التسلُّح والإنفاق العسكري الإسرائيلي بعد حرب غزة: هل تستطيع إسرائيل تحقيق الاكتفاء الذاتي العسكري؟

  • أعلن بنيامين نتنياهو عن خطة تهدف للاستغناء التدريجي عن المساعدات العسكرية الأمريكية، في خلال عقد من الزمن، والتركيز على التصنيع المحلي. ومع ذلك، يُثير هذا التوجه شكوكاً واسعة حول قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمل تكاليف الاكتفاء الذاتي العسكري بعيداً عن الدعم الخارجي، لاسيما الأمريكي.
  • زادت الحكومة الإسرائيلية من حجم الإنفاق العسكري والأمني في إثر الحروب التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023، فيما حذَّر بنك إسرائيل بأن زيادة هذا الإنفاق بنحو 300 مليار شيكل في خلال عشر سنوات، سوف يُدخل البلاد في أزمة اقتصادية، وسيرفع العلاقة بين الدين والناتج القومي إلى 80%.
  • تظل قدرة إسرائيل على الاكتفاء العسكري الذاتي محدودة؛ نظراً لعجز شركاتها المحلية عن تلبية الاحتياجات الكمية والنوعية من الأسلحة المتطورة، مما يجعلها رهينة الاستيراد من دول مثل أمريكا وألمانيا. كما تُقيِّد واشنطن نمو القطاع العسكري الإسرائيلي بفرض فيتو يمنع التصدير لأسواق كبرى كالصين وروسيا.
  • لهذا، يبدو حديث نتنياهو عن بناء استقلالية عسكرية غير واقعي، ولن يستجيب له لا الاقتصاد ولا الأمن القومي الإسرائيليين. ويعكس هذا الأمر توجهاً شخصياً يحاول نتنياهو من خلاله الهروب من المشكلة بدل مواجهتها عبر الذهاب إلى أفق سياسي لحل القضية الفلسطينية.

 

أسهمت الحرب الطويلة في قطاع غزة وباقي الجبهات، منذ السابع من أكتوبر 2023، في زيادة الإنفاق العسكري والأمني في إسرائيل من جهة، وزيادة الطلب على السلاح الإسرائيلي، لاسيّما الدفاعات الجويّة، من جهة أخرى. وفي الوقت نفسه، أعلن رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو عن خطة للتخلي عن الدعم العسكري الأمريكي السنوي في خلال عشر سنوات، والاعتماد على الإنتاج المحلي في صناعة السلاح. يُشكّك كثيرون في قدرة إسرائيل على الاستمرار في رفع معدل الإنفاق العسكري، كما يشككون في إمكانية التخلي عن المساعدات الأمريكية، مُعتبرين أن ذلك سيكون له تداعيات سلبية على الاقتصاد الإسرائيلي، وعلى قدرة إسرائيل على تحقيق الاكتفاء العسكري.

 

الإنفاق العسكري في أعقاب الحروب الأخيرة

قررت الحكومة الإسرائيلية زيادة الإنفاق العسكري والأمني في إثر الحروب التي أعقبت السابع من أكتوبر 2023. ووفق هذا القرار ستصل ميزانية الأمن إلى 112 مليار شيكل (35 مليار دولار) في قانون الموازنة العامة للعام 2026، وكانت وزارة الدفاع قد طالبت بميزانية تصل إلى 144 مليار شيكل. تنطلق هذه الميزانية (112 مليار شيكل) من الحاجة إلى استدعاء 40 ألف جندي احتياط في السنة، وهو ضعف العدد الذي كان قائماً قبل السابع من أكتوبر 2023، إلى جانب الحاجة إلى شراء السلاح، وتطوير القبة الحديديّة ومنظومات الدفاع الأخرى، ومشاريع عسكرية متنوعة.

