معضلة هرمز ومحاولة إعادة هندسة الجغرافيا

  • تُوسِّع دول الخليج البنية التحتية القائمة المصممة لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، إذْ «الرأي السائد هو أن لا أحد يريد أن يكون رهينة لإيران».
  • تسعى إيران إلى فرض أمرٍ واقعٍ جديد، عبر الإكراه، تُعيد من خلاله هندسة الجغرافيا لصالحها.
  • قد نكون أمام مفترق طريق بالنسبة لمستقبل مضيق هرمز: إما أن تكون إيران في طور التحكم فيه ككنز استراتيجي خرجت به من الحرب، أو أن هذا الواقع الجديد لهرمز سيدفع إلى معادلة جديدة بخصوص الأمن البحري ومفاهيم الاستقرار.
  • تسريع جهود العالم لإيجاد طرق بديلة عن هرمز من شأنه أن «يخفض التكاليف التي يواجهها خصوم إيران في شن حرب مستقبلية»، وبالنسبة لأسواق النفط، فقد «أصبح تقبُّل المخاطر أمراً طبيعياً».

 

تُعيد الحرب الأمريكية/الإسرائيلية-الإيرانية وتوابعها المتتالية، تهدئةً وتصعيداً، حصاراً أو انفراجاً، تشكيلَ خرائط النقل والتجارة والإمداد على نحو سيمتد إلى سنوات مقبلة. لقد أجبرت الحرب دول الخليج (أو بعضها على الأقل) على التفكير في إعادة النظر في مساراتها للتجارة وتصدير النفط والغاز الطبيعي المسال، في مقاربة استراتيجية تصطدم بتحديات جيوسياسية وقيود هيكلية وتنافسات اقتصادية. ولجأت دول الخليج إلى تعزيز تعاونها اللوجستي وأنشأت طرقاً بديلة للتصدير، في مواجهة إغلاق إيران عملياً (خلال الحرب وبعد مذكرة وقف إطلاق النار) مضيق هرمز.

 

تحاول هذه الورقة التساؤل عمّا إذا كان الصراع حول مضيق هرمز سيدفع إلى إعادة هندسة الجغرافيا حوله، الأمر الذي يعني أمرين: أولهما؛ مستقبله في ضوء تغيُّر مفهوم استقرار الأمن البحري، وفي ضوء توسيع المسارات البديلة عنه. وثانيهما؛ مستقبل هرمز في ضوء إصرار السلطات الإيرانية على عدم التخلي عن سيطرتها على المضيق الحيوي، ومن هنا الحديث عن «معضلة هرمز».

 

اتفاق هش لا يُنهي البحث عن البدائل

دعا الاتفاق المؤقت الموقّع في يونيو 2026 ما بين الولايات المتحدة وإيران إلى فتح المضيق وعودة العمل به كما كان قبل 28 فبراير 2026. لم يكن واقع ما بعد الاتفاق أو مذكرة التفاهم سلساً أو مطابقاً لما نصت عليه مذكرة التفاهم، بل انطوى على تعقيدات وتفسيرات متباينة ومتناقضة لما جرى بحثه في المفاوضات الأمريكية-الإيرانية حول المضيق وغيره من قضايا. تمّ خرق وقف إطلاق النار، وجرى تبادل الهجمات، وواصلت إيران الاعتداء على جيرانها الخليجيين وعلى السفن التجارية، والتهديد بمعاودة إغلاق هرمز أو هي فعلت حقاً، حتى بعد الاتفاق المؤقت، بل صدرت تصريحات غاضبة عن الرئيس الأمريكي، دونالد ترمب، بأن الاتفاق مع إيران «انتهى»، وعاد الحصار البحري «بهدف تقويض قدرة طهران على تهديد السفن في مضيق هرمز»، بينما هددت طهران بإغلاق معابر مائية أخرى، مثل مضيق باب المندب عند المدخل الجنوبي للبحر الأحمر.

