ملامح المشهد الانتخابي بجيبوتي في ضوء التوترات الإقليمية

تأتي الانتخابات الرئاسية في جيبوتي وسط مشهد دولي وإقليمي معقد، حيث تتجاوز تداعياته حدود منطقة الشرق الأوسط لتصل إلى القارة الإفريقية، خاصةً منطقة القرن الإفريقي، التي تتمتع بأهمية جيوسياسية كبيرة، حيث تستعد جيبوتي للانتخابات الرئاسية، التي من المفترض أن تُجرى في 10 أبريل 2026م، وسط حالةٍ من الجمود السياسي الداخلي، وسيطرة واضحة للسلطة التنفيذية.

وتأتي هذه الانتخابات في ظل استمرار الرئيس المرشح «إسماعيل جيله» داخل سدة الحكم منذ عام 1999م، وسعيه للحصول على ولاية سادسة بعد التعديلات الدستورية التي تجاوزت القيود العمرية، وهو ما يعكس نمطاً مستمراً من إعادة تشكيل القواعد السياسية بما يضمن استمرارية النظام القائم. وفي الوقت نفسه، يطرح غياب المنافسة الحقيقية، ومقاطعة المعارضة، تساؤلات مهمة وجوهرية حول الطبيعة الخاصة للعملية الانتخابية، ومدى قدرتها على التعبير عن الإرادة الشعبية الحقيقية، ولا سيما داخل بيئة تتراجع فيها المؤشرات الخاصة بالحريات السياسية والإعلامية[1].

هذا، ويعكس المشهد الانتخابي في الدولة اختلالاً بنيوياً داخل التوازن بين السلطة والمعارضة، حيث تفتقر العملية السياسية إلى التعددية الفعلية، وذلك في ظل سيطرة الحزب الحاكم على مؤسسات الدولة، بما في ذلك اللجنة الخاصة بالانتخابات ووسائل الإعلام الرسمية. وهذا الواقع لا يقتصر على ضعف المنافسة فقط، بل يمتد إلى تضييق المجال العام أمام القوى المعارضة، سواءٌ عبر القيود القانونية أو الضغوط السياسية، وقد يؤدي ذلك إلى انتخاباتٍ أقرب إلى أداةٍ لإضفاء الشرعية الشكلية على النظام القائم، بدلاً من كونها أداةً للتداول السلمي للسلطة المتعارف عليه، كما أن دعم بعض أطراف المعارضة للرئيس «جيله»، أو عزوفها عن المشاركة، يعكس إما حالةً من الانقسام الداخلي أو إدراكاً مسبقاً لغياب فرص التغيير، وهو ما يعزز أزمة الثقة بين المجتمع والنظام السياسي، ويؤسس لاحتقانٍ طويل الأمد[2].

وفي المقابل؛ لا يمكن تناول هذه الانتخابات بسياقٍ منفصل عن الأوضاع الإقليمية المتزايدة، حيث تلعب جيبوتي دوراً محورياً داخل واحدة من أبرز المناطق البحرية العالمية، وذلك عند مضيق باب المندب، فالتوترات في البحر الأحمر، والهجمات على الملاحة، والتنافس الدولي والإقليمي على النفوذ في القرن الإفريقي، كل ذلك يُضيف مزيداً من الضغوط على الاقتصاد الجيبوتي، الذي يعتمد بشكلٍ كبير على المواني والخدمات اللوجستية، فمع تصاعد التوترات بين القوى الكبرى داخل منطقة الشرق الأوسط تزداد مخاطر اضطراب سلاسل الإمداد وارتفاع تكاليف النقل والطاقة، ما ينعكس مباشرةً على داخل جيبوتي في شكل ضغوط اقتصادية واجتماعية. وفي هذا السياق؛ ربما تتحول هذه الانتخابات من مجرد استحقاق دستوري داخلي إلى لحظة سياسية مفصلية، ترتبط بقدرة الدولة على الحفاظ على الاستقرار داخل البيئة الإقليمية التي لا تزال تعاني من حالة التقلب، وهو ما يمنحها أبعاداً تتجاوز حدودها الوطنية[3].

