دبلوماسية الولايات المتحدة في مجال التعدين تختبر خيارات التحالفات في منطقة الساحل

بقلم: دجيبي سو Djiby Sow

ترجمة: سيدي.م. ويدراوغو

الأفكار العامة:

– هل ينجح نهج «الأمن مقابل المعادن» المعاملاتي في دول الساحل؟

– في 2 فبراير، زار نيك تشيكر باماكو ليؤكد احترام واشنطن سيادة مالي، وإعادة التعاون الأمني-الاقتصادي بعد «أخطاء سابقة»، مع رسالة مماثلة لعلي الأمين زين في النيجر.

– توسّع هذه الزيارات نطاق زيارات كبار المسؤولين الأمريكيين عام 2025م، متزامنةً مع هجوم لتأمين المعادن الحيوية.

– أوائل فبراير 2026م: إطلاق ترامب مشروع «فولت»، احتياطي إستراتيجي بـ54 دولةً في أول اجتماع وزاري.

– دول الساحل الإفريقي مركز للمعادن الحيوية إلى جانب النفط والذهب؛ مالي ثاني منتج ليثيوم إفريقي (890 ألف طن احتياطي) 2026م، النيجر 454 ألف طن يورانيوم (5%) إنتاج عالمي.

– رغم تعليق التعاون بعد الانقلابات؛ حافظت واشنطن على حوار رفيع في عهدي بايدن وترامب، خاصةً النيجر للحفاظ على قاعدة أغاديز وصد الروس.

– يشمل «الحل الأمريكي» المقترح لمالي: معدات عسكرية، دعماً استخباراتياً، ونشراً محتملاً للقوات البرية. لكن هل يحقق «الحل الأمريكي» ما عجزت عنه فرنسا وروسيا منذ 2013م؟

– يبدو الأمر وكأن واشنطن تعيد رسم خطوط التحالفات في المنطقة، وسط تنافس جيوسياسي محموم.

* * *

في الثاني من فبراير 2026م، توجه نيك تشيكر، الذي يشغل منصباً رفيعاً في وزارة الخارجية الأمريكية، إلى باماكو عاصمة مالي، ليؤكد من جديد التزام واشنطن الكامل باحترام السيادة الوطنية المالية، مع التأكيد على إعادة تنشيط الشراكات الأمنية والاقتصادية بعد الاعتراف بـ«أخطاء السياسة السابقة» التي أدت إلى توترات سابقة. وفي الوقت نفسه، وُجّهت رسالة دبلوماسية مماثلة إلى رئيس وزراء النيجر، علي الأمين زين، مما يعكس إستراتيجية منهجية لإعادة بناء الجسور مع قيادات المنطقة بعد سنوات من التوترات.

تُوسّع هذه الخطوات الدبلوماسية نطاق الزيارات الرسمية لكبار المسؤولين الأمريكيين خلال عام 2025م بأكمله، وتتزامن بدقة مع حملة هجومية مُدارة بعناية تهدف إلى تأمين الوصول المستقر إلى المعادن الحيوية الإستراتيجية، والتي لا يزال ما يقرب من 70% من عمليات التكرير العالمية لها تحت السيطرة الصينية المهيمنة، مما يُشكّل تهديداً مباشراً للأمن الاقتصادي الأمريكي.

وفي أوائل الشهر نفسه، أطلقت إدارة الرئيس ترامب مشروع «فولت» الطموح، الذي يُمثل احتياطياً إستراتيجياً متقدماً من المعادن الحيوية، حيث جمع أول اجتماع وزاري دولي مخصص لهذا المجال 54 دولةً شريكة، لمواجهة الاعتماد الخارجي. وتُصنّف واشنطن ستين معدناً «حيوياً»، بما في ذلك الليثيوم والكوبالت والعناصر الأرضية النادرة، كعناصر أساسية لانتقال الطاقة النظيفة وتطوير تقنيات الدفاع المتقدمة، إلا أنها تظل عرضةً لمخاطر جيوسياسية هائلة ناتجةً عن التنافس العالمي الشديد.