 

النهج العسكري لم يحسم الصراع والنافذة الدبلوماسية لا تزال، حتى الآن، قاصرة في الوصول إلى اتفاق شامل؛ وهي لحظة يُعاد فيها النظر في مسائل الأمن الإقليمي وأمن الممرات وأسس الاستقرار في نسختها الجديدة بعد الجولات التي مضت من هذا الصراع.

 

كانت الإمارات الدولة الخليجية الأكثر وضوحاً في توقّع مآلات الاتفاق المؤقت بين واشنطن وطهران على خططها البديلة والطموحة عن هرمز وبشأن الاعتماد المستقبلي عليه خلال السنوات المقبلة. ففي مقابلة مع بلومبرغ منتصف يونيو 2026، قال وزير التجارة الخارجية الإماراتي، ثاني الزيودي: «نحن نتحرك نحو الاعتماد بنسبة صفر في المئة على مضيق هرمز، وسيسري ذلك بغض النظر عما إذا كان الممر مفتوحاً أم لا». وأضاف «إن المضيق سيفتح ونأمل أن يحدث ذلك سريعاً، لكننا لن نوقف الخطة (الإماراتية) الجديدة»، القاضية بالمضي قُدماً في توسعة موانئ الإمارات الشرقية في دبا والفجيرة وخورفكان، مع التوجه لإنشاء ميناء جديد على ساحل خليج عُمان. هذا المشروع سيرافقه استثمار كبير في خطوط أنابيب جديدة، إضافة إلى شبكات السكك الحديدية والطرق، وهي مشروعات ستحسن الربط بين الموانئ الشرقية وحقول النفط والغاز والمنشآت البترولية في الإمارات.

 

من جانب آخر، أبدت الكويت أيضاً رغبة في البحث عن بدائل بشأن هرمز، إذ قال الشيخ خالد أحمد الصباح، المدير الإداري للتسويق الدولي في مؤسسة البترول الكويتية، إن الكويت كانت من بين الدول التي تتحدث مع السعودية والإمارات حول خطوط أنابيب محتملة عبر أراضيها يمكن أن تربط إنتاج النفط الخليجي بالمشترين العالميين، كما تحدثت الكويت مع عُمان حول مواقع تخزين نفط محتملة على الجانب الآخر من المضيق. ولم يصدر عن قطر أو البحرين تصريحات تفصيلية مشابهة حتى الآن.

 

وبالنظر إلى هشاشة الاتفاق الموقّع ما بين الولايات المتحدة وإيران في يونيو 2026، عاد التوتر لاحقاً ما بين الجانبين، وقد يتجدد، أو يتصاعد، في أي مرحلة، ومن الصعب التنبؤ بعكس ذلك.

 

كنز هرمز

قال محللون في يوليو 2026، إن دول الخليج ستُسرّع استثماراتها في خطوط أنابيب النفط بعد أن أدت الهجمات المتجددة إلى انخفاض حادّ في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز. في هذه الأثناء، ضغطت طهران على السفن التجارية لاستخدام ممر معتمد من إيران على طول الجانب الشمالي من المضيق بدلاً من الخيار الجنوبي الذي يديره الجيش الأمريكي على طول الساحل العماني. ومن المرجح أن توسع الإمارات والسعودية والكويت والعراق وقطر والبحرين البنية التحتية القائمة المصممة لتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، إذْ «الرأي السائد هو أن لا أحد يريد أن يكون رهينة لإيران».

 

وعليه، ربما تبقى حالة اللاحرب واللاسلم حول المضيق قائمة لأجل غير معلوم، أو على الأقل بقاء تهديد إيران بعسكرة المضيق وإثارة التوتر في الملاحة البحرية في أي وقت وعند الرغبة في استخدامه ورقة ضغط وابتزاز سياسي أو نفوذ استراتيجي مُستَجَدّ، إلى حين التوصّل إلى اتفاق قوي وشامل يحظى بالتزام جميع الأطراف، ويُعالج أسباب الأزمة الحقيقية. وثمة رأي متشائم (أو ربما يكون واقعياً جداً في الحقيقة) يرى أن ظروفَ الصفقةِ الكبرى ليست متوافرة، في المدى المنظور على الأقل، وأنَّ النظامَ الإيرانيَّ الحاليَّ، الأكثر أيديولوجيةً، يخشى تماماً العودةَ إلى الدولةِ الطبيعية؛ أيْ تلك التي تلتزم قواعدَ القانونِ الدولي في التعامل ليس فقط مع مضيق هرمز بل أيضاً مع جيرانها والعالم بأسره.

