- مثَّل الاتفاق الشامل الموقع بين دمشق و”قسد” في 30 يناير 2026 تراجعاً عن بعض مكاسب تركيا بخصص ملف “قسد” التي حققها اتفاق 18 يناير، لكنَّ الاتفاق الشامل مع ذلك حقق مصلحة رئيسة لأنقرة وهي أن الحسكة وكوباني لن تحظيا بإدارة ذاتية قانونية أو مُعلنة على الرغم من الاعتراف بخصوصيتهما الكردية.
- بعد هذا الاتفاق ستحتاج أنقرة إلى التعاون مع دمشق من أجل التفكيك التدريجي للبنى العسكرية والإدارية التي بنتها “قسد” في شرق الفرات، وضمان عدم سيطرة حزب العمال الكردستاني على إدارة الحسكة وكوباني.
- يُرجح أن تدعم تركيا تطبيق الاتفاق الشامل بما يحقق مبدأ “دولة واحدة، جيش واحد”، وضمن هذا السيناريو ستدعم أنقرة إشراك القوى الكردية المعارضة لـ”قسد” في مسار اندماج الإدارة الذاتية الكردية في المؤسسات الحكومية، كما أنها ستستخدم نفوذها من أجل منع تعيين أي قيادي على علاقة بحزب العمال الكردستاني في أي منصب إداري أو عسكري في الحسكة وكوباني.
استمر الخلافُ على آليات تطبيق اتفاق العاشر من مارس 2025 الموقع بين الرئيس السوري أحمد الشرع وقائد قوات سورية الديمقراطية (قسد) مظلوم عبدي، في دمشق، لنحو عام تقريباً، بسبب اختلاف وجهتي النظر حول عدد من المسائل التي يدفع تنظيم “قسد” باتجاه تنفيذها بشكل يوفر إطاراً سياسياً وقانونياً لقيام “حكم ذاتي كردي” في مناطق شرق الفرات، بينما ترفض دمشق ذلك وتُصر على نظام الحكم المركزي وتطبيق الاتفاقية في ظل هذا المنظور. هذا بالإضافة إلى تدخل تركيا بشكل مباشر لحماية مصالحها الأمنية، وهو ما أدى إلى تأجيل التوقيع على اتفاق تالٍ بين الطرفين غير مرة، فقد رأت أنقرة أن مسودات الاتفاق التي طُرحت تهدد مصالحها الأمنية. حتى جاء يوم 18 يناير الماضي الذي أرغم فيه قائد “قسد” مظلوم عبدي -تحت ضغط من واشنطن- على توقيع اتفاق يلبي كل شروط تركيا، لكنّ رفض الرأي العام الكردي لهذا الاتفاق، وتحفُّظ الأطراف الأوروبية وأطراف ضمن الإدارة الأمريكية عليه، دفعا إلى تأجيل تنفيذه، ثم تعديل بنوده باتفاق مكمل أُعلن عن التوصل إليه يوم 30 يناير، والذي يُفقِد تركيا بعض نقاط القوة التي كانت حققتها في اتفاق 18 يناير.
تركيا ومسار الاتفاق بين دمشق و”قسد”
بعد إطاحة نظام الأسد، في ديسمبر 2024، وقّع الرئيس الانتقالي أحمد الشرع، ومظلوم عبدي قائد قوات سورية الديمقراطية، التي يشكل المقاتلون الأكراد عمودها الفقري، اتفاقية من 8 بنود بوساطة أمريكية في 10 مارس 2025. تنص المادة الرابعة من هذا الاتفاق على أنه “سيتم دمج جميع المؤسسات المدنية والعسكرية في شمال شرق سورية ضمن إطار إدارة الدولة السورية؛ وسيتم وضع المعابر الحدودية والمطارات وحقول النفط والغاز تحت سيطرة الدولة”. لكن الاتفاق ترك آلية تنفيذ هذا الدمج للمفاوضات التي كانت ستجرى لاحقاً، لأنه في الأيام التي وقِّع فيها الاتفاق كانت لدى هيئة تحرير الشام، التي تشكل أساس الإدارة السورية الحالية، ووحدات حماية الشعب الكردية، وهي العنصر الرئيسي في قوات سورية الديمقراطية، رؤية مختلفة لمستقبل شمال شرق سورية. فبينما طالبت دمشق بحل قوات سورية الديمقراطية، مثل جميع المجموعات المسلحة الأخرى، وأن يتم دمجها ضمن تشكيلات وزارة الدفاع كأفراد، أصرّت قوات سورية الديمقراطية على الانضمام إلى الجيش السوري ككتلة واحدة، والحصول على حكم ذاتي في شرق الفرات.
