اليوم التالي للحرب الأمريكية في الشرق الأوسط: ما مستقبل الوجود الإيراني في إفريقيا؟

تعمّقت صلة التطورات في الشرق الأوسط بنظيرتها في القارة الإفريقية على نحوٍ متزايد؛ وجاء أحدث هذه التطورات في 28 فبراير 2026م بشن الولايات المتحدة وإسرائيل ما وصفتاه بـ«الحرب الاستباقية للدفاع عن النفس» ضد إيران، والتي أحدثت بدورها تداعيات سلبية للغاية على القارة الإفريقية على المدى الآني، في وقتٍ لم تتعاف فيه دول القارة بعدُ من تداعيات الحرب الروسية-الأوكرانية، رغم تحمّلها التكلفة كاملةً لهاتين الحربين ومثيلاتهما بحكم موقع دول القارة الهش في سلاسل الإمداد والتوريد العالمية.

وعلى هامش هذه التطورات، يبدو السؤال عن مستقبل الوجود الإيراني في إفريقيا بديهياً في هذه اللحظة، غير أن الإجابة عنه تستدعي في البداية نظرة واقعية على حدود هذا الدور وطبيعته وتجريده، في ضوء المبالغة المعروفة عند تناول هذا الدور في السرديات الغربية أو التابعة لها.

إفريقيا والحرب الأمريكية على إيران: قراءة موجزة:

تدور وقائع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية على إيران بوتيرة متغيرة منذ 28 فبراير الفائت، وتصعد بين حينٍ وآخر إشارات حول مستقبل لعملية تفاوضية يمكن وضعها– هذه الإشارات- في إطار نفس أدوات الحرب العسكرية، وصولاً إلى تصريحات أمريكية لافتة (9-10 مارس الجاري) بقرب وضع نهاية للحرب. وبدَا من الساعات الأولى لتلك الحرب أن إفريقيا ستكون طرفاً متضرراً بشكلٍ شبه كامل، مع استثناءات إفريقية معروفة بعمق صلاتها مع إسرائيل والتقاء مصالحها بشكلٍ غير مسبوق مع مشروع إسرائيل في القضاء على النظام الإيراني.

بأيّ حالٍ؛ فإنه عند أخذ الملاحظة العامة الراهنة وهي أن إفريقيا (باستثناء سواحل جنوبي البحر الأحمر وغربه) بعيدة عن التهديد المباشر لتداعيات الحرب الآنية (أو العمليات العسكرية، وما يروّج له خبراء أمنيون من بُعد إفريقيا عن مدى الصواريخ الإيرانية الذي يبلغ 2000 كم) في الاعتبار، يلاحظ أن استمرار الحرب لفتراتٍ أبعد بعدَ قرابة أسبوعين من اندلاعها، وعدم تحقق النهاية السريعة لها (سواءٌ بالعودة إلى مسار تفاوضي مشروط بحزم أم باستسلام إيراني مؤلم)، يهدد إفريقيا بالتضرر البالغ من اضطراب حركة التجارة العالمية والتأثير على إمدادات السلع والطاقة للقارة.

ويأتي هنا سؤالٌ لقي اهتماماً كبيراً في الأعوام الأخيرة حول ماهية الوجود الإيراني في إفريقيا ومستقبله؟ وهو سؤالٌ يأتي في الغالب مدفوعاً بنياتٍ مسبقة لإدانة مثل هذا «الوجود» ووصفه بالتغلغل، والمبالغة في حجمه، أو في أفضل الأحوال منساقاً دون وعي وراء سردية غربية تقليدية قوامها «صناعة العدو»  La Fabrication de l’Ennemi (نسبةً لمؤلَّف بيير كونيسا Pierre Conesa الشهير الصادر عام 2011م)[1]؛ كما يأتي السؤال، في المقابل، ليكشف في واقع الأمر عن تضاؤل نطاقات الوجود الإيراني في إفريقيا في الأساس. ومن ثَمّ؛ فإن مسألة مستقبل هذا الوجود بعد الحرب الراهنة تميل أكثر إلى توقع انحساره لمستوياتٍ غير مسبوقة لأسباب متعددة يسعى المقال الحالي لمقاربتها.