وفي سياقٍ آخر؛ لا يمكن فصل الانتخابات الرئاسية في جيبوتي عن التداعيات المتنامية للحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، والتي تُلقي بظلالها على مجمل التوازنات داخل البحر الأحمر ومضيق باب المندب أيضاً، حيث تقع جيبوتي في قلب هذا المسرح الحيوي المتنامي، فالتصعيد العسكري وما يصاحبه من تهديدات لحركة الملاحة الدولية العالمية يزيد من أهمية جيبوتي كقاعدة لوجستية وأمنية للقوى الدولية، لكنه في الوقت نفسه قد يضاعف من هشاشة اقتصادها الذي يعتمد على استقرار التدفقات التجارية، فضلاً عن أن ارتفاع أسعار الطاقة وتكاليف الشحن نتيجة التوترات الإقليمية سوف ينعكس بصورة مباشرة على الشؤون الداخلية لجيبوتي، ولا سيما في ظل البنية الاقتصادية المحدودة. وفي هذا الإطار؛ تكتسب الانتخابات بعداً يتجاوز التنافس السياسي الداخلي، لتصبح جزءاً من المعادلة الأوسع، والمرتبطة بإدارة الضغوط الخارجية، وكذلك الحفاظ على موقع الدولة داخل شبكة المصالح الدولية، وهو ما قد يدفع السلطة إلى تغليب منطق الاستقرار السياسي على أي انفتاح ديمقراطي محتمل[4].

وفي هذا السياق؛ يسعى المقال إلى طرح تساؤل رئيسي مفاده: هل يمكن أن تحمل الانتخابات الرئاسية في جيبوتي أي ملامح تغيير حقيقي في ظل هيمنة سياسية ممتدة، أو أنها ستظل مجرد استحقاق شكلي يتأثر أكثر بتسارع الحرب الإقليمية وتداعياتها المتزايدة؟

أولاً: المشهد في البلاد قُبيل بدء الانتخابات:

فيما يتعلق بالمشهد الانتخابي داخل جيبوتي، يمكن القول إن الأوضاع الداخلية تتسم بقدرٍ كبير من الانغلاق والجمود السياسي، ولا سيما في ظل غياب التنافسية الحقيقية للبلاد، حيث يدخل الرئيس «جيله» هذا التنافس الانتخابي وسط معادلةٍ شبه محسومة قبل بدايتها، حيث إن انحسار هذا التنافس في مرشحَيْن فقط لخوض غمار التنافس يزيد من السيطرة على الأوضاع الداخلية، وغياب جميع أشكال العدالة، وضعف الحضور السياسي والتنظيمي على حدٍّ سواء، ولا سيما في ظل المقاطعة القوية للمعارضة، وربما يعكس البيئة الانتخابية التي تفتقر إلى التعددية الفعلية، كما أن هذا الوضع لا يرتبط بضعف المعارضة فقط، بل يعكس أيضاً طبيعة النظام السياسي الذي نجح في إعادة إنتاج نفسه، وذلك من خلال الآليات القانونية والمؤسسية التي تضمن استمرار السيطرة. وفي هذا الإطار؛ قد تتحول هذه الانتخابات من أداةٍ للتداول السلمي للسلطة إلى إجراءٍ شكلي يعزز شرعية قائمة بالفعل، ولا سيما مع حالات انتخابية سابقة، والتي أظهرت نسب فوز كاسحة للرئيس الحالي، وهو ما يُضعف من مصداقية العملية الانتخابية بشكلٍ عام في نظر قطاعات من الداخل والخارج[5].

وفي ظل هذا المشهد المعقد؛ تلعب التعديلات الدستورية التي أجرتها الحكومة دوراً محورياً نحو إعادة تشكيل شكل الحالة السياسية في جيبوتي، وذلك بما يعزز من شرعية واستمرارية النظام، حيث إن إلغاء القيود المرتبطة بالسن القانوني للترشح، بعد تعديلات سابقة تتعلق بحدود الولايات، كل ذلك يعكس توجهاً واضحاً نحو حالة عدم الوضوح السياسي والقانوني، ومحاولة خلق سياقٍ خاص يتناسب مع بقاء القيادة الحالية على سدة الحكم. كما أن هذه الديناميكية قد تطرح تساؤلات عدة ترتبط بطبيعة العلاقة بين القانون والسياسة، حيث يتحول النص الدستوري من أداةٍ لضبط السلطة إلى وسيلة لإعادة إنتاجها. كما أن تمرير هذه التعديلات، في ظل الهيمنة التي يفرضها الائتلاف الحاكم على البرلمان، سوف يحد من فرص المناقشة العامة ويُضعف أيضاً من دور المؤسسات التمثيلية، وبذلك يصبح الإطار القانوني جزءاً من البنية الأوسع الرامية إلى إعادة تكريس اختلال التوازن بين السلطة والمعارضة؛ بدلاً من المضي في تصحيحها ووضعها على الطريق الأمثل[6].

