أزمة الطاقة في أوروبا بسبب الحرب الإيرانية: التداعيات وخيارات التدخل

  • تؤكد أزمة الطاقة المتكررة في أوروبا أن الاعتماد الهيكلي على الوقود الأحفوري المتداول في أسواق عالمية مُتقلبة جيوسياسياً يُمثِّل خللاً استراتيجياً، سيستمر في توليد صدمات سعرية كارثية تتسبب بتدهور القطاع الصناعي وزيادة الضغوط المعيشية الحادة على الطبقات المتوسطة والشعبية.
  • كشفت التوترات في الممرات المائية الحيوية، مثل مضيق هرمز، عن عجز أوروبي في حماية أمن الإمدادات؛ إذ اعتمدت القارة طويلاً على الولايات المتحدة لتأمين بنيتها التحتية الطاقية، وهو رهانٌ ثَبُتَ فشله في ظل تبايُن المصالح الاستراتيجية بين الطرفين، مما جعل أوروبا تدفع ثمن سوء تقديرها.
  • يتعيَّن على الاتحاد الأوروبي أن يتغلب على تردُّده التاريخي في التعامل مع أمن الخليج بوصفه مجالاً ذي أهمية استراتيجية، إذ أثبتت أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية أن أمن الطاقة الأوروبي وأمن الملاحة البحرية في الخليج العربي أمران لا ينفصلان.
  • يتطلب تحقيق أمن الطاقة الأوروبي مساراً ثلاثياً، يشمل: خفضاً هيكلياً في الطلب على الغاز لتقليل الاعتماد على الاستيراد؛ وتفعيلاً للدبلوماسية البحرية في منطقة الخليج لحماية المصالح الحيوية؛ وتعميقاً لآليات التضامن المؤسسي داخل الاتحاد الأوروبي لمواجهة التحديات الجيوسياسية المعقَّدة.

 

أدَّت الحملة العسكرية الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران إلى تفاقُم أزمة الطاقة في أوروبا، لتصبح الأشد حدة منذ صدمة ما بعد غزو أوكرانيا عام 2022. فقد ارتفعت أسعار الطاقة العالمية وسط مخاوف من انقطاع طويل الأمد للتدفقات عبر مضيق هرمز مع تصاعُد الصراع، فضلاً عن أن مخزونات الغاز الأوروبية قد دخلت عام 2026 في أضعف مستوياتها الموسمية منذ شتاء 2017-2018. وأدى شحّ سوق الغاز الطبيعي المسال إلى تقليل مرونة استجابة الاتحاد الأوروبي للإمدادات.

 

تسعى هذه الورقة إلى تحليل أزمة الطاقة الأوروبية الراهنة مقارنةً بأزمة 2022، وأوجه الاستمرارية الهيكلية التي جعلت أوروبا عُرضةً للأزمة، وتُقيّم التداعيات الاقتصادية والاجتماعية والجيوسياسية على مستوى الدول الأعضاء، ومدى كفاية استراتيجيات المواجهة على مستوى الاتحاد وعلى المستوى الوطني، وتستكشف الخيارات المتاحة للاتحاد الأوروبي في ظل استمرار الصراع.

 

تشريح الأزمة 

أدى التهديد الإيراني لمضيق هرمز وحركة الملاحة فيه، عقب الضربات العسكرية المشتركة التي شنتها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، إلى ارتفاع فوري في أسعار الطاقة، بسبب تقليص سيولة سوق الغاز الطبيعي المسال الفورية وتدفق النفط ورفع أسعار العقود الآجلة في بورصات الطاقة الأوروبية. بالنسبة لأوروبا، يختلف هذا الصراع عن أزمة الغاز الروسي عام 2022 في جانب جوهري واحد، فهو ليس أزمة خطوط أنابيب بالدرجة الأولى، حيث لا ترتبط أوروبا بشكل مباشر بخطوط أنابيب الغاز في الشرق الأوسط، بل إن آلية النقل تعتمد على السوق، من خلال تسعير الغاز الطبيعي المسال العالمي، وأقساط تأمين ناقلات النفط، ومخاطر مسارات الشحن، وحذر مُنتجي دول مجلس التعاون الخليجي. وقد أوقفت قطر إنتاج الغاز الطبيعي المسال عقب الهجمات الإيرانية، مما أدى إلى انخفاض الإمدادات العالمية على المدى القريب بنحو الخمس.

