دور الشركات الاستشارية في عملية التحول الاقتصادي

سلطان العامر

على مدى سنوات الألفية الثالثة، أعلن عدد من دول مجلس التعاون عن خطط لتحولات اقتصادية كبرى تهدف للانتقال من اقتصاد مبني على النفط إلى اقتصاد منتج مستدام. وركز أحد ردود الفعل على هذه الإعلانات على نقد الدور الذي أدته وتؤديه شركات الاستشارات الإدارية الأجنبية في صياغة هذه الخطط. قدم هذا الموقف عدداً من الحجج في انتقاده لدور هذه الشركات، فهناك الانتقاد الذي يتعامل مع دورها بأنه نوع من “الإمبريالية الجديدة”، وهناك من ينتقدها باعتبارها صاحبة القرار والمتحكمة في صناعته، وأخيراً هناك الموقف الذي ينتقدها باعتبارها “أجنبية”.
ولإن انطلقت هذه الآراء من حس سليم في استشكالها لتعامل حكومات المنطقة مع الشركات الاستشارية، إلا أنها لم توفق في وضع يدها على جوهر الإشكال في مثل هذا التعامل. فالموقف الذي يرفضها باعتبارها إمبريالية، يتبنى تعريفاً غريباً للإمبريالية، فجوهر الإمبريالية يكمن في سلب الدول سيادتها وقدرتها على تقرير مصيرها أو الانتقاص من هذه السيادة والقدرة، في حين أن هذه الشركات لم تمارس دورها إلا بأموال وموافقة الدول الداعية. فدورها يعكس استقلال هذه الدول بقرارها أكثر من كونه يعكس سلبه أو انتقاصه. أما الموقف الذي يحمل الشركات مسؤولية كل الخطط فيرتكب مغالطة لوم الحاشية، التي تعتبر المشكلة في حاشية صاحب القرار وليس في صاحب القرار نفسه وكيفية اتخاذه للقرار. فالشركات الاستشارية، أياً كان موقفنا من دورها، لا تملك صلاحية اتخاذ القرار، ومن ثم لا يمكن تحميلها مسؤوليته. أخيراً، الموقف الذي يرفض دور تلك الشركات فقط لأنها “أجنبية” هو موقف يعني أحد أمرين. إما أنه موقف عنصري تجاه كل أجنبي فقط لأنه أجنبي، أو أنه ينطلق من فرضية أن الأجنبي- مهما تعلم- لا يستطيع الحصول على معرفة المحلي. لكن هذا الموقف الأخير لا ينتبه إلى ارتباط المعرفة بالموقع في هرم القوّة أكثر من الجنسية. فشركة خليجية تقدم استشارات للحكومة الخليجية بنفس الطريقة التي تقدمها الشركات الأجنبية ستقع في نفس الإشكالية التي تقع فيها هذه الشركات الاجنبية.
ورغم المغالطات الموجودة في الحجج السابقة، إلا أن الإحساس بوجود مشكلة في الاعتماد على هذه الشركات سليم، وسأقوم في هذه الورقة بمحاولة تحديد هذه الإشكالية بشكل واضح وبيان آثارها الرئيسية على عملية اتخاذ القرار. ستجادل هذه الورقة بأن دول الخليج تفضّل المنتجات التي تقدمها الشركات الاستشارية نتيجة هيمنة أفكار إيديولوجية محددة على دوائر صناعة القرار الخليجية، وهي إيديولوجية الإداروية (Managerialism) أو الإدارة العامة الجديدة (New Public Management). ورغم انتشار هذه الإيديولوجية وتفشيها في حكومات العالم منذ منتصف السبعينات، إلا أن السبب الذي دعى حكومات الخليج لتبنيها في الألفية الثالثة هو أزمة الشرعية التي دخلتها نتيجة انتقال الحكم لجيل جديد من الحكام الخليجيين، ونظراً لكون تلك الإيديولوجية تضفي طابعاً شرعيّاً عليهم وعلى سياساتهم. ونتيجة للتحيّز القيمي الذي يخلقه تفشي هذه الإيديولوجية، يصبح اللجوء للشركات الاستشارية خياراً مفضّلاً وعقلانياً- بل و”علمياً” و”موضوعياً” – لحل الإشكاليات السياسية والاقتصادية، ولإضفاء الشرعية على السياسات وحماية صانع القرار. وإذا كانت هذه هي الأسباب التي تدفع نحو الاستعانة بهذه الشركات، فإن الورقة ستقترح ثلاثة جوانب لنقد هذه الاستعانة، وإن كانت ستركز على اثنين منهما. الأول هو سلطويتها، التي تؤدي غالباً إلى نتائج كارثية وتقصي الخيارات التشاورية والديمقراطية للتعاطي مع المشاكل الاقتصادية والسياسية. والثاني هو الأسس والمسلمات الفلسفية التي تقوم عليها الإداروية، بحيث يجب نزع غطاء الحيادية والموضوعية عنها وكشف تحيزاتها والمشاكل المترتبة عليها. أخيراً، هناك النقد الموجه للعلاقة بين صانع القرار والشركة الاستشارية وكيف يؤدي منطق هذه العلاقة إلى بعثرة المسؤولية ويمنع قدرة النخب البيروقراطية من مراكمة الخبرات والمهارات في طرق الحكم.
وحتى نقوم بذلك، سنقسم الورقة إلى قسمين، نطرح في الأول منهما سؤالاً بسيطاً: لماذا تلجأ دول الخليج للشركات الاستشارية الأجنبية؟ وللإجابة على هذا السؤال سنقدم نبذة عن تاريخ الشركات الاستشارية، بالإضافة لكيفية تسرّب الإداروية في الخليج، وللتغيرات البنيوية والهيكلية في الأنظمة الحاكمة التي تدفع نحو تفضيل الاستعانة بالشركات الاستشارية. في القسم الثاني من الورقة، سنتناول نقد وجهين من أوجه المشاكل المترتبة على الاستعانة بالشركات الاستشارية.
لماذا يلجأ صانع القرار الخليجي للاستشاري؟
نمهد للإجابة على هذا السؤال بخطوات بسيطة. صانع القرار هو شخص يمتلك سلطة ويسعى من خلال هذه السلطة لاتخاذ قرارات يعالج فيها الإشكاليات التي تواجهها بلاده. وتشكل المعرفة أحد أهم العناصر التي يحتاجها لاتخاذ مثل هذه القرارات. فعالم صناعة القرار عالم محفوف بالصعوبات والأمور الضبابية وغير الواضحة، وحتى يتمكن صانع القرار من اتخاذ القرارات المناسبة ذات الأثر الإيجابي، فإنه بحاجة للمعرفة التي تمكنه من تبديد الضبابية وتقليص الصعوبات والمخاطر واتخاذ القرار السليم. هذا يعني أن هناك حالة “طلب” مستمر على هذا النوع من المعرفة، وهو الذي تمثّل الشركات الاستشارية أحد أشكال العرض الذي يسعى للاستجابة له. أي أنها شركات تقوم ببيع هذا النوع من المعرفة لصناع القرار لجعل هؤلاء يتخذون القرارات السليمة.
