السياسة التحتية والفضاء الرقمي: ظاهرة « قاع الهامور» بين التنفيس المجتمعي واختراقات العقل الجمعي في مصر

المقدمة:

في عصر الفضاءات الرقمية المفتوحة، لم يعد المجال العام مقتصراً على الساحات التقليدية أو القنوات الإعلامية الرسمية، بل اتسع ليشمل منصات التواصل الاجتماعي التي أصبحت بيئات ديناميكية للتعبير والتفاعل وإعادة إنتاج القضايا الاجتماعية والسياسية. وفي هذا الفضاء، تبتكر المجتمعات، ولا سيما فئات الشباب، أدوات غير تقليدية للتعبير عن واقعها اليومي والاجتماعي والاقتصادي. وتُعد ظاهرة توظيف عالم الرسوم المتحركة وشخصياته فيما عُرف رقمياً بـ مجتمع «قاع الهامور» من التجليات الرقمية اللافتة لهذا النمط من التعبير في مصر خلال النصف الثاني من عام 2026.

ولم تقتصر الظاهرة على تداول المقاطع الفكاهية والميمز، بل تطورت خلال فترة وجيزة إلى مجتمع رقمي واسع تجاوز عدد أعضائه 1.8 مليون عضو وفقاً لما أوردته تقارير إعلامية متداولة[1]. كما انتقلت من حدود الترفيه الرقمي إلى المجال العام، بعد أن حظيت باهتمام وسائل الإعلام، وناقشتها شخصيات سياسية وبرلمانية، ووصل الجدل المحيط بها إلى المستوى القضائي من خلال بلاغات طالبت بفحص بعض المحتويات والصفحات المرتبطة بها [2]، بالتزامن مع توقف المجموعة المركزية عن النشر لمدة 59 يوماً [3].

وتنبع أهمية الظاهرة ليس من حجم انتشارها وحده، وإنما من التحول الذي طرأ على وظيفتها الاتصالية ومسارها داخل المجال العام؛ إذ يبدو أنها انتقلت من إطار ترفيهي قائم على السخرية والمحاكاة إلى فضاء رقمي واسع يعيد من خلاله المستخدمون تمثيل جوانب من واقعهم الاقتصادي والاجتماعي، وفي بعض الحالات التعليق بصورة غير مباشرة على أداء المؤسسات والسياسات العامة.

وتبرز إشكالية هذ المقال في صعوبة التمييز، داخل هذه البيئات الرقمية سريعة الانتشار، بين التعبير المجتمعي العضوي الذي يعكس ضغوط الحياة اليومية، وبين أنماط التوجيه أو الاستغلال التي قد تتداخل مع هذا التعبير أو تستفيد منه لاحقاً. فالظاهرة الواحدة قد تكون في الوقت نفسه مجالاً للتنفيس الاجتماعي، وأداة للتعبير غير المباشر، وبيئة قابلة للانتشار الخوارزمي أو للتضخيم والتنسيق غير العضوي، دون أن يعني أي من ذلك بالضرورة وجود توجيه مركزي أو خارجي.

وهو ما يجعلنا نطرح:  كيف يمكن تفسير ظاهرة « قاع الهامور» بوصفها حالة من التعبير الرقمي الساخر في مصر، وما دلالاتها السياسية والاجتماعية في ضوء انتقالها إلى المجال العام، وإلى أي مدى يمكن تفسير مسارها من خلال التفاعل بين التنفيس المجتمعي والانتشار الرقمي واحتمالات الاستغلال أو التوجيه؟

وللإجابة عن هذا التساؤل، يعتمد المقال مقاربة تحليلية تستفيد بصورة أساسية من مفهومي السياسة التحتية  (Infrapolitics)[4] لفهم أشكال التعبير غير المباشر عبر السخرية والرموز، والفعل الاتصالي (Connective Action)  [5] لفهم ديناميات المشاركة والانتشار اللامركزي، مع الاستفادة عند الحاجة من مفاهيم السياسة الرقمية والانتشار الخوارزمي.

ولا تنطلق هذه القراءة من افتراض مسبق بوجود توجيه خارجي، كما لا تعتبر الانتشار الواسع دليلاً بذاته على ذلك، وإنما تتعامل مع احتمالات التوجيه أو الاستغلال بوصفها أسئلة تحليلية مفتوحة يتم تقييمها في ضوء مسار الظاهرة والمحتوى المتاح علناً وتطور حضورها في المجال العام. لنخلص في النهاية إلى تقديم رؤية متوازنة تفيد في فهم التحولات الجارية في التعبير السياسي والاجتماعي داخل الفضاء الرقمي المصري، وتساعد في تطوير استجابات أكثر ملاءمة ومرونة من جانب صانع القرار.