 

تقول ابتسام الكتبي، رئيسة مركز الإمارات للسياسات، إن واشنطن ربما تكون قد أسهمت في تحويل مضيق هرمز من مجرد ورقة ضغط إيرانية إلى مصدر دائم للنفوذ، عندما أوقفت الحرب من دون حل القضايا التي كانت سبباً لها. ويخشى مسؤولون خليجيون، بحسب تحليل لـ «رويترز»، من أن تكون الحرب، من خلال كشف قدرة إيران على تشكيل الأحداث حول المضيق، قد خلقت ميزة ستحجم طهران عن التنازل عنها حتى ولو كان ذلك في مقابل رفع العقوبات أو التقدم في الملف النووي. وتؤكد الكتبي: «يمارسون الضغط على الأمريكيين وعلى الجميع. والآن بعد أن عثروا على كنز هرمز هذا، لن يتخلوا عنه».

 

وإذا تحققت السيناريوهات السيئة، فإن من بينها أن تنزلق الولايات المتحدة نحو نوع جديد من الحروب الدائمة، حرب جوية دائمة. وقد تُضعف الضربات قدرات إيران، لكنها لن تُجبر طهران على التخلي عن (مطامعها) الأساسية في مضيق هرمز. والنتيجة (ربما): هجمات متبادلة تُضفي طابعًا طبيعيًا على حملة جوية مفتوحة.

 

إن الصدمات من هذا النوع لا تمر مرور الكرام على السوق دون أن تُغيرها، بل تُعيد تشكيلها. ما يبدو ظاهريًا اضطرابًا مؤقتًا هو في الحقيقة نقطة تحوُّل، وهو يُجبر، مثلاً، صناعة الغاز الطبيعي المسال على إعادة النظر في افتراضاتها بشأن الأمن والاستراتيجية والمخاطر.

 

الاستعداد الاستباقي 

كانت المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة قد استعدتا استباقياً، ومنذ سنوات، لاحتمال تنفيذ إيران تهديدها بإغلاق مضيق هرمز، فأنشأت السعودية خط أنابيب «شرق-غرب» (المعروف باسم بترولاين) الذي ينقل النفط من الحقول والمصافي على ساحل الخليج العربي إلى ميناء التصدير ينبع الواقع على ساحل البحر الأحمر، ومثلها دولة الإمارات التي شيدت خط أنابيب «حبشان-الفجيرة» الذي ينقل النفط من الحقول والمصافي الواقعة على الخليج العربي إلى ميناء الفجيرة على بحر العرب. ومع إغلاق إيران المضيق، عززت السعودية صادراتها عبر خط «بترولاين» الذي تصل طاقته إلى 7 ملايين برميل يومياً، كما عززت الإمارات صادراتها النفطية عبر خط «حبشان-الفجيرة» الذي تبلغ طاقته 1.5-1.8 مليون برميل يومياً. لكن هذه، على أهميتها الجوهرية، حلول جزئية، فهذان الخطّان البديلان لا يستطيعان نقل كل الطاقة الإنتاجية للإمارات والسعودية، دع عنك أن الحل السعودي له تكاليفه، إذ تواجه ناقلات النفط المغادرة من البحر الأحمر رحلة أطول إلى عملائها في شرق آسيا، كما يتعين عليها المرور عبر مضيق باب المندب الذي يقع تحت تهديد محتمل من قبل جماعة الحوثي. ومن جهة أخرى فإن بقية دول الخليج (مثل قطر والبحرين والكويت) لا تملك منفذاً مماثلاً، وتمر كل صادراتها من النفط والغاز عبر مضيق هرمز، ما أدى إلى تعطل صادراتها أثناء الحرب. وتبقى عُمان استثناءً بين دول الخليج، لقدرتها على التصدير عبر بحر العرب وخليج عُمان.