تقع صلة إيران بإفريقيا في متلازمة سوء فهم شبه دائم، ولاحظ هذه الملاحظة بدقة بالغة، وفي سياق مغاير لكنه يظل دالاً، روبرت ستيل Robert Steele، المؤرخ المتخصص في تاريخ إيران، في مؤلَّفه الأخير «علاقات إيران البهلوية مع إفريقيا: الصلات الثقافية والسياسية في الحرب الباردة» (2024)[2]، ألا وهي أنه خلافاً لما توصلت له كثيرٌ من الدراسات المعنية بعلاقات إيران الخارجية خلال الحرب الباردة من عرض السياسة الإيرانية (في إفريقيا) على أنها منحازة بشكل كامل للسياسات الأمريكية؛ فإن إيران كانت قادرةً على لعب دور مستقل قادر على انتهاج طريقه الخاص، وأن إفريقيا كانت في قلب سياسة إيران الاقتصادية وإستراتيجيتها الأمنية خلال عهد الشاه محمد رضا بهلوي (1941-1979م)، كما كانت إفريقيا ساحةً لمساعي بهلوي للعثور على حلفاء (بين القادة الأفارقة المعتدلين) لموازنة راديكالية جمال عبد الناصر، عبر أدوات مثل المساعدات ودعم زبائن للبترول الإيراني والبحث عن مصادر محتملة لليورانيوم. وكان دعم بهلوي في آخر سني حكمه للصومال بقيادة سياد بري، في حربه ضد إثيوبيا على إقليم أوغادين، حلقةً دالة على تبنّي إيران «اعتبارات وطنية» ترتكز بالأساس على الاستجابة لمخاوفها من تزايد الوجود السوفييتي (الداعم للثورة الإثيوبية بعد 1974م) على المحيط الهندي والبحر الأحمر، وتجاوز تحفظ الولايات المتحدة عن التدخل (عقب هزيمتها المذلة وانسحابها من فيتنام) من التدخل المباشر في صراعات الجنوب العالمي.

تدل قراءة «ستيل» تلك، بغض النظر عن نقدها أو تعبيرها عن رؤية غربية، على وجود متلازمة سوء فهم لصلة إيران بإفريقيا، وغلبة تنميطات عامة لا تلتزم بالنظر إلى التفاصيل والحقائق التاريخية التي قد يحيل تفسيرها الدقيق لخلاصات مغايرة عن تلك التنميطات. كما تدل قراءة علاقات إيران بإفريقيا في السنوات الأخيرة على محدودية هذه العلاقات بشكلٍ لافت، مع الأخذ في الاعتبار ملاحظة أساسية، وهي أن إفريقيا تضم أكثر من خمسين دولة، مما يزيد من محدودية هذه العلاقات بشكلٍ مضاعف.

إيران وإفريقيا وحدود العلاقات: الساحل أولاً:

تبدو حدود العلاقات الإيرانية-الإفريقية أكثر انكماشاً مما تدعيه السرديات المختلفة حول هذه العلاقات بشكلٍ كبير، وعلى سبيل المثال: فإن عام 2023م الذي مثل ذروة في هذه العلاقات شهد فعاليات متعددة ومحاولات إيرانية لتوسيع النفوذ في إفريقيا، لكنها ظلت في حدودٍ دنيا. ففي منتصف مارس 2023م، أكد نائب وزير خارجية إيران لشؤون الدبلوماسية الاقتصادية حينذاك مهدي صفري، خلال فعاليات مؤتمر التعاون العلمي والاقتصادي لإيران ودول غرب إفريقيا IRAN WAC (Iran-West African Countries) Scientific and Economic Cooperation Conference المنعقد في طهران[3]: أن اقتصادات إيران والدول الإفريقية تكاملية بالأساس، ونظراً لمواردهم المتعددة فإنه يمكن تحقيق تقدّم كبير في هذا المجال. وأكد أن بلاده اتخذت بالفعل الخطوات اللازمة لتحسين التبادلات التجارية مع الدول الإفريقية لتصل إلى 5 بلايين دولار في الأعوام المقبلة، بينما تجاوزت هذه التبادلات بحلول ربيع 2023م حاجز 2.5 بليون دولار بقليل. كما اتسقت هذه التصريحات مع خريطة الطريق المعلنة عند بدء «الإدارة الإيرانية الثالثة عشرة»، والتي حددت بها العوامل الرئيسة بما فيها الصادرات وحصة القطاعات المختلفة، ووضعت، فيما يخص الحالة الإفريقية، أولويات التجارة وأهدافها مع الدول المختلفة ومتطلبات الوصول لهذه الأهداف.