ويهدف المقال إلى تقديم قراءة متوازنة للظاهرة تفيد في فهم التحولات الجارية في التعبير السياسي والاجتماعي داخل الفضاء الرقمي المصري، وفي تطوير استجابات أكثر ملاءمة من جانب صانع القرار.

المبحث الأول: من عالم كرتوني إلى مجتمع رقمي.. تشريح بنية الظاهرة

لفهم الدلالات السياسية والاجتماعية لظاهرة «قاع الهامور»، ينبغي أولاً تتبع مسار تطورها من قالب كوميدي مستوحى من عالم الرسوم المتحركة، إلى مجتمع رقمي واسع أعاد فيه المستخدمون تمثيل جوانب متعددة من الحياة اليومية المصرية.

لم تقتصر الظاهرة على إعادة تدوير مشاهد من مسلسل «سبونج بوب»، بل تجاوزت ذلك لبناء عالم افتراضي يتعامل معه المشاركون بوصفه مدينة لها سكانها، ومؤسساتها، ومشكلاتها الاقتصادية، مسجلةً نمواً متفجراً تجاوز 1.8 مليون عضو في أقل من أسبوعين، وهو ما يجعلها حالة لافتة من إعادة تمثيل الواقع داخل فضاء رقمي.

  1. إعادة تمثيل الواقع داخل عالم ساخر انتقلت الظاهرة من تداول محتوى فردي معزول إلى فضاء جماعي واسع؛ حيث أعاد المستخدمون توظيف الشخصيات الكرتونية للتعبير عن قضايا مستمدة من المعاناة اليومية، كغلاء الأسعار، وأزمات السكن، وضغوط العمل، وتباين الطبقات الاجتماعية. وقد ساهمت مرونة هذا القالب في تحويله إلى “لغة رمزية مشتركة” أتاحت للمشاركين التعبير عن تجاربهم وشكاواهم داخل إطار مألوف ثقافياً وساخر. ويمكن قراءة هذا النمط، من منظور “السياسة التحتية”، باعتباره أحد أشكال التعبير غير المباشر الذي يسمح بتمرير النقد الاجتماعي والاقتصادي عبر الرموز والمحاكاة، بديلاً عن الخطاب السياسي المباشر. غير أن هذه القراءة تظل إطاراً تفسيرياً، ولا تعني بالضرورة إسباغ طابع سياسي راديكالي على جميع المشاركين.
  2. من السخرية الفردية إلى محاكاة المؤسسات تمثل التحول الأبرز للظاهرة في انتقالها من انتقاد المواقف اليومية إلى محاكاة بعض الهياكل ذات الطابع الرسمي. إذ تضمن المحتوى المتداول تأسيس حسابات ومسميات مثل “وزارة الداخلية الهامورية” و”النيابة العامة الهامورية”، رافقها صياغة شكاوى تتناول قضايا أمنية وخدمية وإدارية داخل هذا العالم الافتراضي. ويمكن قراءة هذه المحاكاة بوصفها شكلاً من أشكال التعبير السياسي غير المباشر، لا سيما عندما تُتخذ الرموز الخيالية منصة لإسقاطات تتعلق بأداء مؤسسات حقيقية. وفي الوقت ذاته، لا تكفي محاكاة المؤسسات وحدها لإثبات وجود “أجندة سياسية منظمة”؛ إذ تظل، في شق منها، امتداداً للبنية الكوميدية العبثية التي بُني عليها المجتمع الافتراضي.
  3. اقتحام المجال العام وتسييس الظاهرة لم تبقَ الظاهرة حبيسة الخوارزميات والمنصات الرقمية، بل سرعان ما “اقتحمت” المجال العام التقليدي لتصبح موضوعاً للنقاش الإعلامي والسياسي. تجلى ذلك في تناول نواب برلمانيين، لخطورة هذه البيئات الافتراضية في عكس قضايا المجتمع وإعادة إنتاجها. [6] تزامناً مع تخصيص الإعلاميين مساحة لتحليل انتقال الظاهرة إلى مربع النقاش ذي الطابع الأمني والسياسي[7]. وانتقل الجدل إلى المسار المؤسسي والقانوني عبر تقديم بلاغ للنائب العام يطالب بفحص محتوى هذه المجموعات بحجة تجاوزها حدود المحاكاة الساخرة. ورغم أن هذا البلاغ يمثل تحركاً فردياً، إلا أنه يعكس بوضوح نجاح الظاهرة في فرض نفسها على الأجندة الأمنية والقانونية.

