من هرمز إلى باب المندب الصراع اليمني وإعادة تشكيل استراتيجية أمن الطاقة السعودي الكاتب والباحث السياسي في شؤون الشرق الأوسط وشمال أفريقيا محمد شريف شناوه العبودي دراسة تحليلية

مقدمة
يمثل أمن الطاقة أحد أهم محددات السياسة الخارجية للدول المصدرة للنفط، ولا سيما المملكة العربية السعودية التي تحتل موقعًا محوريًا في سوق الطاقة العالمي. ولا يرتبط أمن الصادرات السعودية بحجم الإنتاج النفطي فحسب، وإنما يرتبط أيضًا بسلامة طرق النقل والممرات البحرية التي تمر من خلالها إمدادات الطاقة إلى الأسواق العالمية.
ويأتي مضيق هرمز في مقدمة الممرات البحرية العالمية ذات الأهمية لصادرات الطاقة الخليجية في منطقة الشرق الأوسط، نظرًا إلى موقعه الذي يربط الخليج العربي بخليج عُمان والمحيط الهندي. وفي المقابل، اكتسب البحر الأحمر ومضيق باب المندب أهمية متزايدة في الحسابات الاستراتيجية السعودية، ولا سيما في الآونة الأخيرة، بسبب التصعيد العسكري في منطقة الشرق الأوسط، خصوصًا مع تطور الصراع اليمني وتصاعد المخاطر الأمنية التي يمكن أن تؤثر في حركة الملاحة البحرية.
وفي هذا السياق، عملت المملكة العربية السعودية خلال العقود الماضية على تطوير بدائل لطرق تصدير النفط أثناء الأزمات العالمية. ومن أبرز هذه البدائل خط أنابيب الشرق–الغرب، الذي يربط المنطقة الشرقية بميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر في المملكة العربية السعودية. وقد وفر هذا الخط للمملكة قدرة أكبر على التعامل مع المخاطر التي قد تواجه صادراتها عبر مضيق هرمز، إذ يمكن وصفه بأنه مسار بديل لمضيق هرمز في أوقات الأزمات.
إلا أن التحول نحو البحر الأحمر لا ينهي جميع التحديات والمخاطر الأمنية؛ إذ ترتبط حركة الملاحة باتجاه عدد من الأسواق العالمية بأمن مضيق باب المندب، وهو ممر بحري يقع بالقرب من السواحل اليمنية. ومن هنا برزت العلاقة بين الصراع اليمني وأمن الطاقة السعودي بوصفها قضية تتداخل فيها الأبعاد الأمنية والاقتصادية والجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما مع سيطرة حركة أنصار الله اليمنية على أجزاء واسعة من اليمن، وارتباطها السياسي والعقائدي بالجمهورية الإسلامية الإيرانية.
ومن هنا يمكن طرح السؤال الرئيس الآتي: إلى أي مدى أسهم الصراع الداخلي اليمني والتطورات الأمنية في باب المندب في إعادة تشكيل استراتيجية السعودية لأمن الطاقة، بما يتجاوز الاعتماد على مضيق هرمز؟
أولًا: أهمية مضيق هرمز في أمن الطاقة للمملكة العربية السعودية
عند الحديث عن مضيق هرمز، يمكن وصفه بأنه أحد أهم الممرات البحرية العالمية لنقل النفط والغاز؛ إذ يربط منطقة الخليج بالأسواق الدولية عبر خليج عُمان وبحر العرب. ولذلك فإن أي اضطراب أمني في المضيق يمكن أن يؤثر في حركة صادرات الطاقة القادمة من دول الخليج.
وتزداد أهمية المضيق بالنسبة إلى السعودية نتيجة موقعها بوصفها إحدى أكبر الدول المصدرة للنفط عالميًا. ومن هذا المنطلق، فإن استمرار الاعتماد على طريق بحري واحد يمكن أن يمثل عاملًا من عوامل المخاطرة الاستراتيجية، خصوصًا في حالات التوتر الإقليمي والنزاع في منطقة الشرق الأوسط بين الولايات المتحدة الأمريكية من جهة والجمهورية الإسلامية الإيرانية من جهة أخرى. وفي ظل وجود قواعد وقوات أمريكية في عدد من دول المنطقة، قد تنظر إيران إلى هذه الدول بوصفها جزءًا من الضغوط العسكرية والسياسية المفروضة عليها، فتستخدم أوراق ضغط اقتصادية وأمنية لدفعها إلى وقف العمليات العسكرية الأمريكية ضدها.
ولذلك، لم تتعامل معظم الدول الخليجية، ومن بينها المملكة العربية السعودية، مع أمن الطاقة باعتباره قضية إنتاج فقط، بل سعت كذلك إلى تنويع طرق نقل وتصدير النفط بعيدًا عن مخاطر استهداف ناقلات النفط في هرمز، بما يمنحها قدرة أكبر على الاستجابة للأزمات التي يمكن أن تؤثر في الممرات البحرية خلال فترات التوتر والصراع في منطقة الشرق الأوسط.
ثانيًا: خط الشرق–الغرب ومحاولة تجاوز مخاطر هرمز ميدانيًا
يعد خط أنابيب الشرق–الغرب من أهم أدوات المملكة العربية السعودية لتنويع طرق نقل النفط إلى الأسواق العالمية. وينقل الخط النفط من المنطقة الشرقية في المملكة إلى ميناء ينبع على ساحل البحر الأحمر.
وتكمن الأهمية الاستراتيجية لهذا الخط في أنه يتيح نقل جزء من النفط السعودي بعيدًا عن مضيق هرمز، بما يوفر للمملكة مسارًا بديلًا في حال تعرض الملاحة في الخليج لمخاطر أمنية واستراتيجية. لكن هذا البديل لا يعني الاستغناء الكامل عن الممرات البحرية؛ فالوصول إلى بعض الأسواق العالمية عبر البحر الأحمر يرتبط بسلامة الملاحة الدولية في منطقة باب المندب وقناة السويس، بحسب اتجاه الشحن والأسواق المستهدفة.

