أولويات مختلفة: أزمة قطاع الكهرباء وتحديات التحول نحو الطاقة المتجددة في اليمن

يُعاني اليمن من أزمة مستمرة في قطاع الطاقة الكهربائية منذ قرابة ثلاثة عقود، بسبب عجز الدولة عن مواكبة الطلب المتنامي بالعدد المطلوب من المشاريع الاستراتيجية، وعدم تنفيذ الإصلاحات المطلوبة في هذا القطاع، ومن بينها استبدال المحطات التي تستهلك أنواع وقود مرتفعة الثمن، والحد من نسبة فاقد التيار، إلى جانب رفع تسعيرة الخدمة من أجل تقليص الفجوة بين التكلفة التشغيلية والاستثمارية وبين الإيرادات. كما أن تفشي الفساد المالي والإداري، واللجوء إلى حلول مؤقتة ومكلفة (من قبيل محطات التوليد المستأجرة)، ساهما في تزايد التحديات أمام الدولة وتقييد قدرتها على معالجة مشكلات هذا القطاع الحيوي.

 

وإثر اندلاع الحرب في البلاد عام 2015، تفاقمت أزمة هذا القطاع بشكل غير مسبوق، حيث شهدت مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، ولا تزال، انقطاعاً في الكهرباء بمعدل يتجاوز أسوأ انقطاعاتها قبل الحرب، بسبب عدم القدرة على توفير التمويل المطلوب لتشغيل محطات توليد الكهرباء هناك بانتظام، وإن كان وضعها أفضل نسبياً مقارنةً بمناطق سيطرة الحوثيين، والتي توقفت فيها الشبكة العامة عن العمل، ويعتمد معظم المواطنين فيها على المنظومات الخاصة والباهظة الثمن، أو يشتركون مع مزودين من القطاع الخاص يَفرضون تسعيرة مرتفعة جداً (تعادل تسعين ضعف تسعيرة الكهرباء داخل مناطق سيطرة الحكومة)، وهي تسعيرة قد تكون من بين الأعلى عالمياً، إن لم تكن الأعلى بالفعل.

 

وفي هذا الإطار، لوحظ وجود توجُّه متزايد من المؤسسات الدولية، وفي دراسات ممولة من جهات غربية، نحو الترويج لطرح يُنادي بحاجة اليمن إلى التحول نحو الاعتماد على مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء، بدعوى أنها الخيار الأنسب اقتصادياً لمعالجة الأزمة المتفاقمة في قطاع الطاقة الكهربائية في هذه المرحلة، وأن مثل هذا التحول قد يُتيح جني مكاسب اقتصادية على نطاق أوسع بكثير، نتيجة تشجيع السياحة وخلق مصادر دخل جديدة للشرائح الأشد احتياجاً.

 

لكن هذا الطرح، في الواقع، يتجاهل التحديات المتوقعة أمام استخدام مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء، سواءً تلك التحديات المرتبطة باستخدام مصادر الطاقة المتجددة ذاتها، أو التحديات الخاصة المتصلة بأوضاع اليمن وظروفه الصعبة التي تفاقمت بشكل كبير خلال العقد الأخير، وهي معطيات تفرض أولويات مختلفة كان ينبغي أن تؤخذ في الاعتبار.

 

تحديات خارج الحسابات

تركز مؤسسات تمويل دولية، من قبيل البنك الدولي، ومُنتجات بحثية ممولة غربياً، في ترويجها للطرح الذي يجادل بحاجة اليمن إلى الاعتماد بشكل أكبر على مصادر الطاقة المتجددة في توليد الكهرباء على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، بوصفهما أنسب خيارين يمكن استغلالهما لهذا الغرض محلياً، من منطلق توافرهما على نطاق واسع في اليمن، وإن كانت الطاقة الشمسية تحظى باهتمام أكبر بسبب توفرها على مساحة أكبر بكثير مقارنة بطاقة الرياح المحدودة في مسافة بسيطة من الشريط الساحلي للبلاد.