تُوج هذا المسار بتوقف المجموعة المركزية عن النشاط في 23 أغسطس 2026 لمدة 59 يوماً وفقاً لإشعار الإدارة. وتكشف هذه الدورة السريعة انتقال الظاهرة من الكوميديا إلى محاكاة المؤسسات، وصولاً إلى الاشتباك مع المجال العام. ولا يثبت هذا المسار أن الظاهرة وُلدت كأداة موجهة، ولكنه يبرر علمياً إخضاعها لتحليل أعمق لآليات انتشارها (الفعل الاتصالي)، واختبار مدى قابليتها للتضخيم والاستغلال في المباحث القادمة.

المبحث الثاني: السياسة التحتية والسخرية بوصفهما أدوات للتعبير الاجتماعي

للتعامل مع ظاهرة «قاع الهامور» بما يتجاوز تفسيرها كـ«هروب ترفيهي»، يمكن قراءتها في ضوء مفهوم “السياسة التحتية” (Infrapolitics) لدى جيمس سكوت، بوصفها شكلاً محتملاً من أشكال التعبير غير المباشر عن التذمر والنقد الاجتماعي المتراكم .  ففي هذا الفضاء، يُعاد إنتاج تفاصيل الحياة اليومية داخل  عالم افتراضي متكامل، مما يوفر لغة رمزية مشتركة يمكن من خلالها التعبير عن واقع مأزوم وانتقاد بعض الأوضاع الراهنة دون اللجوء بالضرورة إلى صدام أو خطاب سياسي مباشر[8]. ويمكن تتبع هذا النمط التعبيري الاشتباكي عبر ثلاثة مستويات متكررة:

  1. الاقتصاد وضغوط الحياة اليومية (تمثيلات العمل والإرهاق الوظيفي) من أبرزها توظيف شخصية “شفيق حبار” للتعبير عن ضغوط العمل، وتدني الأجور، وطاحونة الاستنزاف اليومي. تظهر هذه الشخصية في بعض النماذج بملامح يكسوها الإعياء التام خلف مكاتب تشبه المصالح الحكومية، مصحوبة بشكاوى ساخرة من صاحب العمل الذي بات يُستخدم كرمز مجرد لتوحش متطلبات المعيشة وغياب العدالة التعويضية.  وتوفر إعادة صياغة هذه المعاناة في قالب كرتوني ساخر بوصفها آلية تعبير جماعي تخفف من حدة الخطاب المباشر، وتتيح للمستخدمين مشاركة التجربة القاسية في صيغة أكثر قابلية للتداول. كما تستدعي هذه النماذج، على مستوى التحليل، مفهوم “البريكاريا” (Precariat)؛ وهو مفهوم يشير إلى الفئات التي تعاني من هشاشة الاستقرار الوظيفي والاقتصادي[9]، حيث يتقاطع هذا المحتوى تفسيرياً مع أدبيات الإرهاق وضغوط بيئة العمل المهدرة للحقوق.
  2. الإسكان والطبقية (إسقاطات التفاوت المكاني) تنعكس أزمة السكن والإيجارات بوضوح داخل هذا العالم الافتراضي. تظهر في بعض المواد الساخرة إعادة توظيف مسكن بدائي (صخرة بسيط) في صورة إعلان عقاري مبالغ فيه، يُطلب فيه إيجار فلكي تحت مسمى السكن الراقي. تسمح هذه المفارقة بإسقاط الأزمات العقارية الحقيقية—كغلاء الإيجارات وصعوبة حصول الشباب على سكن لائق —على بيئة كرتونية متخيلة. ويعكس هذا التوظيف قدرة الميمات (Memes) على التقاط التناقضات الطبقية وتحويلها إلى خطاب نقدي ناعم يسهل تداوله وإعادة إنتاجه كاشفاً عن أزمة تفاوت مكاني حادة.[10]
  3. المحاكاة التهكمية للخطاب المؤسسي الأمني يمثل هذا المستوى إنتقالاً إلى محاكاة هياكل ومؤسسات ذات طابع رسمي وأمني. برز ذلك في مقاطع تتبنى شعارات مثل “وزارة الداخلية بقطاع قاع الهامور”، مع استخدام تعليق يحاكي نبرة البيانات الرسمية للتحذير من إثارة الشائعات أو “تكدير السلم البحري”.  ويشير هذا التوظيف الرمزي إلى انتقال الظاهرة من إعادة تمثيل المواقف الاجتماعية الفردية إلى محاكاة الخطاب المؤسسي نفسه، وهو ما وسع الجدل حول الظاهرة ولفت انتباه النخب والإعلام إليها، واضعاً السلطة وخطابها في بؤرة التفكيك الساخر.

