- لم يعُد الردع وحده كافياً لضمان الاستقرار في منطقة الخليج، لأن امتلاك الأطراف المتنافسة مستويات غير مسبوقة من القدرات العسكرية لم يمنع الاقتراب من مواجهة واسعة، بل كشف الحاجة إلى إدارة مخاطر استخدام هذه القدرات لا مجرد تراكمها.
- أظهرت المواجهة العسكرية الأخيرة أن البيئة الأمنية في الخليج تغيّرت جذرياً؛ فالتهديدات باتت تستهدف البنية التحتية والطاقة والممرات البحرية والتجارة، ما يجعل أي خطأ في الحسابات أكثر كلفة وأوسع أثراً.
- يُطرح نموذج هلسنكي بوصفه فكرة لإدارة التنافس لا لإنهائه، أي وضع قواعد وآليات تمنع الخصومات القائمة من الانزلاق إلى تصعيد مباشر أو حرب مفتوحة.
- ثمة حاجة مُلحَّة إلى إطار خليجي/إقليمي عملي متعدد المستويات لإدارة المخاطر، يشمل تحييد المنشآت المدنية، والإخطار المسبق بالتحركات العسكرية، وقنوات اتصال للأزمات، وتنظيم السلوك في الممرات البحرية والفضاء السيبراني.
لم تنتهِ الحرب في المنطقة بعد؛ فالمفاوضات الأمريكية-الإيرانية لم تُنتِج تسوية نهائية حتى الآن، والتوتر العسكري يظل حاضراً، فيما لا تزال الصواريخ والطائرات المسيّرة جزءاً من معادلة الأمن الإقليمي. لكن بصرف النظر عن مآلات الأزمة الحالية، يبدو أن الخليج خرج منها بسؤال مختلف عن ذلك الذي شغل المنطقة طوال العقود الماضية.
لسنواتٍ طويلةٍ، انصبّ التفكير الأمني الخليجي على بناء الردع، وكان الافتراض السائد أن زيادة كلفة الهجوم كفيلة بتقليل احتمالات الحرب. لذلك استثمرت دول المنطقة في القدرات العسكرية، وعززت شراكاتها الأمنية، وطوَّرت منظومات الدفاع الجوي والصاروخي. غير أن الأشهر الأخيرة أظهرت أن امتلاك القوة، على أهميته، لا يكفي دائماً لمنع التصعيد.
والمفارقة أن الحرب الأخيرة اندلعت في لحظة كانت فيها المنطقة تمتلك أكبر قدر من أدوات الردع في تاريخها الحديث، وهو ما يطرح سؤالاً لا يتعلق بحجم القوة المتاحة، وإنما بحدود قدرتها على إنتاج الاستقرار. فالردع لم يكن غائباً عن الأزمة، وإنما كان حاضراً بكثافة غير مسبوقة. ومع ذلك، لم يمنع المنطقة من الاقتراب من مواجهة واسعة النطاق.
وربما كانت هذه هي النتيجة الأهم للحرب الحالية؛ أنها لم تكشف فشل الردع، ولكن كشفت أن الردع وحده لم يعد قادراً على إنتاج الاستقرار؛ فلم تعد الإشكالية في امتلاك القوة، بل في إدارة القوة.
بيئة أمنية جديدة في الخليج
هذه ليست مسألة نظرية بالنسبة للخليج، فمنذ الهجمات على منشآت النفط السعودية عام 2019، مروراً بالهجمات على الملاحة في الخليج والبحر الأحمر، وصولاً إلى الحرب الحالية، أخذت المنطقة تكتشف أن التهديدات الجديدة لا تستهدف الجيوش فقط، وإنما الاقتصاد، والبنية التحتية، وحركة التجارة، والطاقة. وأصبح واضحاً أن نتائج الصراع لم تعد تتحدد فقط بحجم القوة العسكرية، بل أيضاً بقدرة الدول على حماية مجتمعاتها وشبكاتها الحيوية من التعطيل والاستنزاف.
كما أن الخط الفاصل بين الحروب غير المباشرة والاستهداف المباشر للدول والمنشآت أصبح أكثر ضبابية مما كان عليه في السابق. وتحولت منشآت الطاقة والموانئ والمطارات والممرات البحرية إلى جزء من ساحة الصراع نفسها. وهذه نقلة مهمة في طبيعة البيئة الأمنية، لأنها تجعل كلفة أي خطأ في الحسابات أعلى بكثير مما كانت عليه في الماضي.