إلى جانب النفط والذهب، تبرز منطقة الساحل كمركز جيوسياسي حاسم لاستخراج هذه المعادن الحيوية، حيث من المتوقع أن تصبح مالي ثاني أكبر منتج لها في إفريقيا بحلول عام 2026م، مدعومةً باحتياطيات هائلة تصل إلى 890 ألف طن من الليثيوم، بينما تمتلك النيجر ما يقرب من 454 ألف طن من اليورانيوم، الذي يمثل نحو 5% من الإنتاج العالمي الإجمالي، بالإضافة إلى رواسب كبيرة من المنغنيز ومعادن أخرى بالغة الأهمية الإستراتيجية.

من هذا المنظور الجيوسياسي الشامل، لا ينبع التقارب الملحوظ تجاه باماكو ونيامي من تحول جوهري في السياسة الخارجية الأمريكية بقدر ما ينبع من مصالح إستراتيجية ملحة مرتبطة بالمعادن الحيوية، وقد تبنت واشنطن بالفعل موقفاً أكثر اعتدالاً ومرونة مقارنةً بالاتحاد الأوروبي وفرنسا تحديداً، في مواجهة الانقلابات العسكرية المتتالية في الساحل والتحول الإقليمي الواضح نحو الشراكات الروسية المتزايدة، مما يعيد رسم خريطة التحالفات في القارة الإفريقية بأكملها.

إلى جانب النفط والذهب، أصبحت منطقة الساحل مركزاً إستراتيجياً لاستخراج المعادن الحيوية:

رغم تعليق تعاونها الأمني عقب الانقلابات العسكرية المتتالية، حافظت الولايات المتحدة على حوار رفيع المستوى مع قيادات الساحل طوال عهدَي الرئيسين جو بايدن ودونالد ترامب، ولاسيما في النيجر، حيث تأخر الإعلان الرسمي عن الانقلاب لأسابيع لضمان حماية قاعدة أغاديز الرئيسية للطائرات المسيرة وصد التغلغل الروسي المتسارع.

ومع ذلك، يحمل الخطاب المرافق لهذه المبادرات الأمريكية الأخيرة دلالات عميقة، إذ يُعيد صياغة التحالفات الإقليمية بشكل جذري. فإلى جانب روسيا والصين، أصبحت أمريكا الثالثة في أعضاء مجلس الأمن الدائمين التي تنخرط علناً مع السلطات الانقلابية في الساحل، مما يُقوّض مصداقية الردع الإفريقي والمجموعة الاقتصادية لدول غرب إفريقيا (إيكواس)، ويفتح الباب أمام ديناميكيات جديدة تهدد الاستقرار الإقليمي.

وربما تُرسِل هذه الديناميكية، دون قصدٍ صريح، إشارةً قوية إلى جيوش غرب إفريقيا مفادها أن المرونة السياسية قادرة على إعادة إحياء الشراكات الدولية الكبرى، خاصةً للدول الغنية بالموارد الإستراتيجية مثل الليثيوم واليورانيوم، في ظل التنافس العالمي المتفاقم على سلاسل التوريد.

في نهاية 2025م، تبنّى الاتحاد الأوروبي نهجاً جديداً تجاه الساحل بعد أن أدى موقفه القائم على المبادئ إلى إثارة استياء عواصم تحالف دول الساحل AES سابقاً. ولا تزال الخلافات حول تنفيذه قائمة، مع تحفظات فرنسية كبيرة، وقد تُفاقِم التوترات عبر الأطلسي ضغوط بعض الدول الأعضاء لتسريع التنفيذ وعدم التنازل عن زمام المبادرة لإدارة ترامب.

ورغم ذلك؛ يظل السؤال الأبرز: هل يمكن لنهج «الأمن مقابل المعادن» أن يُحقِّق مكاسب حقيقية وطويلة الأمد لدول الساحل، تتجاوز مجرد الاعتراف الدبلوماسي والدعم المؤقت؟

هل سينجح «الحل الأمريكي» حيث فشلت فرنسا وروسيا منذ عام ٢٠١٣؟:

يتضمن «الحل الأمريكي» المقترح لمالي: معدات عسكرية متقدمة، ودعماً استخباراتياً فورياً، ونشراً محتملاً لقوات برية محدودة. لكن هل سيحقق نتائج إستراتيجية لم تتمكن فرنسا ولا روسيا من تحقيقها منذ اندلاع الأزمة في 2013م؟ استثمرت واشنطن بالفعل 3.3 مليارات دولار في المساعدات الأمنية بالساحل منذ 2002م، خاصةً عبر شراكة مكافحة الإرهاب عبر الصحراء TSCTP، ومناورات فلينتلوك السنوية، وقواعد الطائرات المسيرة في النيجر، دون أن يمنع ذلك تصاعد الجماعات الإرهابية أو توسعها الإقليمي نحو بوركينا فاسو والنيجر.