لكن ما الذي يدفع صناع القرار للجوء إلى هذه الشركات تحديداً؟ لماذا لا يعتمدون على جامعاتهم وأساتذتهم المحليين لتقديم هذا النوع من “المعرفة”؟ ولماذا لا يعتمدون على خبرات أجهزتهم البيروقراطية في التعامل اليومي مع القضايا والمشاكل من أجل توليد حلول ومعارف ضرورية لصانع القرار؟ تدفع عدّة عوامل بصناع القرار للجوء إلى الشركات الاستشارية دون غيرها لطلب هذه المعلومات، وأهمها المال. فمؤسسات الإقراض وتقديم الدعم التنموي الدولية تشترط على الدول النامية تطوير مؤسساتها وأجهزتها حتى تقدم لها المال اللازم. وحتى تستطيع هذه الدول إثبات تنفيذها لهذه الشروط، فإنها تستعين بشركات استشارية معروفة لدى المقرضين، بل إن شروط القرض تنص في بعض الأحيان على الاستفادة من خبرات شركات البلد المقرض.[1] وكمثال على ذلك، في عام 2008 أنشأ البنك الدولي “وحدة الشراكة في كربون الغابات”، التي تهدف لتقديم الدعم للدول ذات الغابات الاستوائية من أجل تقليل معدّل اقتلاع الغابات فيها، وذلك للحدّ من أثرها في التغيّر المناخي. والفكرة ببساطة كالتالي: كلما زاد معدل اقتلاع الغابات الناتج عن النشاطات الإنتاجية والصناعية وما شابه، زادت التعويضات التي ستدفع للدولة مقابل إيقاف تلك الأنشطة. وبالنظر إلى ذلك، يصبح حساب معدل اقتلاع الغابات مسألة بالغة الأهمية بالنسبة لتلك الدول، التي سترغب بطبيعة الحال بتسجيل معدلات عالية حتى تستطيع الحصول على تعويضات مالية كبيرة. لذا قامت جمهورية غيانا في أمريكا الجنوبية بتكليف جهة محلية لحساب معدل اقتلاع الغابات، فكانت النتيجة ما بين 0.1-0.3 %، الأمر الذي لم يرض الحكومة. فقامت بعد ذلك بتكليف شركة ماكينزي لحساب المعدل، فكانت النتيجة 4.3 %، ما يعني أنه إذا لم يتم إيقاف الأنشطة الإنتاجية في غيانا، فإن غاباتها ستختفي خلال 25 عاماً. بمعنى آخر، سيسمح هذا المعدل المرتفع لغيانا أن تحصّل مبالغاً تعويضية هائلة. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحدّ، بل إن ماكينزي في تقريرها لدولة غيانا اقترحت أن أولى الأنشطة الاقتصادية بالإيقاف هو نوع من الزراعة يُعرف بالقطع والحرق، وأنه مقدّم على إيقاف أنشطة أخرى مثل الزراعة الصناعية والحقول الكبيرة. جدير بالذكر أن هذا النشاط لا يمس مصالح كبار التجار والشركات الأجنبية الأخرى (والتي تربطها بماكينزي علاقات متبادلة) بل يمس صغار المستثمرين والفلاحين التقليديين. والقصد من هذا المثال هو توضيح كيف أن الاستشارة التي قدمتها ماكينزي جاءت موافقة لهوى الحكومة هناك، وأن هذا النوع من النصائح سيمنح الشركة القدرة على الحصول على مشاريع إضافية وسيجعلها خياراً جذاباً لبقية الدول ذات الغابات الاستوائية التي تريد الحصول على تعويضات ضخمة. كما أن هذا المثال يوضح كيف تؤدي الاستشارة إلى القضاء على مصالح الفئات الضعيفة داخل المجتمع دون مبرر علمي أو موضوعي.[2]
لكن إن كان المال هو ما يدفع الدول الفقيرة لطلب معرفة الشركات الاستشارية، فإن هذا العامل غائب عن دول الخليج. فما الذي يدفع دول الخليج الغنية للتفتيش عن المعرفة التي تقدمها الشركات الاستشارية؟ في عام 2016، قُدِّر حجم سوق الاستشارات في الخليج بقيمة 2.8 مليار دولار، وقد كان حجمه في عام 2012 حوالي 1.58 مليار دولار، أي أنه في أربع سنوات ازداد حجم السوق بما يقارب الـ 77٪. ولأننا لا نملك معلومات عن حجم السوق قبل عام 2012، لنا أن نلاحظ من خلال معدلات الزيادة في الفترة ما بين 2012-2016 أنه سوق حديث نسبياً، وأنه تعاظم بشكل متزايد بعد الربيع العربي.[3] بمعنى آخر، أن صعود سوق الاستشارات في وجه من وجوهه يمثّل استجابة لتغيرات وتحديّات حديثة.
في الفقرات التالية، سنوضّح أنه حتى تكون المعرفة التي تقدمها الشركات الاستشارية جذّابة ومفضّلة على غيرها من المعارف والطرق في حل المشاكل السياسية والاقتصادية، يجب أن تكون النخبة السياسية الحاكمة مقتنعة بإيديولوجيا أو بمجموعة من الأفكار تسمى بالإداروية (Managerialism). وبمجرد ما تتمكّن الإداروية من مجال صناعة القرار في دولة ما، فإن استجابة مراكز القرار للمعارف والمنتجات وطرق التفكير التي تقدمها الشركات الاستشارية ستكون أكبر بكثير من غيرها من المعارف والخبرات والطرق، سواء تلك المتولدة من داخل الجهاز البيروقراطي، أو تلك النابعة من الفضاءات الأكاديمية، أو الطرق والآليات الديمقراطية. ستبدأ الفقرة الأولى بتقديم نبذة مختصرة عن تاريخ الشركات الاستشارية وعلاقتها بالإداروية، وعن ضرورة النظر لها بوصفها “شركات إيديولوجية” يرتبط القبول بمنتجاتها التسليم بحيادية وعلمية وموضوعية وأفضلية ما تستند عليه هذه المنتجات من معرفة. فهذا الاشتباك بين المعرفة التي أسميها بالإداروية ومنتجات هذه الشركات مفتاح لفهم سر جاذبيتها. بعد توضيح هذا الاشتباك سأنتقل لتوضيح كيفية انتقال الأفكار الإداروية للنخب السياسية في الخليج وعن الظروف الموضوعية التي جعلت مثل هذه الإيديولوجيا جذابة. وبعد توضيح أسباب تبني النخب الحاكمة لهذه الإيديولوجيا، أنتقل لتوضيح العاملين الرئيسيين اللذين يدفعان نحو اللجوء للشركات الاستشارية.
نبذة مختصرة عن تاريخ الشركات الاستشارية وعلاقتها بالإداروية

في نهاية القرن التاسع عشر، حدث نوع من الانفصال داخل الشركات والمؤسسات الربحية بين من يملك المؤسسة وبين من يديرها، وهذا الانفصال دفع بمهنة المدير المحترف للصعود. ارتبط ظهور الشركات الاستشارية بصعود المدير المحترف، وذلك لحاجة هذا الأخير للنصائح والاستشارات من أجل اتخاذ القرارات الصائبة. كانت الشركات الاستشارية الأولى تشغيلية (أي تحاول الإجابة على أسئلة من نوع: كيف تحسّن من كفاءة إنتاجية هذا المصنع؟ وكيف تزيد من إنتاجية العامل؟). لكن مع زيادة حجم الشركات وتعقد هياكلها ظهر نوع جديد من المشاكل التنظيمية الإدارية، وكانت البنوك وشركات المحاسبة هي التي تقدم الاستشارة في هذا المجال التنظيمي. لكن عام 1933 شهد صدور قانون في الولايات المتحدة يمنع البنوك من تقديم الاستشارات التنظيمية،[4] وصدرت في عام 1936 إجراءات تمنع المحاسبين من تقديم الاستشارات الإدارية.[5] خلقت هذه التشريعات فراغاً في مجال تقديم النصح والاستشارة للشركات حول مواضيع من نوع كيفية تخفيض النفقات، وهو الفراغ الذي بدأت شركات استشارية صغيرة بالتحرك لسدّه. فشركة ماكينزي- على سبيل المثال- تأسست في عام 1926، لكن صعودها بدأ بعد عام 1933 مع انسحاب البنوك وشركات المحاسبة عن مجال الاستشارات. ولتوضيح أثر هذه القوانين على مجال الشركات الاستشارية، يمكن الإشارة إلى أن عدد الشركات الاستشارية قد بلغ المئة بحلول عام 1930، لكنه قفز إلى ألف شركة في عام 1950.