 

ويجري الاستدلال في الإطار هذا بانخفاض المتوسط العالمي للتكلفة الموزونة للكهرباء (LCOE) من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من أجل التأكيد على جدوى الاعتماد عليهما في اليمن من ناحية اقتصادية. ولتسليط الضوء على الفرص المحتملة أمام اليمن في هذا الجانب، يُستشهَد عادةً بنجاح دول في الإقليم، أهمها الإمارات والسعودية، في تحقيق أقل تكلفة في توليد الكهرباء من الطاقة الشمسية على مستوى العالم، بالنظر إلى قُرب موقعهما الجغرافي من اليمن، ووجود بعض التشابه في الطقس والتضاريس.

 

بيد أن هذا الطرح يتجاهل التحديات التقنية والتشغيلية والاقتصادية المهمة الآتية:

 

1. الطبيعة المُتقلِّبة لمصادر الطاقة المتجددة 

من المعروف أن الطاقة الشمسية ليست متاحة، في أفضل الحالات، إلا على مدار نصف ساعات اليوم، وبالتالي فثمة حاجة لوجود قدرة توليدية إضافية من مصدر مختلف لتوفير الكهرباء عند ساعات المساء، خاصةً أن الطلب على الكهرباء يصل إلى ذروته عادةً عند المساء (بين الساعة السادسة والعاشرة تحديداً)، وأن تقنيات تخزين الكهرباء لا تزال عالية الكلفة بشكل يُعيق استخدامها في الشبكات العامة.

 

وإضافةً إلى ذلك، فإن الطاقة الشمسية تتأثر خلال ساعات النهار عند وجود الغيوم حتى بشكل جزئي، ما سيخلق حالة تذبذب في الشبكة، ويفرض أعباء إضافية للحفاظ على التوازن بين العرض والطلب، لاسيما أن مواسم الغيوم في محافظة ساحلية كبيرة مثل عدن تتزامن مع حلول فصل الصيف وارتفاع درجات الحرارة إلى أعلى مستوياتها، ومعها يصل الطلب على الكهرباء إلى ذروته.

 

وحتى في ظل استخدام الطاقة الشمسية لتوليد التيار الكهربائي ضمن إطار المنظومات الصغيرة، أي على مستوى المنظومات المنزلية الخاصة أو تلك المخصصة لتغذية مرافق أخرى غير متصلة بالشبكة العامة، فإن التكلفة العالية، والعمر الافتراضي القصير نسبياً لبطاريات أيونات الليثيوم المستخدمة لتخزين الطاقة في هذه المنظومات يَحُدَّان من المجالات المحتملة للاستفادة منها بشكل كبير في اليمن بحسب التجارب الحالية، وذلك بمعزل عن قيود أخرى كثيرة تتصل بالممارسات المثالية المطلوبة للحفاظ على أداء بطارية أيونات الليثيوم، والتي تفرض بدورها تكاليف إضافية تحد من القدرة على الاستفادة من هذه المنظومات.

 

أما بالنسبة إلى طاقة الرياح، فإنه يُعتقَد أن الشريط الساحلي الغربي بين مدينة المخا وباب المندب يعد أنسب موقع من أجل إقامة توربينات توليد الكهرباء بالرياح في اليمن (بسبب تسجيل أعلى معدلات سرعة الرياح هناك)، لكن سرعة الرياح في هذا الشريط تتراجع بشكل كبير دون المستويات المطلوبة خلال أشهر فصل الصيف، ما يعني خروج توربينات الرياح عن العمل في هذه الفترة التي يصل فيها الطلب المحلي على الكهرباء إلى ذروته. علاوة على التقلبات اللحظية لتوليد الكهرباء من توربينات الرياح أثناء بقية السنة، وما تفرضه من متطلبات لمواجهة التذبذب في الشبكة (للحفاظ على التوازن بين العرض والطلب).