ومن هنا انتقلت حسابات المملكة العربية السعودية من التركيز على أمن هرمز فقط إلى الاهتمام بمجموعة أوسع من الممرات البحرية ونقاط الاختناق الاستراتيجية.
ثالثًا: الصراع اليمني وأهمية باب المندب
يقع مضيق باب المندب بين البحر الأحمر وخليج عدن، ويشكل إحدى أهم نقاط الاتصال البحرية بين المحيط الهندي والبحر الأحمر. وقد جعل منه موقعه الجغرافي ممرًا مهمًا للتجارة العالمية ونقل الطاقة إلى الأسواق الدولية.
ومع استمرار الصراع اليمني بين حركة أنصار الله اليمنية المدعومة من إيران، والأطراف الأخرى المدعومة من السعودية، والقوى المؤثرة فيه، أصبحت التطورات الأمنية على السواحل والممرات البحرية المحيطة باليمن ذات أهمية كبيرة بالنسبة إلى حركة التجارة العالمية والطاقة الدولية.
ولا تقتصر أهمية مضيق باب المندب على السعودية فقط، بل يمثل أهمية لعدد من الدول المطلة على البحر الأحمر، إضافة إلى الدول المستوردة والمصدرة للطاقة والقوى الدولية التي ترتبط مصالحها بحرية الملاحة الدولية.
ومن منظور سياسي محايد، فإن تأثير الصراع اليمني في أمن الطاقة لا يمكن تفسيره من خلال عامل واحد فقط، وإنما يرتبط بعدة عوامل، من بينها الوضع الأمني في اليمن، والتوترات الإقليمية، وحركة السفن التجارية، والسياسات الدولية تجاه البحر الأحمر.
رابعًا: المصالح السعودية في البحر الأحمر
تمتلك المملكة العربية السعودية ساحلًا طويلًا على البحر الأحمر، وتضم المنطقة عددًا من الموانئ والمنشآت الاقتصادية المهمة؛ ولذلك فإن استقرار البحر الأحمر يمثل مصلحة اقتصادية عليا للمملكة. كما أن تطوير الموانئ والبنى التحتية في المنطقة الغربية يعزز أهمية البحر الأحمر في الاستراتيجية الاقتصادية السعودية، ولا سيما في ظل توجه المملكة نحو التنويع الاقتصادي وتطوير القطاعات غير النفطية.
وبناءً على ذلك، أصبحت حماية طرق الطاقة والملاحة البحرية جزءًا من رؤية أوسع للأمن الاقتصادي؛ فهي لا تقتصر على حماية الصادرات النفطية، وإنما تشمل أيضًا حماية التجارة والاستثمارات والموانئ والبنى التحتية.
خامسًا: إعادة تشكيل استراتيجية أمن الطاقة السعودي
يمكن ملاحظة عدد من الاتجاهات في تطور الاستراتيجية السعودية لأمن الطاقة. يتمثل الاتجاه الأول في تنويع مسارات تصدير النفط بحيث لا تعتمد المملكة على مسار بحري واحد في ظل الأزمات والتوترات في منطقة الشرق الأوسط. أما الاتجاه الثاني، فيتمثل في زيادة أهمية البحر الأحمر وميناء ينبع باعتبارهما جزءًا لا يتجزأ من المنظومة البديلة لنقل النفط وتصديره.
ويتمثل الاتجاه الثالث في تزايد الاهتمام بمضيق باب المندب؛ فوجود مسار بديل لا يلغي أهمية هرمز، ولا يلغي في الوقت نفسه أهمية تأمين الممرات البحرية الدولية الأخرى. أما الاتجاه الرابع، فهو تعزيز التعاون الإقليمي والدولي في مجال أمن الملاحة، نظرًا إلى أن أمن البحر الأحمر لا يمكن التعامل معه بصورة منفردة بسبب الطبيعة الدولية لحركة التجارة والطاقة عبر المنطقة.
سادسًا: حدود البدائل السعودية
على الرغم مما سبق ذكره من أهمية خط الشرق–الغرب والطرق البديلة، فإن قدرة السعودية على تجاوز المخاطر المرتبطة بالممرات البحرية ليست مطلقة؛ إذ تظل مرتبطة بالمخاطر الأمنية والتطورات الميدانية والسياسية داخل اليمن والمنطقة.
ففي حال وقوع اضطرابات واسعة في البحر الأحمر أو باب المندب، يمكن أن تتأثر حركة السفن، وترتفع تكاليف النقل والتأمين، وقد تضطر بعض الشركات إلى استخدام طرق أطول وأكثر كلفة، مما يؤدي إلى زيادة تكاليف نقل مصادر الطاقة وارتفاع أسعارها، وهو ما قد يسبب أزمات اقتصادية في عدد من البلدان حول العالم.
وهذا يوضح أن تنويع طرق التصدير يقلل من المخاطر، لكنه لا يلغيها بصورة تامة. كما أن أمن الطاقة لا يعتمد على البنية التحتية السعودية وحدها، وإنما يتأثر أيضًا بالاستقرار السياسي والأمني للدول والمناطق التي تمر بها طرق التجارة الدولية للدول النفطية في منطقة الشرق الأوسط.
سابعًا: الصراع اليمني بين البعد الإقليمي والدولي
أصبح الصراع اليمني جزءًا لا يتجزأ من منظومة أوسع من التنافس الإقليمي والدولي. فاليمن يتمتع بموقع استراتيجي بالقرب من أحد أهم الممرات البحرية العالمية، الأمر الذي يمنح التطورات الأمنية فيه انعكاسات تتجاوز حدوده الجغرافية.
وتتداخل في المشهد اليمني مصالح أطراف محلية وإقليمية ودولية، وهو ما يجعل أي تطور أمني في المنطقة قابلًا للتأثير في حركة الملاحة والتجارة الدولية.
ومن هنا، فإن معالجة المخاطر المرتبطة بأمن الطاقة لا تعتمد فقط على الإجراءات الاقتصادية أو النفطية، وإنما تحتاج أيضًا إلى معالجة جذور عدم الاستقرار السياسي والأمني في المنطقة.