 

يتمتع مضيق هرمز بأهمية حيوية يستحق معها هذا الصراع حوله، برغم هشاشة موقعه الاستراتيجي من حيث -أولاً- ضيقه، إذ يبلغ عرض هرمز في أضيق نقطة له نحو 34 كيلومتراً فقط. وثانياً، اتصافه بحركة مرور مُقيدة، فلتجنب التصادمات بين السفن التجارية يتعين عليها استخدام ممرات ملاحية محددة للغاية للدخول والخروج، لا يتجاوز عرض كل منها 3 كيلومترات. وثالثاً، غياب بدائل سهلة وكاملة حالياً عنه. فخطوط الأنابيب البديلة التي أنشأتها السعودية والإمارات لتجاوز المضيق، لا تملك (حتى الآن) -على أهميتها- القدرة على استيعاب حجم الطلب العالمي الهائل. كما أضافت الألغام التي زرعتها إيران وإجراءات الحصار الأمريكية طبقة ثانية من السيطرة، ما حوّل المضيق من نقطة اختناق مُحكمة إلى منطقة بحرية خاضعة لصراع على الإرادات والنفوذ.

 

في الوقت الحالي، ليس من السهل تعويض النقص الناجم عن تعطل الواردات النفطية من الخليج التي تصل إلى 20 مليون برميل يومياً، إذ يُعرف الجزء الأكبر من النفط الخام المتدفق من الخليج باسم «النفط متوسط ​​الحموضة»، أي أنه ذو كثافة متوسطة ومحتوى كبريتي مرتفع نسبياً. ويُعدّ هذا النوع من النفط مناسباً جدًا لإنتاج منتجات حيوية مثل الديزل ووقود الطائرات. ويُعدّ انخفاض إمداداته أحد الأسباب التي تدفع شركات الطيران إلى التحذير من قدرتها على مواصلة رحلاتها إذا لم ينتهِ الصراع قريباً.

 

وبالإضافة إلى النفط والغاز، يأتي ما يصل إلى 30% من الأسمدة المتداولة دولياً (مثل اليوريا والأمونيا) من منطقة الخليج وتمر عبر المضيق. وتهدد الاضطرابات في المضيق بشكل مباشر الأمن الغذائي العالمي وإنتاجية المحاصيل، وقد يهدد طول الصراع بأزمة غذاء عالمية، وبخاصة في الدول الفقيرة، بعدما تسببت التهديدات التي طالت الملاحة عبر هرمز في تعطيل أكثر من 70% من واردات المنطقة من الغذاء. كما تمر كميات كبيرة من المواد الخام الصادرة من دول الخليج، مثل الألومنيوم والهيليوم والبتروكيماويات، عبر المضيق لدعم صناعة السيارات والتكنولوجيا والرقائق على مستوى العالم.

 

سياسة الأمر الواقع

برغم جميع هذه الحقائق الآنفة الذكر، والتي لا مفرّ من الإقرار بها والإصغاء إليها، أصبحت دولة الإمارات، وبقية دول الخليج، ترى أنه لا ​يمكن الوثوق في أي ترتيبات أحادية ​تتخذها ​إيران أو التعويل عليها ‌فيما ⁠يتعلق بحرية الملاحة في مضيق هرمز، ​وذلك ​بعد «عدوانها ⁠الغاشم على جيرانها كافة». وقد نشرت السلطات الإيرانية في مايو 2026 خريطة مزعومة لما قالت إنه منطقة بحرية موسعة تخضع الآن لسيطرتها وتمتد إلى ما هو أبعد من المضيق لتشمل مساحات شاسعة من المياه الدولية، بما في ذلك أجزاء طويلة من ساحل الإمارات على جانبي المضيق.