حدود القراءة السياسية لا يعني توظيف الرموز الكرتونية أن جميع المشاركين ينخرطون في فعل سياسي واعٍ أو يتبنون موقفاً سياسياً موحداً.  فالسخرية الرقمية تظل متعددة الدوافع؛ قد تجمع بين الترفيه، والتنفيس، والتعبير عن التجربة اليومية، والنقد الاجتماعي، وقد تكتسب دلالات سياسية تدريجية مع اتساع نطاق تداولها.  وعليه ، تتعامل الدراسة مع “السياسة التحتية” باعتبارها إطاراً تفسيرياً محتملاً لبعض أنماط التعبير، لا باعتبارها حكماً مسبقاً على نوايا المشاركين.

المبحث الثالث: ديناميات الانتشار الرقمي (من الفعل الاتصالي إلى التوصية الخوارزمية)

كيف تمكنت هذه الرسائل الساخرة من جذب جمهور واسع خلال فترة وجيزة، رغم عدم ظهور كيان تنظيمي مركزي أو قيادة واضحة تقود هذا التمدد؟ تتطلب الإجابة عن هذا التساؤل المنهجي الانتقال من “تحليل المضمون” وما تحمله الرموز من دلالات، إلى تفسير بنية الانتشار الشبكي وآلياته. إذ لا يعكس هذا الرقم الضخم مجرد إعجاب بمحتوى كوميدي، بل يطرح إشكالية أعمق تتعلق بكيفية تحول التذمر الفردي المشتت إلى ظاهرة تواصلية كثيفة تفرض نفسها بقوة على المجال العام.

  1. القوالب الرقمية المرنة ومنطق “الفعل الاتصالي” لا تكفي أدوات التعبئة الكلاسيكية القائمة على التنظيمات الهرمية لتفسير سرعة انتشار الظاهرة وتمددها السريع. ويمكن تفسير هذه الديناميكية بمفهوم “الفعل الاتصالي” (Connective Action).[11] يرتكز هذا المفهوم على قدرة الأفراد على مشاركة همومهم ومواقفهم عبر شبكات لا مركزية، معتمدين على قوالب رقمية مرنة يسهل تداولها وإعادة إنتاجها. في حالة «قاع الهامور»، عملت الشخصيات الكرتونية بوصفها لغة بصرية مشتركة وقابلة للتخصيص الفردي؛ فهي عامة ومألوفة ثقافياً بما يكفي لكي يفهمها الجمهور فور رؤيتها، وفي الوقت ذاته، مرنة بما يكفي لكي يملأها كل مستخدم بمضمونه الخاص لتعبر عن تجربته الشخصية الدقيقة (سواء كانت أزمة عمل، أو إيجار، أو غلاء معيشة). هذا التداخل الذكي بين الرمز الجمعي والشكوى الفردية جعل عملية المشاركة تبدو وكأنها فعل تعبيري ذاتي. فالأفراد لا يشاركون في حملة سياسية منظمة، بل يشاركون في إنتاج سردياتهم الشخصية داخل قالب ساخر وجاذب، مما حوّل الشكوى الفردية إلى تفاعل جمعي ممتد دون توجيه مركزي.
  2. آليات التوصية الخوارزمية واقتصاد الانتباه لا تعمل الفضاءات الرقمية في فراغ تقني، بل تحكمها بنية برمجية تلعب دوراً حاسماً في هندسة الوصول واقتصاد الانتباه. وتؤثر آليات التوصية والترتيب الخوارزمي في سرعة وصول المحتوى إلى شرائح واسعة من المستخدمين الجدد.[12] وتزيد هذه الآليات ظهور المحتوى سريع التفاعل خصوصاً الساخر أو المُحفز عاطفياً عبر الكوميديا السوداء. ويوفر ذلك تفسيراً محتملاً للانتشار العضوي السريع بفضل جاذبية المحتوى وقابليته للتداول، دون أن يسمح حجم الانتشار وحده بالجزم بأن جميع مسارات الظاهرة ظلت عضوية تماماً. فالخوارزمية لا تصنع المحتوى، ولكنها تمنح المحتوى الجماهيري قوة دفع تسريعية تخرجه من دوائره الضيقة إلى واجهات ملايين المستخدمين المتشابهين في الاهتمامات.
  3. البنية المفتوحة وقابلية التوظيف اللاحق إن اتساع حجم الظاهرة بهذه السرعة، واعتمادها على بنية شبكية مفتوحة ومحتوى يسهل استنساخه أو توليده عبر أدوات الذكاء الاصطناعي، يطرح تحدياً تحليلياً إضافياً. فبينما تفسر العوامل السابقة الانطلاقة العضوية المرجحة للظاهرة، تشير الدراسة إلى احتمال ما يمكن تسميته بـ “التوظيف اللاحق للظاهرة”[13]؛ أي انتقالها التدريجي من تعبير رقمي عفوي إلى مادة قابلة للاستغلال. بمعنى آخر، تصبح هذه البيئة الكثيفة، فور نجاحها في جذب اهتمام المؤسسات والنخب السياسية والإعلامية، هدفاً و بيئة محتملة قد تسعى فواعل مختلفة إلى توظيفها عبر عمليات التضخيم غير العضوي. وهذا الاحتمال المنهجي لا يلغي أصالة النشأة، ولكنه يمنع الباحث من التسليم بالسذاجة الرقمية، وهو ما يمهد الطريق للانتقال إلى المبحث الرابع لاختبار المؤشرات التي يمكن من خلالها التمييز بين الانتشار العضوي ومحاولات التلاعب أو الاستغلال المنظم.