 

وممَّا يُعمِّق الأزمة بالنسبة للدول الأوروبية هشاشة المخزون الاستراتيجي. فبعد النجاح في إدارة أزمة الطاقة في الفترة 2022-2023، تضافرت عوامل التراخي وبرودة شتاء عام 2025-2026، التي فاقت المعدل، لتآكل الاحتياطيات الاستراتيجية. وأدى الطقس البارد، إلى جانب ارتفاع استهلاك الغاز في قطاع الطاقة، إلى زيادة الطلب الأوروبي على الغاز بنسبة تقارب 7% على أساس سنوي منذ بداية العام، بينما ارتفعت عمليات سحب الغاز من المخزونات بنسبة تقارب 25% مقارنة بمتوسطها في خلال السنوات الخمس الماضية منذ بداية عام 2026. ونتيجة لذلك، تضاعف عجز مخزونات الاتحاد الأوروبي مقارنة بشهر نوفمبر، ليصل إلى ما يزيد قليلاً عن 16 مليار متر مكعب بحلول بداية فبراير. وفي سبتمبر 2025، خفّض الاتحاد الأوروبي الحد الأدنى الإلزامي لمخزون الغاز في بداية فصل الشتاء إلى 75%، بعد أن كان 90%. وعلى رغم استمرار التوصية بالمستوى الأعلى، فإنَّ ثلاثًا من أكبر خمس دول مستهلكة للغاز في الاتحاد الأوروبي – ألمانيا وإسبانيا وهولندا – لم تلتزم به للمرة الأولى منذ عام 2021. ولا يوفر نظام التخزين الطارئ للاتحاد الأوروبي أي آلية لمعالجة توزيع عمليات السحب على مدار أشهر الشتاء أو لمعاقبة الاستنزاف المبكر للموسم. والنتيجة كانت ارتفاع العقود الآجلة الهولندية، وهي العقد القياسي للغاز في أوروبا، بنسبة 35% بعد اندلاع الحرب لتتجاوز 60 يورو لكل ميغاواط/ساعة. وكانت مؤسسة غولدمان ساكس قد حذَّرت، في مذكرة ببداية مارس، من أن توقُّف تدفق الغاز عبر مضيق هرمز لمدة شهر قد يدفع الأسعار نحو 74 يورو لكل ميغاواط/ساعة.

 

شكل 1: حصة الدول في واردات الغاز الطبيعي للاتحاد الأوروبي بين عامي 2022 و2025

المصدر: وكالة الأناضول.

 

هيكلياً، تتشابه أزمتا 2022 و2026 من حيث الجوهر، فكلتاهما تكشفان عن تبعات فشل أوروبا لعقود في بناء سيادة حقيقية في قطاع الطاقة. في عام 2022، تجلّى هذا الضعف في الاعتماد على خطوط أنابيب تابعة لدولة معادية. أما في عام 2026، فيتجلى في الاعتماد على نظام عالمي للغاز الطبيعي المسال، عُرضة للصدمات الجيوسياسية في مناطق بعيدة. ومنذ عام 2022، ارتفعت أسعار الغاز للمستهلكين الصناعيين في أوروبا بنسبة 30% في المتوسط مقارنةً بالصين، وخمسة أضعاف مثيلتها في الولايات المتحدة. واضطر العديد من الصناعات كثيفة الاستهلاك للغاز والطاقة إلى خفض إنتاجها، وأغلقت بعض المصانع أبوابها بسبب ارتفاع كلفة الإنتاج. وأظهرت الأزمتان أيضاً قصورَ النهج القائم على السوق وحده في مجال أمن الطاقة. ففي ظل السياسات الحالية، من المتوقع أن ينخفض استهلاك الاتحاد الأوروبي من الغاز بنسبة 25% فقط، مع تحقيق اكتفاء ذاتي بنسبة 13% بحلول عام 2050، مما يعني أن هذه المخاطر لن تزول قريباً. ومع أن أوروبا تعلمت من أزمة عام 2022 درسَ مخاطر تركيز الموردين، إلا أن أزمة عام 2026 تكشف أن قاعدة الموردين المتنوعة لا توفر سوى حماية محدودة عندما تتعرض بنية النقل التحتية للاضطراب.