إن الخليج العربي ليس مجرد ساحة للتنافس الإقليمي، بل إحدى أهم العقد الاستراتيجية في العالم. ويكفي أن يتعرض مضيق هرمز أو مرفق طاقة رئيسي أو أحد مسارات التجارة البحرية لاضطراب كبير حتى تمتد التداعيات إلى ما هو أبعد من المنطقة. ولذا لم يعد أمن الخليج شأناً خليجياً فحسب، كما لم تعد أزماته محصورة داخل حدوده الجغرافية.
لماذا هلسنكي؟
في ظل هذه التحولات، عاد سؤال قديم للظهور بصيغة جديدة: كيف يمكن إدارة التنافس بين الخصوم من دون أن يتحول إلى حرب؟ ومن هنا عاد الحديث عن نماذج تاريخية لإدارة التنافس بين الخصوم، ومن بينها تجربة هلسنكي[1] في خلال الحرب الباردة. وبطبيعة الحال، لا يشبه الخليج أوروبا في سبعينيات القرن الماضي. فالبيئة الأمنية أكثر تعقيداً، والفاعلون ما دون الدولة أكثر تأثيراً، والتكنولوجيا العسكرية أكثر انتشاراً. لكن أهمية اتفاقية هلسنكي لا تكمن في تفاصيلها التاريخية بقدر ما تكمن في الفكرة التي قامت عليها.
فهذه الاتفاقية لم تكن نتيجة سلام بين الشرق والغرب، بل جاءت في ظل استمرار الصراع بينهما. ولم تسعَ إلى إنهاء التنافس، وإنما إلى وضع قواعد تحد من احتمالات تحوله إلى مواجهة مباشرة. لقد انطلقت من إدراك بسيط مفاده أن الخصوم قد يعجزون عن حل خلافاتهم، لكنهم يستطيعون بناء آليات تمنع تلك الخلافات من الانفجار.
وما يجعل تجربة هلسنكي جديرة بالاهتمام اليوم ليس سياقها الأوروبي، بل الفكرة التي قامت عليها. فالخليج لا يحتاج إلى استنساخ نموذج أوروبي، ولا إلى افتراض أن الخلافات الإقليمية ستختفي في المستقبل المنظور. لكنه يحتاج إلى التفكير في كيفية إدارة التنافس في بيئة أصبحت فيها كلفة سوء التقدير أعلى من أي وقت مضى.
من الحوادث المحدودة إلى الأزمات الكبرى
إن الخطر الأكبر في الوقت الراهن لا يتمثل بالضرورة في قرار متعمد بشن حرب واسعة، وإنما في احتمال أن يؤدي حادث محدود إلى سلسلة من ردود الفعل المتبادلة يصعب احتواؤها؛ صاروخ يُخطئ هدفه، أو مسيّرة مجهولة المصدر، أو حادث بحري في أحد الممرات الاستراتيجية، قد يكون كافياً لإطلاق دورة جديدة من التصعيد.
من هنا تبدو الحاجة إلى قواعد لإدارة المخاطر أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى؛ قواعد لا تفترض وجود ثقة كاملة بين الأطراف، ولا تتطلب توافقاً سياسياً شاملاً، لكنها توفر آليات للتواصل أثناء الأزمات، وتعزز الشفافية العسكرية، وتحمي البنية التحتية الحيوية، وتحد من احتمالات الانزلاق غير المقصود إلى المواجهة.
إطار متعدد المستويات لإدارة المخاطر
لكن إدارة المخاطر لا تعني إنشاء مظلة أمنية جديدة أو تفويض طرف واحد بإدارة أمن المنطقة. فطبيعة الخليج وتعقيداته لا تسمحان بذلك. والأرجح أن أي مقاربة قابلة للحياة ستحتاج إلى بنية متعددة المستويات؛ دائرة خليجية داخلية يكون مجلس التعاون إطارها الطبيعي لتنسيق المواقف وتعزيز القدرة الجماعية على الاستجابة للأزمات، ودائرة إقليمية تشمل قنوات اتصال مباشرة بين دول الخليج وإيران للتعامل مع الحوادث البحرية والأزمات العسكرية، ودائرة دولية تضم القوى المعنية بأمن الممرات البحرية واستقرار أسواق الطاقة، ليس بوصفها بديلاً عن الفاعلين الإقليميين، بل طرفاً مسهلاً وضامناً لبعض التفاهمات الأساسية.