المبحث الرابع: العضوي مقابل التضخيم غير العضوي (اختبار مؤشرات الاستغلال)

مع اتساع نطاق ظاهرة «قاع الهامور»، لم يعد تفاعلها مقتصراً على منصات التواصل الاجتماعي، بل اخترقت حواجز المجال العام التقليدي لتصبح موضوعاً حاضراً بقوة في النقاش المؤسسي. تجلت هذه النقلة في تحذيرات أطلقها نواب تحت قبة البرلمان بشأن تأثير هذه البيئات الافتراضية على الوعي المجتمعي [14]، وتخصيص مساحات واسعة في البرامج الحوارية الكبرى لمناقشة أبعادها الأمنية والسياسية [15]، وصولاً إلى توقف المجموعة المركزية عن النشر لمدة 59 يوماً. وأمام هذا الانتقال السريع من الترفيه إلى الاشتباك مع الشأن العام، يبرز التساؤل المنهجي الأهم: كيف يمكن التمييز بين التعبير العضوي للمستخدمين، وبين محاولات التوظيف أو التلاعب المنظم؟

  1. الاحتكاك المؤسسي والقانوني (دلالات التصعيد) يُعد انتقال الظاهرة إلى دوائر التقييم القانوني أحد أهم مؤشرات تسييسها؛ إذ شهدت هذه الفترة تقديم بلاغ رسمي للنائب العام يطالب بفحص المحتوى المتداول والصفحات المرتبطة بالظاهرة، استناداً إلى فرضية تجاوزها لحدود المحاكاة الساخرة[16]. لا يمثل هذا الإجراء دليلاً على إدانة الظاهرة أو إثباتاً لوجود توجيه خارجي لها، ولكنه يُمثل “نقطة احتكاك” (Friction Point) حاسمة تشير إلى نجاح هذا الفضاء الرمزي في فرض نفسه على الأجندة القانونية والأمنية للدولة. هذا التطور يرفع من القيمة الاستراتيجية للتريند، ويجعله بيئة عالية الجاذبية لأي فواعل قد تسعى لاستغلال هذا الزخم في عمليات تأثير لاحقة.
  2. الانتقال الشبكي وتغيير الهويات الرقمية من أبرز الظواهر التي رصدتها التغطيات المتابعة، قيام العشرات من المجموعات الرقمية القائمة بالفعل—والتي كانت مخصصة لأنشطة بعيدة تماماً عن السخرية، مثل الوظائف والعقارات والخدمات الطلابية—بتغيير أسمائها وهويتها البصرية فجأة لتتطابق مع اسم الظاهرة وعالمها الكرتوني[17]. يفتح هذا السلوك الباب أمام قراءتين متوازيتين: الأولى، قراءة “عضوية نفعية” تتمثل في محاولة مديري هذه المجموعات ركوب موجة التريند (Trend jacking) لجذب المزيد من التفاعل والمشاهدات. والثانية، قراءة “تنظيمية” تضع احتمالاً لمحاولات اصطناع زخم وهمي حول الظاهرة، وهو ما يُعرف في دراسات الدعاية الرقمية بالتعبئة المصطنعة أو التضخيم غير العضوي (Astroturfing). ورغم أن تغيير الأسماء يعكس بوضوح قابلية الظاهرة للانتقال الشبكي السريع، إلا أنه يتطلب أدوات رصد أعمق لحسم الدوافع الكامنة خلفه.
  3. مؤشرات القياس وأدوات الاستماع الاجتماعي تُقر الدراسة بأن الفصل القاطع بين “العضوي” و”الموجه” يظل محفوفاً بالصعوبات في ظل غياب وصول الباحثين إلى البيانات الداخلية الوصفية للمنصات (Meta Data). إلا أن الأدبيات المتخصصة توفر مؤشرات دقيقة يمكن لمؤسسات الدولة الاعتماد عليها عبر تقنيات “الاستماع الاجتماعي” (Social Listening) لاختبار فرضية التضخيم. [18]من بين هذه المؤشرات القابلة للرصد: الظهور المفاجئ والكثيف لحسابات حديثة الإنشاء تقود توجيه النقاش، التزامن غير الطبيعي (Synchronization) في نشر الرسائل ذات المحتوى المتطابق، أو رصد انتقال حاد ومفاجئ في السردية من النقد الاجتماعي المغلف بالكوميديا إلى استهداف سياسي ممنهج لا يتسق مع البنية العبثية الأصلية للمجموعة. في ضوء هذه المؤشرات، تبدو الظاهرة في أصلها تعبيراً اجتماعياً ساخراً، غير أن بنيتها المفتوحة تجعلها بيئة رخوة وقابلة للاختراق، مما يستدعي تقييماً استراتيجياً يتجاوز ثنائية (العفوية الساذجة مقابل المؤامرة المطلقة)، وهو ما يقودنا إلى صياغة سيناريوهات المسار المتوقعة للظاهرة.