وفي عام 1963، تأسست مجموعة بوسطن الاستشارية (Boston Consulting Group) على يد بروس هندرسون الذي كان يعمل في شركة استشارية عريقة اسمها آرثر دي ليتل. قامت هذه المجموعة بسد الاحتياج لنوع جديد من الاستشارات يختلف عن الاستشارات التشغيلية والتنظيمية، ويعرف بالاستشارات الاستراتيجية. ففي ذلك الوقت أصبحت الشركات والمؤسسات الربحية شديدة التعقيد، وظهرت الشركات القابضة التي تعمل تحتها العديد من المؤسسات ذات الأنشطة المختلفة وغير المتقاربة، وأصبحت بحاجة للنصيحة فيما يخص تكوين استراتيجيتها الخاصة. بعد عدة سنوات، وبعد انخفاض الطلب على الاستشارات التنظيمية، قامت العديد من الشركات- من بينها ماكينزي- بالتحوّل لتقديم هذا النوع من الاستشارات الاستراتيجية.[6]
في منتصف السبعينات، وبسبب حرب أكتوبر بين العرب والكيان الصهيوني، واستخدام سلاح النفط وارتفاع اسعاره، والأزمة التي خلقها كل هذا على الاقتصاد العالمي، بدأت العديد من الحكومات في أوروبا بإعادة النظر في الدولة ودورها وتركيبتها. تنامت هذه التوجهات حتى تحولت إلى واقع ابتداء من الثمانينات الميلادية، ومن بريطانيا تحديداً، حيث بدأ التفكير في كيفية الاستفادة من طرق إدارة مؤسسات القطاع الخاص في إدارة المؤسسات العامة. ومنذ تلك اللحظة، وجدت الشركات الاستشارية سوقاً جديداً ممثلاً بتقديم النصائح للحكومات والقطاعات العامة فيما سيصبح موجة عالمية في التفكير والتعامل مع المؤسسات العامة. وكمثال على تعاظم دور الشركات الاستشارية،[7] أنفقت الحكومة البريطانية ما قيمته 90 مليون دولار على الشركات الاستشارية في عام 1993، لكن هذا الرقم تضاعف ليصل إلى قرابة المليار ومائتي دولار في عام 2006.[8]
من هذا الاستعراض البسيط لتاريخ الشركات الاستشارية، نلاحظ أنها تكونت وتشكلت لحل المشاكل التي تعاني منها الشركات والمؤسسات الربحية، واعتمدت في هذا المجال على الجامعات- كليات الإدارة بشكل خاص- لتخريج كوادر مؤهلة للقيام بهذه المهام. وداخل هذه الشبكة من كليات الإدارة والأعمال وشركات الاستشارات والشركات الربحية الكبرى، بدأت تتشكل مجموعة من الأفكار والنظريات المتعلقة بكيفية حلّ المشاكل التي تواجهها الشركات، يمكن تسميتها بـ”الإداروية”. يلخّص أستاذ الإدارة العامة كريستوفر بوليت، أحد أهم المنظرين في هذا المجال، المقصود بالإداروية بأنها إيديولوجيا تنطلق من افتراض أن تحسين مستوى الإدارة (وليس التعديلات الدستورية والهيكلية، ولا تغيير التقنيات والأدوات المستخدمة، إلخ) هو الحل الأفضل لتحقيق أعلى مستويات الأداء والجودة. وبالنسبة لهذه الإيديولوجيا، تُقدَّم “الإدارة” بوصفها نشاطاً منفصلاً ومتميزاً يقوم بالدور الجوهري في ربط الخطط بالأشخاص والتقنية لتحقيق الأهداف المنشودة. ومن هذا التقدير المبالغ فيه للإدارة تنتج نظرة ترى أنه من الخطأ “تقييد” المدير بعوائق وضوابط، بل يجب إطلاق العنان له حتى يقدم أفضل ما لديه. وتقتضي هذه الرؤية أنه لا يوجد فرق جوهري بين المؤسسات الربحية والمؤسسات العامة من ناحية حاجتهما للإدارة الجيدة لتحقيق غاياتهما المنشودة. وتقوم الإداروية على الفصل بين المجال الإداري والمجال السياسي، معتبرةً أن هذا الأخير مجال الفوضى وصراع المصالح والعرقلة، في حين أن المجال الإداري هو مجال العمل الاحترافي والحيوي والتفكير الاستراتيجي، وأنه من الأفضل دائماً لأي مؤسسة أن تقلّص من المجال الأول قدر الإمكان حتى تستطيع الاستفادة من مزايا المجال الثاني.[9]
تقدّم الإداروية نفسها باعتبارها بديلاً لأنماط الخدمة العامة التقليدية، وتبرِز هذه الأخيرة بصورة نمطية سلبية. فالخدمة العامة القديمة تركّز على عزل الجهاز البيروقراطي عن السياسة، بحيث يكون الأول مسؤولاً عن تقديم الخدمات والتنفيذ والثاني ميدان التنافس على السياسات والرؤى. ومن هذا المنظور، فالجهاز البيروقراطي جهاز هرمي مركزي، يكون التوظيف فيه قائماً على الكفاءة، وهو غير متحيز سياسياً، ويخضع للسلطة السياسية. ولهذا تركز الخدمة العامة القديمة على العلاقات التراتبية، والحدود القانونية، والمساواة في تقديم الخدمات، وعقلنة وعزل النزعات البشرية والارتجالية عن العمل الحكومي، من أجل ضمان أن يكون الجهاز البيروقراطي موجهاً للصالح العام المعرّف من قبل السلطة السياسية. تعرضت هذه السمات للخدمة العامة القديمة للانتقادات، فالجهاز البيروقراطي ضخم، ومتصلّب، ومكلف، ويعمل ببطء، ومستوى الخدمات التي يقدمها متدن. وتقدّم الإداروية نفسها بديلاً لهذه العيوب. فابتداءً من الاسم، ترى الإداروية ضرورة الانتقال من حيز “الخدمة العامة” بمحدوديتها وتبعيتها، إلى حيز “الإدارة العامة” بفضائها الرحب وما تتضمنه من قابلية على المبادرة وتحمّل المسؤولية. فبالنسبة لها، لا يصح حصر تقديم الخدمات بالجهاز البيروقراطي، بل يمكن إشراك القطاع الخاص والاستفادة من مرونته وسرعته في تقديم الخدمات. وهذا الإشراك تتعدد أشكاله من خصخصة القطاعات العامة إلى تحويلها لشركات حكومية إلى ترحيل تشغيلها للقطاع الخاص. والمسؤولية بالنسبة للإداروية لا تعتمد على التقيّد بالأنظمة والإجراءات كما هو الحال في الخدمة العامة القديمة، بل بتحقيق النتائج والإنجازات، والعمل على تمكين الموظفين من أجل تحقيق النتائج. وأخيراً، تركّز الإداروية على أولوية المستفيد، الذي سيتم التعامل معه كما لو كان زبوناً أو عميلاً، وزيادة جودة الخدمات المقدمة، وحصر الرقابة على جودة المخرجات والأداء فقط.[10]
هذه الإيديولوجيا تشكل الإطار الذي من خلاله تقدّم منتجات الشركات الاستشارية. فبتعريف الإدارة كمجال غير سياسي، يعتمد آليات مدارها المخرجات التي تقاس بمقاييس موضوعية، ويتوسل التقنيات والأدوات المرتبطة بالإدارة، ينتج عن ذلك أن الاستشارة التي تقدمها الشركات الاستشارية “محايدة”، و”غير مسيّسة”، وتعتمد على الأرقام والأدلة الواقعية. فعلى سبيل المثال، تعرّف ماكينزي طريقة عملها كالتالي: “نحن نقوم بتقييم شامل مستقل مبني على الحقائق حول مستوى أداء العميل. نحن نعتمد على الحقائق لأنها تمنح الوضوح. الحقائق هي لغة الإدارة العالمية.

ونحن نعمل مع الحقائق لنمنح توصيات موثوقة”.[11] فما نراه هنا هو أننا لسنا أمام شركات ربحية فقط، بل أمام شركات “إيديولوجية”، تكتسب منتجاتها قيمتها المادية طالما كانت محاطة بهذه الهالة من الإيديولوجيا الإداروية التي تقدمها باعتبارها موضوعية وحيادية وعلمية. ولأوضح المقصود بالشركات الأيديولوجية عبر مثال الصيرفة الإسلامية. فالمنتجات والحلول التي يقدمها هذا القطاع مرتبطة بشكل كبير بنظرة شرعية تجاه الصيرفة التقليدية وإشكالياتها، فدون اقتناع قطاع كبير من المؤسسات والأفراد بهذه النظرة الشرعية، تفقد المنتجات التي تقدمها هذه الصيرفة الإسلامية جاذبيتها. إلا أن هذا وضوح ارتباط الصيرفة الإسلامية بتلك النظرة الشرعية غائب في حالة ارتباط الشركات الاستشارية بالإداروية، ذلك أن جزءاً من جاذبية منتجاتها قائم على إنكار أيديولوجيتها، وتصويرها على أنها موضوعية ومحايدة.

