إيطاليا والحرب الأوكرانية.. صعود جديد لليمين القومي

إيهاب عمر

 

أصبحت الحرب الأوكرانية محور خلاف جديد في إيطاليا، البلد الذي يعج بالخلافات السياسية والشعبية منذ الأزمة الدستورية عام 2016 وصعود اليمين القومي في انتخابات 2018 وصولًا إلى حقيقة أن إيطاليا كانت الدولة الأكثر تضررًا من جائحة كوفيد – 19 في أوروبا.

وإذا كانت أزمة كورونا التي اندلعت في يناير 2020 قد أدت إلى سقوط حكومة جوزيبي كونتي أوائل عام 2021، وسارعت الأحزاب الإيطالية المتنافرة أيديولوجيًا إلى تشكيل حكومة وحدة وطنية غير مسبوقة تحت إدارة الاقتصادي ماريو دراجي في فبراير 2021 حتى لا تنزلق إيطاليا إلى أزمة اقتصادية كبرى؛ فإن اندلاع أزمة التضخم العالمي في أكتوبر 2021 قد أدى إلى تآكل سريع لشعبية دراجي بعد أن حظي خبر تشكيله للوزارة برضا الشارع الإيطالي.

ودخلت إيطاليا في أزمة جديدة خلال يناير 2022، حينما فشل البرلمان الإيطالي سبع مرات في انتخاب رئيس للجمهورية، واضطرت الأحزاب الإيطالية إلى التوسل علنًا لرئيس الجمهورية المنتهية ولايته سيرجيو ماتاريلا من أجل الترشح لولاية جديدة؛ حتى لا تذهب إيطاليا إلى انتخابات برلمانية مبكرة، وقبل السياسي العتيد ذو الثمانين عامًا الاستمرار في منصبه وتنفست النخب الإيطالية الصعداء.

غليان في الشارع الإيطالي

منذ بدء إجراءات التصدي لكورونا في مارس 2020، ثم التفشي السريع للوباء في إيطاليا، وهنالك غليان في الشارع الإيطالي ضد ما أسموه تخاذل أوروبا وأمريكا عبر الاتحاد الأوروبي في نجدة إيطاليا، وقد أدى هذا الشعور بالغبن إلى صعود التيارات القومية الرافضة لفكرة الوحدة الأوروبية، والداعية إلى الخروج من الاتحاد الأوروبي على نمط الخروج البريطاني.

وأصبحت المظاهرات ضد إجراءات الحماية طقسًا شهريًا، أضيفت إلى مظاهرات حركة السردين –التي تأسست في نوفمبر 2019 قبل تفشي كورونا– الرافضة لصعود اليمين القومي الإيطالي. وعلى ضوء التآكل الاقتصادي بسبب تداعيات كورونا، وتخوف بعض القوى الإيطالية من صعود اليمين القومي، بل وللمفارقة فإن زعيم اليمين القومي على ضوء نتائج انتخابات 2018 رئيس حزب الرابطة ماتيو سالفيني قد قبل الانخراط في الائتلاف الحاكم بما يتضمن اعترافًا ضمنيًا بأن إيطاليا يجب أن تبقى ولو مؤقتًا في الاتحاد الأوروبي حتى تحصل على المساعدات الاقتصادية اللازمة لتجاوز أزمتها الاقتصادية.

موقف سالفيني من الانضمام لحكومة دراجي في فبراير 2021 ثم صمته أمام أصوات القوميين الغاضبة من أداء تلك الحكومة قد جعل أنصار التيار القومي يعزفون عن تأييد سالفيني ويبحثون عن البدائل، وكان حزب “إخوة إيطاليا” حاضرًا لالتهام الكعكة القومية.

سالفيني في سبتمبر 2019 قدم استقالته من منصب وزير الداخلية ونائب رئيس الوزراء، ودعا إلى انتخابات برلمانية مبكرة من أجل استثمار شعبيته للفوز بالانتخابات، ودعا إلى النزول إلى الشارع، وجرت اضطرابات شعبية بقيام جوزيبي كونتي وقتها بإعادة تشكيل الحكومة بدون حزب الرابطة الذي يتزعمه سالفيني، ما أدى إلى إنهاء الأزمة وخسر سالفيني منصبه الوزاري وكبرياءه أمام ناخبيه.