 

إيران تسعى إلى فرض أمر واقع جديد، عبر الإكراه، تُعيد من خلاله هندسة الجغرافيا لصالحها. في هذا السياق، حذر إبراهيم عزيزي، رئيس لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، بأن «السبيل الوحيد هو الاعتراف بالنظام الإيراني الجديد في مضيق هرمز». أما رئيس البرلمان وكبير المفاوضين مع الولايات المتحدة، محمد باقر قاليباف، فقد أكّد: «لن يُفتح مضيق هرمز إلا بترتيبات إيرانية، لا بتهديدات أمريكية».

 

في هذا الإطار الناشئ الذي تضغط طهران باتجاه فرضه بالإكراه، فإن إعادة هندسة الجغرافيا وتوجيهها وفق رغبة إيران من شأنه تحقيق ثلاثة أغراض مترابطة: فهو يوفر مصدراً للنفوذ الاقتصادي في وقت تواجه فيه إيران احتمالية إعادة إعمار مكلفة بعد الحرب؛ ويخلق فرصاً للاعتراف السياسي، حيث تُجبر الدول على التواصل المباشر مع طهران لتأمين المرور؛ ويوفر آلية لإعادة تعريف الديناميكيات الإقليمية بشروط أكثر ملاءمة لإيران.

 

مثل هذا الموقف التصعيدي والأحادي والمخالف لحرية الملاحة في الممرات الدولية ولمصالح الجيران في الخليج يُنذر بمستقبل مضطرب، مع نوبات عنف منتظمة أو متقطعة، واستمرار حالة عدم اليقين في أسواق الطاقة العالمية. لكن هذه الظروف جميعها «سرّعت الاستثمار في طرق التفافية»، وبعض الدول تعيد توجيه صادراتها وتحوطاتها، مما قد يضعف الورقة الاستراتيجية لإيران.

 

في هذه الأثناء، ومع تأكيد الإمارات أن استهداف الملاحة واستخدام «هرمز» أداةً للضغط تُعَدُّ أعمال قرصنة، تُسرّع الإمارات خططها لتحويل المزيد من التجارة بعيدًا عن مضيق هرمز المُعطّل (أو القابل للتعطيل في أي تصعيد حقيقي أو متوقَّع)، حيث تواجه موانئ الخليج خطر فقدان حصتها السوقية لصالح منافسيها في الهند وسريلانكا وغيرها.

 

ويرى محللون أن موانئ جبل علي وخليفة وغيرها من الموانئ المُغلقة داخل المضيق ستعتمد على حجمها الهائل للبقاء، وعلى تعزيز عمليات سلاسل التوريد لديها. لقد تطورت هذه الموانئ لتصبح أنظمة لوجستية وصناعية متكاملة، تجمع بين الموانئ والمناطق الحرة والتصنيع والتخزين والتوزيع وخدمات لوجستية ذات قيمة مضافة. ولذا، فإن حديث المسؤولين الإماراتيين عن «صفر هرمز» إنما هو طمأنة للأسواق العالمية بوجود خطة بديلة طويلة الأمد، وليس مجرد وصف لتغييرات فورية.

 

وتُفيد التقارير أن موانئ دبي العالمية، تُخطط لنقل عملياتها إلى الساحل الشرقي لدولة الإمارات لتقليل اعتماد دبي على مركزها الرئيسي في جبل علي ومضيق هرمز. وتُجري الشركة محادثات لتطوير ميناء جديد متعدد الأغراض في المنطقة الساحلية للفجيرة، ومحطة حاويات جديدة في الميناء الحالي في الإمارة نفسها. سيُمثل نقل جزء من طاقة ميناء دبي خارج دبي تحولاً جذرياً بالنسبة لدولة الإمارات. من المرجح أن يُعزز الميناء الجديد حضور موانئ دبي العالمية في خليج عُمان. وتتوافق خطط موانئ دبي العالمية مع خطة أبوظبي الأوسع نطاقاً لتحصين اقتصادها ضد أي اضطرابات مستقبلية في الشرق الأوسط، وذلك بتقليل اعتمادها على مضيق هرمز، حيث تعطلت حركة الملاحة بسبب الحصار الإيراني والأمريكي.