 

قبل اندلاع الحرب في غزة وباقي الجبهات، كان معدل الإنفاق الأمني والعسكري من الناتج المحلي الإجمالي في إسرائيل هو الأعلى من بين دول منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)، فقد وصل عشية الحرب إلى 5.5%، في حين أنه في الموازنة العامة كان يمثل 4.5% من الناتج المحلي الإجمالي (بما في ذلك المساعدات الأمريكية). وللتذكير وصل الإنفاق الأمني والعسكري من الناتج المحلي الإجمالي إلى نحو 30% في أعقاب حرب أكتوبر 1973، ومنذ ذلك الحين بدأ معدل ميزانية الأمن من الناتج المحلي يتراجع بشكل تدريجي حتى أكتوبر 2023 (انظر الجدول 1). وفي العام 2024 ارتفع الإنفاق الأمني والعسكري في إسرائيل بنسبة 65%، أي بزيادة تصل إلى 46.5 مليار دولار، وهي الزيادة الأعلى منذ حرب عام 1967. وتشير معطيات معهد ستوكهولم الدولي لدراسات السلام (SIPRI) إلى أن الانفاق العسكري في الشرق الأوسط وصل في العام 2024 إلى 243 مليار دولار، حيث أنفقت إسرائيل في خلال شهر ديسمبر 2024 فقط نحو 5.7 مليار دولار.

 

الجدول 1: ميزانية الأمن في إسرائيل بين عامي 1993و2026

المصدر: المعطيات حتى عام 2023 مستمدة من: منويل طرختنبرغ وآخرون، موازنة الأمن في أعقاب حرب السيوف الحديدية، المعهد الإسرائيلي للديمقراطية ومعهد دراسات الأمن القومي، 2024، ص 14. ومعطيات عام 2026 مستمدة من: موقع الكنيست، موازنة الدولة 2026. [* لا تشمل هذه المعطيات تكاليف عمليات عسكرية وحروب قد تشنها إسرائيل في خلال العام 2026، والتي سترفع الإنفاق العسكري حتماً، كما حدث في السنوات 2023-2025].

 

وكان رئيس الحكومة الإسرائيلية بنيامين نتنياهو قد قال في سبتمبر 2025 إنه يتعين على إسرائيل أن تتحول إلى “سبارطة عظمى” (Super-Sparta) ، أي أن بناء استقلالها في إنتاج السلاح عن الدول الأخرى، وأن تعتمد على نفسها في هذا الشأن. وهذا يتطلب، من جملة أمور، زيادة الإنفاق العسكري. وجاء طرح نتنياهو هذا في أعقاب انكشاف إسرائيل عسكرياً خلال الحرب في غزة، وتبعيتها للدعم العسكري الخارجي عموماً، والأمريكي خصوصاً، حيث وفَّرت الإدارة الأمريكية السابقة برئاسة جو بايدن جسراً جوياً لنقل السلاح إلى إسرائيل، والذي ساعدها على الاستمرار في الحرب في غزة وباقي الجبهات. وظهر الانكشاف مرة أخرى حين فرض بايدن ودول أوروبية عديدة حظراً على إسرائيل لأنواع محددة من السلاح، وبخاصة القنابل الثقيلة، أو اشتراط عدم استعمال أسلحة معينة في غزة، وذلك بسبب استمرار الحرب والكارثة الإنسانية الناتجة منها ورفض إسرائيل التوصل إلى اتفاق في غزة، ما دفع الجيش الإسرائيلي إلى الاقتصاد في استعمال السلاح في الحرب، والامتناع عن استعمال أسلحة أخرى. وكان نتنياهو قد صرَّح مرات عدة (وربما بطريقة مبالغ فيها، وللهروب من فشله بتحقيق أهداف الحرب)، أن حظر السلاح كان عاملاً في عدم قدرة إسرائيل على حسم الحرب سريعاً.

 

كما جاء إقرار حكومة نتنياهو زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري مخالفاً لتوصيات “لجنة نغل” (نسبةً إلى يعقوب نيغل الذي شغل في السابق منصب رئيس مجلس الأمن القومي الإسرائيلي)، التي فحصت ميزانية الجيش وبُنية القوة العسكرية، والتي أوصت برفع ميزانية الجيش للعام 2025 بمبلغ 9 مليارات شيكل، وإلى نحو 9-15 مليار شيكل في كل عام في السنوات الخمس التي تليها. ولا يمكن فصل زيادة الإنفاق العسكري عن المقاربة العسكرية والأمنية الحصرية للتعامل مع التحديات التي تواجهها إسرائيل، وهي تدل على غياب أيّ مقاربة سياسية أو أفق سياسي للتعامل مع القضية الفلسطينية.