 

وحتى في حالة أرخبيل سقطرى، والذي يُسجَّل فيه أيضاً معدلات عالية لسرعة الرياح، فإن جُزرَهُ تشهد أيضاً تراجع معدل سرعة الرياح فيها إلى ما دون المستويات المطلوبة أثناء عدد من شهور السنة، ولن يستطيع الأرخبيل الاعتماد على توليد الكهرباء من توربينات الرياح في تلك الفترة.

 

وبالتالي، فإنَّه من غير الممكن الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح من أجل توليد الكهرباء في اليمن إلا بعد الاستثمار في قدرة توليدية إضافية توازي الطلب على الطاقة الكهربائية عند ذروته على مدار العام، وذلك بسبب انقطاع الطاقة الشمسية على امتداد ساعات المساء التي يصل فيها الطلب إلى ذروته في اليوم، وخروج توربينات الرياح عن العمل أثناء أشهر فصل الصيف التي يرتفع فيها الطلب مقارنة مع بقية الأشهر؛ أو – بصيغة أخرى – إمكانية توقُّف التوليد من هذين المصدرين في ساعات المساء أثناء أيام فصل الصيف، والتي تسجل فيها أعلى مستويات الطلب على الكهرباء على مدار العام.

 

كما أن الاعتماد على الطاقة الشمسية وطاقة الرياح لتوليد الكهرباء يفرض متطلبات إضافية من أجل الحفاظ على التوازن بين العرض والطلب في الشبكة بسبب التقلبات اللحظية للتوليد من هذين المصدرين، وهي متطلبات تتزايد بقدر النسبة التي يغطيها هذان المصدران من إمدادات الكهرباء.

 

2. التكلفة الفعلية لتوليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة في اليمن

على الرغم من وجود انخفاض كبير وملموس في المتوسط العالمي للتكلفة الموزونة للكهرباء (LCOE) من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مقارنة بمصادر الطاقة التقليدية، لكن اعتماد المتوسط العالمي في حد ذاته يمثل إشكالية عند مناقشة جدوى توليد الكهرباء في اليمن من هذين المصدرين مقارنة بالمصادر التقليدية، وذلك بسبب، أولاً، التفاوت الكبير للتكلفة الموزونة للكهرباء من مصادر الطاقة التقليدية في دول العالم المختلفة؛ وثانياً، التفاوت الكبير في التكلفة الموزونة للكهرباء من هذين المصدرين من مصادر الطاقة المتجددة، وارتفاعها بشكل خاص في الدول النامية على خلفية وجود تحديات في التمويل والتشغيل وغيرها.

 

ومع أن الاتجاهات البحثية المُشار إليها في مُستهل هذا الجزء من الورقة تتفق مع منظمة الطاقة العالمية لجهة التركيز، وبشكل واضح، على التحديات القائمة أمام الدول النامية، وفي مقدمتها اليمن، على مستوى التمويل، بالنظر إلى حقيقة أنها صاحبة التأثير الأكبر، وأن حلحلتها قد تكون أسهل من التحديات الأخرى، لكن معالجة تحدي التمويل وحده لن تؤدي في الحقيقة إلى انخفاض التكلفة الموزونة للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة في الدول النامية إلى المستوى الذي تحقَّق في الدول المتقدمة.

 

أيضاً، تتم المقارنة بين التكلفة الموزونة للكهرباء من مصادر الطاقة التقليدية باليمن حالياً وبين المتوسط العالمي للتكلفة الموزونة للكهرباء من الطاقة الشمسية وطاقة الرياح للتأكيد على أفضلية هذين المصدرين، غير أن هذه المقارنات تتجاهل حقيقة أن الارتفاع الحالي يعود إلى عوامل تشغيلية وليس إلى المصادر نفسها، وأن المكاسب المأمولة من توليد الكهرباء بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح قد لا تتحقق بفعل العوامل ذاتها؛ وكان يُفترَض بأي مقاربة موضوعية أن تستوعب هذه المعطيات قبل تقديم استنتاجاتها.