كيف تسربت الإداروية لدوائر صناعة القرار الخليجية
إذا كان شرط انحياز مجال صناعة القرار نحو الشركات الاستشارية مرتبط بتفشي واعتناق الإداروية، فمن المهم أن نفهم الظروف التي أدت بالأنظمة الخليجية لاعتناق هذه الأيديولوجية. من وجهة نظري، أرى أن هذه الظروف مرتبطة بمسألة الشرعية. وحتى نوضح ذلك يجب أن نتجاوز النظرة السائدة للشرعية السياسية، وهي نظرة تفتقر للدقة، تصوّر الأنظمة الديمقراطية بأنها وحدها التي تتمتع بالشرعية، وأن غيرها من الأنظمة غير الديمقراطية ليس لها أي شرعية. مكمن الخطأ في هذا التصوير هو أن الأنظمة غير الديمقراطية – التي لا تعتمد على العنف المفرط والصريح والرعب في الحكم- تمتلك مصادر شرعية غير ديمقراطية تجعلها مقبولة لدى شريحة كافية من الشعب. وانطلاقاً من هذا التصوّر، فإن الأنظمة غير الديمقراطية اتبعت طرقاً متنوعة في شرعنة وجودها وسياساتها وكسب قلوب وعقول شريحة كافية من مواطنيها. وفي الخليج، تعددت هذه المصادر وتنوعت بحسب تقلبات الظروف الداخلية والإقليمية. ففي فترة من الفترات كانت الشرعية منوطة بالمشيخة الحاكمة وشرعية التأسيس، فضلاً عن الشرعية الدينية. سأجادل في هذا القسم بأن جانباً من الاعتماد المتزايد على الشركات الاستشارية هو نتاج لاعتماد دول الخليج الإيديولوجيا الإداروية كمصدر شرعية جديد، يستطيع الاستجابة لأزمة الشرعية التي خلفها كل من الربيع العربي وانتقال الحكم إلى جيل شاب من النخب الحاكمة وتدهور أسعار النفط.
إن كانت الإداروية في جانب منها تتضمن فلسفة لكيفية حل المشاكل والتعامل مع المؤسسات، فإنها من جانب آخر تقدّم حلا لمشكلة الهرمية والسلطوية داخل الشركات. فكما يرى مؤرخ الأفكار الأمريكي جيمس هوبز،[12] كانت الإداروية بمثابة الإجابة التي قدمها منظرو كليات الإدارة على المشكلة التي واجهت مدراء الشركات في أمريكا، المتمثلة في كون شركاتهم تختلف عن الديمقراطيات في كونها سلطوية وهرمية. فالمواطن الأمريكي يتربى ويتعلّم بأنه يعيش داخل نظام ديمقراطي، السلطة فيه للمحكوم، أي لمن هو في الأسفل، بحيث يكون من فوقه مسؤولاً أمامه: يستطيع اختياره، ومحاسبته، وعزله. لكن داخل الشركة، فإن علاقة السلطة معاكسة لما هي عليه في الديمقراطية، حيث أنها متركزة في الأعلى وهرمية، وبالتالي تبدو متصادمة مع النموذج الديمقراطي. ولحل هذه الإشكالية، قام مجموعة من المنظرين في كليات إدارة الأعمال بتطوير حزمة من الأفكار تحاول تقديم المدير بوصفه (قائداً) بلا سلطة، وأن علاقته مع الموظفين هي من جنس العلاقات التي تنظم المجتمع العضوي الواحد الذي يسعى الجميع للعمل على إنجاحه، وضمن هذه الإيديولوجيا نجد كل الافكار التي طورها حقل السلوك الإداري المتعلقة بتطوير الذات، والطرق المفضلة للتعامل مع الموظفين، وإدخال جوانب ترفيهية داخل مساحة العمل، وإلغاء أي شكل من أشكال التراتبية والهرمية بين المدير وموظفيه ابتداء من الشكل والملبس ووصولاً إلى طريقة تصميم المكاتب وانفتاحها على بعضها البعض. تختفي داخل هذه الإيديولوجيا العلاقات الهرمية بين المدير والموظف، وتصبح المسألة فردانية، ويصبح السؤال: كيف يستطيع كل شخص تقديم أفضل ما لديه ليكون عنصراً فاعلاً في هذا المجتمع؟ تم ضخّ هذه الأفكار والأدوات والرؤى بشكل مستمر عبر كليات الإدارة، والمعاهد والمراكز التي تقدم دورات في مهارات الاتصال وإدارة الوقت وغيرها، وعبر الكتب الأكثر مبيعاً التي تباع في المطارات والمكتبات التجارية وغيرها، والمتعلقة بحل مشاكل إنتاجية الفرد والتخلص من العادات السيئة وسمات “القيادة” الناجحة وغيرها.
هذا النظام المتكامل والمنتشر من الأفكار يهدف لتغطية الحقيقة البسيطة التالية: أن الشركة سلطوية وهرمية، وأن كل هذه المظاهر التي تظهر شكلاً من المساواة بين الموظفين وطمس أي شكل من أشكال السلطوية والهرمية إنما هدفها إخفاء هذه الحقيقة. المثير في هذه الإيديولوجية الإداروية هو قابليتها للانتقال خارج مجال المؤسسات الربحية، ذلك أنها تحمل خصائص تجعلها جذابة لكل مؤسسة أو تنظيم أو كيان سلطوي، وليس فقط للشركات. فتبني هذه الأفكار التي تؤكد على الإنجاز وتحقيق الذات وربط نجاح المجموعة بإصلاح مشاكل الفرد عبر تحويله لكائن منضبط منتج منظم، يكسب كل كيان سلطوي مظهراً من مظاهر المساواة الشكلية التي تخفي حقيقة علاقات الهيمنة والسلطة داخلها. فمنذ منتصف الثمانينات بدأت هذه الأفكار بالانتشار في العالم العربي، وذلك لتلبية حاجات العديد من المؤسسات والحركات التي تريد أن تظهر بمظهر مساواتي. فمن جهة، انكبّت الحركات الإسلامية على هذا النوع من الأفكار وقامت بتعميمها ونشرها بعد أسلمتها. تتبّع باتريك هايني في كتابه (إسلام السوق) انتشار هذه الأفكار ابتداء من كتب كل من محمد أحمد الراشد، وهشام الطالب، ومحمد التكريتي، حيث قام بتعميمها في الخليج كل من الكويتي طارق السويدان والإماراتي علي الحمادي.[13] ونجد ملامحاً من هذا النهج عند القطري جاسم سلطان، وكل من عبدالكريم بكار وعلي العمري وغيرهم في السعودية. فعن طريق أشرطة الكاسيت، والقنوات التلفزيونية، والكتب، ومراكز التدريب والتطوير، وغيرها من القنوات قام الإسلاميون بنشر الإداروية في المجتمعات الخليجية. ولم يكن الإسلاميون وحدهم في هذا المجال، فقد قامت أشهر المكتبات التجارية في المنطقة، مكتبة جرير بشكل رئيسي، وبشكل أقل مكتبة العبيكان، بترجمة الغالبية العظمى من أكثر الكتب مبيعاً في مجال الإداروية، ويعكس هذا الحرص على ترجمة هذا اللون من الكتب وجود طلب متنامي عليه. أخيراً، منذ منتصف التسعينات، وبسبب توجه الشباب الخليجي للعمل في القطاع الخاص وخصخصة بعض القطاعات، فضلاً عن توجه الحكومات الخليجية لحل مشكلة البطالة عن طريق دعم ريادة الأعمال، تكاثرت البرامج التأهيلية التي تتبنى الأفكار الإداروية حول طريقة إدارة المؤسسات والأفراد، وكذلك تنامت برامج الماجستير في إدارة الأعمال في الداخل والابتعاث إليها في الخارج. شكلت هذه القنوات المتعددة شريحة مهمّة من المجتمع متشبعة بهذه الإيديولوجيا، ومستعدة لتقبّل المؤسسات التي تعمل وفقاً لمبادئها.