كما كان لافتاً حضور الرئيس الإيراني (السابق) إبراهيم رئيسي المؤتمر، وتأكيده خطوطاً عامة للدبلوماسية الإيرانية في القارة[4] خلال كلمته للحضور، معلناً استعداد طهران لتعاون تنموي شامل مع الدول الإفريقية ولاسيما دول غرب إفريقيا. ووصف القارة بأنها غنية وتملك قوة بشرية ذات كفاءة، منوهاً إلى نهب القوى الغربية لها طوال قرون عبر ممارسة الحكم الاستعماري، وأن دوافع إيران لتطوير علاقاتها مع دول القارة ليس غناها بمواردها الطبيعية ولكن من أجل تنمية ورفاهية جميع الدول بما فيها الدول الإفريقية، وأن إيران تملك فرصاً متميزة في هذا الصدد بفضل تقدمها في مجالات الهندسة والمعدات الطبية والأدوية وتكنولوجيا النانو والآلات الزراعية والتكنولوجيات البيولوجية والعلوم والتكنولوجيات الحديثة «رغم فرض العقوبات الموسعة على إيران».

لكن الأعوام الثلاثة التالية، حتى وقوع الحرب الأمريكية-الإسرائيلية الراهنة على إيران، وقبلها في يونيو 2025م، لم تشهد تفعيلاً حقيقياً لهذه البرامج باستثناء تعميق إيران انخراطها في علاقات مع «تحالف دول الساحل»؛ إذ حققت طهران مطلع العام الجاري العديد من الخطوات المهمة لتعميق صلاتها بدول إقليم الساحل على كل المستويات تقريباً، ولاسيما مع بوركينا فاسو؛ فقد أعلنت طهران وواغادوغو عن خطط طموحة لتوسيع التعاون الدفاعي بين البلدين، مع تأكيد طهران (في تكرار لما أقرته في عام 2023م) على محورية إفريقيا في إستراتيجية إيران الخارجية والأمنية[5] (22 فبراير 2026م)، مع تأكيد مسؤولين من الجانبين على مبادئ السيادة ومقاومة الضغط الخارجي والاستقلال الإستراتيجي.

كما رأت طهران، خلال محادثات مهمة شهدتها بين وزيري الدفاع الإيراني والبوركيني، أن التغيرات التي يشهدها إقليم الساحل، ولاسيما تحالف دول الساحل، تمثل استجابات عميقة لضغوط العهد الاستعماري. وقد أبرزت المحادثات[6] اهتمام إيران المتزايد بقطاع الأمن في إفريقيا بالتزامن مع سعي دول الساحل لشركاء جدد عقب قطع علاقاتها الوثيقة مع القوى الغربية.

وحضرت إيران في قلب مساعي مالي لتعميق إستراتيجيتها التي تحمل لافتة «التطلع شرقاً»، فقد ركز لقاء رئيس الوزراء الجنرال عبد الله مايجا مع سفير إيران الجديد محمود خاني (23 فبراير 2026م)[7] على إحداث توسع كبير في التعاون السياسي والأمني والتكنولوجي، كما أبرز الاجتماع إمكانية تكوين «مفوضية إيرانية-مالية مشتركة للإشراف على مشروعات الدفاع ونقل التكنولوجيا، ومساعي إيران لتوسيع علاقاتها (كمّاً ونوعاً) مع اتحاد دول الساحل، بحيث تكون الأولى حليفاً أمنياً وتقنياً في الإقليم.

لكن وقوع الحرب الأخيرة نهاية فبراير الفائت قاد حتماً إلى تداعي هذه الخطط جميعها في توقيتٍ حاسم للغاية، سواءٌ بالنسبة لطهران أم بالنسبة لعواصم تحالف دول الساحل الثلاثة.

