الأفغان الشيعة.. بين حكم طالبان وهجمات داعش

لم تكن فترة عشرين عاما التي أعقبت سيطرة حركة طالبان على أفغانستان كافية لينال الأفغان الشيعة حقوقهم السياسية والاجتماعية والثقافية والتعليمية؛ رغم أنها كانت محطة مهمة في تاريخهم؛ لأن يحصلوا على جزء من حرياتهم وحقوقهم المهدورة لفترات طويلة، جراء سيطرة الحركات الدينية المتطرفة على حكم في أفغانستان.

فمن هم الأفغان الشيعة؟ وأين يسكنون في أفغانستان؟ ولماذا لم يتمكنوا من الحصول على حقوقهم وحرياتهم أسوة بالمكونات العرقية والاجتماعية الأفغانية الأخرى؟ وماذا ينبغي أن يعمل المجتمع الدولي والمنظمات الحقوقية من أجل الحفاظ على حريات هذا المكون وحقوقه، في ظل حكومات متطرفة لا تحترف بحقوق الآخرين؟

تُصنف قومية (الهزارة) وهم بغالبيتهم ينتمون للمذهب الشيعي، على أنهم الطرف الأضعف في أفغانستان، رغم أنهم يشكلون نسبة تقارب (20%) من عدد السكان، وعوامل الضعف ناتجة عن أسباب تاريخية خارجية، وأخرى تتعلق بالهزارة أنفسهم. والهزارة، جماعة عرقية أفغانية تشغل مناطق الوسط والشمال القريبة من العاصمة كابول، وهي من أغنى المناطق الزراعية خصوبةً في أفغانستان، وتقع مناطقهم بين وادي هلمند وهندوكوش وبابا، ما جعلهم ضحايا الحروب المتكررة بين الطاجيك والاوزبك والبشتون والدول الكبرى.

ورغم هذا الموقع الجغرافي، لم يستطع شيعة أفغانستان الاستفادة منه وتحصينه، لأسباب عديدة منها: بُعد مناطق سكنهم عن بعضها البعض. وغياب عامل الدعم الخارجي تاريخيًا كما هو حال باقي القوميات الأفغانية، وغياب الزعامة المحلية الكبيرة، دينية كانت أو قبلية، لدى الهزارة. وعلى خطً موازٍ، ساهم الاضطهاد والتجاهل السياسي المتعمد بحق الهزارة طيلة عهودٍ متعاقبة وعقودٍ متتالية، في تعميق أزمتهم الداخلية وضعفهم وتهميشهم في كل أنظمة الحكم التي مرت على أفغانستان، كل ذلك جعلهم القومية الأكثر فقراً في حين يسيطر البشتون على وظائف الدولة ومفاصلها ويتحكم الطاجيك بالتجارة والمال. والاضطهاد الذي طال شيعة أفغانستان الهزارة دفع بالملايين منهم إلى ترك أرضهم وبيوتهم والهرب بأرواحهم إلى إيران، ما زاد في حالة الضعف التي يعيشونها.

حصل الأفغان الشيعة بين 2003 و2021، على جزء من حقوقهم الشخصية والدينية والسياسية بعد أول انتخابات رئاسية في أفغانستان على أساس الاقتراع العام المباشر يوم 9 أكتوبر/تشرين الأول 2004.لكن مع عودة طالبان إلى الحكم في 2021، بدأ تدهور أوضاع الشيعة شيئا فشيا. فرغم التعهدات التي منحتها حركة طالبان للأفغان الشيعة بعد سيطرتها على حكم أفغانستان مجددا، جراء الاتفاق مع الولايات المتحدة الأمريكية؛ فان الأفغان الشيعة مازالوا بين سندان حركة طالبان ومطرقة تنظم داعش الإرهابي، وتُنتهك حقوقهم الشخصية والدينية والسياسية والاقتصادية بشكل مستمر دون رادع من المجتمع الدولي.