في الفترة من 1995-2005، تغيّرت تركيبة النخبة الخليجية الحاكمة، حيث توفي أغلب زعماء المنطقة.[14] ونتيجة لذلك، انتقلت السلطة من نخبة ذات شرعية مشيخية وشرعية تأسيسية ودينية حكمت لأكثر من عقدين من الزمان، إلى نخبة جديدة تولت الحكم في فترة ما بعد الحرب الباردة و11 سبتمبر وارتفاع أسعار النفط، حيث خلقت التحديات الاقتصادية والإقليمية والسياسية أزمة شرعية. واجهت النخبة الجديدة هذه الأزمة بتبني عدد من الخطابات، كان أهمهما خطابا الإصلاح والإداروية. مثّل خطاب الإصلاح استجابة للضغوط الداخلية والخارجية نحو الاتجاه للديمقراطية، وكان مضمونه هو القبول بهذا المطلب، لكن بعد استيفاء الشروط. فخطاب الإصلاح أوحى بأن الدول المعنية تريد الانتقال للديمقراطية، لكنها ما زالت غير مهيأة وبحاجة لمجموعة من الإصلاحات للوصول لها، فكان هذا الخطاب يعطي للأنظمة شرعية أنها تعمل نحو الانتقال للديمقراطية. مكّن ارتفاع أسعار النفط هذه الدول من القيام بتغييرات واعتماد سياسات متنوعة ضمن هذا البرنامج الإصلاحي، وإن كانت في مضمونها غير مرتبطة بالديمقراطية. أما الإيديولوجية الإداروية – والتي كانت إمارة دبيّ، بسبب افتقارها للنفط ربما، هي أول من تبناها بشكل واضح، ومنها انتشرت إلى باقي الخليج – فقد كانت جاذبيتها تكمن في قدرتها على إظهار المؤسسات غير الديمقراطية بمظهر مساواتي يخفي علاقات القوة والهرمية داخلها. بعد الربيع العربي- الذي كشف للأنظمة مخاطر خطاب الإصلاح وإمكانية إلزام الشعوب للحكومات بالمطالبات الديمقراطية – وما نتج عنه من قمع وثورات مضادة وحروب، خفتت أهميّة وجاذبية خطاب الإصلاح. ومن تلك اللحظة، انتقلت الإيديولوجيا الإداروية من الهامش لتصبح هي المتن مع تناوب الحكومات في الخليج على تبنيها بشكل رسمي. وهكذا بتنا نرى، وبشكل متزايد، أهداف برامج التحوّل الاقتصادي تؤكد على حماية “صحة المواطنين البدنية والنفسية والاجتماعية” وضمان تحقق “بيئة إيجابية جاذبة”، بل وأصبح هدفاً رئيسياً أن “ترتفع نسبة ممارسي الرياضة مرة على الأقل في الأسبوع”، وخلق جيل جديد يتمتع بمهارات المبادرة والقيادة والمثابرة. كما تحوّلت الطريقة التي تحكم ظهور الزعماء الخليجيين في العلن، فصرنا نجد ذبولاً لشخصية الأمير أو الملك التقليدي، وانتشاراً لشخصية مدير الشركة التنفيذي المتبسط والذي يقدم نفسه باعتباره “قائداً” لمن يعملون معه، الذي يراد تصويرهم كمساوين له، وأنه ليس “رئيساً” أو “سيداً” عليهم.
الشركات الاستشارية ككبش فداء وأداة شرعنة وجهة اعتماد

ما قمنا به حتى الآن هو توضيح علاقتين: لماذا تبنت الأنظمة الخليجية الإيديولوجيا الإداروية، وكيف تطوِّع الإداروية مجال صناعة القرار من أجل الاستجابة للمنتجات والمعرفة التي تقدمها الشركات الاستشارية أكثر من غيرها. إن تفشّي الإداروية في حد ذاته لا يدفع صنّاع القرار إلى اللجوء للشركات الاستشارية، لكنه يجعل الشركات الاستشارية خياراً مقنعاً للاستجابة لتحديّات متنوعة يواجهها صناع القرار في الخليج. فهذه الشركات تؤدي ثلاثة أدوار رئيسية تعود بالفائدة على دوائر صناعة القرار. يتمثّل الدور الأول في كون الاعتماد على الشركات الاستشارية يؤدي دوراً مهماً في إضفاء الشرعية على السياسات الاقتصادية الجديدة التي تسعى لجذب الاستثمارات الأجنبية. فإن كانت الدول الفقيرة تحتاج الشركات الاستشارية لتلقي الدعم، فإن دول الخليج الغنية – بعد هبوط أسعار النفط – أصبحت بحاجة لاعتماد السياسات الاقتصادية الجديدة التي تبشر بها تلك الشركات من أجل زيادة الموثوقية باستثماراتها الخارجية، ولطمأنة رؤوس الأموال الأجنبية المراد استثمارها في الخليج. فالشركات الاستشارية في هذا الإطار، بسبب سمعتها العالمية وتبني المؤسسات المالية والعالمية لنفس أيديولوجيتها، تؤدي دور جهة الاعتماد.

أما بالنسبة للدورين الآخرين فهما مرتبطان بشكل رئيسي بحاجة الوزير وصانع القرار لتمرير أجندته وحفاظه على المنصب. ففي دائرة صناعة القرار المشحونة بالإداروية، تتنافس الكثير من الأفكار والآراء والمقترحات حول ما يجب القيام به وكيف. وفي خضم هذا التنافس المؤطر بتحيّز واضح تجاه الإداروية، يصبح الاستنجاد بهذه المؤسسات المسلّم بامتلاكها معرفة متميزة والمتَّفَق على حياديتها و”علميتها” استراتيجية جذابة لدعم أجندة هذا الوزير أو ذاك. فالوزير الذي يريد تمرير مقترح ما يستطيع إكساب مقترحه الشيء الكثير من الشرعية والوجاهة إذا قام بتضمينه استشارة من هذه الشركة الاستشارية العالمية أو تلك. ومن هنا يبدأ صناع القرار بالتنافس فيما بينهم على استقطاب هذه الشركات من أجل دعم مشاريعهم ورآهم وشرعنتها. في مثل هذا الجو، حتى لو كان الوزير غير مقتنع بجدوى الاعتماد على هذه الشركات، فإنه سيضطر لتقليد غيره حتى لا يبدو “متخلفاً” ويتبنى أساليب رجعية في الإدارة. وبالإضافة لدور أداة الشرعنة للأجندات والمقترحات، يؤدي الاعتماد على الشركات الاستشارية دوراً في حفاظ الوزير أو صانع القرار على منصبه، ذلك أن أي مشكلة تحدث في الخطة والفكرة المقترحة لن يتحمل وزرها الوزير نفسه، بل الشركة الاستشارية. وهذا الدور هو دور كبش الفداء، حيث سيكون منطق الوزير هنا كالتالي: “لقد كلّفت أفضل الشركات العالمية في هذا الموضوع، وقمت بما علي أن أقوم به، وليس بالإمكان أحسن مما كان”.[15]
لكن إن كان صحيحاً أن صناع القرار يعتمدون على الشركات الاستشارية لإضفاء الشرعية على مقترحاتهم ويحولونهم إلى كبش فداء إن فشلت تلك المقترحات، فلماذا لم نرَ مثل هذا السلوك إلا في الآونة الأخيرة؟ لماذا لم ينتهج الوزراء السابقين في الخليج هذا النهج؟ الإجابة على هذا السؤال مرتبطة بتغيّر هيكلي أصاب الجهاز البيروقراطي في دول الخليج، وهو أفول عصر الوزير الدائم. في كتابه “أمراء، وسماسرة، وبيروقراطيون”،[16] يرى ستيفن هيرتوغ أن الجهاز البيروقراطي السعودي اتسم بسمات محددة منذ عام 1962، أهمها ضعف التواصل البنيوي الأفقي بين الوزارات، وذلك بسبب استجابة كل وزارة للوزير الذي قضى في إدارتها فترة أطول، وأن التواصل بين الوزارات يحدث فقط في قمة الهرم البيروقراطي.[17] في مثل هذا السياق، خضع توزيع الحقائب الوزارية لعوامل مختلفة، ولم تعتمد شرعية النظام بشكل كبير على مستوى الأداء، وذلك إما لأن الوفرة النفطية تستطيع استيعاب أي حالة احتجاج أو لوجود مصادر شرعية أخرى قوية، فنجد وزراء تمتد فترة وزارتهم لعشرات السنين، وآخرين يتم تدويرهم على الحقائب المتنوعة، والغالب لا يفارق وزارته إلا بالموت. لكن في الفترة الأخيرة، ومع تقلّص مراكز القوى داخل الجهاز البيروقراطي، وتقلّص عدد أفراد الأسر الحاكمة المتسلمين لحقائب وزارية، وتعاظم تبني الدولة لإيديولوجية إداروية تعتبر الإنجاز والمخرجات من أهم معايير كفاءة الوزير، أصبح لدى هذا الأخير حافز كبير لحماية منصبه باللجوء لأكثر الجهات المقدّرة والمعتبرة في أي دائرة صناعة قرار إداروية: الشركات الاستشارية.