المبحث الخامس: مسارات الظاهرة المحتملة (من التنفيس العضوي إلى التوظيف الانتقائي)

بناءً على التدرج التحليلي السابق الذي فكك الظاهرة من محتواها الرمزي إلى بنيتها الشبكية، تبتعد هذه الدراسة عن الفخ التبسيطي المتمثل في ثنائية (المؤامرة المطلقة مقابل العفوية الساذجة). وبدلاً من ذلك، تطرح ثلاثة مسارات أو مستويات متداخلة تمثل إطاراً موضوعياً لقراءة الظاهرة واستيعاب تحولاتها في المجال العام:

  1. المسار الأول: التنفيس العضوي بوصفه “إنذاراً اجتماعياً مبكراً” ينطلق هذا المسار من فرضية أن الظاهرة ولدت وتمددت بصورة تلقائية بحتة، كاستجابة لضغوط الحياة اليومية المتراكمة. وفي هذا السياق، تُقرأ الظاهرة سياسياً بوصفها “إنذاراً اجتماعياً مبكراً” يعكس مستويات كامنة من الاحتقان، ويكشف عن حاجة الفئات الشابة إلى قنوات تعبير آمنة. وبناءً على هذا التصور، فإن تحجيم مثل هذه المساحات أو توقفها—أياً كانت دوافعه—قد يؤدي استراتيجياً إلى فقدان إحدى القنوات الرقمية غير الرسمية التي تتيح لصانع القرار استشعار اتجاهات الرأي العام، وفهم أنماط الشكوى الاجتماعية قبل تحولها إلى أزمات صلبة يصعب احتواؤها[19].
  2. المسار الثاني: التضخيم الخوارزمي (المنطقة الوسطى) يُمثل هذا المسار القراءة الأكثر اتساقاً مع طبيعة المنصات الرقمية؛ حيث يُفترض أن الجذور التعبيرية للظاهرة كانت عضوية، إلا أن آليات التوصية واقتصاد الانتباه قد تكون أسهمت بقوة في تسريع وتيرتها. وقد يؤدي هذا التضخيم الخوارزمي إلى منح الظاهرة مدىً وانتشاراً يتجاوزان ما كان يمكن أن تحققه عبر شبكات المشاركين المباشرة وحدها؛ إذ تميل الخوارزميات إلى مكافأة المحتوى المثير أو الساخر، وتزيد احتمالات ظهوره أمام شرائح جديدة من المستخدمين[20]. وهنا تبرز قاعدة تحليلية شديدة الأهمية: يصبح حجم الانتشار مؤشراً على قوة قابلية المحتوى لإعادة الإنتاج، لا بالضرورة على حجم التأييد السياسي لفكرة بعينها. فالتضخيم التقني قد يخلق انطباعاً مبالغاً فيه بوجود حشد سياسي منظم، بينما هو في جوهره ديناميكية شبكية تكافئ التفاعل.
  3. المسار الثالث: قابلية الاستغلال اللاحق أو التوظيف الانتقائي ولا يفترض هذا المسار أن الظاهرة صُنعت ابتداءً في “غرف مغلقة” لاختراق العقل الجمعي، بل يتبنى مقاربة أكثر واقعية؛ وهي أن اتساع الظاهرة العابر للشبكات حوّلها إلى بيئة رخوة وقابلة للاستغلال. في هذه المرحلة، يصبح الفضاء الساخر هدفاً جذاباً قد تسعى فواعل منظمة لتوظيفه انتقائياً، عبر محاولة إعادة توجيه بوصلة السخط الاجتماعي نحو أهداف سياسية محددة. وتتطلب الاستجابة لهذا المسار تقديم أدلة مستقلة تثبت وجود تنسيق شبكي مصطنع، بدلاً من إلقاء التهم العشوائية على المشاركين العاديين، خاصة في ظل التداخل المحتمل والمعروف بين النشاط العضوي العفوي وعمليات التلاعب الرقمي[21].