وعلى رغم الخلاف القائم حول قضيتي آلية دمج “قسد” في الجيش السوري والحكم الذاتي، استطاعت الوساطة الأمريكية تذليل العقبات بشكل أقرب إلى التصور الذي طالبت به “قسد”، وفي 18 ديسمبر 2025 أعلن عن أن الطرفين أحرزا تقدماً. ووفقاً لثلاثة مسؤولين أكراد ومسؤول سوري ومسؤول غربي أبلغوا وكالة “رويترز”، اقترحت إدارة دمشق السماح بإعادة تنظيم 50 ألف مقاتل من قوات سورية الديمقراطية في ثلاث فرق رئيسة، مقابل تخلي الأكراد عن بعض المستويات القيادية، وفتح الأراضي في الشمال الشرقي لوحدات الجيش السوري. وجاء هذا الاقتراح بضغط من واشنطن، في حين أن تركيا رفضت هذا الحل الذي يُبقي على وحدات كاملة من “قسد” وإن ظهرت شكلياً تحت حكم وزارة الدفاع السورية، ما دعا أنقرة إلى التدخل بشكل مباشر عبر زيارة مهمة قام بها وفد تركي رفيع المستوى، مكون من وزير الخارجية هاكان فيدان ووزير الدفاع ياشار غولر ورئيس الاستخبارات إبراهيم كالن إلى دمشق في 22 ديسمبر 2025، وفي خلال الزيارة أوضح الجانب التركي رفضه لمسودة الاتفاق، وصعّد تهديداته بالتدخل العسكري ضد “قسد”.
في ظل الاستعصاء القائم، لجأت أنقرة إلى ورقة أخيرة لكسر الدعم المعلن أمريكياً وإسرائيلياً لقوات سورية الديمقراطية في مفاوضاتها مع دمشق، فقد حضر وزير الخارجية التركي هاكان فيدان اجتماع باريس بين دمشق وتل أبيب برعاية أمريكية، والذي عقد في 6 يناير 2026، وفي خلال هذا الاجتماع جرى التوصل إلى تفاهمات أمنية مهمة بين دمشق وتل أبيب كانت أنقرة تُعارضها سابقاً أو تؤخرها طلباً لمقابل، أهمها إنشاء قناة اتصال أمنية بين البلدين لحل النزاعات سريعاً. وشدد البيان المشترك الصادر عن الاجتماع على ضرورة احترام سيادة سورية وأمنها وأمن إسرائيل، وبذلك ضَمنت تركيا تحييد الدعم الإسرائيلي لقسد مقابل هذه التطورات، فيما كان الدور الأمريكي حاسماً، وخصوصاً للسفير توماس براك الذي وافق على خطة سيطرة دمشق على مناطق “قسد” في سورية، واستمر في هذا الضغط خلال اجتماعه بعد ذلك مع مظلوم عبدي، بحضور مسعود البرزاني، في أبريل، حيث أكد أن قوات التحالف لن تتدخل لإنقاذ قوات “قسد” من هجوم الجيش السوري عليها.
وبالفعل، بدأت إثر ذلك سلسلة هجمات من قبل الجيش السوري ضد عناصر “قسد” بدأت من حلب وانتقلت بعد ذلك إلى تل حافر شرق حلب، لتنضم العشائر العربية إلى هذا الهجوم ضد “قسد” في محافظتي الرقة ودير الزور بعد انشقاق المقاتلين العرب عن ألوية “قسد” المقاتلة. وفي خضم هذه العملية المنسقة، اضطرت “قسد” إلى الانسحاب بقواتها المتبقية إلى محافظة الحسكة ومدينة عين العرب/ كوباني شمال حلب، واضطر قائدها مظلوم عبدي للتوقيع على اتفاق لوقف إطلاق النار في 18 يناير الذي يستوفي جميع الشروط التركية، وأهمها نسف أي إطار سياسي لحكم ذاتي كردي، وضم مقاتلي “قسد” إلى الجيش السوري بشكل منفرد وليس كألوية، وطرد عناصر حزب العمال الكردستاني المنضوين ضمن قوات “قسد” إلى خارج سورية، وتسليم سجون داعش للجيش السوري وقوات التحالف الدولي. لكن بحجة نقل سجناء “داعش” إلى العراق بعد هذا الاتفاق، أُجِّل تنفيذ بنوده، وهنا بدأ الضغط داخل الكونغرس الأمريكي من قبل السيناتور الجمهوري المقرب من الرئيس ترمب، لندسي غراهام، ومن القيادة الوسطى الأمريكية (سنتكوم) لرفض “التخلي” عن “قسد” عبر هذا الاتفاق، وعليه اجتمع المبعوث الأمريكي إلى سورية برّاك بوزير الخارجية التركي هاكان فيدان مرتين قبل أن يتم الإعلان عن “اتفاق شامل” في 30 يناير يُعيد إلى “قسد” بعض مطالبها.