 

ومع ذلك، فإن أوروبا في 2026، أصبحت تمتلك بنيةً لإدارة الأزمات أكثر تطوراً بكثير مما كانت عليه في عام 2022. فبين أغسطس 2022 ويناير 2025، نجح الاتحاد الأوروبي في خفض طلبه على الغاز بنسبة 17%، أي ما يعادل 70 مليار متر مكعب من الغاز سنوياً. لقد ساهمت منصة الطاقة، وآلية الشراء المشترك للغاز الطبيعي المسال، وإطار عمل REPowerEU مجتمعةً في إنشاء أدوات لم تكن موجودة قبل أربع سنوات. فضلاً عن تعزيز نشر مصادر الطاقة المتجددة؛ فمنذ عام 2022، أنتج الاتحاد الأوروبي كميات من الكهرباء من طاقة الرياح والطاقة الشمسية أكثر مما أنتجه من الغاز، وفي عام 2023، أنتجت طاقة الرياح وحدها كهرباء أكثر من الغاز. وفي عام 2024، ولأول مرة، شكَّلت الطاقة الشمسية نسبة أكبر من إنتاج الكهرباء في الاتحاد الأوروبي مقارنة بالفحم. وتشير تقديرات القطاع إلى أن القدرة المركبة لطاقة الرياح والطاقة الشمسية قد زادت بنسبة 58% تراكمياً بين عامي 2021 و2024، مما وفر ما يقرب من 38 مليار متر مكعب من الغاز على مدى ثلاث سنوات.

 

التداعيات الاقتصادية والجيوسياسية والاجتماعية

تتوزع تداعيات أزمة الطاقة الناتجة عن الحرب الإيرانية على ثلاثة مجالات مترابطة بشكل مباشر، هي الاقتصاد والمجتمع والوضع الجيوسياسي الأوروبي:

 

1. الآثار الاقتصادية

تنتقل آثار الصدمة الطاقية على الاقتصاد الكلي بشكل مباشر عبر ثلاث قنوات، هي تضخم تكاليف الإنتاج، وتأثيرها على أسعار الطاقة للمستهلكين، والأثر المالي السيادي. وتجلى الضرر الاقتصادي بوضوح على كل من الأسر والشركات، إذ كانت الفترة الأولى من صدمة أسعار الغاز عاملاً رئيساً في التضخم والارتفاع الحاد في تكاليف المعيشة. يؤثر تضخم تكاليف الإنتاج بشكلٍ حاد على القطاعات الصناعية كثيفة الاستهلاك للطاقة، والتي تُشكل العمود الفقري للصناعات التحويلية في أوروبا، مثل صناعات الصلب والكيماويات والزجاج والسيراميك والورق والأسمدة. وقد أدى ارتفاع أسعار الغاز وتداعياته الواسعة إلى تعقيد جهود الحكومات لضمان إمدادات طاقة موثوقة وبأسعار معقولة للمواطنين والشركات، كما سلط الضوء على القدرة التنافسية الدولية للصناعة الأوروبية. وتبدو ألمانيا – القوة الصناعية الأكبر في أوروبا – أكبر متضرر من الأزمة. فقد أدى تراجع الصناعة بسبب أزمة الطاقة بعد عام 2022 إلى تغيير النموذج الاقتصادي للبلاد. وثمة خطر يتمثل في حدوث صدمة طاقة ثانية قد تُحوِّل ما كان تعديلات دورية في الإنتاج إلى خسائر هيكلية دائمة.

 

2. التداعيات الجيوسياسية

تتجاوز التداعيات الجيوسياسية للأزمة الآثار الاقتصادية الثنائية لتشمل مسألة الوحدة الأوروبية. وأسفرت أزمة عام 2022 في نهاية المطاف عن قدر من التضامن داخل الاتحاد الأوروبي، حيث اتفقت الدول الأعضاء على الشراء المشترك، وأهداف خفض الطلب، وتدفقات الغاز التضامنية. وتختبر أزمة 2026 مدى استدامة هذا الهيكل التضامني أم أنَّه مشروط. وفي السياق الحالي تتضح عدة نقاط ضغط؛ فقد أبدت دول وسط وشرق أوروبا الأعضاء – ولاسيما المجر وسلوفاكيا – منذ ما قبل الأزمة، رغبة أقل في اتفاقيات التوريد التي تتوسط فيها دول الاتحاد الأوروبي، وقد تسعى إلى حلول ثنائية تقوض القدرة التفاوضية الجماعية. كما أن توقع تحمُّل الحكومات ودافعي الضرائب في نهاية المطاف عبء ارتفاع الأسعار يضعف حوافز الصناعة الأوروبية للاستعداد للصدمات المستقبلية. فضلاً عن كون تأطير الأزمة، بوصفها نتيجة لحملة عسكرية أمريكية إسرائيلية لم يُتشاوَر فيها مع معظم الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي، يُدخل البُعد عبر الأطلسي ويُعقّد الإدارة السياسية لمطالب التضامن.