 

أسهمت الحرب الطويلة في قطاع غزة وباقي الجبهات في زيادة الإنفاق العسكري والأمني في إسرائيل بشكل كبير (تعبيرية/شَترستوك)

 

الانعتاق من الدعم الأمريكي

يعد الدعم الأمريكي لإسرائيل الأعلى من بين الدول التي تدعمها الولايات المتحدة وبفارق كبير جداً، فقد وصل مجمل الدعم الأمريكي لإسرائيل منذ عام 1949 نحو 300 مليار دولار، منها 244 مليار دولار دعم عسكري. وللمقارنة حصلت الدولة الثانية، وهي مصر، على دعم أمريكي بقيمة 179 مليار دولار، منها 96 مليار دعم عسكري. ومنذ أكتوبر 2023 حصلت إسرائيل على دعم عسكري مباشر من الولايات المتحدة بقيمة 16.3 مليار دولار، وفي المقابل تحتل إسرائيل المرتبة الثالثة (بعد السعودية واليابان) لجهة شراء الأسلحة الأمريكية، والتي وصلت قيمتها إلى 63 مليار دولار في خلال الأعوام 1950-2024.

 

وإلى جانب التوجه نحو رفع موازنة الأمن والإنفاق العسكري في خلال العقد المقبل، أوضح نتنياهو أنه مع نهاية العقد ستتوقف إسرائيل -بمبادرة منها- عن الحصول على الدعم الأمريكي السنوي الذي يصل إلى 3.8 مليار دولار سنوياً، مشيراً إلى أن ترامب يعرف ذلك ويَجري العمل على تنفيذ ذلك. وفي هذا الصدد، قال نتنياهو: “نقدر جداً المعونة الأمنية التي منحتنا إياها الولايات المتحدة على مدار السنين، ولكننا كبرنا وطورنا قدرات رائعة، واقتصادنا ليس صغيراً، وسيصل بشكل مؤكد إلى تريليون دولار في خلال عقد”، موضحاً أن الانقطاع عن الدعم الأمريكي سيكون تدريجياً خلال عشر سنوات حتى يصل إلى الصفر.

 

وتشير تحليلات في إسرائيل إلى أن هذا الموقف يصبّ في مصلحة إسرائيل من طريق تقديم نموذج عن حليف للولايات المتحدة يعتمد على نفسه، كما أنه ينسجم مع مواقف في داخل الحزب الجمهوري الأمريكي، مثل حركة “لنجعل أمريكا عظيمة مرة أخرى” (MAGA)، التي تطالب بتقليص المساعدات الخارجية الأمريكية، لا بل مع توجهات في الحزب الديمقراطي تضغط من أجل وقف المساعدات العسكرية لإسرائيل. ويعتقد مؤيدو هذا التوجه أن الموقف الإسرائيلي بقطع التبعية للمساعدات الأمريكية سيصّب في صالح تعميق العلاقات بين البلدين.

 

يُشكّك كثيرون في قدرة إسرائيل على التخلي عن المساعدات الأمريكية التي تُصرف في شراء السلاح الأمريكي، وأيضاً في تطوير سلاح الجو الإسرائيلي ومنظومات الدفاع الإسرائيلية، وهو ما أنقذ إسرائيل في مواجهات عسكرية عديدة، كان آخرها الحرب في غزة ولبنان ومع إيران. فعلى سبيل المثال، يشير نحمان شاي، الذي شغل سابقاً منصب الناطق الرسمي للجيش الإسرائيلي، إلى أن هذا القرار خطر جداً على الأمن الإسرائيلي، فالقدرات العسكرية الإسرائيلية النوعية في الهجوم والدفاع اعتمدت على الدعم الأمريكي في العقد الأخير، الذي وصل إلى 33 مليار دولار لشراء السلاح الأمريكي، و5 مليارات دولار لتطوير منظومات الدفاع. ويعتقد شاي أن هذا القرار ليس نابعاً من قناعة إسرائيلية أو شخصية عند نتنياهو، بل يأتي انسجاماً مع التوجه الجديد في واشنطن الذي يحاول نتنياهو التماهي معه، حتى لو كان على حساب الأمن الإسرائيلي.

