الغموض الاستراتيجي للفيدرالي وفخ زعزعة استقرار الأسواق

حين صاغت الولايات المتحدة علاقتها الأمنية مع تايوان بعد عام 1979، لم تمنح بكين إجابة قاطعة عن السؤال الأهم: هل ستدخل واشنطن الحرب إذا تعرضت الجزيرة لهجوم؟

هذا هو جوهر دبلوماسيتها “الغموض الاستراتيجي”، وهي حالة من عدم اليقين تترك الخصم مضطرًا إلى احتساب أكثر من سيناريو، لكنها أيضًا تؤدي وظيفة ثانية كثيرًا ما تُنسى، وهي تقييد الحليف (تايوان في هذا المثال)، حتى لا يتصرف وكأن الضمان الأمريكي مطلق.

ولهذا تحذر الأدبيات من اختزال الغموض في مجرد “إرباك الخصم”، فإنه إدارة لسلوك الطرفين، وفعاليته في الردع ليست مضمونة في كل الظروف.

تبنى رئيس الفيدرالي “كيفن وارش” المنطق نفسه تقريبًا خلال كلمته في “جاكسون هول” اليوم، لكن في ميدان آخر تمامًا، حيث يرى أنه إذا كان القرار المستقبلي غير محسوم، فلا يجب أن يمنح السوق وعدًا مسبقًا بشأنه؟

فيدرالي أكثر هدوءًا وليس أقل تشددًا

– لم يكتف “وارش” بالامتناع التقليدي (بالنسبة له) عن إعطاء إشارة حول اجتماع سبتمبر، وقدم دفاعًا نظريًا عن هذا الامتناع.

– قال إن التوجيه المستقبلي تجاوز فائدته في الأوقات الطبيعية، وإن الإفراط في كشف المداولات أو تقديم “شبه التزامات مسبقة” قد يضلل الأسواق ويقيد حرية البنك المركزي.

– ثم لخّص رؤيته في عبارتين، هما؛ “فيدرالي أكثر هدوءًا أفضل”، وأنه هو شخصيًا “ملتزم بانضباط لا بقرار”. لكن هنا يقع التفصيل الذي التقطته سوق السندات.

– رفض “وارش” أن يقول “سنرفع الفائدة في سبتمبر”، لكنه قال إن الأوضاع المالية يصعب وصفها بأنها تقييدية، وإن سوق العمل متسقة مع وضع التشغيل الكامل.

– ارتفع مؤشر نفقات الاستهلاك الشخصي 3.7% على أساس سنوي في يوليو، وزادت أسعار 54% من مكونات المؤشر بأكثر من 3% خلال الاثني عشر شهرًا الأخيرة.

– معيار “وارش” في هذا الصدد كان واضحًا، فإذا لم يتحرك التضخم الأساسي نحو الهدف البالغ 2% “بوضوح وبسرعة كافية”، سيكون لدى الفيدرالي “عمل يقوم به”.

تحول في توقعات السوق

– عقب تلك التصريحات، انتقل السوق من “الأرجح تثبيت الفائدة” إلى رهان أشبه برمي عملة للأعلى لمعرفة الوجه الذي ستسقط عليه (50% – 50%)، وهذه أهم نتيجة خرج بها خطاب جاكسون هول.

– قبل الخطاب، كانت العقود تسعّر احتمال رفع الفائدة في اجتماع 15 و16 سبتمبر بنحو 35%، وبعده تحرك الاحتمال إلى منطقة 55-57%، أي أن احتمال التثبيت انخفض من 65% إلى 45%.

كيف استجابت الأسواق لخطاب وارش؟

 

المؤشر

القراءة قبل الخطاب

(تقريبية)

القراءة بعد الخطاب

(تقريبية)

 

احتمال رفع 25 نقطة أساس في سبتمبر

35–36 %

57-55 %

احتمال التثبيت

65-64 %

45-43%

عائد الخزانة لعامين

4.352 %

(+12 نقطة أساس)

عائد 10 سنوات

4.728 %

(+5.6 نقطة أساس)

عائد 30 سنة

5.207 %

(+1.6 نقطة أساس)

الذهب

4530 دولارًا

(-2.85%)

البيتكوين

77800 دولار

(-2.85%)

مؤشر الدولار

99.70 نقطة

(+0.55%)

الأسهم

محت مكاسبها الطفيفة وانخفضت

(-0.25%)

– بالنسبة لاحتمالات تحريك الفائدة، فإن الانتقال من 35% إلى 55% بالنسبة لسيناريو الرفع مهم، لكن تقارب الاحتمالات (45% – 55%) أهم من ذلك بكثير.

– لو كان “وارش” قد قدم توجيهًا صريحًا بالرفع، لكان من المنطقي أن تتجه السوق نحو احتمال أكبر بكثير، أما نسبة 55/45 فتعني أن المتداولين أصبحوا يرون الرفع هو السيناريو الأول، لكن بفارق هزيل يمكن لتقرير وظائف أو قراءة تضخم واحدة أن تمحوه.

– هذه هي النسخة النقدية من الغموض الاستراتيجي، حيث ترتفع تكلفة الرهان على السيناريو الخطأ.

لماذا انفجر عائد العامين؟

– السندات قصيرة الأجل هي المكان الأوضح لقراءة ما حدث، إذ تعد الأكثر حساسية تجاه تغيرات السياسة النقدية، ويعني ذلك أن المستثمرين أعادوا تسعير الفائدة خلال الأشهر القريبة، لا أنهم قرروا فجأة أن التضخم طويل الأجل خرج عن السيطرة.