بهذه الصيغة، لا يصبح نموذج هلسنكي المقترح استعادتُهُ مشروعاً لإعادة هندسة المنطقة أو بديلاً عن الردع والسيادة الوطنية، بل إطاراً يربط بينهما. فالمطلوب ليس إدارة أمن الخليج من الخارج، ولا ترك كل دولة تواجه المخاطر منفردة، وإنما بناء حد أدنى من القواعد المشتركة التي تمنع التنافس القائم من التحول إلى تصعيد دائم.
نحو قواعد إقليمية لإدارة المخاطر
وإذا كانت قيمة هلسنكي تكمُن في بناء قواعد لإدارة التنافس، فإن السؤال العملي يصبح: ما نوع القواعد التي يحتاجها الخليج اليوم؟
إذا كان الهدف من أي نموذج مستقبلي هو منع التنافس من التحول إلى مواجهة مفتوحة، فإن الخطوة الأولى تتمثل في بناء مجموعة من القواعد العملية القابلة للتطبيق، ومن بينها الآتي:
أولاً، تحييد البنية التحتية المدنية الحيوية، بحيث تصبح منشآت الطاقة والمطارات والموانئ ومحطات التحلية وشبكات الاتصالات خارج دائرة الاستهداف المباشر.
ثانياً، إنشاء آليات للإخطار المسبق تشمل المناورات العسكرية الكبرى واختبارات الصواريخ والتحركات العسكرية غير الاعتيادية التي قد تُفسَّر باعتبارها استعداداً للتصعيد.
ثالثاً، تطوير قنوات اتصال دائمة لإدارة الأزمات على المستويات السياسية والعسكرية والبحرية، بما يسمح باحتواء الحوادث قبل تحولها إلى أزمات أوسع.
رابعاً، تنظيم السلوك في الممرات البحرية، خصوصاً في مضيق هرمز وخليج عمان، عبر قواعد اشتباك وإجراءات اتصال واضحة أثناء الحوادث البحرية.
خامساً، الحد من مخاطر التصعيد غير المباشر، بما في ذلك الهجمات السيبرانية واستهداف البنية التحتية عبر أطراف غير حكومية أو جماعات مسلحة تعمل خارج الأطر الرسمية للدول.
الخلاصة
ليس الغرض من هذه الترتيبات المقترحة إنهاء الخلافات السياسية، بل منعها من التحول إلى أزمات أمنية يصعب احتواؤها. ولا تعد هذه الترتيبات وصفة لحل جميع أزمات المنطقة، ولا مشروعاً للمصالحة بين خصومها؛ إنها مقاربة أكثر تواضعاً، لكنها ربما أكثر واقعية. فالتجربة الخليجية في خلال العقد الماضي تشير إلى أن الأزمات لا تبدأ عادة بقرارات كبرى، وإنما بحوادث محدودة تتراكم آثارها تدريجياً. وما لم توجد آليات لإدارة تلك الحوادث، فإن المنطقة ستظل معرضة للانتقال من التوتر إلى المواجهة في فترات زمنية قصيرة.
لذلك لا يتعلق السؤال الأساسي بما إذا كان الخليج يحتاج إلى نسخة جديدة من نموذج/اتفاقية هلسنكي، بل بما إذا كان يحتاج إلى مجموعة من القواعد المشتركة القادرة على منع التنافس من التحول إلى حرب. فإذا كان العقدان الماضيان قد شهدا استثماراً واسعاً في بناء أدوات الردع، فإن العقد المقبل سيتطلب استثماراً موازياً في بناء قواعد إدارة المخاطر. وفي منطقة تتسارع فيها أدوات التصعيد أكثر من أدوات الاحتواء، قد تصبح إدارة التنافس شرطاً للاستقرار بقدر ما كان الردع شرطاً للأمن في العقود الماضية. فالتحدي الذي يواجه الخليج اليوم لا يتمثل في منع الحرب المقبلة فحسب، ولكن في بناء قواعد تجعلها أقل احتمالاً منذ البداية.