وعلى المستوى المؤسسي؛ قد تشهد الانتخابات غياب الشفافية والحياد، ولا سيما من الجهات المشرفة على العملية الانتخابية، ولا سيما اللجنة الوطنية المستقلة للانتخابات، حيت تتهمها المعارضة بالانحياز للسلطة، وسط غياب الحرية الإعلامية، مع استمرار القيود على حرية الصحافة، حيث إن هذا التقييد لا يؤثر فقط في فرص المعارضة بل يشمل أيضاً التأثير في الوعي الجمعي للناخبين، وكذلك في قدرتهم على اتخاذ القرارات المبنية على التنوع المعلوماتي. وفي ظل هذه البيئة؛ تفقد الحملات الانتخابية جزءاً كبيراً من وظيفتها الأساسية، ولا سيما في ظل اعتبارها مساحةً للتنافس السياسي، حيث تتحول إلى نشاط أحادي الاتجاه يعزز الرواية الرسمية دون إتاحة المساحة الكافية للنقاش أو النقد أو التنافس[7].

وعلى الرغم من هذا الجمود السياسي داخل جيبوتي؛ فإن المشهد لا يخلو من توترات داخلية، ولا سيما داخل الائتلاف الحاكم نفسه، الذي يقوم على توازنات دقيقة في ظل الاعتبارات القبلية والسياسية، وسط تنامي وتيرة الخلافات الداخلية، واستقالات بعض الشخصيات البارزة، هذه التطورات تعكس حالةً من القلق بشأن مستقبل النظام السياسي. هذه التوترات، وإن كانت غير ظاهرة بشكلٍ مباشر في العملية الانتخابية، إلا أنها تُمثل عاملاً حاسماً في فهم الديناميات داخل السلطة الجيبوتية، كما أن الضغوط الاجتماعية الناتجة عن البطالة المرتفعة والتفاوت الاقتصادي تضيف بعداً آخر من الهشاشة، ما يجعل أبعاد الاستقرار الظاهري للمشهد الانتخابي يُخفي وراءه تحديات أعمق قد تتفاقم في مرحلة ما بعد الانتخابات[8].

وفي ظل التوترات الدولية الناشبة؛ لا يمكن قراءة المشهد في جيبوتي بعيداً عن الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على إيران، ولا سيما أن هذا التصعيد المتنامي قد يعيد صعود الأهمية الجيوسياسية لجيبوتي بوصفها دولةً مطلة على باب المندب ومتصلةً بصورة مباشرة بأمن البحر الأحمر وخليج عدن، حيث إن تنامي الصراع القائم سوف يزيد من تصاعد المخاوف تجاه حركة الملاحة في باب المندب ومضيق هرمز، كما يضاعف أهمية الاستقرار السياسي في جيبوتي بالنسبة للقوى الدولية المرتبطة بمصالح اقتصادية وأمنية في البلاد. لكنّ ذلك قد يضع الدولة تحت ضغطٍ متزايد بين الضرورات الأمنية الداخلية، ومتطلبات التموضع الخارجي، فضلاً عن أن ارتفاع أسعار النفط، وزيادة تكلفة الشحن والتأمين، مع وجود احتمالات لتحويل المسارات التجارية البحرية، تُشكل عوامل تنعكس على الاقتصاد الجيبوتي المرتبط بالمواني والخدمات اللوجستية، بما يجعل الانتخابات تجري في بيئة تتراجع فيها أولوية الانفتاح السياسي لصالح هاجس الاستقرار وحماية الموقع الإستراتيجي للدولة[9].

