الاختيار الصعب… كيف تفاعلت “إيكواس” مع معضلة النيجر؟

أسماء عادل

 

على الرغم من أن الهدف الرئيس لتدشين المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” كان ذا طابع اقتصادي بموجب المعاهدة المنشئة لها في 1975 في مدينة لا جوس بنيجيريا، والتي تم توقيعها من جانب 15 دولة من رؤساء دول وحكومات غرب أفريقيا، لكن مع تصاعد الصراعات في المنطقة قد تمت إضافة مضامين سياسية وعسكرية في تسعينات القرن الماضي لميثاق المجموعة، وهو ما يمكنها من لعب دور أمني لتحقيق السلم والأمن.

ونجد أن الأزمة الناشئة عن الانقلاب العسكري في النيجر تُشكل اختبارًا لمدى قدرة “إيكواس” على الحفاظ على استقرار دول غرب أفريقيا. ومن هذا المنطلق، استضافت العاصمة النيجيرية أبوجا اليوم الخميس الموافق 10 أغسطس 2023، القمة الطارئة الثانية لدول مجموعة “إيكواس”؛ لمناقشة الوضع السياسي في النيجر، وتقييم مدى التقدم المحرز منذ انعقاد القمة الطارئة الأولى في 30 من يوليو الماضي، وهو ما سيسهم في تحديد العقبات التي قد تحول دون تحقيق تقدم ملموس باتجاه تحقيق استقرار مُستدام في النيجر.

وتطرح هذه الورقة البحثية مجموعة من التساؤلات بشأن مدى فاعلية الدور الذي لعبته المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا منذ اندلاع الأزمة في النيجر، حيث تصدرت “إيكواس” المشهد في أعقاب الإطاحة برئيس النيجر محمد بازوم في 26 يوليو 2023، وسيطرة النخبة العسكرية على مقاليد السلطة في البلاد. بالإضافة إلى ذلك، كيف تعامل المجلس العسكري الحاكم في النيجر مع تهديدات التدخل العسكري المُحتمل من جانب المجموعة؟

مقاربة “إيكواس” حيال أزمة النيجر

قد تبنت “إيكواس” مجموعة من الخيارات السلمية للضغط على المجلس العسكري في النيجر لإعادة المسار الدستوري، بحيث يكون استعمال القوة الخيار الأخير، وفى هذا الجزء من الورقة، سوف يتم استعراض أبرز الجهود التي قامت بها “إيكواس” منذ بداية الأزمة في النيجر، وذلك على النحو التالي: 

الدعوة لعقد القمم الطارئة: نجد أن استجابة “إيكواس” للأحداث في النيجر جاءت سريعة؛ فعندما وقع الانقلاب العسكري، عقدت قمة طارئة على مستوى رؤساء دول وحكومات غرب أفريقيا  في أبوجا بنيجيريا في الثلاثين من يوليو أي بعد أربعة أيام من حدوث الانقلاب العسكري. واتسم تعامل “إيكواس” بالحزم تجاه أحداث النيجر لمعاقبة النخبة العسكرية التي قادت الانقلاب.

وقد تمخض عن هذه القمة الطارئة فرض سلسلة عقوبات على قادة الانقلاب، وتم حظر سفر وتجميد أصول على القادة العسكريين الضالعين في محاولة الانقلاب. ولوحت “إيكواس” خلال القمة الأولى باستخدام القوة في حال عدم إعادة النظام الدستوري في البلاد خلال مهلة مدتها أسبوع. وعلى الرغم من التهديدات التي أطلقتها “إيكواس”، فإنه لم يُستعاد النظام الدستوري في النيجر، ولم تُستخدم القوة العسكرية ضد النيجر في السادس من أغسطس الجاري الموعد المُحدد من جانب “إيكواس”. ولذلك عُقدت القمة الطارئة الثانية في العاشر من أغسطس.

النهج التفاوضي: أرسلت “ايكواس” في بداية الأزمة وفدًا برئاسة رئيس نيجيريا السابق عبد السلام أبوبكر نيامي لفتح قنوات اتصال مع القادة العسكريين في النيجر للخروج من الأزمة بالسبل السلمية، ولم يتمكن الوفد من التواصل بشكل مباشر مع رئيس المجلس الوطني عبد الرحمن تياني ولا الرئيس المخلوع محمد بازوم.  وتم تشكيل بعثة ثلاثية من “إيكواس” والاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة، حاولت في الثامن من أغسطس الجاري إجراء تفاوض مع القادة العسكريين في النيجر، إلا أن تلك المساعي قد تم اجهاضها. ويمكن القول إن الجهود الدبلوماسية التي بذلتها “ايكواس” لم تؤت ثمارها ولم تجعل القادة العسكريين في النيجر يعودون عن موقفهم.