انقسام بسبب الحرب الأوكرانية

مع اندلع الحرب الأوكرانية في 24 فبراير 2022، بدأ الغرب في تطبيق مبدأ “من ليس معنا فهو علينا”، وسارعت الدول الأوروبية خاصة المحور الانجلوساكسوني “الولايات المتحدة الامريكية وبريطانيا” في تقديم طلب سريع لأغلب دول العالم بتوضيح موقفها حيال الحرب، مع وضع قائمة بالعقوبات المنتظرة على الدول الداعمة للتحرك الروسي.

الحكومة الإيطالية منذ يومها الأول أتت لترميم العلاقات مع أوروبا وعنوانها العريض “حكومة إيطالية صديقة لأوروبا”؛ وذلك من أجل تأجيل الخلافات الإيطالية الداخلية للانتخابات العامة في 2023، وكسب الوقت وحصد المساعدات الأوروبية أمام الأزمة الاقتصادية، لذلك سارعت الحكومة الإيطالية إلى تقديم الدعم إلى أوكرانيا وإرسال بعض شحنات الأسلحة.

أدت مشاركة إيطاليا في تسليح أوكرانيا إلى حركة شعبية رافضة لموقف الحكومة الذي أسموه “داعمًا لأوكرانيا بوجه روسيا”، وخرجت حركة “فيرونا من أجل الحرية” للتظاهر في مايو 2022 مطالبة إيطاليا بالخروج من حلف الناتو، بينما انتفضت روما في مارس 2022 رافضة لقرار إرسال السلاح إلى أوكرانيا.

وكاد الائتلاف الحاكم أن يتصدع حينما أعلنت حركة النجوم الخمس أنها تفضل تقييد إرسال السلاح الإيطالي إلى أوكرانيا، وسارع ماتيو دي مايو وزير الخارجية ورئيس الحركة الأسبق إلى الانشقاق عن الحركة مع عدد من نوابها بالبرلمان الإيطالي، معلنًا تأسيس حزب “معًا إلى الامام”، ليضرب الانشقاق حركة النجوم الخمس التي يبدو أنها تعيش فصلها الأخير مع خسارتها 51 نائبًا من كتلتها البرلمانية دفعة واحدة.

وجاءت الانتخابات البلدية في يونيو 2022 لتوضح أزمة أحزاب الائتلاف الحاكم، سواء اليمين القومي أو اليمين المحافظ، والليبراليين والاشتراكيين على حد سواء؛ فقد فاز ائتلاف اليمين بزعامة ماتيو سالفيني ولكن المفاجأة كانت النتائج التي حققها حزب “إخوة إيطاليا” بزعامة جيورجيا ميلوني التي بدأ البعض يناقش فكرة أنها سوف تصبح أول سيدة تشكل الحكومة الإيطالية العام المقبل عقب الانتخابات البرلمانية.

وكانت جيورجيا ميلوني هي أصغر وزيرة في تاريخ الجمهورية الإيطالية، حينما أصبحت وزيرة للشباب ما بين عامي 2008 و2011، وهي عضوة البرلمان منذ عام 2006، كانت ضمن اليمين الإيطالي التقليدي المحافظ بزعامة سيلفيو بيرلسكوني، ثم انشقت عن أحزاب بيرلسكوني مع وزير الدفاع ايجنازيو لا روسا، وأسسوا مع رفقائهم حزب اخوة إيطاليا عام 2012، فترأس ايجنازيو لا روسا الحزب ما بين عامي 2012 و2014 قبل أن تسيطر جيورجيا ميلوني على الحزب منذ عام 2014 حتى اليوم.

وحزب إخوة إيطاليا ينتمي إلى اليمين القومي، ويعد من نتائج الحراك الشعبي الإيطالي الذي واكب الأزمة الاقتصادية العالمية (2008 – 2013) كما جرى مع حزب رابطة الشمال وحركة النجوم الخمس، ولكن كليهما تآكلت شعبيته على ضوء انخراطه في حكومات وبرلمانات لم تقدم لإيطاليا حلولًا حاسمة في أزماتها السياسية والاقتصادية منذ عام 2016.

