إشكاليات الصحافة العلمية في العراق والدول العربية

تمثل الصحافة العلمية ركنًا أساسيًا من أركان الصحافة المتخصصة لما تؤديه من وظائف اتصالية في المجتمع، أهمها نقل المعلومات، ونشر الثقافة العلمية، فضلًا عن توعية الجمهور وتنبيههم بالمخاطر بأسلوب صحفي يُبسّط الحقائق العلمية والمصطلحات المعقدة، وهو سبب جعلها تحظى بأهمية في المجتمعات الغربية.

تواجه الصحافة العلمية إشكاليات كثيرة في البلاد العربية، ولا تحظى بذلك الاهتمام الكبير من المؤسسات والوسائل الإعلامية، وعادةً ما تعد موضوعاتها ثانوية تأتي بعد الموضوعات الصحفية الأخرى، وتخضع مضامينها للقيم الإخبارية السائدة في المجتمع أو الوسيلة الإعلامية التي تنشر أو تبث محتواها، وينظر إليها على أنها صحافة مُعقدة تتطلب ثقافة عالية، جمهورها نوعي من النخبة، وهي نظرة خاطئة لأنَّ وظيفة الصحافة بشكل عام هي تبسيط القضايا والظواهر، وتقديمها بلغة واضحة ومفهومة لجميع فئات وشرائح المجتمع، مهما اختلفت خصائصهم وسماتهم، وقد أجرى باحثون في العراق دراسات أظهرت أنَّ نسبة كبيرة من الصحفيين العاملين في وسائل الإعلام العراقية لا يُدركون مفهوم الصحافة العلمية بشكل دقيق، ويفتقرون إلى مهارات تحرير هذا النوع من الصحافة، فضلًا عن مهارات تغطية الأحداث العلمية على اختلاف أنواعها، والتعامل مع مصادر المعلومات.

كما تفتقر الوسائل الإعلامية في الوطن العربي بشكلٍ عام إلى الملاكات المتخصصة في مجال الصحافة العلمية، فوظيفة (صحفي علمي) نادرة، وغالبًا ما يُكلف أي صحفي بتغطية موضوعات العلوم والتكنولوجيا والفضاء وغيرها، بعدّها أخبار جانبية لسد حاجات الجمهور، دون أن يمتلك أي خبرة في هذا المجال، ونجد أيضًا صحفي لا يمتلك شهادة إعلام، ولكن يمتلك شهادة في تخصص علمي (طب، هندسة، علوم صرفة) ويميل إلى هذا النوع من الموضوعات، وهو ما يولد فجوة بين الوسيلة وبين جمهورها، بالتالي ينتج عن ذلك نفور القراء أو المشاهدين من المحتوى العلمي، لأنه يُقدّم بطريقة جامدة وربما غير واضحة.

كثيرًا ما تقع الوسائل الإعلامية التي تحاول نقل الموضوعات العلمية بأخطاء كارثية غير مقبولة في مجال الإعلام، فهي تتعمد أو تعتمد على النسخ من وكالات الأنباء أو الوسائل الإعلامية الغربية، وترجمة المحتوى إلى اللغة العربية، فيحدث خطأ فادح في الرسالة الإعلامية، على سبيل المثال الخبر الذي نشرتهُ (الإدارة الوطنية للملاحة الجوية والفضاء – ناسا) بتاريخ: (10 كانون الثاني/يناير 2023م) عن اكتشاف كوكب صالح للحياة يبعُد عن الارض (100) سنة ضوئية، نقلتهُ وسائل إعلام عراقية وعربية معروفة لها جمهور كبير بطريقة خاطئة، وذكرت تلك الوسائل في عنوان الخبر أنَّ الكوكب يبعد “100 مليون سنة ضوئية”، وهي معلومة خاطئة ليس لها أي أساس من الصحة، وغير منطقية أيضًا لأنَّ السنة الضوئية تستخدم لقياس المسافة التي يقطعها الضوء، وكل سنة ضوئية واحدة تعادل أكثر من (9 ترليون كيلو/متر)، فإذا قمنا بحساب (100 مليون سنة ضوئية) بالكيلو/متر سنجد أنها تساوي رقمًا خياليًا لا يمكن ذكره.

هنا كان لابد من الرجوع إلى أشخاص ذوي خبرة واختصاص في مجال علم الفلك والفضاء، للتحقق من المعلومة والتأكد منها قبل نشرها، والغريب في الموضوع أنَّ عدد محدود جدًا من الجمهور المتابع لتلك الوسائل أدرك الخطأ الوارد في الخبر، وهم أشخاص مهتمين بهذا النوع من الموضوعات، أو يمتلكون خلفية علمية في مجال الفيزياء أو الفلك.

ينبغي على وسائل الإعلام العراقية والعربية بشكل عام أن تهتم أكثر بالصحافة العلمية، كونها صحافة مهمة الآن ومستقبًلا، لا سيما في ظل زمن تنتشر فيه الأمراض والأوبئة، ووجود تحديات مناخية كبيرة بدأت ملامحها تظهر بشكل واضح وجليّ، وتؤثر على حياتنا ومستقبل أبنائنا.

المصدر : https://annabaa.org/arabic/mediareports/37479

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M