مُفاقَمة خطر الهشاشة: تداعيات حرب إيران على منطقة البحر الأحمر والقرن الأفريقي

  • تتزايد مؤشرات إمكانية تحول منطقة القرن الأفريقي إلى ساحة صراع إقليمي ودولي متصاعد مع سعي إيران لتوسيع مواجهتها مع الولايات المتحدة وإسرائيل لتشمل الضفة الغربية للبحر الأحمر.
  • من المتوقع ألا تقتصر ارتدادات الحرب الإيرانية على الأمن والاقتصاد في القرن الأفريقي، بل ستؤثر أيضاً في السياسات الداخلية والخارجية لدول المنطقة، وتوازن القوى الإقليمي، والتحالفات والمواقف الاستراتيجية للفاعلين المحليين والإقليميين.
  • يُهدد استمرار الحرب الإيرانية بحصول تداعيات تراكمية طويلة الأمد تتجاوز رفع مخاطر الإبحار في البحر الأحمر، والتسبُّب بتعطيل مرحلي لسلاسل الشحن والإمداد ورفع تكاليف التأمين، إلى التهديد بتحويل هذا الممر الحيوي إلى منطقة توتر دائم.
  • هناك حاجة ماسة لوضع مقاربات جماعية واستراتيجيات شاملة تتكامل فيها الجوانب الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية لضمان تعزيز أمن الممرات البحرية ودعم استقرار دول القرن الأفريقي وقدرتها على احتواء تداعيات المواجهة الإيرانية-الأمريكية/الإسرائيلية. 

 

تبرز منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر بوصفها إحدى الساحات الإقليمية الأكثر تأثّراً بارتدادات الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة، وإيران وأذرعها الإقليمية من جهة أخرى، وهي مواجهة يبدو أن طهران تتجه إلى تدويلها وتوسيع نطاقها لتتجاوز شبه الجزيرة العربية إلى الضفة الغربية للبحر الأحمر. وهي منطقة شديدة الحساسية، نظراً لانكشافها الأمني والاقتصادي الناجم عن النزاعات المحلية والهشاشة المؤسسية في عدد من دولها، وموقعها المحوري في منظومة التجارة العالمية، وكونها ساحة متنامية للتنافس الجيوسياسي بين القوى الإقليمية والدولية، ما يجعل انتقال التوترات الإقليمية إلى هذه المنطقة بمثابة تهديد مباشر ليس فقط لاقتصاداتها الهشَّة واستقرارها الإقليمي، وإنما أيضاً لأمن المجال البحري وحركة الملاحة الدولية واستقرار الاقتصاد العالمي.

 

الارتدادات السياسية والجيوسياسية

تمتد ارتدادات الحرب على إيران لتؤثر ليس فقط في الأمن والاقتصاد في القرن الأفريقي بل أيضاً في السياسات الداخلية والخارجية لدول المنطقة، وتوازن القوى الإقليمي، والتحالفات والمواقف الاستراتيجية للفاعلين المحليين والإقليميين.

 

أولاً، مفاقمة الهشاشة السياسية والنزاعات الداخلية: في ظل استمرار المواجهة الإيرانية-الأمريكية/الإسرائيلية، قد يأخذ الاهتمام الإقليمي والدولي بقضايا القرن الأفريقي في التراجع، ما يؤدي إلى تباطؤ زخم الجهود الدبلوماسية وجمود مسارات الوساطة على نحو يُسهم في تأجيل حلحلة الصراعات في المنطقة. ومع انشغال القوى الخليجية، بصفة خاصة، بأمنها المباشر، من المحتمل أن يتراجع دورها كـ “ضامن للاستقرار” وممول للمبادرات السياسية، أقلُّهُ في المدى القصير، مما قد يؤدي لتصاعد مفاجئ في النزاعات المحلية في مناطق كالسودان وإثيوبيا والصومال نتيجة غياب الضغوط الدبلوماسية. إضافة إلى ذلك، من المتوقع أن يعمل النظام الإيراني، في حال تمكَّن من الصمود والبقاء، على تعويض خسائره بالبحث عن موطئ قدم جديد في منطقة تنخرها الهشاشة مثل القرن الأفريقي، مما قد يُحوِّل دولاً مثل إريتريا أو أجزاء من السودان إلى ساحات للصراع بالوكالة، حيث تُقايض الأنظمة الهشة الدعم العسكري الإيراني بالولاء السياسي، وهو ما يهدد بانهيار التوازنات الداخلية في المدى المنظور.