سلاح العقوبات الاقتصادية: فرضت المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا سلسلة من العقوبات الاقتصادية؛ بهدف استعادة الحكم الدستوري للبلاد، فقد تم تجميد أصول جمهورية النيجر في البنوك المركزية للدول الأعضاء بها، وتم إيقاف جميع المعاملات التجارية والمالية بين النيجر وجميع الدول الأعضاء فيها، وأغلقت الحدود المشتركة معها. وفى ضوء الإجراءات الاقتصادية العقابية، نجد أن هناك ارتفاعًا في أسعار السلع الغذائية الأساسية، ووفقًا لوكالة رويترز أن سعر الأرز قد ارتفع بأكثر من 30%، وزاد سعر زيت الطهي بقرابة 50%. وبدأت بعض الأحياء في الإبلاغ عن انقطاع الكهرباء، فقد أوقفت نيجيريا إمداد النيجر بالتيار الكهربائي، وذلك تطبيقًا للعقوبات التي أعلنتها “إيكواس”. والجدير بالذكر أن النيجر تعتمد في استهلاك الكهرباء على نيجيريا بنسبة 70 بالمئة.

الخيار العسكري المُحتمل: حينما نتحدث عن احتمالية التدخل العسكري من جانب “إيكواس” في أزمة النيجر، نُحاول توضيح الأبعاد المُتعلقة بالدوافع المُحفزة لاستخدام القوة العسكرية، ودول “إيكواس” المؤيدة لاستخدام القوة، والقوى الدولية المساندة لهذا التدخل، والتداعيات المُحتملة جراء استخدام القوة العسكرية.  نجد أن دوافع التدخل العسكري تتلخص في محاولة تحجيم ظاهرة الانقلابات العسكرية المتنامية في دول غرب أفريقيا، والعمل على إنهاء الانقلاب العسكري واستعادة المسار الديمقراطي والافراج عن الرئيس النيجري محمد بازوم واعادته للحكم.

وفيما يتعلق بخطة التدخل العسكري؛ قد احتضنت أبوجا بنيجيريا اجتماعًا أمنيًا رفيع المستوى لقادة جيوش الدول الأعضاء في المنظمة؛ لتقييم الأوضاع في النيجر خلال الفترة الزمنية من 2 حتى 4 أغسطس الجاري. وقد تمخض عن هذه الاجتماعات وضع خطة لتدخل عسكري مُحتمل في النيجر لإنهاء الانقلاب العسكري وعودة المسار الدستوري.

والجدير بالذكر أن تفاصيل التدخل العسكري المُحتمل قد كشفت عنها إذاعة “آر إف آي” الفرنسية في 8 أغسطس الجاري، مشيرة إلى توصل رؤساء أركان دول “إيكواس” إلى اتفاق يتم بموجبه حشد قوة من 25 ألف عسكري للتدخل المحتمل في النيجر، مع ذكر تفاصيل متعلقة عن الدول التي من المُحتمل أن تنخرط في العملية العسكرية؛ إذ نجد نيجيريا التي تصر على أن تكون قائدة للعملية العسكرية لديها استعداد لتوفير أكثر من نصف القوة التي تنوي التدخل في النيجر بمشاركة من السنغال وبنين وساحل العاج.

ونجد أن هناك فرصًا وتحديات تواجه عملية التدخل العسكري من جانب “ايكواس” في النيجر، وتتمثل الفرص في الدعم الدولي الذي سوف تتلقاه “إيكواس” في حال التدخل العسكري من جانب الولايات المتحدة وفرنسا، على اعتبار أن البلدين لهما مصالح في النيجر، وشركاء في الحرب ضد الإرهاب، كذلك نجد أنه من مصلحة واشنطن وباريس تدخل “إيكواس” عسكريًا لاحتواء الأزمة، وقطع الطريق على أي محاولة روسية لزيادة نفوذها في النيجر. وفيما يتعلق بالتحديات لا شك أن تكلفة الخيار العسكري ستكون كبيرة في ضوء المخاوف المتعلقة بتدفق اللاجئين والهجرة غير النظامية للدول المجاورة للنيجر، إلى جانب تزايد احتمالية تصاعد نشاط التنظيمات الإرهابية الإرهابية التي سوف تستغل التوترات الراهنة لتعزيز نشاطها في النيجر والدول المجاورة لاسيما مالي وبوركينا فاسو.