ثانياً: المرشحون في السباق نحو القصر الحاكم:

وفي سياق الحالة التنافسية في السباق الانتخابي؛ تأتي هذه الانتخابات وسط سياق سياسي يتسم بحالةٍ من الضعف التنافسي، وهو ما ينعكس بوضوح على طبيعة المرشحين وحدود الخيارات المتاحة أمام الناخبين. هذا المشهد الانتخابي قد لا يعكس التعددية السياسية الحقيقية بقدر ما يُجسّد حالة الاستمرارية لبنية السلطة القائمة، حيث يبرز مرشح السلطة بوصفه الفاعل الرئيسي مقابل منافس محدود التأثير. كما أن هذا الاختلال لا يرتبط فقط بميزان القوى بين المرشحين، بل يمتد إلى طبيعة البيئة السياسية والقانونية التي تحكم العملية الانتخابية، والتي أسهمت في تقليص المساحة التنافسية وضعف حضور المعارضة. وفي هذا السياق؛ يصبح تحليل المرشحين ليس مجرد إحالة استعراضية لشخصياتهم وبرامجهم، بل مدخلاً لفهم طبيعة النظام السياسي، وأيضاً حدود التغيير الممكن داخله، ولا سيما في ظل تداخل العوامل الداخلية، وسط تزايد الضغوط الإقليمية والدولية، والتي تعيد تشكيل أولويات الدولة وإستراتيجياتها السياسية.

ويُمثل الرئيس الحالي «إسماعيل جيله» مرشح حزب الاتحاد الحاكم نموذجاً لاستمرارية السلطة في جيبوتي، حيث يسعى إلى ولاية سادسة بعد أكثر من ربع قرن في الحكم، مستنداً إلى شبكة معقدة من التحالفات السياسية والمؤسسية، والتي عززت موقعه داخل الدولة، وقد أتاح له تعديل دستوري حديث إلغاء القيود العمرية، ما مكّنه من الترشح مجدداً، رغم تقدّمه في السن، حيث تعكس هذه الخطوة قدرة النظام على إعادة تشكيل قواعد اللعبة السياسية بما يخدم استمراريته. وفي خطابه الانتخابي؛ ركز الرئيس على تناول القضايا المتعلقة بالاستقرار والوحدة الوطنية والتنمية الاقتصادية، ساعياً إلى الاستفادة من موقعه كرئيس قائم يمتلك أدوات الدولة وإمكاناتها، كما أن حضوره الميداني في الحملات الانتخابية، وحشد الدعم الشعبي، قد تُعزز من صورته كمرشح مهيمن، في ظل غياب منافسة فعلية قادرة على تهديد موقعه[10].

وعلى الجانب الآخر؛ يُمثل المرشح الرئاسي الثاني والأخير «محمد فرح سماتر»، مرشح حزب المركز الديمقراطي الموحد CDU، محاولةً محدودة وضعيفة لإظهار حالة التنافسية الانتخابية المحدودة، إلا أن حضوره السياسي يظل مقيداً بضعف القاعدة التنظيمية وغياب التمثيل البرلماني لحزبه، وذلك على الرغم من تبنيه خطاباً داعياً فيه إلى ضرورة التغيير السياسي، والعمل على تجديد النخبة الحاكمة، إلا أن قدرته على تحويل هذا الخطاب إلى قوة انتخابية فعلية وميدانية تظل محدودةً في ظل بيئة سياسية غير مناسبة، وقد حاول «سماتر» من خلال حملاته الميدانية تقديم رؤى بديلة، تركز على ضرورة إشراك المواطنين وتعزيز المشاركة السياسية، إلا أن تأثيره يظل محصوراً في الإطار الرمزي أكثر منه تنافسي، وبذلك؛ على ما يبدو أن ترشحه أقرب إلى إضفاء طابع شكلي فقط على العملية الانتخابية، دون أن يُشكل تحدياً حقيقياً لهيمنة السلطة القائمة، أو حتى يُشكل تهديداً لفرص «جيله» للوصول إلى سدة الحكم للمرة السادسة[11].