 

وكانت هيئة موانئ وجمارك ومناطق الشارقة الحرة أعلنت، في يونيو 2026، عن إنشاء مجمع الذيد اللوجستي متعدد الوسائط، الذي يربط شبكة موانئ الإمارات على الساحل الغربي بالساحل الشرقي، مما يتيح فرصة الربط مستقبلاً مع قطارات الاتحاد، ويحسّن الممر الذي يربط موانئ الشارقة البحرية بالموانئ العمانية. يوفر هذا المجمع تنسيقاً لوجستياً أكثر كفاءة عبر الموانئ والمنافذ الحدودية ومراكز التوزيع لتحسين تدفق التجارة بين دولة الإمارات وسلطنة عمان ودول مجلس التعاون الخليجي. بالإضافة إلى ذلك، أنشأت الهيئة السعودية للموانئ وشركة جلف تينر ممرًا جديدًا يجمع بين النقل البحري والبري لزيادة كفاءة النقل عبر الحدود بين الدمام والشارقة وتقليل الاعتماد على طرق النقل البحري.  وفي سياق تنويع البدائل عن هرمز يأتي، أيضاً، الإعلان في أبريل 2026 عن اتفاق شركة الاتحاد للسكك الحديدية، الشركة الوطنية للسكك الحديدية في الإمارات، ووزارة النقل الأردنية على تطوير شبكة سكك حديدية مشتركة.

 

وفي يوليو 2026، ذُكر، كذلك، أن المملكة العربية السعودية تدرس توسعة طاقة خط أنابيب النفط الخام التابع لها إلى الساحل الغربي للبحر الأحمر قد تصل (التوسعة) إلى مليوني برميل يوميًا، ما سيمكن المملكة، وربما جيرانها، من نقل كميات أكبر من النفط من دون المرور عبر مضيق هرمز، ما يعكس واقعًا استراتيجيًا أوسع؛ إذْ سلّط الصراع الأمريكي-الإيراني الضوء إقليميًا على مخاطر الاعتماد كليًا على مضيق واحد.

 

الخلاصة 

مع القناعة بالأهمية الحاسمة التي تمثلها طبيعة ونتيجة التدخل الأمريكي في مجريات الصراع حول هرمز وغيره من القضايا المتعلقة بإيران، فقد نكون أمام مفترق طريق بالنسبة لمستقبل مضيق هرمز: إما أن تكون إيران في طور التحكم فيه ككنز استراتيجي خرجت به من الحرب، من شأنه أن يُقوّي نفوذها الإقليمي، أو أن هذا الواقع الجديد لهرمز سيدفع إلى معادلة جديدة بخصوص الأمن البحري ومفاهيم الاستقرار، والتكيّف مع مرحلةٍ يعدّ الاضطراب جزءاً أساسياً لا ثانوياً فيها. في النهاية، سيدفع هذا الواقع الجيوسياسي الناشئ الدول القادرة والتي تتحلى بالخيارات والعزيمة الكافية إلى الخروج من دائرة الابتزاز الإيرانية، برغم الإقرار بالتحديات والصعوبات والإشكالات المتعددة التي تقف أمام ذلك، الأمر الذي قد يعني أن أقوى ورقة رابحة لإيران، وهي مضيق هرمز، تتضاءل قيمتها، مع الوقت. فلا تستطيع طهران استخدام الممر المائي كورقة ضغط وفي الوقت نفسه استغلاله لتحقيق مكاسب مالية، لأن «تسريع جهود العالم لإيجاد طرق بديلة» من شأنه أن «يخفض التكاليف التي يواجهها خصوم إيران في شن حرب مستقبلية»، وبالنسبة لأسواق النفط، فقد أصبح تقبّل المخاطر أمراً طبيعياً.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M