 

من المتوقع ألا تقتصر ارتدادات الحرب الإيرانية على الأمن والاقتصاد في القرن الأفريقي، بل ستؤثر أيضاً في السياسات الداخلية والخارجية لدول المنطقة (شترستوك)

 

ثانياً، تأجيج المنافسة وإعادة تشكيل موازين القوى الإقليمي؛ حيث تصبح القوى الإقليمية -على رغم انشغالها بأولوياتها الداخلية- أكثر تصميماً على التموضع وتأمين موقع لها في معادلة النفوذ البحري والإقليمي، بما في ذلك عبر الوجود العسكري والأدوار الأمنية. ومن ذلك مثلاً، قد تتجه إسرائيل لمأسسة وجودها في أرض الصومال، فيما قد تُفكّر أديس أبابا بأن هذا هو الوقت المناسب لتأمين منفذ بحري وإضفاء الطابع الرسمي عليه من بوابة إريتريا أو أرض الصومال. وبالمثل قد تُتاح بعض الفرص للقوى الأخرى أمثال تركيا ومصر لتوسيع موطئ قدمها الإقليمي في القرن الأفريقي.

 

ثالثاً، تعقيد الخريطة الجيوسياسية واصطفافات الفاعلين؛ إذ قد تجد دول مثل جيبوتي وإريتريا والصومال، نفسها معرضة لضغوط متزايدة، لإعادة صياغة مواقفها السياسية الخارجية واستراتيجياتها الأمنية، مما قد يُضيِّق خياراتها لتحقيق التوازن و/أو الحياد في تعاطيها مع الديناميات الجيوسياسية والأمنية الناشئة في مجالها الحيوي. وعلى العكس من ذلك، يُمكن أن تصبح الجهات الفاعلة الأخرى أمثال إثيوبيا وكينيا (وأرض الصومال) أكثر أهمية واهتماماً بتقوية روابطها مع القوى الغربية، وتوظيف تلك الديناميات بما يُحقِّق تطلعاتها الجيوسياسية ومصالحها الاستراتيجية والاقتصادية والأمنية.

 

التداعيات الأمنية

أدّى الاتجاه المتنامي لدى إيران ومحورها الإقليمي لتسييس قضية الأمن البحري إلى تحولات عميقة في بنية السلامة البحرية العالمية وتغيرات هيكلية في حركة التجارة واستراتيجيات النقل البحري ومساراته وديناميات التعاون والتنافس الدوليين في الممرات المائية الحيوية، بما يُعيد تشكيل موازين القوة ومعادلات الأمن في المنطقة الأوسع. وبالنسبة للبحر الأحمر والقرن الأفريقي، تتمثل أبرز التداعيات الأمنية للحرب المرتبطة بإيران في تعاظم التهديدات التي تواجه الملاحة البحرية في الممرات الحيوية. وهي تهديدات تنطوي على تداعيات تراكمية طويلة الأمد لا تقتصر على رفع مخاطر الإبحار في البحر الأحمر، بما يؤدي إلى تعطيل مرحلي لسلاسل الشحن والإمداد ورفع تكاليف التأمين؛ بل تمتد لتشمل تحويل هذا الممر إلى منطقة توتر دائم مرتفعة المخاطر، بما يؤدي إلى إعادة ترتيب وتعديل مسارات خطوط الملاحة بعيداً عنه، وإضعاف القدرة التنافسية للبنية التحتية الساحلية في الدول المطلة عليه، بما لذلك من انعكاسات هيكلية على الاقتصادات الإقليمية المعتمدة على هذه الممرات في تجارتها الخارجية.

 

وفي هذا السياق، على رغم عدم انخراط الحوثيين في المواجهة، لكن تهديداتهم بأن “يدهم على الزناد”، أبقت على حالة متفاقمة من عدم اليقين في حركة الملاحة، حيث تشير بيانات تتبُّع السفن ومنصات المراقبة البحرية في 7 مارس 2026، إلى انخفاض عدد السفن التي تعبر الجزء الجنوبي من البحر الأحمر ومضيق باب المندب بنحو 50–60% مقارنة بالمستويات الطبيعية. وهو انخفاض يعكس تغيراً جوهرياً في تقييم شركات الشحن للمخاطر التشغيلية، مما يضطرها لاتباع استراتيجية احترازية، تشمل تعليق/تأجيل الرحلات أو تعديل المسارات (نحو رأس الرجاء الصالح)، مع ما يصاحب ذلك من تغيّرات في جداول النقل اللوجستي، وزيادة زمن الرحلات البحرية (تصل إلى 10-15 يوماً) ورفع تكاليف النقل وأقساط التأمين بنسب كبيرة.