ما هي مشاكل الاعتماد على الشركات الاستشارية في صناعة القرار؟
إذا كان التحليل السابق صحيحاً، فيجب على النقد الموجه للاستعانة بالشركات الاستشارية في الخليج أن يتخذ ثلاثة أشكال رئيسية. أما الشكل الأول فيجب أن يتناول أثر هذه الاستعانة على الخيارات الأكثر ديمقراطية وتشاورية في إدارة التحوّلات الضخمة التي تمس كافة شرائح المجتمع. أما الشكل الثاني الذي يجب أن يأخذه النقد، فهو تجاه الإداروية كإيديولوجيا وطرق تفكير وآليات وحلول للمشاكل السياسية والاقتصادية. وأخيراً يرتبط الشكل الثالث بآثار العلاقة بين الشركة والحكومة على المحاسبة والرقابة وتراكم الخبرات داخل جهاز الدولة. وستكتفي هذه الورقة بالتركيز على الشكل الأول والأخير، مع التأكيد على الأهمية المحورية الذي يجب أن يوليها النقد للإداروية كأيديولوجيا وفلسفة.
الشركات الاستشارية واستمرار إقصاء الخيار الديمقراطي التشاوري
بشكل عام، يمكن القول إن هناك طريقتان لحل المشاكل السياسية والاقتصادية: الطريقة الأولى يتم فيها تصوير المشاكل وافتراض الحاجات والحلول من أعلى وفرضها على الكل، وطريقة يشترك ممثلين عن كافة المعنيين بالمشكلة في تصويرها ومناقشتها وحلها. الطريقة الثانية هي ما سنسميه بالطريقة الديمقراطية التشاورية، ولا تستلزم برلماناً بالضرورة (وإن كان هذا مفضلاً)، بل يمكن تبني طرقاً متنوعة لضمان تمثيل المعنيين بالأمر. أما الطريقة الأولى فهي سلطوية، وأشد أشكالها تطرفاً هو ما يسمى بالحداثة العالية. يُعرّف لنا جيمس سكوت “أيديولوجيا الحداثة العالية”[18] بأنها نوع من الإيمان المفرط بقدرة العلم والتقنية على حل المشاكل الاجتماعية والاقتصادية والسياسية. في العصور القديمة، لم يكن من مهام الدولة العناية بالمواطنين (بصحتهم، وقدراتهم، وتعليمهم، وإنتاجيتهم، وأخلاقهم، إلخ)، أما في العصر الحديث فقد أصبحت هذه المهمة واحدة من المهام الرئيسية للدولة، إن لم تكن هي المهمة الرئيسية الكبرى. ترافق مع تطور هذه المهمة نشوء مفهوم “المجتمع” باعتباره شيئاً يمثّل مجموع السكان وموجوداً هناك خارج الدولة ولكن، في نفس الوقت، تحت سيطرتها ومسؤوليتها. احتاجت الدولة – حتى تقوم بهذه المهمة – لـ”معرفة” هذا المجتمع (معرفة أعمار أفراده، وإنتاجيتهم، ووظائفهم، وحالاتهم الاجتماعية، وأملاكهم، وجرائمهم، إلخ). وأصبحت الدولة تدرك المجتمع عبر هذه المعرفة الإحصائية الرقمية القائمة على المعدلات والاتجاهات، في حين أصبح المجتمع- بطبيعته المشيّئة والكمية هذه – موضوع إصلاحات وتحولات الدولة الحديثة.[19] وفي الحالات التي تكون فيها الدولة قويّة ومؤمنة بشدة بهذه الإيديولوجيا ولا يواجهها مجتمع قويّ منظم، فإن النتائج ستكون كارثية (الأمثلة على ذلك كثيرة، لكن أشهرها خطة ماو لتحويل الصين من مجتمع زراعي إلى مجتمع اشتراكي والمسماة بـ”القفزة العظمى للأمام”، والتي أدت دوراً في مجاعة الصين العظمى التي راح ضحيتها عشرات الملايين من البشر). والسبب في كارثيتها، كما يرى سكوت، هو أنها تتجاهل تعقيد العلاقات والمصالح والمعارف الرسمية وغير الرسمية المحيطة بالسياسة الواحدة، وأن هذا التعقيد لا تعكسه الأرقام والمعايير والأصناف التي من خلالها ترى الدولة المجتمع وتعرفه.
عندما تتبنى النخبة الحاكمة لدولة ما إيديولوجيا التحديث الفائق، فإنها تبدأ بالاعتماد على العلم والتقنية بشكل حصري من أجل هندسة المجتمع وإصلاحه وتحديثه، وهذا يعني تفضيل المعرفة العلميّة والتقنيّة على كافة أنواع المعارف والتقاليد الأخرى، كما أنه يعني إلغاء السياسة باعتبار أن المصالح السياسية وتعددها وتضادها ليست إلا تشويشاً أو تعطيلاً للحلول العلميّة والتقنيّة التي ينتجها العلماء والخبراء ويجب إعادة تشكيل المجتمع وفقها. تتجلى أهم مظاهر هذه الثقة المفرطة بالعلم والتقنية في الزعم بالقدرة على السيطرة على المستقبل وعلى ضمان نتائج سياسات الحاضر. بالنسبة لهذه الإيديولوجيا، يعتبر “الماضي عائقاً، يعتبر تاريخاً يجب تجاوزه؛ أما الحاضر فهو المنصّة التي من خلالها يجب أن تنطلق الخطط من أجل مستقبل أفضل”.[20] والخطير في هذه الرؤية للمستقبل هو المنطق التالي الكامن فيها: أنه إذا كان المستقبل معلوماً لدينا بهذا الوضوح عبر العلم والتقنية، فإن كل التضحيات والتكاليف قصيرة المدى التي سنقوم بها مبررة، بل ومرغوبة، وأن كل ممانعة ومعارضة إنما نابعة من مصالح ضيقة أو نظرة قصيرة المدى جاهلة، لا تستطيع أن ترى ما تراه الدولة بفضل المعرفة العلمية التي تتوفر لديها.
هذا النوع من الإيديولوجيا موجود في كافة التيارات، تجده لدى “شيوعي” مثل لينين، و”فاشي” مثل هتلر، تجده عند نظام “رجعي” مثل نظام شاه إيران، وتجده عند نظام “تقدمي” مثل نظام عبدالناصر. في دول الخليج، كانت النظرة الأولية للنخبة الحاكمة تجاه الثروات الطبيعية بأنها ملك للأسر الحاكمة، وأن إنفاقها في مجالات التعليم والتنمية والتطوير ستكون له نتائج خطيرة على الأنظمة الحاكمة. إلا أنه في فترة الخمسينات والستينات، ونتيجة لعاملين رئيسين، تحوّلت هذه النظرة لتتبنى النخب الحاكمة إيديولوجيا التحديث الفائق. أما العامل الأول، فهو الحراك الوطني والقومي واليساري في كافة هذه الدول في الخمسينات والستينات، والذي يبدأ من نجاح الناشطين في الكويت في الضغط من أجل كتابة دستور يضمن ملكية دستورية، مروراً بالحراك العمالي وضغوطات نخبة من البيروقراطيين الوطنيين في السعودية باتجاه التنمية والديمقراطية والإصلاح، ولا ينتهي بثورة ظفار المسلحة في سلطنة عمان.[21] أما العامل الآخر، فهو المنافسة الإقليمية بين الدول العربية على كسب قلوب وعقول الناس. فمن ضمن الأساليب التي تبناها النظام الناصري وغيره من الأنظمة التي كانت تدعو نفسها بالـ”تقدمية” هو تقديم نفسها بأنها أنظمة حديثة، متمدنة، تعتمد أسباب التطوير والتنمية للنهوض والتقدم. كانت “التنمية” وسيلة إيديولوجية بيد هذه الأنظمة لنزع شرعية الأنظمة في الخليج. أدى هذان العاملان- الداخلي والإقليمي- لدفع النخب الخليجية الحاكمة لتبني إيديولوجيا التحديث الفائق، والسعي نحو استغلال الوفرة النفطية منذ الستينات من أجل تحقيق خطط تنموية كبرى ومضادة لهذه القوى، وذلك من أجل إعادة شرعنة نفسها.