 

وكان السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام، وهو داعم قوي لإسرائيل، قد عقَّب على تصريح نتنياهو بالقول: لماذا الانتظار عشر سنوات؟ مضيفاً أنه يجب على الولايات المتحدة زيادة الدعم لإسرائيل في خلال عامين، وبعدها يتم وقف ذلك. ولا يُمكن فصل هذا التصريح عن قُرب انتهاء الاتفاق الاستراتيجي بين إسرائيل والولايات المتحدة في العام 2028، والذي وُقِّعَ في عهد الرئيس الأمريكي السابق براك أوباما (سبتمبر 2016)، وعُدَّ الاتفاق الأكبر بين البلدين، والذي نصّ على دعم إسرائيل بمبلغ 39 مليار دولار في خلال الفترة  2019-2028. وعلى ما يبدو يدرك نتنياهو أن هناك نقاشاً داخل الإدارة الأمريكية حول تجديد الاتفاق أو تقليص الدعم الأمريكي لإسرائيل بعد انتهاء فترته.

 

ثمة شكوك واسعة حول قدرة الاقتصاد الإسرائيلي على تحمل تكاليف الاكتفاء الذاتي العسكري بعيداً عن الدعم الأمريكي (شَترستوك)

 

صناعة السلاح في إسرائيل

أسهمت الحروب التي خاضتها إسرائيل في العامين الماضيين في إعلاء شأن الشركات الإسرائيلية في سوق تصدير السلاح والمنظومات العسكرية المختلفة. ففي شهر ديسمبر 2025، وقّعت الشركات الإسرائيلية العسكرية على عقود بمبلغ 6 مليارات دولار. وتُبين المعطيات أن 80% من إنتاج السلاح في إسرائيل مُخصص للتصدير، في حين أن 20% مُخصص للجيش الإسرائيلي، مع وجود صناعات حصرية للجيش.

 

وصلت صادرات السلاح في إسرائيل خلال العام 2024، إلى ذروتها، فقد وصلت عائداتها إلى نحو 14.8 مليار دولار. ووفق معطيات قسم الصادرات الأمنية في وزارة الدفاع، فإن 54% من مجمل الصادرات العسكرية كان من نصيب أوروبا، وهو ارتفاع بمعدل 19% بالمقارنة مع الصادرات إلى أوروبا عام 2023، وهي المرة الرابعة على التوالي التي تحطم فيها الصادرات العسكرية الإسرائيلية حجم الصادرات في السنة التي سبقتها. ويعود ذلك إلى سباق التسلح في أوروبا في أعقاب الحرب الروسية-الأوكرانية، حيث تركزت الصادرات الإسرائيلية في مجال المنظومات الدفاعية التي شكلت 48% من مجمل الصادرات الأمنية والعسكرية الإسرائيلية، وكان أهمها صفقة بيع نظام صاروخ “حيتس 3” لألمانيا بقيمة 14 مليار دولار، والتي تُعد الصفقة الأكبر في تاريخ الصادرات الإسرائيلية. في حين تمثل آسيا وجهة 23% من الصادرات الإسرائيلية.

 

وتشير التقديرات إلى أن الصادرات العسكرية قد تصل في العام 2025 إلى 15 مليار دولار، ويعود هذا الارتفاع المتزايد والمتواصل للصادرات، فضلاً عن الحروب في العامين ونصف العام الماضي، إلى إزالة المزيد من القيود البيروقراطية والعوائق الاقتصادية أمام الشركات الإسرائيلية المنتجة للسلاح، وهناك من يُفسِّر هذا التوجه بتعويل الحكومة على سد العجز المالي في الإنفاق العسكري عبر تصدير السلاح الإسرائيلي. وتشير معلومات حركة حرية المعلومات إلى أنه تقدم لوزارة الدفاع في خلال فترة الحرب (2023-2024)، 18252 طلباً للتصدير العسكري، تم المصادقة على 99% منها، في حين جرى فتح 10 ملفات تحقيق في مخالفة شروط التصدير، 7 منها تم إغلاقها. وتدل هذه المعطيات على السهولة التي تصادق بها وزارة الدفاع على طلبات التصدير، وغياب الرقابة على الصادرات.