 

3. الآثار الاجتماعية

في ظل تطور أزمة الطاقة، وتراجُع النشاط الصناعي، وارتفاع فواتير الغاز والكهرباء وارتفاع التضخم، من المتوقع أن تشهد أوروبا أزمة اجتماعية، لاسيما داخل الطبقات الشعبية والمتوسطة، من خلال ارتفاع مستويات البطالة وتراجُع القدرة الشرائية للسكان. إذ تعتمد نسبة كبيرة من الأسر على تعريفات اجتماعية محددة لتوفير التدفئة ومساعدات الدولة، وبالتالي فإن حدوث صدمة سعرية مستمرة سيتطلب تدخلاً مالياً للحكومات بشكل فوري في الوقت الذي لا تزال فيه المالية العامة الأوروبية تواجه مشكلات الاستقرار.

 

تختبر أزمة 2026 مدى استدامة الهيكل التضامني الأوروبي حول الطاقة أم أنَّه مشروط (أ.ف.ب)

 

استراتيجيات المواجهة

خلافاً للأزمة السابقة في عام 2022، يمتلك الاتحاد الأوروبي اليوم خيارات أكثر لمواجهة الأزمة، يمكن حصرها في أربعة أدوات رئيسة:

 

1. آليات التخزين والطوارئ

لا تزال إدارة أصول التخزين الحالية الأداة الرئيسة للاتحاد الأوروبي على المدى القريب. وستؤدي مستويات التخزين المنخفضة الحالية إلى ضخ كميات كبيرة من الغاز الطبيعي المسال في خلال صيف عام 2026، مما سيرفع على الأرجح واردات أوروبا من الغاز الطبيعي المسال إلى مستوى قياسي جديد في هذا العام. والمتوقع أن تكون إمدادات الغاز الطبيعي المسال المرنة، بما في ذلك من الولايات المتحدة والنرويج، حاسمة مرة أخرى لإعادة ملء مواقع التخزين في الاتحاد الأوروبي إلى مستويات كافية. وتتمتع المفوضية الأوروبية بالأساس القانوني بموجب لائحة الغاز الطارئة لاقتراح أهداف إلزامية لخفض الطلب، والسؤال هو ما إذا كانت الظروف السياسية متوفرة للدول الأعضاء لقبول مثل هذه التدابير في الوقت الذي تواجه فيه العديد من الحكومات بالفعل ضغوطًا سياسية متعلقة بتكلفة الطاقة. وقد خفَّضت الدول الأعضاء في الاتحاد استهلاكها من الغاز من أبريل 2024 إلى مارس 2025 بنسبة 15.6% مقارنة بمتوسط استهلاكها السنوي بين أبريل 2017 ومارس 2022، مُتجاوزة الهدف. ولا تزال الاستجابة للطلب الصناعي بواسطة ترتيبات الانقطاع التعاقدية، التي طُوِّرَت منذ عام 2022، هي الأداة الأكثر قابلية للتوسع الفوري من جانب الطلب.

 