 

وإذا كان استحضار نماذج نجاح استثنائية من دول الجوار الإقليمي (السعودية والإمارات) لا يبدو منطقياً في الحالة اليمنية، بسبب التبايُن الكبير بين هذه الدول في البنية التحتية والكفاءة التشغيلية والقدرات المالية، فإن نماذج البلدان النامية الأخرى التي يُستَدلُّ بها بفعل تشابه ظروفها الاقتصادية مع الظروف في اليمن تبدو أقل جاذبية بكثير، وتكاد تفتقر للإقناع، خصوصاً في ظل المقارنة غير الموضوعية بينها وبين التكلفة الموزونة للكهرباء من مصادر الطاقة التقليدية في اليمن حالياً. ومِن ثمَّ، فإن دراسة موضوعية لجدوى توليد الكهرباء في اليمن عبر الطاقة الشمسية وطاقة الرياح بالمقارنة مع مصادر الطاقة التقليدية قد تقود إلى استنتاجات مختلفة تماماً في حال استوعبت جميع المعطيات ذات الصلة بالحالة اليمنية.

 

كما أن الاتجاهات المُشجِّعة للتحول نحو توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة تتجاهل حقيقة أن التكاليف المترتبة على هذا التحول في اليمن تختلف عنها في البلدان الرائدة في هذا المجال إقليمياً وعالمياً، لاسيما إذا أخذنا العوامل الآتية في الاعتبار:

 

  • وجود ترتيب يسمح باستيراد التيار الكهربائي وتصديره بين مجموعة دول – مثل الاتحاد الأوروبي – ومساعدتها على تجاوز تقلبات مصادر الطاقة المتجددة، وهي صيغة من المستبعَد نجاح اليمن في إقامتها مع دول الجوار خلال المدى القريب بسبب انعدام الجاهزية الضرورية، وعدم اليقين الناتج عن المتغيرات السياسية.

 

  • تعد مصادر الطاقة الهيدروليكية أكثر موثوقية بالمقارنة مع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح، إذ تغطي نسبة أكبر من إمدادات الكهرباء (20%)، موازنةً بالنسبة التي تغطيها الطاقة الشمسية وطاقة الرياح مجتمعين عالمياً، والمقدرة بـ 12%. كما يمكن الاعتماد على معدل شبه ثابت وأكثر استقراراً من إمدادات الكهرباء من الطاقة الهيدروليكية بالمقارنة مع طاقتي الشمس والرياح، لكنها غير متوفرة في اليمن.

 

فضلاً عن ذلك، هناك تجاهلٌ لحقيقة أن الدول الرائدة في تبنِّي مصادر الطاقة المتجددة، شهدت ارتفاعاً في تكلفة الكهرباء بالنسبة إلى المستهلكين بسبب تقلبات مصادر الطاقة المتجددة، وما تفرضه من تكاليف إضافية، وذلك على الرغم من انخفاض التكلفة الموزونة للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، وتوفر هذه الدول على خيارات أفضل بكثير مما قد يتوافر لليمن. ومن البديهي أن ارتفاعاً مشابهاً في تكلفة الكهرباء بالنسبة للمستهلكين في اليمن بسبب التحول لتوليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة لن يصب في مصلحة اليمنيين خلال مرحلة التعافي الاقتصادي.