السياق داخل النيجر

يُحاول هذا الجزء من الورقة البحثية الإجابة عن تساؤل: كيف تعامل المجلس العسكري الذي يُطلق عليه”المجلس الوطني لحماية الوطن” في النيجر مع تهديدات المجموعة الاقتصادية في غرب أفريقيا؟؛ إذ يعمل المجلس العسكري في النيجر على المضي قدمًا في الإجراءات التي اتُخذت منذ 26 يوليو الماضي، وعدم الالتفات إلى التهديدات من جانب “إيكواس” وكذلك الضغوط من جانب القوى الدولية كالولايات المتحدة وفرنسا. ويُمكن قراءة الخطوات التي اتخذها المجلس العسكري في اعقاب الإطاحة بالرئيس محمد بازوم، على النحو التالي:

أولًا: الصعيد الداخلي:

التركيز على بناء جبهة شعبية مُتماسكة: عمل المجلس العسكري على توحيد الجبهة الداخلية من خلال توظيف الضغوط والتهديدات الخارجية وتحويلها لفرص تُعزز  من سلطة المجلس وتُرسخ أقدامه في الحكم، من خلال مُخاطبة القائد الجنرال عبد الرحمن تشياني الجماهير بتأجيج المشاعر الوطنية والتكاتف لمواجهة  العقوبات الاقتصادية والغزو الخارجي المُحتمل من جانب “إيكواس”، وأن اللحظة الراهنة تقتضى دعم القرارات التي يتخذها المجلس العسكري.

ونجد أنه على الرغم من سلاح العقوبات الاقتصادية والتهديدات بالتدخل العسكري لم تجعل النخبة العسكرية تتراجع عن قراراتها بل إنها زادت من شعبية النخبة العسكرية، وهو ما تجلى  في الحشد الشعبي  في 6 أغسطس الجاري في “استاد” رياضي بالعاصمة نيامي، وبذلك هناك توافق على صعيد النخبة العسكرية والجماهير على عدم إعادة عقارب الساعة للوراء، وأن فترة الرئيس محمد بازوم قد انتهت. ولذلك نجد أن النخبة العسكرية الحاكمة في النيجر تُحاول التركيز على الداخل، وتتبع سياسة “لا تفاوض” مع القوى الخارجية، وهو ما يعنى إنها لا تكترث بالضغوط والتهديدات الخارجية، وهو ما تم توضيحه في الجزء الأول من الورقة أن “إيكواس” لم تتمكن من إجراء مفاوضات مباشرة مع النخبة الحاكمة في النيجر.

العمل على رسم خارطة طريق للمرحلة الانتقالية: يبدو أن ملامح المرحلة الانتقالية قد بدأت تتضح مع إعلان المجلس العسكري في 8 أغسطس الجاري عن تعيين وزير المالية السابق على مهمانى لايمن زينى في منصب رئيس وزراء انتقالي لجمهورية النيجر، وتكليفه بتشكيل مجلس وزاري معاون له، وأن رئيس الوزراء الانتقالي المكلف سيرأس حكومة “المجلس الوطني لحماية الدولة” في النيجر.

وكذا أُعلن في 10 أغسطس عن تشكيل حكومة جديدة تتألف من 21 وزيرًا  بينهم 4 سيدات، منهم خمس وزراء تابعون للمؤسسات الأمنية. وهذه الإجراءات يُمكن قراءتها بأن النخبة المدنية سوف تتصدر المشهد في وسائل الإعلام خلال الفترة المقبلة؛ لتوضيح خارطة الطريق داخل النيجر. أما فيما يتعلق بالنخبة العسكرية التي أزاحت الرئيس محمد بازوم، فإنه من المُحتمل أن يعمل المجلس العسكري على إدارة خيوط المشهد السياسي والأمني من وراء الستار، حتى تظل المؤسسة العسكرية بعيدة عن التجاذبات السياسية والاحتفاظ بالرصيد الشعبي الذي تتمتع به في اللحظة الراهنة، وتخفيف الضغوط الدولية على البلاد.