الخاتمة
يتضح من خلال التحليل الدقيق للعلاقة بين مضيق هرمز وباب المندب أن أمن الطاقة السعودي شهد تحولًا تدريجيًا من الاعتماد على المسارات التقليدية إلى بناء منظومة أكثر تنوعًا لنقل النفط وتصديره، من خلال خط الشرق–الغرب وميناء ينبع. وهذا لا يعني ضمان الاستقرار الكامل في عمليات النقل والتصدير، إذ يعتمد ذلك أيضًا على الاستقرار السياسي والأمني داخل اليمن؛ فكل تحرك عسكري أو سيطرة على مناطق نفوذ جديدة داخل اليمن قد يعرض هذه المنظومة لخطر كبير يضر بالمصالح الاقتصادية السعودية. ويمكن وصف هذا التحول بأنه محاولة لفك الاختناق الاستراتيجي المرتبط بمضيق هرمز.
وفي هذا الإطار، يمثل الصراع اليمني عاملًا مهمًا في الحسابات السعودية المتعلقة بأمن الطاقة، لكنه ليس العامل الوحيد؛ إذ تتداخل معه اعتبارات الأمن الإقليمي، والمنافسة الجيوسياسية، وأمن الملاحة الدولية، ومصالح الدول الكبرى.
وعليه، يمكن القول إن استراتيجية أمن الطاقة السعودية تتجه نحو تنويع طرق التصدير، وتعزيز البنية التحتية البديلة، وزيادة الاهتمام بأمن البحر الأحمر وباب المندب، مع الاعتماد على التعاون الإقليمي والدولي لضمان استمرار حركة التجارة والطاقة.
وبذلك، فإن الانتقال من هرمز إلى باب المندب لا يمثل مجرد انتقال جغرافي في طرق تصدير الطاقة، وإنما يعكس تحولًا في مفهوم أمن الطاقة نفسه: من حماية مصادر الإنتاج إلى حماية سلسلة الإمداد كاملة، من مناطق الإنتاج وحتى الأسواق العالمية
المصادر
1-معلومات الطاقة الأمريكية حول هرمز وباب
المندب
2_المنظمة البحرية الدولية تقيم الوضع ومخاطر الامنية في البحر الأحمر
3-مفوضية السامية الأمم المتحدة وحقوق الأنسان تقارير حول جمهورية اليمن
4-مركز الدراسات الأمن القومي منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقي

 

وردنا عبر مواقع التواصل الاجتماعي

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M