في ظل حكم طالبان الثاني لأفغانستان عام 2021، سجلت المنظمات الدولية ومنظمات حقوق الإنسان المئات من الانتهاكات التي طالت الأفغان الشيعة في المناطق التي يسكنونها، حتى تلك المناطق التي يشكلون بها غالبية سكانية واضحة، فضلا عن المناطق التي يكونون فيها أقلية سكانية أو أقلية دينية.

هذه الانتهاكات شملت أعمال قتل وتعذيب، وطرد من الأرض، وتفجير المساجد والحسينيات، وتقييد لحرية الانتقال، واستعمال أساليب تمييزية بحقهم، والتعامل بطريقة مهينة، ومنعهم من إقامة شعائرهم الدينية. وتجريدهم من وسائل حماية النفس التقليدية، فضلا عن إبعادهم التدريجي عن مصادر القرار الإداري والسياسي على المستوى الوطني والمحلي.

في تقريره الأول الذي قدمه إلى مجلس حقوق الإنسان، سلط المقرر الخاص للأمم المتحدة المعني بحالة حقوق الإنسان في أفغانستان، ريتشارد بينيت، الضوء على انتهاكات حقوق الإنسان في ظل حكم طالبان، منذ أن سيطرت على مقاليد الحكم في البلاد في آب/أغسطس 2021، بما في ذلك التراجع الكبير في حقوق المرأة والفتيات، والأعمال الانتقامية التي تستهدف المعارضين والمنتقدين، والاعتداءات على الأقليات -بما في ذلك طائفة الهزارة الشيعية – وتضييق الخناق على وسائل الإعلام.

وقال المقرر الخاص للأمم المتحدة إن الهجمات التي تستهدف الشيعة في أفغانستان ممنهجة وتصل إلى جرائم دولية، داعيا إلى تحقيق معمق في هذه الاعتداءات. وقال (يبدو أن هذه الهجمات منهجية بطبيعتها وتشمل عناصر سياسة منظمة.. ولذلك فهي تحمل بصمة الجرائم الدولية ويجب التحقيق فيها بعمق).

ذكرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” أن (مسؤولي طالبان في عدة أقاليم في أنحاء أفغانستان أجبروا السكان على النزوح جزئيا لتوزيع الأراضي على أنصارهم. وأن العديد من عمليات الإخلاء هذه استهدفت المجتمعات الشيعية من الهزارة، وكذلك الأشخاص المرتبطين بالحكومة السابقة، كشكل من أشكال العقاب الجماعي). وذكرت المنظمة أن طلبان (تُجلي الهزارة وغيرهم قسرا على أساس العرق أو الرأي السياسي لمكافأة أنصار طالبان. وأن عمليات الإخلاء هذه، التي نُفِّذت بالتهديد بالقوة، ودون أي إجراءات قانونية، تُعَدّ انتهاكات خطيرة ترقى إلى مستوى العقاب الجماعي) في الوقت الذي يحظر القانون الدولي الإخلاء القسري للمساكن بأنه نقل الأفراد والأسر و/أو المجتمعات المحلية رغما عنهم بشكل دائم أو مؤقت من بيوتهم و/أو أراضيهم، دون إتاحة سبل مناسبة للحماية القانونية أو غيرها من أنواع الحماية.

لم تقتصر الأعمال العدوانية التي تطال الأفغان الشيعة على الأجهزة الحكومية والأمنية التي من المفترض أن تكون هي الحامي والحارس لكل مواطن أفغاني، بحسب العقد المبرم بين السلطة والشعب الأفغاني الذي تضمن فيه الحكومة أمن أفراد الشعب وسلامتهم من اعتداءات الغير، بل كان لتنظيم داعش الإرهابي دور أكبر في الاعتداء على حريات الأفغان الشيعة وحقوقهم.