من الناحية الاقتصادية، يُمثل نهج إدارة ترامب مفارقةً حادة. فتفكيك الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية USAID، وتقليص مؤسسة تحدي الألفية MCC، يحرمان واشنطن من أدوات تمويل التنمية والبنية التحتية الحيوية الضرورية لأي انخراط فعّال طويل الأمد في المنطقة. يكتسب هذا الأمر أهميةً بالغة، إذ إن استعادة أهلية دول الساحل لقانون النمو والفرص الإفريقي AGOA تبقى رمزيةً إلى حدٍّ كبير: فقبل الانقلابات، لم تتجاوز صادرات مالي وبوركينا فاسو إلى الولايات المتحدة 4.6 ملايين دولار و3.7 ملايين دولار سنوياً على التوالي، بينما انخفضت صادرات النيجر من 94.6 مليون دولار في 2021م إلى 46.9 مليون دولار في 2023م، عاكسةً ركوداً تجارياً ملحوظاً.

كما يواجه نهج «الأمن مقابل المعادن» قيوداً سياسية هائلة. في مالي، تظل مشاريع الليثيوم في غولامينا وبوغوني تحت سيطرة صينية كاملة (عبر شركات مثل هينان ماينينغ)، بينما حصلت «يورانيوم وان» الروسية على الرخصة الوحيدة للتنقيب في بوغولا، مما يجعل إعادة تخصيص الموارد لواشنطن مستبعداً تماماً في الوقت الحالي. تُثْبِتُ العلاقات الأمنية والدبلوماسية المتينة لباماكو مع موسكو وبكين عدم وجود مجال للتعديل السريع، خاصةً مع الخطابات السيادية التي تُشكل أساس شرعية الحكومة الانتقالية، وزيادة التكلفة السياسية الداخلية لأي تنازل.

وعليه؛ يمكن لمالي والولايات المتحدة التعاون في استكشاف الليثيوم وتوسيع النطاق إلى قطاعات أخرى، كما يتضح من منح تراخيص تعدين الذهب مؤخراً لشركات أمريكية مثل فلاغشيب غولد في منجم موريلا. إلا أن هذه الآفاق تبقى مرهونةً بتحسن الوضع الأمني، الذي يُشكِّل معضلةً إضافية لواشنطن في سياق تفسيرها المتناقض للسيادة مقارنةً بفنزويلا وغرينلاند.

في النيجر، يُثير اليورانيوم ضغوطاً سياسية خانقة، فبينما يقتصر الوجود الصيني على حقل أزيليك؛ قامت السلطات بتأميم شركة سومير وسحبت ترخيص أورانو الفرنسية من حقل إيمورارين الرئيسي، مع إعادة محاولة بيع أكثر من ألف طن من «الكعكة الصفراء» المحتجزة، مما أشعل توترات مع باريس. تأتي هذه التطورات وسط تقارب نيامي مع إيران، مما يُثير مخاوف واشنطن الجيوسياسية الحادة.

وفي هذا السياق؛ يمكن استغلال الحقول غير الممنوحة كورقة مساومة أمريكية. بيعها بأسعار السوق يُعالج مظالم تاريخية من العقود الفرنسية «المجحفة»، ويُرسّخ الولايات المتحدة كبديل موثوق عبر اتفاقيات تشمل: بنية تحتية، نقل تكنولوجيا، وتدريباً، موازنةً بين الجيوسياسة والتنمية.

في نهاية المطاف، تجد دول الساحل نفسها في قلب منافسة جيوسياسية شرسة بين واشنطن وبكين وموسكو. ويُفضَّل لها دراسة المبادرات الأمريكية بحذر، إذ تبقى دوافعها غامضةً جزئياً: فتفسير السيادة في الساحل يتناقض مع فنزويلا وغرينلاند. قد يكون النهج التصالحي إستراتيجيةً لتشجيع التعاون، مع بقاء الضغط الأقصى الذي يتبناه ترامب في طي النسيان مؤقتاً، وفي هذا السياق، يبقى التوازن بين واشنطن وبكين وموسكو هو الخيار الأمثل.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M