 

وتعود زيادة الصادرات العسكرية إلى عامل آخر هو إزالة القيود عن التصدير إلى دول معينة في العالم، لذلك ترفض وزارة الدفاع الإفصاح عن أسماء جميع الدول التي يتم التصدير لها. وعلى الرغم من مقاطعة الشركات الإسرائيلية في معارض دولية للأسلحة في العامين الماضيين، فقد حافظت إسرائيل على ترتيبها الدولي الثامن في تصدير السلاح، حيث تُشكل الصادرات الإسرائيلية نحو 3.1% من مجمل صادرات السلاح العالمي في خلال الأعوام 2020-2024.

 

تداعيات السياسات الجديدة

تحمل التغييرات الجديدة بخصوص الإنفاق والتصنيع العسكريَّين تداعيات عميقة على الاقتصاد والأمن الإسرائيلي، ويمكن الإشارة إلى أهمها:

 

أولاً، تداعيات اقتصادية؛ فقد حذَّر بنك إسرائيل بأن زيادة الإنفاق العسكري بنحو 300 مليار شيكل في خلال عشر سنوات، سوف يُدخل إسرائيل في أزمة اقتصادية، وسيرفع العلاقة بين الدين والناتج القومي إلى 80%. وتأتي هذه التحذيرات في أعقاب غياب أي نقاش حول تداعيات هذه الزيادة على الاقتصاد، فقد أُقرِّت بشكل اعتباطي ومن دون فحص معمق لتأثيرها على الاقتصاد. وتجدر الإشارة إلى أن البورصة في إسرائيل تراجعت بشكل حاد في اليوم التالي “لخطاب سبارطة”، مما دفع نتنياهو إلى توضيح موقفه من أن إسرائيل لن تكون منعزلة عن العالم، ولكن ذلك التراجع في السوق المالي مثل مؤشراً على تداعيات التوجه الاقتصادي الأمني الجديد على الاقتصاد الإسرائيلي. ويشير خبراء اقتصاديون إلى أن مضاعفة الإنفاق على الأمن من جهة، وتضاعف العجز المالي من جهة أخرى سيُضران بالمناعة والنمو الاقتصاديَّين لدولة إسرائيل.

 

ثانياً، إهمال قطاعات مهمة للتطور والنمو في إسرائيل؛ فزيادة الإنفاق على القطاع الأمني ستؤدي إلى إهمال قطاعات مهمة أخرى وتقليص الميزانيات المخصصة لها، مثل التعليم والصحة والبحث المدني والبُنية التحتية، ما يُعيق التطور والنمو الاقتصادي والاجتماعي والعلمي. ومن جهة أخرى، ولسد العجز في هذه القطاعات، ستضطر الحكومة إلى زيادة الضرائب، الأمر الذي سيُثقِل كاهل المواطنين.

 

يتفقَّد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاطاً بأفراد من القوات الجوية، طائرةً مسيرةً من طراز هيرمس 900، في أثناء زيارته لمركز إسرائيلي للطائرات المسيرة في قاعدة بلماخيم الجوية قرب مدينة ريشون لتسيون، 5 يوليو 2023 (أرشيفية/أ.ف.ب)

 