 

وكانت الوكالة الدولية للطاقة المتجددة نفسها قد اعترفت بمدى تأثير تقلبات مصادر الطاقة المتجددة، غير أنها تحاول تسويق مقاربات جديدة تُعيد فيها تعريف الحمل الأساسي وحمل الذروة بشبكة الكهرباء، من خلال المجادلة بأن هذه المفاهيم تُعبِّر عن جانب العرض وليس الطلب وفق المنظور السائد، وبالتالي فإنها تَدَّعي إمكانية حل مشكلة التقلبات من خلال بناء منظومة أكثر ديناميكية لتوليد الكهرباء وتوزيعها. لكن إسقاط هذه المقاربات على الظروف في اليمن يبدو غير مُمكن عملياً، بالنظر إلى حقيقة أن القدرة التوليدية الحالية (1.5 جيجاوات اسمياً، لكنها في الواقع أقل بكثير) لا تكاد تغطي نصف الحمل الأساسي (يتجاوز 3 جيجاوات)، وذلك بمعزل عن مدى صلاحية هذه المقاربات أصلاً في الظروف المثالية.

 

3. الأولويات الحقيقية لليمنيين

حتى مع افتراض أن التكلفة الموزونة للكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة أقل من التكلفة الموزونة للكهرباء من مصادر الطاقة التقليدية في اليمن، فإن ذلك لن يُغني عن الحاجة إلى الاستثمار في قدرة توليدية إضافية تُغطي ذروة الطلب على الكهرباء تحسُّباً للتقلبات الاعتيادية والاستثنائية من جهة مصادر الطاقة المتجددة. ومع أن تكاليف استثمارات من هذا القبيل لن تَحُدَّ بالضرورة من الجدوى الاقتصادية لهذا المشروع، لكنها تفرض توجيه تمويلات أكبر، سواءً من القطاعين العام والخاص أو من المانحين الدوليين، إلى هذا القطاع، وعلى حساب أولويات أخرى لها نفس القدر من الأهمية خلال هذه المرحلة في اليمن.

 

وإذا كانت حاجة البلاد إلى استثمارات ضخمة في قطاع الطاقة الكهربائية تبدو شديدة بالفعل، من أجل تلبية الطلب المتنامي، وتحسين مستوى الخدمة بشكل عام، من خلال توسيع نطاق المستفيدين، والحد من انقطاع التيار، فإن التحول نحو توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة سيستوجب تسخير تمويلات أكبر لهذا القطاع بالمقارنة مع سيناريو الاستمرار في توليد الكهرباء من مصادر الطاقة التقليدية وحدها خلال مرحلة التعافي، خاصةً أن اليمن سيحتاج في كلتا الحالتين إلى الاستثمار في قدرة توليدية تعتمد على مصادر الطاقة التقليدية، وتُغطي ذروة الطلب المحلي على الكهرباء، وبالتالي تستطيع وحدها سد الاحتياج في هذا القطاع.

 

ومع أن التحول نحو توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة لن يُنظَر إليه بوصفهٍ استثماراً مفرطاً Overinvestment طالما كانت التكلفة الموزونة للكهرباء من المصادر المتجددة أقل من المصادر التقليدية، غير أن العائد المتوقع من تقسيم التمويلات بشكل أكثر توازناً بين الأولويات المختلفة، أكبر بكثير في الحقيقة، وفي مقدمة تلك الأولويات بقية مكونات البنية التحتية التي تأثرت خلال الحرب. أي أن الاستثمار في التحول نحو توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة قد يُسبب خسائر كبيرة عند احتساب تكلفة الفرص الضائعة Opportunity Cost.

 