 

على رغم عدم انخراط الحوثيين في المواجهة، لكن تهديداتهم بأن “يدهم على الزناد”، فاقمت عدم اليقين بشأن حركة الملاحة في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

 

أما على الضفة الأفريقية للبحر الأحمر، فلا يمكن تجاهل التهديدات العسكرية المباشرة لمصالح الولايات المتحدة، بخاصة في جيبوتي التي تضم القاعدة الأمريكية الأكبر في القارة الأفريقية. غير أن الارتدادات الأكثر إلحاحاً تتمثل في زيادة عسكرة الممرات البحرية، بما يُفاقم الهشاشة السياسية والأمنية لدول شرق أفريقيا، حيث يُمكن لتصاعد التوترات الإقليمية في الشرق الأوسط أن يُغذي الصراعات الداخلية في هذه الدول، في ظل الضعف البنيوي في مؤسساتها، والعجز المزمن لهياكل الأمن البحري وآلياته القائمة، والتداخل في مسارح النزاع والتنافس، وغيرها من العوامل التي تدفع نحو خلق بيئة أمنية أكثر تعقيداً وترسيخ نمط جديد من عدم الاستقرار البحري والإقليمي في المنطقة الأوسع.

 

أخيراً، على رغم الانكفاء الإيراني، قد تشهد المرحلة المقبلة تزايد اندفاع الحرس الثوري نحو توسيع شبكاته الإقليمية، بالنظر إلى اعتماده على الأدوات منخفضة الكلفة، على الأقل عبر تشجيع الحوثيين على توثيق الصلات مع الجماعات الجهادية في القرن الأفريقي، لاسيما حركة الشباب الصومالية، بما ينطوي عليه ذلك من توسيع تبادلات الأسلحة والذخيرة والخبرات والمعلومات الاستخباراتية (بما فيها نقل تكنولوجيا الطائرات المسيرة والصواريخ)، بما يخدم استراتيجية طهران طويلة الأمد لاستنزاف واشنطن وحلفائها، ليس فقط عبر الهجمات المنسقة المحتملة ضد المصالح الغربية ولكن أيضاً لجهة زعزعة الأمن الإقليمي والبحري عبر تنامي نشاط القرصنة وشبكات التهريب في الممرات المائية وعلى جانبي البحر الأحمر وخليج عدن.

 

ضغوط اقتصادية واجتماعية كبيرة على بيئة هشة

في البيئات الهشة كما هو حال دول القرن الافريقي وشرق أفريقيا، تُهدِّد الصدمة الجيوسياسية الناجمة عن الحرب الأمريكية الاسرائيلية المستمرة على إيران، بتعريض الاقتصادات الضعيفة في المنطقة لهزات قوية وضغوط تضخمية، وتغيير ديناميات النمو الاقتصادي والتوازنات المالية والاجتماعية والسياسية. فمع ارتفاع تكاليف الواردات وإرباك تدفقات الطاقة وسلاسل الإمداد، وزيادة عجز الحساب الجاري، وتراجع الاستثمار الأجنبي، تجد هذه الاقتصادات نفسها أمام اختبار حقيقي لاستقرارها وتماسكها داخلياً وخارجياً.

 

  • إرباك تدفقات الطاقة والتجارة وتبعات التضخم؛ فارتفاع تكلفة الواردات وزيادة فاتورة التأمين على الشحن نتيجة تصاعد المخاطر الأمنية في الممرات المائية، يتركان أثرهما مباشرة في اقتصادات القرن الأفريقي التي تعتمد بشكل كبير على الاستيراد، بما في ذلك ارتفاع ملموس لأسعار الوقود والسلع الأساسية -مثل الحبوب والمواد الغذائية والأدوية والالكترونيات والمواد الخام الصناعية- في الأسواق المحلية، وهو ما ينعكس مباشرة على القوة الشرائية للمستهلكين ويزيد من معدلات التضخم.