مستقبل الوجود الإيراني في إفريقيا: سيناريوهات:

عقب اندلاع الحرب تباينت مواقف القادة الأفارقة من الحرب على نحوٍ يعكس طبيعة العلاقات الإيرانية المحدودة مع دول القارة؛ فقد دعم بعض القادة (ولاسيما في جنوب إفريقيا) حق طهران في الدفاع عن نفسها، فيما أدان آخرون «انتهاك القانون الدولي الذي يهدد استقرار إقليم الشرق الأوسط برمته»، بينما دعا أغلب قادة الدول الإفريقية لخفض التصعيد واحترام القانون الدولي، ووصف الاتحاد الإفريقي- في بيانٍ- الضربات العسكرية (الأمريكية والإسرائيلية) واستجابة إيران التالية بأنها تُمثل «تصعيداً خطيراً، سيؤدي إلى تصاعد العداءات في الشرق الأوسط، ويهدد بوقوع الإقليم برمته في دائرة لا يمكن التحكم فيها من العنف والمعاناة والألم».

وفيما عمد أغلب القادة الأفارقة لاستخدام لغة «محايدة»، سواءٌ في الإدانة أو في الدعوة للتهدئة، فإن الرئيس الجنوب إفريقي سيريل رامافوزا، الذي وطدت بلاده وحزب المؤتمر الوطني الحاكم على وجه الخصوص علاقات وثيقة مع إيران في السنوات الأخيرة، أكد في بيانٍ هو الأول (28 فبراير) أن «الضربات الأمريكية والإسرائيلية على إيران قد انتهكت القانون الدولي»[8].

وتوحي نظرةٌ سريعة على المواقف الإفريقية «المبدئية» تجاه الحرب الراهنة بعدم اكتراثٍ كبير، بغض النظر عن حجم التداعيات السلبية المرتقبة على إفريقيا حال توسع الحرب وطول أمدها. كما كشف اندفاع عدد كبير من الدول الإفريقية بإدانة طهران بسبب ضرباتها في عدد من دول الخليج العربي، وتبنّي دولة مثل نيجيريا- التي تضم أكبر جماعة شيعية في إفريقيا، وشهدت حركة احتجاج واسعة منذ 28 فبراير تعاطفاً مع إيران، وهجوماً على العدوان الأمريكي الإسرائيلي على إيران- موقفاً محايداً بشكلٍ لافت، كشف كل ذلك عن حدود الوجود الإيراني في إفريقيا سياسياً وحتى على المستوى الأيديولوجي، عوضاً عن تراجع قوة دفع المواقف الصينية والروسية تجاه الأزمة وارتباط ذلك بضعف المواقف الإفريقية بشكلٍ عام.

وبناءً على المعطيات السابقة؛ يمكن تصور سيناريوهات الوجود الإيراني في إفريقيا بعد اندلاع الحرب الراهنة على النحو الآتي:

نهاية الأزمة الراهنة باللجوء إلى «حل تفاوضي» (على مدى قصير): وسيلي مثل هذا المسار توقف إيراني مرجح في تعميق العلاقات مع نقاط ارتكاز سياسات إيران الإفريقية الراهنة (جنوب إفريقيا ودول تحالف الساحل: بوركينا فاسو، والنيجر، ومالي)، والاكتفاء بما تم إنجازه بالفعل، والعمل على الحفاظ على مستوياته. مع الأخذ في الاعتبار أن مواقف هذه الدول الإفريقية ستتسم بعدم اليقين أو عدم القدرة على مواجهة الضغوط الدولية التي ستتعرض لها إيران في جميع الأحوال، مع غياب دعم «صيني أو روسي» ملحوظ في هذا الملف.

نجاح الولايات المتحدة وإسرائيل والقوى الغربية الداعمة لهما في إلحاق الهزيمة بإيران، وتغيير النظام الحالي في الأخيرة: وما يعنيه من دخول إيران في مرحلة تفكك «الدولة» على الأَرْض؛ وستؤدي مثل هذه النهاية إلى تغيير جذري في مستقبل الوجود الإيراني في إفريقيا، مروراً بمرحلة ارتباكٍ حاد.

نجاح إيران في الصمود في وجه العدوان الأمريكي الإسرائيلي لفترات مطولة: الأمر الذي يصعب معه تصور أيّ تغيّر إيجابي في خريطة وعمق الوجود الإيراني في إفريقيا في أفضل الأحوال.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M