2. الطاقة النووية

أدت الأزمة إلى إعادة إحياء النقاش حول دور الطاقة النووية في أمن الطاقة الأوروبي. ولا تزال الطاقة النووية تشكل العمود الفقري لإمدادات الكهرباء في فرنسا، حيث توفر ما بين 65 و70% من إجمالي إنتاج الكهرباء في البلاد، وهي أعلى نسبة في العالم. وقد التزمت الحكومة الفرنسية ببناء ستة مفاعلات EPR2 جديدة، بتكلفة تقديرية مبدئية تبلغ 72.8 مليار يورو. واكتسب هذا البرنامج النووي المتجدد ثقلاً استراتيجياً إضافياً في سياق الأزمة الراهنة. وقد أوضح القادة الأوروبيون في قمة الطاقة النووية التي عُقدت في باريس، في 10 مارس، أن الاتحاد قد لا يكون أمامه خيار كبير إذا أراد استقلالاً حقيقياً وطاقة بأسعار معقولة. وفي كلمتها في القمة، صرحت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين بأن “التخفيض في حصة الطاقة النووية كان خياراً، وأعتقد أنه كان خطأً استراتيجياً من جانب أوروبا أن تدير ظهرها لمصدر موثوق وبأسعار معقولة للطاقة منخفضة الانبعاثات”. ومع ذلك، فإن أهمية الطاقة النووية في الأزمة الحالية غير مباشرة في المقام الأول، فهي تقلل الطلب على توليد الكهرباء بالغاز، مما يتيح استخدام الغاز في التدفئة والاستخدامات الصناعية. ولكن لا يمكن بناء قدرات نووية جديدة في ظل جداول زمنية للأزمات، أما القيمة التشغيلية للأصول النووية القائمة فهي حقيقية ولكنها محدودة.

 

3. الأسواق البديلة

في هذه الأزمة يخضع تنويع مصادر الغاز الطبيعي المسال في أوروبا – وهو الإنجاز الاستراتيجي الرئيس لإطار عمل REPowerEU لما بعد عام 2022 – لأول اختبار حقيقي له. حيث أنفقت دول الاتحاد الأوروبي حوالي 258 مليار يورو على واردات الغاز الطبيعي المسال من بداية عام 2022 وحتى يونيو 2025. وتختبر الأزمة الحالية ما إذا كان افتراض الاستراتيجية المتعلق بتأثيرات المحفظة المتنوعة صحيحاً عندما يكون سوق الغاز الطبيعي المسال العالمي نفسه تحت الضغط. فمن المتوقع أن يتسارع نمو إمدادات الغاز الطبيعي المسال العالمية بشكل أكبر في عام 2026 إلى أكثر من 7%، وهو أسرع معدل له منذ عام 2019. ومن المتوقع أن تمثل أمريكا الشمالية الغالبية العظمى من الزيادة البالغة 40 مليار متر مكعب. ومع ذلك، فإن الغاز الطبيعي المسال الأمريكي يخضع لالتزامات تعاقدية طويلة الأجل تحد من المرونة قصيرة الأجل. فعبر مضيق هرمز يمر حوالي 93% من صادرات قطر من الغاز الطبيعي المسال، و96% من صادرات الإمارات، وهو ما يُمثل نحو 20% من تجارة الغاز الطبيعي المسال العالمية. ولا توجد طرق بديلة لتزويد السوق العالمية بالغاز الطبيعي المسال من قطر سوى محطات تسييل الغاز الطبيعي المسال القائمة، حيث سيؤثر وضع الإمدادات القطرية بشكل كبير على مدى توافر الإمدادات الأوروبية. في المقابل يعمل خط أنابيب الغاز النرويجي، الذي أصبح أكبر مصدر لإمدادات الغاز في أوروبا منذ عام 2022، بكامل طاقته تقريباً، على رغم تحذيرات المسؤولين النرويجيين من محدودية القدرة على زيادة الإنتاج المحلي بسرعة بسبب العوامل التكنولوجية والبنية التحتية.

 

4. آلية الشراء المشتركة

في أبريل 2023، أطلقت المفوضية آلية تجميع الطلب والشراء المشترك (AggregateEU). وتوفر هذه المنصة أداةً للتفاعل المنسق مع السوق لم تكن متاحة في عام 2022. وقد واجهت الآلية تحديات هيكلية – لاسيما التوتر بين المشاركة الطوعية ومنطق المفاوضة الجماعية الذي يمنحها قيمتها – لكنها تمثل أداة مهمة محتملة لإدارة إشارات الأسعار في خلال الأزمة الحالية. وإذا ما استمرت الظروف الراهنة، قد تقترح المفوضية تحويل آلية التجميع الطوعي إلى إطار إلزامي لمدة طوارئ محددة، مما يُركز القوة الشرائية الأوروبية في سوق موحدة. وينطوي هذا النهج على مخاطر سياسية، لاسيما فيما يتعلق بقانون المنافسة وتفضيلات الدول الأعضاء التي تربطها علاقات ثنائية قائمة مع الموردين.