ثانيًا: على الصعيدين الإقليمي والدولي: 

نسج تحالفات إقليمية: نجد أن هناك كتلة من الدول المُجاورة للنيجر تؤيد الإجراءات التي قد اتخذها المجلس العسكري في النيجر، ويمكن تصنيف تلك الدول على النحو التالي؛ دول مؤيدة للقادة العسكريين في النيجر والاستعداد للتحالف معها ضد أي عمل عسكري: وهو ما اتضح في البيان المُشترك الصادر عن مالي وبوركينا فاسو بأنه في حال حدوث أي تدخل عسكري ضد النيجر سيتم اعتبار ذلك “إعلان حرب”، كما تم التحذير من الانسحاب من المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا في حال تبنى الخيار العسكري. فيما تشترك غينيا كوناكري في المواقف مع مالي وبوركينافاسو من حيث دعمها للنخبة العسكرية التي تتولى زمام السلطة في النيجر.  وفي المقابل، نجد أن هناك دولًا عارضت الإطاحة بالرئيس محمد بازوم ولكنها ترفض استخدام القوة العسكرية لاستعادة المسار الدستوري، وترى أن الخروج من هذا المأزق يتم عبر التسوية السياسية؛ كالجزائر وتشاد.

مُحاولة إيجاد ظهير دولي: لاشك أن محاولة إنشاء  قنوات اتصال بين القادة العسكريين وروسيا، بوصفها قوة دولية تنافس الولايات المتحدة وفرنسا، سوف يكون لصالح النخبة العسكرية في النيجر، على اعتبار أن روسيا يمكن أن تدعم المجلس العسكري على كافة الأصعدة؛ سواء على الصعيد الدبلوماسي من خلال المواقف الرسمية وكذلك في المحافل الدولية كالأمم المتحدة ومجلس الأمن ويمكن أن تعرقل أي قرار عن المجلس يدين النخبة العسكرية النيجرية عبر امتلاكها حق “الفيتو”.

أما على الصعيد العسكري فيمكن أن تدعم روسيا النيجر بمعلومات استخباراتية، وإفساح المجال لمجموعة “فاجنر” لحماية المنشآت الحيوية في النيجر، ومساندة النيجر في حال حدوث تدخل عسكري مُحتمل. ومن الجدير بالملاحظة أن روسيا تحظى بقبول شعبي في النيجر. واللافت للنظر أن هذه الواقعة قد تكررت أكثر من مشهد، ويتجلى ذلك في اعقاب الإطاحة بالرئيس النيجري محمد بازوم، فقد تم رفع الاعلام الروسية، وكذلك تكرر المشهد ذاته في الاحتشاد الجماهيري لدعم النخبة العسكرية الذي تم “بالاستاد” الوطني في النيجر في 6 أغسطس الجاري.

وفى الختام، يمكن القول إن المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا “إيكواس” تصدرت المشهد في أعقاب الإطاحة برئيس النيجر محمد بازوم وسيطرة النخبة العسكرية على مقاليد السلطة في البلاد، ولكن نجد أنها لم تستطع حسم الأمر في أزمة النيجر؛ سواء من خلال المحاولات لفتح قنوات اتصال مع النخبة العسكرية الحاكمة، أو من خلال التهديدات التي أطلقتها بالتدخل العسكري؛ فلا يزال الرئيس النيجري محمد بازوم قيد الاحتجاز، ولم تُستخدم القوة العسكرية ضد النيجر في موعد انتهاء المهلة المحددة، وهو ما يصب في صالح المجلس العسكري في النيجر الذى يعمل على انتهاج سياسة تتسم بالحزم وعدم الالتفات لأي جهود تبذلها “إيكواس”. وفى ضوء انعقاد القمة الطارئة الثانية والبيان الختامي الصادر عنها، فإنه من غير المرجح استخدام الخيار العسكري في أزمة النيجر، وسوف تحاول “إيكواس” تهدئة لغة الحوار بما يسمح فتح قنوات اتصال مع السلطة الانتقالية وإجراء مباحثات لإيجاد مخرج للأزمة بشكل سلمي دون اللجوء لاستخدام القوة.

 

.
رابط المصدر:

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M