاب الأوروبية أو أنظمة العقوبات مثل حركة حماس. وهذا من الناحية الإجرائية يتوافق مع المبدأ القانوني للاتحاد، ويسمح بالاستجابة السياسية دون إعادة تعريف قانون مكافحة الإرهاب، ويُقلل من المخاطر القضائية.
في المقابل، من المتوقع أن نشهد تصعيداً سياسياً ضد الجماعة في بعض الدول الأوروبية، حيث من المرجح أن تتبنى برلمانات وطنية أخرى، مثل إيطاليا والدنمارك أو أجزاء من أوروبا الوسطى، قرارات مماثلة، وهو ما يزيد من حجم الضغط البرلماني بوتيرة أسرع من الأدلة القانونية.
استنتاجات
بِرَغم السجالات السياسية والقانونية حول إدراج جماعة الإخوان المسلمين على اللائحة الأوروبية للمنظمات الإرهابية، فإن معظم المؤشرات تؤكد أن التعامل مع الجماعة في أوروبا في خلال السنوات القادمة يتجه نحو استراتيجية احتواء مُدارة، تتشكل بفعل القيود القانونية والتشرذم السياسي والثقافة المؤسسية للاتحاد. وفي ظل تزايد القلق في العديد من الدول الأعضاء، ولاسيما فرنسا والنمسا، بشأن دور جماعة الإخوان في تعزيز النزعة الانفصالية في المجتمع وسياستها للتغلغل في المؤسسات، فإن أوروبا بحاجة إلى تفعيل الشروط القانونية والسياسية اللازمة لتصنيفها منظمة إرهابية.
وفي الأفق القريب، تتجه الحكومات الأوروبية بشكل متزايد نحو نموذج يُعامل جماعة الإخوان المسلمين بصفتها تحدياً أمنياً بنيوياً، مُستخدمةً أدوات إدارية ومالية وتنظيمية لتقييد أنشطتها. ويشمل ذلك تشديد الرقابة على التمويل الأجنبي للجمعيات الدينية والثقافية، وتعزيز المراقبة الاستخباراتية للشبكات والمنظمات الواجهة، وتشديد تطبيق متطلبات الشفافية للمنظمات غير الحكومية، وفي بعض الحالات حلّ جمعيات محددة. كما أنَّه من المرجح أن يزداد التنسيق حول تبادل المعلومات، وأفضل الممارسات بشأن الضوابط المالية. وبمرور الوقت، قد يؤدي هذا إلى نظام احتواء فعلي يحدّ بشكل كبير من نطاق نشاط جماعة الإخوان ونفوذها الاجتماعي وقدرتها على الوصول إلى الموارد.