 

لطالما تعامل الاتحاد الأوروبي مع أمن ممرات الشحن في الخليج بوصفه مشكلة تخص جهات أخرى (شترستوك)

 

معضلة مضيق هرمز وخيارات أوروبا

لطالما تعامل الاتحاد الأوروبي مع أمن ممرات الشحن في الخليج بوصفه مشكلة تخص جهات أخرى. هذا التفويض لأمن الطاقة إلى طرف ثالث – وأساساً الولايات المتحدة التي تباينت مصالحها في مجال الطاقة بشكل كبير عن مصالح أوروبا منذ أن جعلت ثورة النفط الصخري أمريكا مُصدِّرة صافية للطاقة – يُمثِّل تناقضاً استراتيجياً جوهرياً. وقد جعلت الأزمة الحالية من المستحيل تجاهل هذا التناقض. في 9 مارس 2026، أعلن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أن فرنسا وعدداً من الدول الأخرى بصدد إنشاء مهمة مرافقة “دفاعية بحتة” للسفن التجارية العابرة لمضيق هرمز، وذلك في إطار عملية أسبيدس، وأن فرنسا سترسل 12 سفينة إلى منطقة الشرق الأوسط. وفي 10 مارس، أعلنت بريطانيا أنها تعمل إلى جانب ألمانيا وإيطاليا على دعم الملاحة التجارية عبر المضيق. قبل الحرب، كانت أقساط التأمين على عبور مضيق هرمز تُقدّر بنحو 0.125% من القيمة المؤمن عليها للسفينة. وبحلول أواخر فبراير، قفزت هذه النسبة إلى ما بين 0.2% و0.4%، ما أضاف ربع مليون دولار لكل عبور بالنسبة لناقلات النفط الكبيرة. وقد سحبت العديد من شركات التأمين تغطيتها ضد مخاطر الحرب بشكل كامل، ما جعل العبور مستحيلاً من ناحية الكلفة بغض النظر عن رغبة شركات النقل في المحاولة.

 

وفي ضوء الوضع الراهن يواجه الاتحاد الأوروبي معضلة ثلاثية حقيقية في سياسته تجاه مضيق هرمز، فهو بحاجة إلى إبقاء المضيق مفتوحاً لأسباب تتعلق بأمن الطاقة، ولا يستطيع في الوقت نفسه تأمينه بشكل منفرد، لكن الارتباط بالحملة الأمريكية الإسرائيلية التي ولّدت هذا التهديد يُنذِر بتكاليف دبلوماسية وجيوسياسية وضغوط سياسية داخلية في الدول الأعضاء. وتُمثِّل الخيارات التالية مقاربات متباينة لهذه المعضلة الثلاثية:

 

الخيار الأول، تعزيز المشاركة في الأطر القائمة، عبر تعزيز الدول الأعضاء في الاتحاد الأوروبي مساهماتها العملياتية في القوات البحرية المشتركة، مع التأكيد على أن ذلك يتعلق بأمن الطاقة لا بدعم الحرب. يُحافظ هذا الخيار على التوافق مع الولايات المتحدة ويضمن قابلية التشغيل البيني مع القوة الأكثر تأثيراً في المنطقة، ولكنَّه قد يكون غير مستدام سياسياً على الصعيد المحلي نظراً لتردد الدول الأعضاء في الاتحاد على نطاق واسع في الارتباط بالحملة الأمريكية الإسرائيلية. ذلك أن الفوارق بين المشاركة في تأمين المضيق والانخراط في الحرب في السياق الحالي تبدو ضبابية وربما تكون مكلفة.

 

الخيار الثاني، مهمة أوروبية مستقلة لحماية الممرات البحرية. يمكن أن يكون إطلاق مهمة بحرية مخصصة ضمن إطار السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة، على غرار عملية أتالانتا لمكافحة القرصنة، خياراً أكثر استقلالية للاتحاد الأوروبي، ولكن مع التركيز تحديداً على حماية خطوط إمداد الطاقة. ويتطلب ذلك قراراً من المجلس الأوروبي بموجب المادة 43 من معاهدة الاتحاد، وموافقة بالإجماع من الدول الأعضاء، وتحديد القوات المساهمة. ويُعدّ الجانب السياسي لهذا الخيار – المتمثل في تأكيد الاستقلالية الاستراتيجية للاتحاد الأوروبي – ذا أهمية بالغة. كما أن مخاطر المصداقية العملياتية لا تقل أهمية، فمهمة الاتحاد الأوروبي دون مساهمات القوات الأمريكية ستواجه خصماً أكثر قدرة من أي عملية سابقة في إطار السياسة الأمنية والدفاعية المشتركة.