فمنذ الستينات، والطبقة البيروقراطية الخليجية مكونة من مجموعة من النخب التكنوقراطية غير المسيسة المؤمنة بشكل كبير بإيديولوجيا التحديث الفائق، أي بالعلم والتقنية كوسائل لحل المشاكل الإدارية ومجابهة التحديات. ومنذ هذه الفترة، سنشهد اعتماداً متعاظماً على الخبراء والشركات الأجنبية في تنفيذ المشاريع الحكومية والإصلاحات الإدارية. ومثّل الاعتماد على الخبراء والشركات الأجنبية بديلاً “أكثر فائدة، وعملية” من الخيار الديمقراطي المتمثل في مشاركة اتخاذ القرار مع بقية المجتمع، الذي سيتم تصويره في الخطاب الرسمي بشكل مستمر باعتباره جاهلاً قبلياً متديناً وإقصائياً. أي أن هذا البديل تم اعتماده على حساب الخيار الديمقراطي بالاستناد إلى حجة سهلة ذات قدرة إقناعية هائلة: العلم والخبرة المبنية على الحقائق أفضل أم الاعتماد على الأهواء والمصالح الضيقة والتخلف والتعصب الديني؟
يمكن أن نعتبر الاعتماد على الشركات الاستشارية الإدارية في مشاريع التحوّل الكبرى امتداداً لهذا الخيار المتأصل في البيروقراطيات الخليجية (تفضيل الخبراء وآليات الحل السلطوية على الخيارات التشاورية الديمقراطية). فكما قلنا إن مثل هذا النوع من السياسات يمكن أن يكون كارثي بسبب عجزه عن رؤية شبكة المصالح والمعارف المعقدة المحيطة بالسياسات. فالمسألة هنا ليست مسألة أجنبي مقابل محلي بقدر ما هي مسألة اختلاف في نوع ”المعرفة“ التي ترى من خلالها الدولة، فالأجانب والمواطنين المعتنقين للإداروية سيرون الأمور بنفس الطريقة، أي أنهم جميعا سيتجاهلون ما نتحدث عنه من تعقيد والذي عادة ما يتم إحضاره وإبرازه في الخيارات التشاورية الديمقراطية والتشديد عليه. وما يزيد الأمر خطورة في هذه الحالة هو أن الإيديولوجية الإداروية تصيب معتنقها بالعمى ليس فقط أمام هذا التعقيد، بل أيضا أمام السلطوية والهرمية داخل المؤسسات التي تعمل فيها. فشخصيّة القائد والمدير الذي يجب أن لا يحد من قدراته التي تروج لها الأدبيات الإداروية تبرر له عدم التقيّد بأي حدود في علاقته مع من يعملون تحته، وذلك لأنه تقدمها كمساو لهم صادف أن كان في موقع قيادي. فعوضاً عن التأكيد على المحاذر الموجودة في تسلّم السلطة وخطورة التعامل معها، تتجاهل أدبيات القيادة كل حديث عن حدود استخدام السلطة وتتيح وتبرر تجاوزها إن كان ذلك في صالح المجتمع العضوي المتساوي الذي ليس إلا قناعاً يخفي سلطوية المؤسسة.
العلاقة بين الاستشاري وصانع القرار… وحدود المحاسبة
ذكرنا سابقاً أن صانع القرار- الوزير ومن يقوم مقامه – لديه مصلحة في الاستنجاد بخدمات الشركات الاستشارية: أولاً، يتقوى بسمعتها لدعم أجندته، وثانياً يجعلها كبش فداء في حال فشلت المشاريع التي يقوم بها. في المقابل، الربح ومضاعفته هي المصلحة التي تدفع الشركات الاستشارية لتقديم النصح. فالعلاقة بين الطرفين مدفوعة بمصالح خاصة ولا يوجد هناك مجال لتولّد مصلحة عامة منها. يؤكد ذلك أن الشركات الاستشارية لا تريد أن تربح مرّة فقط، بل تريد أن تكسب مشروعاً ممتداً، ما يدفعها لتقديم المنتج الذي يرضي صانع القرار حتى يتعاقد معها مرة أخرى، ولا توجد طريقة لكسب رضاه أفضل من تقديم ما يقوي مصلحته الخاصة في الحفاظ على المنصب. وهنا تصبح مصلحة الشركة الخاصة بمضاعفة الأرباح متحالفة مع مصلحة صانع القرار الخاصة بالحفاظ على منصبه عن طريق الظهور بمظهر المنجز والمتبني لأكثر طرق الإدارة تقدماً وحداثة، وهذا الالتقاء في المصالح لا يضمن بحال تقاطعه مع المصلحة العامة التي يفترض أن هذه العلاقة أصلاً تكونت لتحقيقها. ولا يغير من هذه النتيجة كون صانع القرار مؤمن فعلاً بالأجندة التي يريد تمريرها، وبأنها فعلاً أجندة إصلاحية، ذلك أن منطق العلاقة مع الشركة الاستشارية سيفرض نفسه في الأخير. فأياً كانت “نيّة” صانع القرار، فهي مشروطة بالبقاء في المنصب، ومن ثم، سواء كان الحفاظ على منصبه غاية في حد ذاتها أو وسيلة ضرورية لتحقيق ما يراه خيراً، فإن أي نصيحة ستقدمها الشركة الاستشارية ستكون مضطرة لطمأنة صاحب القرار بأن المنتج المقترح سيضمن البقاء في المنصب. أي أن منطق العلاقة بين صانع القرار والاستشاري، أياً كانت نواياهما ومقاصدهما، سينتهي بالاثنين للعمل من أجل تحقيق هاتين المصلحتين الخاصتين: الحفاظ على المنصب، ومضاعفة الأرباح. وبمعنى آخر، فإن منطق العلاقة بين صاحب القرار والشركة سيحوّل المصلحة العامة التي على أساسها تشكلت العلاقة من غاية إلى وسيلة.
والأثر السلبي المباشر لمثل هذه العلاقة هو صعوبة تحديد المسؤولية، ومن ثم المحاسبة، عن أي تقصير أو أي مشاكل تحدث نتيجتها. فمن هو المسؤول؟ الشركة الاستشارية التي سلمت منتجها بحسب رغبات صانع القرار، أم هو صاحب القرار الذي قام بأفضل ما يمكنه القيام به وجاء بأفضل الشركات لحل المشكلة؟ وهذه الضبابية في موضوع المسؤولية هي بالضبط منبع جاذبية العلاقة بين الطرفين. في السابق، في الجهاز البيروقراطي التقليدي، عندما ترتكب وزارة خطأ ما أو تفشل في أحد المشاريع، فإن المسؤول فيها واضح وعرضة للمحاسبة. كانت المشكلة في الجهاز القديم تتركز في كون المسؤول لا يحاسب، ولكن عندما بات المسؤول يشعر بأنه عرضة للمحاسبة عما يقوله أو يفعله، أصبح لديه حافز قويّ للدخول في هذه العلاقة المبعثرة للمسؤولية مع الشركة الاستشارية. ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد، بل يصبح فشل الخطة مشكلة جديدة بحاجة للحل. أي أن الخطة، عوضاً عن تحقيق الهدف الذي وضعت لأجله، قامت بكشف خلل جديد بحاجة للحل. ذلك أنه إذا كان صانع القرار قد قام بكل ما يمكن القيام به، وأن الشركة المستشارة من أفضل الشركات في المجال، فلا يبقى احتمال سوى أن هناك خلل ما في الداخل حال دون إنجاح المقترح الإصلاحي. فيصبح الإصلاح كاشفاً لمشكلة بحاجة لإصلاح، وهكذا يستفيد صناع القرار والشركات من هذه العملية التي تولد سلسلة من الإصلاحات والمشاكل المتعاقبة دون أن يتحمل أياً من الطرفين المسؤولية عن أي فشل.