خلاصة المسارات:  ولا تعمل هذه المسارات بالضرورة في جزر منعزلة؛ فقد تتداخل أو يتعاقب بعضها بحسب تطور الظاهرة وتغير البيئة الرقمية المحيطة بها. ولا يفترض التحليل مساراً حتمياً يبدأ بالتنفيس وينتهي بالتوجيه، وإنما يترك لكل مسار احتماله المشروط بالمؤشرات التي يمكن رصدها. وختاماً لهذا التحليل، لا تسعى الدراسة إلى إثبات أن «قاع الهامور» ظاهرة عضوية خالصة أو مشروعاً موجهاً، وإنما تحاول تحديد المسارات المحتملة التي يمكن أن تنتقل بينها الظاهرة الرقمية، والمؤشرات التي تسمح بتمييز كل مسار عن الآخر؛ وهو ما يمهد الطريق لصياغة التوصيات الاستراتيجية.

المبحث السادس: الاستجابة السياسية وصنع السياسات (نحو مقاربة مدمجة)

تكشف السيناريوهات السابقة أن التعامل مع ظاهرة «قاع الهامور» لا ينبغي أن يقوم على افتراض مسبق لطبيعتها، وإنما على التمييز بين ثلاثة مستويات متداخلة: التعبير الاجتماعي العضوي، والتضخيم الخوارزمي، والتوظيف المنظم.  لذا فإن الاستجابة السياسية الأكثر ملاءمة ليست التدخل الأحادي، وإنما بناء قدرة مؤسسية تجمع بين الاستماع والتحقق والرصد.

 

  1. الاستماع إلى الظاهرة بوصفها مؤشراً اجتماعياً

إذا غلب على المحتوى التعبير عن ضغوط المعيشة والعمل والسكن والأسعار والخدمات، فإن القيمة السياسية للظاهرة تكمن في كونها قناة غير رسمية تكشف موضوعات تستقطب اهتمام الجمهور. وهنا يمكن توظيف أدوات الاستماع الاجتماعي (Social Listening)  لرصد الموضوعات المتكررة، وأنماط الشكوى، وتحولات النقاش، دون التعامل مع المحتوى الرقمي باعتباره استطلاعاً للرأي العام بالمعنى العلمي؛ فالمشاركون في الترند لا يمثلون عينة احتمالية من المجتمع.

وتكمن الفائدة الحقيقية لصانع القرار في استخدام هذه البيانات بوصفها أداة استشعار مبكر للموضوعات، ثم مقارنتها بالمؤشرات الاجتماعية والاقتصادية ومصادر المعلومات الأخرى. وبهذا تصبح السخرية الرقمية مصدراً إضافياً لفهم ما يشغل الجمهور، لا بديلاً عن أدوات قياس الرأي العام التقليدية[22].

  1. التحقق قبل الانتقال من الرصد إلى التدخل

أما إذا ظهرت مؤشرات على تضخيم غير عضوي، فلا يكفي أن يكون حجم الظاهرة أو سرعتها وحدهما أساساً للحكم. ويتطلب الانتقال من الاشتباه إلى الاستنتاج رصد مؤشرات متراكمة، مثل التزامن غير الطبيعي في النشر، والتكرار المنظم للرسائل، والظهور المفاجئ لشبكات من الحسابات منخفضة النشاط، أو التحول الحاد في السردية نحو أهداف سياسية محددة.

وبذلك يكون السؤال المؤسسي الصحيح ليس: هل الترند كبير؟  وإنما : هل توجد أنماط سلوكية يمكن أن تفسر هذا الحجم بتنسيق غير أصيل؟. وهذا التمييز ضروري حتى لا يتحول الانتشار العضوي أو التفاعل الساخر إلى قرينة على وجود توجيه منظم دون دليل كافٍ.