ثالثاً: التحديات التي تواجه الانتخابات الرئاسية في جيبوتي:

وفي ضوء ما سبق؛ فإن الانتخابات الرئاسية في جيبوتي تواجه مجموعة من التحديات، ولا سيما في ظل البيئة السياسية التي لا تزال تتسم بضعف التعددية الحزبية، وسط غياب حالة التوازن بين السلطة والمعارضة، وهو ما قد ينعكس بصورة مباشرة على مستوى التنافسية والشفافية. كما أن الإطار الدستوري، رغم وجوده شكلياً، قد أصبح محل جدلٍ واسعٍ بسبب التعديلات التي عززت استمرارية النظام، في حين تكرّس هيمنة الحزب الحاكم داخل مؤسسات الدولة، بما في ذلك البرلمان والهيئات المشرفة على العملية الانتخابية. فضلاً عن ذلك؛ تسهم القيود المفروضة على الإعلام وتضييق المجال العام في الحد من فرص التعبير السياسي الحر، الأمر الذي يضعف من مصداقية العملية الانتخابية. وفي الوقت ذاته؛ تبرز التوترات داخل النخبة الحاكمة، ولا سيما ما يتعلق بمسألة الخلافة، كعامل إضافي قد يؤثر في استقرار المشهد السياسي، إلى جانب الضغوط الإقليمية التي تفرض أولويات أمنية على حساب الإصلاح السياسي[12]، ولعل أبرز هذه التحديات، ما يأتي:

الإشكالية الدستورية الإطارية:

تواجه الانتخابات تحدياً كبيراً، والذي يتمثل في التلاعب بشكل فج في الإطار الدستوري، ولا سيما بعد إلغاء القيود الخاصة بعدد الولايات والعمر الأقصى للترشح، كما أن هذا النمط من الهندسة الدستورية قد يُضعف مبدأ تكافؤ الفرص، ويثير شكوكاً حول نزاهة العملية الانتخابية، حيث يعكس تركيز السلطة في يد الرئيس، ويُحوّل القواعد القانونية إلى أدوات لضمان الاستمرارية بدل تنظيم التنافس الديمقراطي الحقيقي.

الهيمنة الحزبية وضعف التعددية السياسية:

حيث يهيمن الحزب الحاكم على الأغلبية الساحقة داخل البرلمان، وهو ما يمنحه قدرة شبه مطلقة على توجيه العملية السياسية، وفي المقابل؛ قد تعاني المعارضة من التهميش والانقسام، إضافةً إلى لجوء المعارضة في بعض الأحيان إلى مقاطعة الانتخابات، وهذا الوضع قد يفرغ العملية الانتخابية من مضمونها التنافسي، ويجعل نتائجها متوقعة قبل الشروع فيها، ما يُضعف ثقة الناخبين في جدوى المشاركة السياسية.

القيود المفروضة على الإعلام:

وتلعب البيئة الإعلامية دوراً كبيراً في تعزيز النزاهة الانتخابية، إلا أن سيطرة الدولة على معظم وسائل الإعلام سوف تحد من جدوى وسائل الإعلام في نقل المعلومات، ورغم وجود الهيئة التنظيمية لضمان التوازن؛ فإن الواقع يشير إلى ضعف الاستقلالية الإعلامية، ما يؤثر في قدرة الناخبين على الوصول إلى معلومات متنوعة، هذا الخلل يحد من النقاش العام ويقوّض مبدأ الاختيار الحر الواعي.

صراعات النخبة:

ويُمثل غياب الخليفة الواضح للرئيس واحداً من أبرز التحديات، حيث تتصاعد المنافسة داخل النخبة الحاكمة بين التيارات المختلفة وسط تنامي الخلافات القبلية والسياسية، كما أن هذه الصراعات، وإن كانت غير معلنة، قد تؤثر في تماسك النظام أثناء العملية الانتخابية، كما أن أي محاولة لفرض خليفة معيّن قد تؤدي إلى توترات داخلية، وهو ما قد ينعكس سلباً على استقرار البيئة الانتخابية.

تأثير العوامل الجيوسياسية:

تتمتع جيبوتي بموقع إستراتيجي يجعلها محور اهتمام دولي، ولا سيما مع وجود قواعد عسكرية أجنبية، كما أن هذا الواقع يقلل من الضغوط الدولية المطالبة بالإصلاح الديمقراطي، حيث يتم تغليب الاستقرار على التحول السياسي. نتيجةً لذلك؛ تستمر البيئة الانتخابية في العمل ضمن حدود ضيقة من التنافس، دون حوافز قوية لإجراء إصلاحات تعزز الشفافية والمساءلة؛ ولا سيما أن الصين عززت وجودها العسكري في جيبوتي خلال السنوات الأخيرة، فقد أنشأت بكين أول قاعدة عسكرية لها خارج البلاد في جيبوتي عام ٢٠١٧م[13].