 

  • اضطرابات سلاسل التوريد؛ فنتيجة تباطؤ أنشطة الموانئ التي تُمثل روافد رئيسة لاقتصادات الدول الساحلية وشرايين حياة للدول الحبيسة في شرق أفريقيا، مقارنة بتزايد الطلب -وربما الضغط- على خدمات الموانئ في الدول الواقعة على مسار رأس الرجاء الصالح، وبخاصة الكينية؛ قد يؤدي إلى تأخير وصول الإمدادات والبضائع وبالتالي اختلالات في المخزون المحلي وعمليات الإنتاج والتصدير المحلية، وتأخير المشاريع التي تعتمد على واردات منتظمة ورفع كلفتها.

 

في ظل اضطرابات سلاسل التوريد نتيجة الحرب الإيرانية، من المتوقع أن تتباطئ أنشطة الموانئ في دول القرن الأفريقي (أ.ف.ب)

 

  • الضغط على موازنات الحكومات وارتفاع عجز الحساب الجاري؛ جراء ارتفاع الفاتورة الاستيرادية وانخفاض العائدات التصديرية وإيرادات الموانئ، على نحوٍ تزداد معه الضغوط على احتياطيات النقد الأجنبي، وتتراجع قدرة الحكومات على تأمين احتياجاتها الأساسية، بما قد يضطرها إلى الاقتراض الخارجي، ما سيُفاقم مستويات الدين العام يؤدي إلى المزيد من التدهور المالي والركود الاقتصادي، لاسيما في حال استمرت الأزمة لفترة طويلة.

 

  • تأجيج التوترات الداخلية؛ حيث ستواجه الحكومات صعوبات متزايدة في تلبية احتياجات شعوبها، بالتوازي مع ارتفاع كلفة المعيشة ومعدلات البطالة والهشاشة المؤسساتية، مما يُسهِم في تأجيج السخط الداخلي ومفاقمة التوترات السياسية والاجتماعية القائمة، حيث تُصبح الأطراف المتنافسة على السلطة والموارد أكثر تصلُّباً وسعياً لتحقيق مكاسب سياسية، مُستغلة سيولة المشهد الداخلي والانشغال العالمي بالأزمات الدولية والإقليمية الكبرى، وفي مقدمتها الحرب الإيرانية.

 

خلاصة واستنتاجات

تعيش دول القرن الأفريقي حالة من عدم اليقين الجيوسياسي على خلفية حرب إيران، والتي تحمل معها تداعيات خطرة متعددة المستويات على الضفة الغربية للبحر الأحمر، تشمل تأجيج التنافس والتدافع الخارجي وتزايُد تسييس الممرات المائية وعسكرتها، ودفع دول المنطقة إلى إعادة معايرة سياساتها وعلاقاتها الخارجية، بما يُعيد ترتيب توازن القوى الإقليمية والتحالفات في القرن الأفريقي.

 

غير أن الارتدادات الأكثر إلحاحاً تتجلى أكثر على الصُّعُد الأمنية والاقتصادية، إذ تتصاعد المخاطر الأمنية في الممرات البحرية، وما يصاحب ذلك من ارتفاع تكاليف النقل والتأمين واضطراب تدفقات الطاقة والسلع وتحويل مسارات التجارة نحو طرق بديلة أطول وأكثر كلفة، وبالتالي تزايد الضغوط والأعباء على الميزانيات الوطنية، بما يعزز عوامل عدم الاستقرار السياسي والاجتماعي في دول تعاني بالفعل من النزاعات الداخلية والهشاشة السياسية.

 

وعليه، هناك حاجة ماسة لمقاربات جماعية واستراتيجيات شاملة تتكامل فيها الجوانب الدبلوماسية والأمنية والاقتصادية لضمان تعزيز أمن الممرات البحرية ودعم استقرار دول القرن الأفريقي، لاسيما الساحلية منها. ويظل دور القوى الإقليمية، بما فيها دول الخليج، حاسماً في تشكيل مستقبل المنطقة، بما في ذلك عبر الدفع نحو ترتيبات تعاون إقليمي دولي قادرة على الحد من انتقال أي توترات إقليمية كهذه إلى فضاء البحر الأحمر ومحيطه وترسيخ استقرار طويل الأمد في هذا الجزء من العالم.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M