اتخذ الكلام السابق بعداً نظرياً بحتاً، يفترض وجود مسافة بين صانع القرار والشركات الاستشارية. لكن الواقع أسوأ من ذلك، فالشركة الاستشارية – بقدراتها التسويقية الخلابة – تتغلغل أكثر فأكثر مع كل مشروع تستلمه من القطاع العام. فلكل سياسة دورة حياة محددة: تبدأ من التعرف على المشكلة، ثم تشخيصها، ثم اقتراح الحلول، ثم اتخاذ القرار، ثم تطبيقه. نظرياً، يفترض اقتصار عمل الاستشاري على تشخيص المشاكل واقتراح الحلول، أي أن الوزارة أو المؤسسة العامة لديها القدرة الذاتية على التعرف على مشاكلها، ولديها من الاستقلالية ما يكفي لاتخاذ القرار وتطبيقه. لكن مع تعقد العلاقة مع الاستشاريين، نجد الاستشاري يتسلم المزيد من حلقات هذه الدورة شيئاً فشيئاً، لتصل إلى مرحلة تكون فيها الشركة الاستشارية هي من تكتب طلب العروض الذي ستقدم فيه هي نفسهاً عرضاً، كما في بعض الحالات، وهي مرحلة يتعذر فيها معرفة الجهة صاحبة القرار بشكل واضح.[22] وهذه التعقيدات الواقعية على المشهد إنما تزيد من حدّة المشكلة أكثر فأكثر، فيصعب تحديد المسؤولية، كما يصبح تضييع المصلحة العامة أكثر احتمالاً.
بالإضافة إلى بعثرة المسؤولية، تقوم هذه العلاقة بين صانع القرار والاستشاري على تضييع فرصة بناء خبرات بيروقراطية محلية في التعاطي مع المشاكل وحلها، ذلك أن هؤلاء البيروقراطيين غالباً ما ينحّون ويحوّلون إلى مجرد موظفي مشاريع يتقنون فن التعامل مع موظفي الشركات الاستشارية، دون خبرة حقيقية في التعاطي مع المشاكل التي تواجهها مؤسساتهم. وبسبب الطبيعة السريّة لعمل هذه الشركات، فإن الأموال الطائلة التي تقدم لها على الأعمال المتكررة والمتنوعة ستذهب سدى بمجرد أن تغادر الشركة. وهنا تبرز المفارقة المثيرة للسخرية، إذ يؤدي قرار التعاقد مع الشركات لخلق اقتصاد مستدام لحالة غير مستدامة من الاعتماد على الخبرات والكوادر الزائلة.
الخاتمة
ركزت أغلب الانتقادات الموجهة للاستعانة بالشركات الاستشارية على كون هذه الشركات “أجنبية” ولأنها أجنبية، فهي لا تستطيع فهم السياق المحلي والثقافة المحلية. وهذا النقد غير دقيق لأن هذه الشركات تعتمد طاقماً محليّاً من الموظفين، بل قد تدخل في شراكة مع جهات محلية. فعلى سبيل المثال، استحوذت ماكينزي على شركة استشارات سعودية محليّة.[23] لهذا يجب ألّا يتوجه النقد لأجنبيتها، بل لإدارويتها – التي قد يتبناها خليجيون وأجانب – وأثرها على الخيارات الديمقراطية وعلى المحاسبة وبناء الخبرات المحلية. إن التركيز الشديد في هذه الورقة على إبراز تحيزات وتاريخية الإداروية يهدف إلى نفي دعوى حياديتها وموضوعيتها، لكنه لا يعني بالضرورة أن كل ما هو إداروي فهو شرّ. إن الأجهزة البيروقراطية الخليجية تحتاج فعلاً لإصلاح، وهناك مشاكل بنيوية خطيرة في عملها، وعملية إصلاحها هي عملية سياسية وليست عملية إدارية حتى يكتفى بخبراء لحلها. من الضروري التأكيد أن للمجتمعات الخليجية الحق في المشاركة وأداء دور رئيسي في قرارات مصيرية مثل تحديد ما يجب أن يبقى من المؤسسات العامة للدولة وما يجب أن يخصخص، والأولويات التي يجب مراعاتها في هذا الصدد. إن التأكيد على أن مثل هذه الأمور هي أمور سياسية، يعني القبول بأنها يجب أن تأخذ مساراً بطيئاً، وأن هذا البطء مفيد وليس مضر، ذلك أن التجارب الأخرى علمتنا أن الحلول الكبرى السريعة كانت دائماً محفوفة بمخاطر كبيرة وأدت لانتكاسات هائلة.

[1]-Stone, Diane, Towards a Global Polity (London and New York: Routledge, 2002), “Knowledge Networks and Policy Expertise in the Global Polity,” p 125–144.
[2] Bock, Sebastian, “Politicized expertise–an analysis of the political dimensions of consultants’ policy recommendations to developing countries with a case study of McKinsey’s advice on REDD+ policies,” The European Journal of Social Science Research, 2 Oct 2014, volume 27, number 4, pp 379-397.
[3]التقارير السنوية عن سوق الاستشارات في الخليج العربي (سورس جلوبال ريسيرش) < http://www.sourceglobalresearch.com/ >.
[4] Glass-Steagall Banking Act.
[5]أصدرتها لجنة سوق المال الأمريكية.
[6]Baaij, Marc G., An Introduction to Management Consultancy (SAGE Publications, 2014).
[7]Lapsley, Irvine, “New public management: The cruelest invention of the human spirit?” Abacus, Feb 2009, volume 45, issue 1, p 1-21.
[8]Lynn Jr., Laurence E., Public Management: Old and New (Routledge, 2006).
[9]B. Guy Peters, and Donald J. Savoie, Taking stock: Assessing public sector reforms (McGill-Queen’s Press-MQUP, 1998) Volume 2.
[10]Owen E. Hughes, Public management and administration (Palgrave Macmillan, 2012).
[11]Pathways to a Low-carbon Economy: Version 2 of the Global Greenhouse Gas Abatement Cost Curve (Seattle, WA: McKinsey & Company, 2009).
[12] Hoopes, James, False prophets: The gurus who created modern management and why their ideas are bad for business today (Basic Books, 2003).
[13]باتريك هايني، إسلام السوق (القاهرة: مدارات للأبحاث والنشر، 2005).
[14]تولى خليفة بن حمد إمارة قطر عام 1995، وتوفي أمير البحرين عيسى بن سلمان عام 1999، وزايد آل نهيان في عام 2004، وجابر آل صباح في عام 2006، والملك فهد في عام 2005، وحاكم دبي مكتوم بن راشد في عام 2006.
[15] Bock, Sebastian, “Politicized expertise–an analysis of the political dimensions of consultants’ policy recommendations to developing countries with a case study of McKinsey’s advice on REDD+ policies, “The European Journal of Social Science Research, 2 Oct 2014, volume 27, number 4, pp 379-397.
و
Diane Stone, “Learning Lessons, Policy Transfer and the International Diffusion of Policy Ideas,” CSGR, Working Paper 69/1-41.

و

Bakvis, H., Hollow Crown: Countervailing Trends in Core Executives (London: Macmillan, 1997), “Advising the Executive: Think Tanks, Consultants, Political Staff and Kitchen Cabinet,” p 84–125.
[16]Hertog, Steffen, Princes, brokers, and bureaucrats: oil and the state in Saudi Arabia (Cornell University Press, 2011).
[17] Hertog, Steffen, Princes, brokers, and bureaucrats: oil and the state in Saudi Arabia (Cornell University Press, 2011).
[18] Scott, James C., Seeing like a state: How certain schemes to improve the human condition have failed (Yale University Press, 1998).
[19]ليست مصادفة أن نجد هذا السطر في مطلع رؤية 2030 للمملكة العربية السعودية: ”تبدأ رؤيتنا من المجتمع، وإليه تنتهي“، واعتبار ”المجتمع الحيوي“ المحور الأول من محاور الرؤية الثلاثة.
[20] Scott, James C., Seeing like a state: How certain schemes to improve the human condition have failed (Yale University Press, 1998).
[21] لتفاصيل ما حدث في الكويت والسعودية وعمان، يرجى مطالعة الفصول التي كتبها كل من ماجد الدوحان ولؤي اللاركيا وسلطان العامر في كتاب في تاريخ العروبة، دار جسور، 2016. وحول تفسير تحوّل النخب الحاكمة من رفض مشاركة النفط إلى الانخراط ببرامج تنموية وأثر الحركات الوطنية والقومية العربية، يرجى مطالعة:
Hertog, Steffen, Saudi Arabia: Domestic, Regional and International Challenges, “Challenges to the Saudi distributional state in the age of austerity,” 12 – 13 December 2016, Singapore.
[22] هذه المعلومات مستمدة من أربع مقابلات أجريت مع موظفين خليجيين في شركات استشارية تعمل مع قطاعات مختلفة في دول مختلفة وفي شركات مختلفة، وذكر جميعهم قصصًا متشابهة عن تغلغل الشركات في تسلّم هذه المهام.
رابط المصدر:

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M