ومن أهم البنود التي نص عليها الاتفاق الجديد: انسحاب قوات “قسد” من مدينتي الحسكة والقامشلي إلى الثكنات العسكرية المتفق عليها؛ وتشكيل فرقة عسكرية لمحافظة الحسكة من قبل وزارة الدفاع السورية مع دمج قوات “قسد” فيها ضمن ثلاثة ألوية، ودمج القوة العسكرية الكردية في عين العرب/كوباني ضمن لواء يتبع لفرقة عسكرية في محافظة حلب؛ ودخول قوة من وزارة الداخلية السورية لكل من مدينتي الحسكة والقامشلي لتعزيز الأمن والاستقرار فيها؛ وتعيين محافظ للحسكة ومعاون لوزير الدفاع بترشيح من “قسد” في حين يتم تعيين قائد للأمن في المحافظة بترشيح من الحكومة السورية؛ واستلام الحكومة السورية للحقوق النفطية والمعابر الحدودية، وتأمين عودة جميع النازحين إلى مدنهم وقراهم (بما في ذلك عفرين والشيخ مقصود ورأس العين) وتعيين مسؤولين محليين ضمن الإدارات المدنية في تلك المناطق.
موقف تركيا من الاتفاق الجديد
لم تعلّق الخارجية التركية رسمياً على الاتفاق المُكمِّل الجديد، لكن وزير الخارجية هاكان فيدان قال في مؤتمر صحفي عندما سُئِل عن الموضوع إن “اندماج قسد في الجيش السوري أمر جيد”، فيما حثَّ الرئيس التركي رجب طيب أردوغان “قسد” على تنفيذ الاتفاق دون تأخير، مُشيراً إلى أن ذلك سيكون له آثار إيجابية على عملية “السلام الكردية” في تركيا. وعليه يمكن فهم موافقة أنقرة على التعديلات التي أُضيفَت إلى الاتفاق، لكن يبدو أن هذه الموافقة جاءت من باب الضرورة، بالنظر إلى الفارق الكبير بين الاتفاقيتين وما تحققه الاتفاقية الأولى من نصر كامل للمطالب التركية مقابل عدد من البنود المزعجة لتركيا في الاتفاقية المكملة الثانية.
ويمكن توضيح الموقف التركي تجاه الاتفاق وما بعده وفق الآتي:
- اعتمدت الحكومة التركية في معالجة ملف “قسد” على علاقات الرئيس أردوغان المميزة مع الرئيس ترمب، وترتيب “صفقة سياسية” مع إسرائيل في اجتماع باريس من أجل حسم موضوع “قسد” التي تحظى بدعم من وزارة الدفاع الأمريكية والقيادة الوسطى وقيادات سياسية في الكونغرس الأمريكي إلى جانب فرنسا، وكان هذا خطأ وسوء تقدير بأهمية الملف ورد الفعل الذي سيحدثه التخلي عن “قسد” في الولايات المتحدة والغرب.
- يبدو أن أنقرة قدَّمت تنازلات باسم دمشق لتل أبيب في باريس من أجل الحصول على مكاسب سياسية وأمنية في شمال سورية؛ فوفق تفاصيل اتفاق باريس لم يتم التطرق إلى الجولان المحتل، وهي إشارة مقلقة لكثير من السوريين بأن الحكومة الحالية قد تخلت تماماً عن المطالبة به في هذه المفاوضات، وعلى الأغلب فقد أُفترِضَ أن ذلك جاء بتوجيه تركي من أجل الحصول على مقابل من تل أبيب بشأن “قسد”.
