إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرٌ (23) إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَإِنْ مِنْ أُمَّةٍ إِلَّا خَلَا فِيهَا نَذِيرٌ (24)

التأمل الأول :
لا بد أن نفهم كمؤمنين ومسلمين أن وظيفتنا الدعوية يجب أن تؤطَّر بالإطار الذي أطّر قائدَنا وسيدَنا محمد صلى الله عليه وآله ، وليس من المعقول أن تكون صلاحياتنا وأدوات عملنا أوسع من صلاحياته وأدوات عمله ، فالرسول صلى الله عليه وآله هو المسؤول الأول عن هداية البشرية جمعاء ، ولا توجد مسؤولية بشرية بحجم مسؤوليته ، ومع هذا كانت مسؤوليته محددة بالإنذار ، ليس أكثر ، بمعنى أنه يبشّر الناس بالرحمة الإلهية في الدنيا والآخرة ويُنذرهم من الكفر والشرك والفسوق والعصيان فلا يكرههم على شيء ذلك ، فيستخدم الترغيب (التبشير) والترهيب (الإنذار) لهدايتهم ، وعلينا أن نميّز بين هداية القوة وقوة الهداية ، فعندم يفشل البعض في استخدام الثانية يلجأ لاستخدام الأولى ، وكأن الغاية تبرر الوسيلة ، ونسي أو تناسى أن الهداية بالقوة يكون عمرها قصيراً وجذرها ضعيفاً .

التأمل الثاني:
رُبّ سائل يسأل : إذا كانت وظيفة النبي محمد صلى الله عليه وآله محصورة بالإنذار فما الداعي لوجود عقوبات وقصاص في الشريعة الإسلامية ؟ لماذا لا نكتفي بإنذارهم بأن القيام بالتصرفات الخاطئة سيؤدي الى استحقاق العقوبة الإلهية وليست عقوبتنا ؟!
في معرض الجواب نقول من باب التحليل وليس الجزم : أن حصر الوظيفة النبوية بالإنذار لا يحصر الإنذار بالإنذار الشفوي واللساني ، وأن وجود هذه العقوبات في التشريع الإسلامي هو لردع مرتكب الذنب عن القيام بذنبه مرة أخرى . هذا من جانب ، ومن جانب آخر فإن العقوبات في التشريع الإسلامي شُرِّعَت في الغالب للجرائم والذنوب ذات الطابع الاجتماعي ، وذلك لحفظ الأمن المجتمعي ، وهذا أمر بعيد عن موضوع الإنذار .

التأمل الثالث:
إن الإنذار والتبشير مسألتان مهمتان في عملية إصلاح المجتمعات ، والإنذار له ميزة على التبشير وهي أن الإنذار ملازم لكل أمة من الأمم المراد إصلاح أبنائها ، أما التبشير فميزته أنه يكون خاصاً ببعض الأمم كالأمة الإسلامية ، على الأقل وفق هذه الآية المباركة محل التأمل ، بمعنى أن المستوى الأول من الإصلاح يكون بالإنذار ( بشرطه وشروطه ) ، والمستوى الثاني يكون بالتبشير وذلك عندما تتكامل الأمة وتتسامى وتبدأ باستيعاب مخرجات الإنذار .
وبالتالي فحملات التبشير التي تقودها المنظمات التبشيرية غير مستندة الى أساس صحيح ، لأنها لا تبتدئ بحملات إنذارية ، وهذا إما جهل منهم أو أنه يدل على أن هناك نوايا أخرى من وراء تلك الحملات .

التأمل الرابع:
لقد تكرر حصر الإنذار بالمهمة المناطة بالرسول الأعظم صلى الله عليه وآله ، وكذلك وجود نذير في كل أمة وقوم ، وهذا دليل على تأكيد القرآن الكريم على هذه الحقيقة ، من قبيل ( إِنَّمَا أَنتَ مُنذِرٌ ? وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ ) ، فوظيفة المنذِرين هو هداية أقوامهم وأممهم ، سواء كانت أقوامهم من أمم مختلفة كالأنبياء منذ آدم عليه السلام الى الخاتم صلى الله عليه وآله ، أو من أمة واحدة كالأمة الإسلامية إذ يكون المنذِرون هم أوصياء النبي محمد صلى الله عليه وآله ، كلٌ يُنذر بحسب زمانه ليهدون المسلمين ويمنعونهم من الانزلاق والابتعاد والانحراف عن الصراط المستقيم بما أوتوا من صلاحيات شرعية . كما يمكن أن يكون الفقهاء والعلماء العاملون منذِرين أيضاً إذا ما كانوا ممثِلين حقيقيين للخط المحمدي .

التأمل الخامس:
إن الإنذار وإن كان يدل ويشير الى وجود عقوبات ولكنه – أي الإنذار – لا يخلو من الرحمة ، بل إن الإنذار النبوي مليء بالرحمة ، كعقوبات الأب لأبنائه فهي تربوية لا انتقامية ، فكما أن النبي صلى الله عليه وآله أُرسِل نذيراً فقد أُرسِل بشيراً ، وإن لم يكن التبشير حصرياً – في الظاهر – كالإنذار فإنّ الرسول صلى الله عليه وآله لم يُرسَل إلا رحمة للعالمين ، والتبشير يُعدّ شكلاً من اشكال هذه الرحمة المرسَلَة ، وبالتالي فإن الرحمة (والتبشير منها) تقيّد الإنذار ، والإنذار يقيّد التبشير ، وهذا ما يجعل قلب المؤمن منقسماً الى قسمين متساويين ، خوف (مما يُنذَر) ورجاء (لما يُبشَّر) .
وعليه فإن نذير أمتنا في عصرنا الحالي عليه السلام سيترجّم إنذاره الرحيم من خلال ملء الأرض قسطاً وعدلاً بعد أن تُملَأ بالظلم والجور نتيجة مخالفة سكانها للإنذارات النبوية .

التأمل السادس:
عندما تُحصَر مهمة النبي الخاتم صلى الله عليه وآله بالإنذار وأن لكل أمة لا بد من نذير فهذا يدل على عدة أمور ، مثلاً :
1) أن كل وظيفة أخرى تكون محكومة بضوابط الإنذار ، أي أن هذه الضوابط تحكم باقي المهام المناطة للنبي الأكرم صلى الله عليه وآله ، كمهة التبشير مثلاً .
2) أن هذا الحصر يدل على أهمية المهمة والوظيفة ، وبالتالي على المؤمن الرسالي أن يهتم بها ويتدرّب عليها وفق الضوابط الشرعية .
3) أن الإنذار يكون عادة لمن يُتوَقَّع منه صدور المخالفات أكثر ممن يُتوَقَّع منه صدور الحسنات ، وهذا يوحي الى أن ميل البشر يكون للمخالفة أكثر من ميلهم للطاعة .

* مشاركتها ثواب لنا ولكم

للمزيد من التأملات القرآنية انضموا الى قناة ( تأملات قرآنية ) على التلغرام :
https://t.me/quraan_views

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M