فمنذ استيلاء طالبان على أفغانستان، صعد تنظيم الدولة الإسلامية في خراسان من هجماته على الأقليات المسلمة الشيعية في أفغانستان، ولا سيما من أقلية “الهزارة” العرقية، وازدادت التفجيرات في المناطق الحضرية وخلفت مئات الجرحى والقتلى. والهدف من الهجمات الإرهابية الدموية التي شنها داعش على مساجد شيعية، خلال الفترة الماضية ومازال هو بدء حرب طائفية بين الشيعة والسنة، وإظهار أن “داعش” لاتزال نشطة في أفغانستان.

يرى (زمان سلطاني) الباحث الإقليمي المعني بمنطقة جنوب آسيا في منظمة العفو الدولية، تعقيباً على وقوع سلسلة الهجمات التي أدت إلى مقتل وإصابة نحو 120 شخصا في المناطق ذات أغلبية شيعية من الهزارة في غرب كابول خلال الأيام القليلة الماضية، (أن الهجمات الممنهجة على أقلية الهزارة الشيعية في أفغانستان قد تصل إلى حد الجرائم ضد الإنسانية، ويجب إدانتها إدانة قاطعة).

وكردة فعل على هذه الأحداث، بدأت مجموعات عرقية مختلفة الأحجام، ترفع صوت قلقها من احتمال غرق البلاد في مستنقع الفتنة الأهلية، على رأسها بالطبع، الشيعة الهزارة، الذين تفيض ذاكرتهم، بصور القتل والإبادة والترحيل والتشريد، على اختلاف الحكومات التي مرت على أفغانستان، كونهم الأقلية الوحيدة في البلاد، التي تعرضت سابقا، وما زالت تتعرض لحملات إبادة منظمة.

للأسف رغم ما يحدث من انتهاكات خطيرة لحقوق الأفغان الشيعة، سواء من طرف حكومة طالبان بأجهزتها الأمنية المختلفة، أم من طرف تنظيمات داعش الإرهابية فان المجتمع الدولي لا يبالي كثيرا لمثل هذه الجرائم، ولا يلتفت إلا نادرا إلى ما يحدث هناك في أفغانستان من جرائم بحق شريحة واسعة من الشعب الأفغاني.

ومن أجل حماية حقوق الأقلية الشيعية في أفغانستان فان نوصي بما يأتي:

1. إن مسؤولية حماية حقوق وحريات الشعب الأفغاني والأقلية الشيعة تحديد، هي جزء لا يتجزأ من مسؤولية طالبان كونها تدير الحكم هناك. ومن مسؤوليات أي حكومة توفير الأمن والسلامة لمواطنيها.

2. إن من مسؤولية حكومة طالبان أن تحقق بشكل جدي بكل الجرائم والانتهاكات التي تطال الأقلية الشيعة، تحقيقا فوريًا وحياديًا وشاملًا في الهجمات، بما يتماشى مع القانون الدولي والمعايير الدولية. وأن يَمْثُل المشتبه في مسؤوليتهم الجنائية عن هذه الجرائم بموجب القانون الدولي وانتهاكات حقوق الإنسان أمام العدالة في محاكمات عادلة، وأمام محاكم مدنية عادية.

3. إن من مسؤولية حكومة طالبان أن توفر وسائل حماية ذاتية للأقلية الشيعية، ليتمكنوا من حماية أنفسهم وأموالهم ومناطقهم وتجمعاتهم من اعتداءات المتطرفة وتنظيم داعش. وعلى الأقل إعادة الأسلحة التي جرى جمعها من الشيعة ليتمكنوا من ضمان أمنهم.

4. إن من مسؤولية حكومة طالبان أن تشرك الأقلية الشيعية في إدارة الحكم، على الأقل في مناطق تواجدهم، ومنح هذه الأقلية المزيد من الشراكة السياسية بما يعزز دورها السياسي والاجتماعي.

5. على المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانة ممارسة ضغوطها على حركة طالبان من اجل إيقاف نزيف الدم والحد من الإعمال العدوانية والإرهابية التي تقوم بها تنظيم داعش.

المصدر : https://annabaa.org/arabic/rights/37439

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M