  1. حماية المجال المعلوماتي دون الخلط بين الجمهور والشبكات المنظمة

إذا أثبت الرصد وجود تنسيق غير أصيل أو عمليات تأثير منظمة، فإن الاستجابة ينبغي أن تستهدف السلوك المنسق والشبكات التي تقف وراءه، لا المستخدمين الذين شاركوا في المحتوى بصورة عفوية. كما ينبغي الفصل بين مواجهة المعلومات المضللة أو التلاعب الشبكي وبين التعامل مع السخرية والنقد الاجتماعي باعتبارهما تهديداً في ذاتهما.

وتكتسب هذه القاعدة أهمية خاصة في الظواهر التي تبدأ بصورة عضوية؛ إذ إن اتساعها قد يجعلها لاحقاً قابلة للتوظيف من فواعل مختلفة، دون أن يعني ذلك أن المشاركين الأصليين كانوا جزءاً من عملية منظمة.

  1. المسار المدمج: معالجة الإشارة ومراقبة التحول

في ضوء ذلك، تقترح الدراسة مقاربة مزدوجة:  معالجة الموضوعات الاجتماعية التي تكشفها الظاهرة، مع استمرار الرصد المنهجي لأي تحول في بنيتها أو سردياتها أو شبكات انتشارها. ويشمل ذلك تحسين الاتصال الحكومي وتوفير المعلومات الموثوقة في الوقت المناسب، إلى جانب تطوير قدرات تحليل البيانات الرقمية، بحيث تستطيع المؤسسات التمييز بين الشكوى الاجتماعية، والتضخيم الخوارزمي، والتنسيق غير الأصيل .

ولا تعني هذه المقاربة أن كل ترند اجتماعي يجب أن يتحول إلى ملف سياسات، وإنما أن بعض الظواهر الرقمية، عندما تبلغ حجماً وتأثيراً استثنائيين، تصبح مصدراً يستحق الفحص المنهجي قبل اتخاذ موقف منها.

الخلاصة والتوصيات

تكشف ظاهرة «قاع الهامور» أن المسافة بين الترفيه والتعبير الاجتماعي والسياسي في البيئة الرقمية أصبحت أكثر سيولة من السابق. غير أن انتقال الظاهرة إلى المجال العام لا يثبت بذاته أنها نشأت كأداة موجهة، كما لا يعني انتشارها الواسع أنها بقيت عضوية بالكامل.

وتكمن القيمة الأساسية للظاهرة، من منظور صنع السياسات، في أنها تقدم حالة اختبار لقدرة المؤسسات على التمييز بين ثلاث عمليات قد تجتمع في فضاء واحد: تعبير اجتماعي حقيقي، وتضخيم تقني، وتوظيف منظم محتمل، متجاوزين بذلك فخ الثنائية التبسيطية بين المؤامرة والتنفيس.

وهنا يبرز السؤال المركزي أمام صانع القرار: هل «قاع الهامور» مؤامرة أم تنفيس؟ بل: ما الذي يمكن إثباته بشأن نشأتها، وانتشارها، وتحول خطابها؟ ومن هذا المنطلق، ترتكز الاستجابة المؤسسية على المحددات التنفيذية الآتية:

  1. الاستماع الاستراتيجي للصرخة الاجتماعية: فإذا كانت الظاهرة تعبيراً عن صرخة اجتماعية وضغوط معيشية، فإن المطلوب الاستماع إليها بجدية وتفعيل أدوات الاستماع الاجتماعي لمعالجة جذور الاحتقان، مع تجنب الانزلاق نحو “أمننة” التعبير الساخر.
  2. استيعاب آليات التضخيم الخوارزمي: وإذا كان انتشارها محكوماً بديناميكيات خوارزمية، فإن المطلوب فهم آليته وإدراك أن الحجم الفلكي للانتشار لا يعكس بالضرورة حشداً سياسياً منظماً؛ لتجنب ردود الفعل المؤسسية المبالغ فيها تجاه “التريندات” سريعة الاشتعال.
  3. الردع القائم على الأدلة: وإذا ظهرت أدلة ملموسة على توظيف منظم، فإن المطلوب تحديده بالأدلة لا بالافتراض، بحيث يقتصر التدخل على تفكيك شبكات السلوك المنسق غير الأصيل. وإذا ظهرت أدلة ملموسة على توظيف منظم، فإن المطلوب تحديده بالأدلة لا بالافتراض، بحيث يقتصر التدخل على ملاحقة الحسابات الوهمية والشبكات الموجهة التي تقف خلف التلاعب، دون تحميل المشاركين العاديين مسئولية ذلك، ودون شيطنة المجتمع الافتراضي الواسع.

وهنا تحديداً تنتقل إدارة الظاهرة من رد الفعل إلى الاستشعار، ومن الانطباع إلى الاختبار.

 

المصدر

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M