ثالثاً، جذب القوى البشرية من القطاع المدني؛ فزيادة موازنة الأمن ستؤدي إلى تداعيات سلبية على مستوى القوى البشرية في القطاع المدني عموماً، والقطاع الخاص خصوصاً، وذلك من جانبين: الأول، أن زيادة مدة خدمة جنود الاحتياط وأعدادهم سوف ينعكس سلباً على القطاع الاقتصادي، وقد أدى تجنيد الاحتياط في الجيش خلال الحرب إلى إغلاق عشرات آلاف المصالح التجارية أو تضررها، مما يُقلّل الإنتاجية في السوق. والجانب الثاني هو أن التركيز على القطاع الأمني سيجذب قوى بشرية نوعية من القطاع المدني إلى العسكري، الأمر الذي سيؤثر في النمو الاقتصادي والبحث والتطوير. وفي هذه النقطة تحديداً، هناك مَنْ يعتقد أن الأمر سيكون معاكساً، بمعنى أن تطوير القطاع العسكري سينعكس على تطوير القطاع المدني في جميع المجالات، مُستذكرين أن تطور القطاعات المدنية، ومنها “الهايتك”، كان نابعاً من تطويرها في القطاع العسكري.

 

رابعاً، تراجُع التفوق النوعي الإسرائيلي في المنطقة؛ إذ يعتمد التفوق العسكري الإسرائيلي عل حصولها على سلاح أمريكي وأوروبي حصري لها، مثل الطائرات المقاتلة من الولايات المتحدة والغواصات من ألمانيا، وحتى لو افترضنا أن إسرائيل سوف تشتري هذه الأسلحة بقواها الذاتية، فهذا يحتاج إلى زيادة كبيرة في الإنفاق العسكري لا تغطيها النفقات العسكرية المخططة لها مستقبلاً، ما سيعني التخلي عن جزء من السلاح النوعي، مما قد يُضر بتفوق إسرائيل عسكرياً.

 

استنتاجات

تعتمد القوة الإسرائيلية، اقتصادياً وعسكرياً، على فكرة الاندماج والتواصل مع العالم وليس الانعتاق منه. صحيح أن صادرات السلاح الإسرائيلية تُدخل عائدات تصل إلى 15 مليار دولار سنوياً، ولكن هذا الأمر ليس ثابتاً وليس مؤكداً في السنوات المقبلة، لاسيّما إذا تراجعت حدة التوترات العسكرية في أوروبا ومناطق أخرى في العالم، والأهم إذا تراجعت القدرات النوعية العسكرية الإسرائيلية الناتجة من التخلي عن الدعم الأمريكي. وكان الرئيس ترمب قد وبّخ نتنياهو بتكراره أن القبة الحديدية هي صناعة إسرائيلية، وطالبه بالكف عن تكرار ذلك لأنها صناعة أمريكية.

 

في حساب بسيط، فإن الصادرات الإسرائيلية في خلال عامي 2023 و2024 وصلت إلى نحو 29 مليار دولار، ولكن الواردات العسكرية في الفترة نفسها وصلت إلى المبلغ نفسه (بلغت قيمة الأسلحة المشتراة في ذاكما العامين 89 مليار شيكل، بزيادة تصل إلى 92% بالمقارنة مع العامين 2021 و2022)، لذلك فقدرة إسرائيل على الاكتفاء عسكرياً دون الاعتماد على الآخرين محدودة. فالشركات الإسرائيلية لا تستطيع أن توفر للجيش الإسرائيلي كل احتياجاته الكمية من الأسلحة، إلى جانب الأسلحة النوعية التي تستوردها إسرائيل من دول مثل ألمانيا (الغواصات)، والولايات المتحدة (الطائرات المتقدمة)، وبريطانيا وإيطاليا (قطع عسكرية مختلفة). بالإضافة إلى ذلك، فإن الفيتو الأمريكي على تصدير السلاح الإسرائيلي إلى الصين وروسيا يمنعها من الاستفادة من سوق عسكري كبير.

 

إن حديث نتنياهو عن استقلالية عسكرية غير واقعي، ولن يستجيب له لا الاقتصاد ولا الأمن القومي الإسرائيليين. ويعكس هذا الأمر توجهاً شخصياً لنتنياهو يحاول من خلاله الهروب من المشكلة بدل مواجهتها عبر الذهاب إلى أفق سياسي لحل القضية الفلسطينية يؤدي إلى خفض التوترات ويجلب الاستقرار، ما يقلل من الحاجة إلى مزيد من العسكرة في إسرائيل.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M