 

الخيار الثالث، المسار الدبلوماسي لتحييد المضيق. سيمثل طول انقطاع تدفقات الغاز الطبيعي المسال عبر مضيق هرمز كارثة اقتصادية بالنسبة لأوروبا، لذلك ربما تتجه الدول الأوروبية إلى حشد دبلوماسي دولي لتأمين ضمانة ملاحية متعددة الأطراف في المضيق، تحظى بتأييد مجلس الأمن الدولي أو كبار مستوردي الطاقة، بما في ذلك الهند واليابان وكوريا الجنوبية والصين، عبر التفاوض مع طهران لتحييد الممر البحري. ومع أن الخيار الدبلوماسي بطيء نسبياً مقارنةً بحدة الأزمة، إلا أنَّه قد يكون خياراً استراتيجياً للاتحاد الأوروبي يُميزه عن تصلُّب الموقف الأمريكي.

 

وفي ضوء تعقيد الأزمة مع تطور الصراع، يبدو أن أوروبا لن تكون مكتفيةً بخيار واحد، حيث من المتوقع أن يكون النهج الأمثل هو دمج عناصر الخيارات الثلاثة جميعها، عبر تعزيز مساهمات القوات البحرية المشتركة لتحقيق أهمية عملياتية فورية، وإعداد إطار عمل لمهمة بحرية مستقلة يُمثِّل أداةً لتحقيق الاستقلالية على المدى المتوسط، والسعي الحثيث نحو المسار الدبلوماسي بوساطة من سلطنة عُمان أو الصين أو باكستان أو الهند، فضلاً عن تسريع شراكات أمن الطاقة الثنائية مع دول مجلس التعاون الخليجي. وهنا سيكون الاتحاد الأوروبي أمام اختبار التغلب على تردُّده التاريخي في التعامل مع أمن الخليج بوصفه مجالاً ذي أهمية استراتيجية، فقد أثبتت هذه الأزمة أن أمن الطاقة الأوروبي وأمن الملاحة البحرية في الخليج العربي أمران لا ينفصلان.

 

أثبتت ارتدادات الحرب الإيرانية أن أمن الطاقة الأوروبي وأمن الملاحة البحرية في الخليج العربي أمران لا ينفصلان (شترستوك)

 

خلاصة واستنتاجات

تكشف أزمة الطاقة الكبرى الثانية التي تشهدها أوروبا في غضون أربع سنوات عن أن اعتماد القارة على الوقود الأحفوري المتداول في أسواق عالمية متقلبة جيوسياسياً يُمثِّل خللاً هيكلياً سيستمر في توليد صدمات سعرية كارثية على مديات زمنية غير منتظمة طالما استمر؛ حيث يدخل المستهلكون والحكومات الأوروبية عامهم الرابع من ارتفاع أسعار الغاز وتقلُّبها، بكل ما يعنيه ذلك من تدهور قطاع الصناعة، فضلاً عن تأثيره غير المباشر على أسعار المواد الاستهلاكية وأوضاع الطبقات الشعبية والمتوسطة.

 

وتُجسّد مسألة مضيق هرمز عجزاً استراتيجياً أوسع نطاقاً، حيث تعاملت أوروبا طويلًا مع البنية التحتية المادية لإمداداتها من الطاقة على أنها مسؤولية تقع على عاتق جهات أخرى، وخاصة الولايات المتحدة. وأوروبا اليوم تدفع ثمن سوء التقدير، فلم تعد تستطيع إسناد أمن خطوط الطاقة الحيوية الخاصة بها إلى شريك تتباعد مصالحه بشكل متزايد عن مصالحها الخاصة.

 

لذلك، فإن الطريق إلى أمن طاقة أوروبي حقيقي يمر بثلاث مراحل انتقالية متزامنة، أولها خفض هيكلي في الطلب على الغاز يكفي لإنهاء الاعتماد على الاستيراد، وثانيها استثمار سياسي في الدبلوماسية البحرية الخليجية يتناسب مع مصالح الطاقة الأوروبية في تلك المنطقة، وأخيراً تعميق مؤسسي لآليات التضامن في مجال الطاقة على مستوى الاتحاد الأوروبي، القادرة على العمل في ظل ظروف جيوسياسية صعبة.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M