- لم تدم فرحة أنقرة بحسمها هذا الملف المزعج أكثر من أسبوع مع ظهور الاتفاق الشامل، لكن رغم ذلك فإن جزءاً من محركات ودوافع تركيا تجاه ملف “قسد” تم توفيرها من خلال هذا الاتفاق، ويمكنها إكمال الباقي بواسطة القوى الناعمة والتأثير السياسي، إذ لم تحظ الحسكة وكوباني بإدارة ذاتية قانونية أو معلنة على الرغم من الاعتراف بخصوصيتهما الكردية، لكن هذا لن يحقق للأكراد طموح التحول إلى إقليم كردستاني على غرار التجربة في العراق. كما أن تدخل دمشق في التعيينات الإدارية والعسكرية في تلك المنطقة، سيُفكِّك تدريجياً هيكل التراتبية العسكرية والإدارية التي بنتها “قسد” في المنطقة. وبعد هذا الاتفاق ستحتاج أنقرة إلى تعاون دمشق أكثر من السابق من أجل ضمان عدم سيطرة حزب العمال الكردستاني على إدارة الحسكة وكوباني.
- بشكل عام عزز الاتفاق قوة دمشق داخل سورية وعلى جميع الجبهات، كما ظهر جلياً عودة التنافس العربي-التركي من خلال الاتفاق بين دمشق و”قسد”، فقد سارعت أبرز العواصم الإقليمية (القاهرة وأبوظبي والرياض) إلى مباركة الاتفاق، في موقف يظهر رغبة الدول العربية في الحد من تدخلات تركيا في سورية بذريعة منع الأكراد من تشكيل إقليم ذاتي.
المسارات المحتملة للسياسة التركية
المسار الأول، أن تدعم تركيا تطبيق الاتفاق، وتضغط لتنفيذ بنوده بما يحقق مبدأ “دولة واحدة..جيش واحد” الذي تُصر عليه. وضمن هذا السيناريو ستدعم أنقرة إشراك القوى الكردية المعارضة لـ”قسد”، وتحديداً المجلس الوطني الكردي المدعوم من أربيل، في مسار اندماج الإدارة الذاتية الكردية في المؤسسات الحكومية وتمثيلهم في التعيينات الحكومية، وحتى إدماج قوات “بيشمركة روج آفا” (قوات عسكرية سورية كردية متمركزة في إقليم كردستان العراق)، ضمن القوات الحكومية في الحسكة وعين العرب وعفرين، بهدف إنهاء القيادة العسكرية والإدارية لقسد في المناطق الكردية. وقد تستخدم تركيا أيضاً زعيم حزب العمال الكردستاني عبد الله أوجلان من أجل الوصول إلى هذه النتيجة. كما أنها ستستخدم نفوذها في دمشق من أجل منع تعيين أي قيادي على علاقة بحزب العمال الكردستاني في أي منصب إداري أو عسكري في الحسكة وكوباني. وفي هذا الصدد، كان لافتاً إعلان حزب الحركة القومية التركي اتفاق أحزاب البرلمان على إطلاق سراح زعيم حزب العمال الكردستاني عبدالله أوجلان من سجنه قريباً، وهو ما سيساعد تركيا بشكل كبير -إن حصل فعلاً- على التأثير في القيادات الكردية في شمال شرق سورية بشكل أقوى في اتجاه اندماج “قسد” بمؤسسات الدولة السورية. وفي الوقت نفسه سيَبقى “الجيش السوري الوطني” المدعوم من تركيا على أهبة الاستعداد في حال حاولت “قسد” مدّ نفوذها إلى عفرين أو أي منطقة خارج الحسكة وكوباني.
المسار الثاني، في حال أصرَّت قيادات حزب العمال الكردستاني على إعادة بناء هيكل مدني وعسكري في الحسكة وكوباني ومدّ نفوذها إلى عفرين، وفشل عبدالله أوجلان في التأثير على القيادات الكردية ضمن “قسد”، فإن تركيا قد تلجأ إلى سياسات التفافية من أجل توتير الأوضاع أمنياً في الحسكة وكوباني، من طريق، مثلاً، الدفع نحو حصول اشتباكات عسكرية بين المجاميع السورية المسلحة الموالية لها ضد القوات الكردية، وإن كان هذا الخيار قد يصطدم برد فعل من واشنطن وباريس، وحتى من دمشق التي لها مصلحة رئيسة في إنهاء ملف “قسد” من دون الدخول في حرب مكلفة.