وإذا كان حزب إخوة إيطاليا يشارك حزب الرابطة (رابطة الشمال سابقا) في رفض سياسات الاتحاد الأوروبي واستقبال المهاجرين وحقوق المثليين، فإن إخوة إيطاليا مختلف عن الرابطة في أنه يرفض أن تكون روسيا هي بديل أوروبا في السياسة الإيطالية كما تبدو سياسات الرابطة وزعيمها ماتيو سالفيني الذي لم يبد قبل الحرب الأوكرانية دعمه المباشر للرئيس الروسي فلاديمير بوتين.

ويكاد يكون حزب إخوة إيطاليا هو اليمين القومي الوحيد في عموم أوروبا الرافض للعملية العسكرية الروسية في أوكرانيا. بجانب أنه رفض الانخراط في حكومة ماريو دراجي الائتلافية، فأصبح أكبر حزب معارض للحكومة التي تشكلت عبر كافة الأحزاب الرئيسة في البرلمان الإيطالي، هذه المنصة البرلمانية سمحت لحزب إخوة إيطاليا أن يكسب مساحات شعبية كبرى على ضوء سخط الشارع الإيطالي من الحكومة والنظام السياسي والأحزاب القديمة أو الجديدة التي بدأت تأخذ نفس سياسات الأحزاب القديمة.

هكذا تخرج الأزمات والاضطرابات العالمية التي جرت ما بين عامي 2020 و2022 قوى سياسية جديدة، تمامًا كما أخرجت الأزمات الدولية ما بين عامي 2008 و2013 قوى سياسية جديدة أصبح بعضها يحكم في أوروبا وأمريكا اليوم.

الحزب الجمهوري الأمريكي الذي يمثل اليمين الأمريكي بكافة مدارسه، وللمرة الأولى هذا العام يقرر أن يوجه الدعوة للسيدة جيورجيا ميلوني وليس السيد ماتيو سالفيني لحضور مؤتمره السنوي وإلقاء خطاب على منصة الحزب، في إشارة واضحة إلى أن الجمهوريين الامريكيين يعولون على إخوة إيطاليا وليس الرابطة في صعود اليمين القومي في إيطاليا خلال انتخابات عام 2023.

سالفيني أدرك منذ عام 2020 أن منافسه الحقيقي هو إخوة إيطاليا، فقد تآكل الوسط الإيطالي وانهار اليسار الاشتراكي، وأصبحت المنافسة بين فرق اليمين، هكذا تحالف سالفيني مع بيرلسكوني، ووضع اليمين القومي يده بيد اليمين المحافظ، على أمل فرملة اليمين القومي الجديد بقيادة جيورجيا ميلوني.

المادة الــ 12 في الدستور الإيطالي تمنع قيام أحزاب تمجد الفاشية الإيطالية، وحزب إخوة إيطاليا في بعض معاقله يصنف نفسه بوصفه من أيديولوجيا “الفاشية الجديدة” ويبدي بعض عناصره إعجابًا ودفاعًا عن سيرة رئيس الوزراء الأسبق بنيتو موسوليني، ويتخوف بعض العقلاء في الحزب من تصاعد الميول الفاشية داخل الحزب بما يسمح للمحكمة الدستورية العليا الإيطالية بحظر وحل حزب إخوة إيطاليا.

وإذا كانت أوروبا تدعم إيطاليا خوفًا من انهيار حكومتها والذهاب إلى انتخابات مبكرة تؤدى إلى صعود الرابطة برئاسة ماتيو سالفيني حلفاء بوتين، فإن الغرب قد يري لاحقًا أن جيورجيا ميلوني هي المنافس الأفضل لحلفاء روسيا في إيطاليا حتى لو كان الثمن بعض التشدد في سياسات روما بحق الاتحاد الأوروبي أو حتى خروج إيطاليا دون الالتحاق بالمعسكر الروسي، وذلك على ضوء حقيقة أن كافة الأحزاب الليبرالية واليسارية الإيطالية عاجزة عن فرملة سالفيني الذي أصبح اليوم يمتلك الأغلبية في البرلمان الإيطالي عقب الانشقاق الأخير في حركة النجوم الخمس.

وهكذا فأن الغرب في طريقه للرهان على يمين قومي معتدل أمام يمين قومي إيطالي صديق للرؤية الروسية.

 

.

رابط المصدر:

https://marsad.ecss.com.eg/71343/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M