الأوضاع الإقليمية في البحر الأحمر:

تُمثل اضطرابات البحر الأحمر وباب المندب تحدياً يمكن تناوله على أنه غير مباشر للعملية الانتخابية، لأنها تدفع الدولة إلى تقديم أولوية الأمن والاستقرار على حالة الانفتاح السياسي، كما أن موقع جيبوتي على ممر بحري مهم بالنسبة للتجارة العالمية قد يعطي جيبوتي ورقة إستراتيجية قوية. وعلى الرغم من أن مساحة جيبوتي لا تتجاوز مساحة ولاية نيوجيرسي الأمريكية؛ فإنها تستضيف ما لا يقل عن ثماني قواعد عسكرية أجنبية، من بينها قواعد تابعة للولايات المتحدة واليابان وفرنسا، ويعود ذلك لحدٍّ كبير إلى موقع جيبوتي الإستراتيجي على طول مضيق باب المندب، وهو ممر مائي حيوي يمر عبره ما يزيد عن 10% من التجارة العالمية سنوياً[14].

وفيما يتعلق بمستقبل هذه الانتخابات والسيناريو المتوقع لها:

فإن كافة المؤشرات الحالية ترجّح استمرار الرئيس الحالي وفوزه بولاية سادسة، حيث إن هذا الفوز شبه المحسوم للرئيس «إسماعيل عمر جيله» يبرهن على غياب المنافسة الحقيقية، كما يشير أيضاً إلى عزوف قوي وتراجع فعالية المعارضة، غير أن هذا السيناريو لا يعني بالضرورة استقراراً مستداماً في البلاد، حيث يُحتمل أن تتفاقم التحديات الداخلية المرتبطة بالضغوط الاقتصادية، وارتفاع معدلات البطالة، مع تآكل الثقة بين المجتمع والنظام السياسي، فضلاً عن أن استمرار الإقصاء السياسي قد يدفع إلى بروز أشكال غير تقليدية من التعبير السياسي خارج الأطر المؤسسية. ومن الناحية الإقليمية؛ ستظل جيبوتي مضطرةً إلى الموازنة بين متطلبات الاستقرار الداخلي وضغوط التنافس الدولي في البحر الأحمر، وهو ما قد يعزز من تغليب الاعتبارات الأمنية على الإصلاح السياسي.

وعليه؛ يمكن القول إن الانتخابات القادمة ستعزز من استمرارية النظام أكثر مما تفتح المجال لتغيير فعلي، لكنها في الوقت ذاته قد تؤسس لمرحلة كامنة من التوترات المؤجلة التي قد تظهر على المدى المتوسط.

وختاماً:

يمكن القول إن هذه الانتخابات في جيبوتي قد لا تبدو، في ضوء المعطيات القائمة، محطة حقيقية لإحداث التحول السياسي الجوهري، بقدر ما قد تُمثل امتداداً لبنية حكم راسخة نجحت في إعادة إنتاج نفسها عبر الأدوات الدستورية والمؤسسية والسياسية المتعددة. كما أن ضعف التنافسية، وتراجع فاعلية المعارضة، مع هيمنة السلطة على كل الأوضاع في البلاد، تُشكل جميعها عوامل تجعل هذا الاستحقاق أقرب إلى تعزيز الشرعية القائمة منه إلى فتح المجال أمام تداول فعلي للسلطة.

ومع ذلك؛ فإن أهمية هذه الانتخابات لا تنبع فقط من نتائجها المتوقعة، بل من السياق الأوسع الذي تجري فيه، سواءٌ على مستوى الهشاشة الداخلية أو على مستوى الضغوط الإقليمية والدولية التي تحدث بالتزامن مع هذا الاستحقاق الدستوري المهم بجيبوتي. ومن ثَمّ؛ فإن مستقبل الاستقرار لن يتوقف فقط على حسم العملية الانتخابية، بل على قدرة النظام السياسي أيضاً على التعامل مع التحديات الاجتماعية والاقتصادية والجيوسياسية المتزايدة، دون تأجيل استحقاقات الإصلاح السياسي إلى أجل غير معلوم، وسط مشهد عالمي مضطرب تغيب عنه الحلول السياسية والدبلوماسية بشكلٍ كبير.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M