وإذا كان اليمن يعد واحداً من أكثر البلدان عُرضةً للتأثُّر بتغير المناخ، ومن بين أقلها استعداداً أيضاً لمواجهة أي تبعات كبيرة قد تنشأ عن الصدمات المناخية المتوقعة في السنوات والعقود المقبلة، فإن تحوله نحو توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة قد لا يشكل مساهمة قيمة في جهود إدارة التغير المناخي، وذلك بالنظر إلى حقيقة أن البصمة البيئية (حجم الانبعاثات) لليمن تعد متواضعة جداً قياساً بحجم الانبعاثات التي تطلقها دول أخرى في محيطه وفي العالم ككل. وعليه، فإن رفع استعداد اليمن لمواجهة الصدمات المناخية المتوقعة لن يتحقق إلا في ظل حدوث تنمية شاملة تفترض تقسيماً لأي تمويلات مستقبلية بين الأولويات التنموية المختلفة، وعلى نحوٍ يُراعي التوازن المطلوب، وليس من طريق تسخير جزء كبير من التمويلات لصالح استثمارات في التحول نحو توليد الطاقة الكهربائية من مصادر لا تقدم إسهامات ملموسة في تحسين قدرة البلاد على إدارة التغير المناخي والتعاطي مع تداعياته على المدى البعيد.

 

وقد يكون مهماً الإشارة هنا إلى حقيقة أن اليمن من بين الدول القليلة في العالم التي لم تستخدم الفحم في توليد الكهرباء طيلة العقود الماضية على الرغم من أن تكلفته تقل عن جميع أنواع الوقود الأخرى، لكنه يعد أكثر أنواع الوقود تلويثاً للبيئة (إذ يسهم بنسبة 44% من انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في العالم)، بينما لا تزال الكثير من الدول، ومن بينها الدول الغربية، تستخدمه (يغطي 40% من إمدادات الكهرباء عالمياً).

 

استنتاجات

جادلت هذه الورقة بأنَّ تحول اليمن نحو توليد الكهرباء من مصادر الطاقة المتجددة، وتحديداً الشمس والرياح، ليس الخيار المناسب حالياً لحل أزمة هذا القطاع الممتدة، ولا يُلبي أولويات مرحلة التعافي التالية للصراع، لأن تحولاً كهذا يفرض أعباء إضافية على كاهل اليمنيين دون أن يحقق لهم مكتسبات توازيها على المستوى الاقتصادي، أو حتى على مستوى الأثر البيئي.

 

لهذا، فإن الترويج لمثل هذه المقاربات الجاهزة لحل أزمة قطاع الكهرباء في البلاد يبدو مدفوعاً بالجهود العالمية لمجابهة مسببات ظاهرة التغير المناخي (التي ليس لدولة نامية مثل اليمن يدٌ فيها)، ويُعنَى بالتسويق لفكرة توليد الكهرباء عبر مصادر الطاقة المتجددة، أكثر من كونه مُستنداً إلى أولويات اليمنيين الأكثر إلحاحاً بعد ثمانية أعوام من الحرب المدمرة، وما ألحقته من أضرار شديدة في البنية التحتية للبلاد، وبالوضع الاقتصادي الكلي، وبالحالة المعيشية للمواطنين التي ازدادت بؤساً وقتامة.

 

وقد يكون من الأجدى لمعالجة أزمة قطاع الكهرباء في اليمن، على المديين القريب والمتوسط، تشجيع نهج يتناسب مع طبيعة الوضع في بلدٍ فقيرٍ مَزَّقته الحرب، وبحيث يسهم في تسريع وتيرة تعافيها في مرحلة ما بعد الصراع، وذلك -على سبيل المثال لا الحصر- عبر حثّ الدول المانحة والأكثر انخراطاً في الملف اليمني، لاسيما الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي والصين، على توسيع التزاماتها تجاه اليمن، ودعم بناء المزيد من محطات توليد للطاقة الكهربائية في مناطق مختلفة من البلاد على غرار ما قامت به دول مثل الإمارات والسعودية، وليس من خلال إلزام اليمنيين أنفسهم بتحمُّل أعباء إقامة هذه المشاريع من الصفر، لاسيما في ظل ضيق الهامش التمويلي الذي يعانون منه حالياً.

 

.

رابط المصدر:

https://epc.ae/ar/details/featured/azmat-qitae-alkahraba-watahadiyat-altahawul-nahw-altaqa-almutajadida-fi-alyaman

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M