– بل يمكن قراءة الهدوء النسبي للطرف طويل الأجل من السوق في الاتجاه المضاد، حيث يبدو الفيدرالي مستعدًا للتشديد الآن مما يقلل علاوة التضخم لاحقًا، والنتيجة هي تسطّح نسبي للمنحنى.

– هنا يعود الغموض مرة ثانية، فـ “وارش” يريد من السوق أن ينتج إشارته الخاصة بدل أن يعيد تدوير كلمات الفيدرالي، لكن عندما يسمع السوق عبارة “لدينا عمل نقوم به” وتضخمًا عند 3.7% واقتصادًا لا تبدو أوضاعه المالية تقييدية، يستطيع تسعير التشدد حتى من دون وعد صريح.

الذهب: صدمة قصيرة ورحلة أطول

– الذهب كان أكثر حساسية من الأسهم، فمع اللحظات الأولى للخطاب كان متذبذبًا لكنه سرعان ما استسلم لمخاوف المستثمرين وعمق خسائره، لينهي الجلسة قرب 4530 دولارًا، بعدما اقترب من 4700 دولار في وقت سابق من الأسبوع.

– تزامن ذلك مع ارتفاع سريع للدولار، على خلفية الاستنتاج الذي وصلت إليه الأسواق، حيث يرفع الفيدرالي الفائدة قريبًا وبالتالي ترتفع العوائد وتصبح العملة أقوى، ما يزيد تكلفة الاحتفاظ بأصل لا يدر فائدة.

– لكن اعتبار ذلك نهاية السوق الصاعدة في الذهب سيكون استنتاجًا يتجاوز الأدلة، فالمخاوف المالية الأمريكية، والطلب على التنويع، والمخاطر الجيوسياسية لا تختفي لأن احتمال الرفع في سبتمبر أصبح 55%.

– لذلك يصبح الذهب أمام قوتين محركتين للسوق: العائد الحقيقي والدولار في الأجل القصير، مقابل علاوة التحوط النقدي والمالي في الأجل الأطول.

الأسهم لم تصدق كل الرسالة

– لو كان الخطاب صدمة تشديد خالصة، لكانت الأسهم (خاصة التكنولوجيا) أول الضحايا، لكنها تذبذبت حول التعادل، وفي لقطات مختلفة تحولت المؤشرات بين خسائر ومكاسب، قبل أن تغلق على تراجع محدود.

– السبب أن “وارش” قدّم للأسهم الوجه الآخر من الحكاية، حيث تحدث عن إنفاق رأسمالي قوي، ونمو أرباح الشركات بأكثر من 20% خلال عام، وأشار إلى مرونة الاقتصاد بفضل استثمارات الذكاء الاصطناعي.

– أي أن معدل الخصم ارتفع، لكن توقعات التدفقات النقدية لم تنهَر، ومع ذلك، كان لابد للأسهم أن تتأثر بالارتفاع في عوائد السندات في نهاية المطاف.

– لكن هذا الطرح يجعل سوق الأسهم أكثر هشاشة أمام المفاجآت الاقتصادية القوية، فمثلًا نمو قوي مع تضخم عنيد يمكن أن يرفع عوائد السندات قصيرة الأجل أكثر ويضغط التقييمات، بينما التباطؤ المعتدل يعيد احتمال التثبيت من دون أن يضر بالأرباح.

متى ينتهي الغموض؟

– المشكلة في تفسير الخطاب باعتباره تمهيدًا لرفع شبه محسوم أن السوق جرّب هذه اللعبة بالفعل، حيث أشار محللون نقلت عنهم “رويترز” إلى أن “وارش” استخدم لغة متشددة قبل الاجتماع السابق ثم انتهى الفيدرالي إلى عدم الرفع.

– لذلك فإن احتمالًا بنسبة 55% لا يعادل إشارة رفع أكيدة من الفيدرالي، إنما مجرد تسعير لهذا الاحتمال.

– الغموض الاستراتيجي في السياسة الخارجية يحاول منع الخصم من معرفة ردك مسبقًا، أما “وارش” فيريد شيئًا أكثر دقة: ألا يعرف السوق القرار قبل أن تعرفه البيانات والفيدرالي نفسه.

– الفرق بين الدبلوماسية والسياسة النقدية مهم، فبكين ليست مصدر بيانات تستخدمه واشنطن لتحديد قرارها كل صباح، والسوق، في المقابل، مصدر معلومات ينظر إليه الفيدرالي.

– قال “وارش” صراحة في خطابه إنه لا “ينبغي التساهل مع نظامٍ يعتمد فيه المشاركون في السوق بشكل أساسي على الفيدرالي في صفقاتهم القادمة”، واصفًا ذلك بـ “الظاهرة المشوهة”، أو “قاعة المرايا” التي ينتج عنها أخطاء في صنع السياسات.

– إن خطاب “وارش” في جاكسون هول لم يقل إن سبتمبر سيشهد رفعًا، لكنه قال شيئًا ربما يكون أكثر تأثيرًا على الأسواق خلال رئاسته: “توقفوا عن انتظار أن نخبركم مسبقًا بما سيحدث”.

– في سوق انتقلت خلال لحظات من احتمالين بنسبة (35%-65%) إلى (55%-45%)، قد يصبح عدم اليقين نفسه أداة تشديد دون تحرك حقيقي من صناع السياسة.

– لكن تقتصر أثار هذا النهج على تقييد محدود للأسواق مثلما تفعل “سياسة الغموض الاستراتيجي” بالحليفة تايوان؟ أم يضعها في مكانة الخصم مثل الصين وينذر بردود فعل عنيفة؟

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M