التعاون الصناعي العربي.. مصر والإمارات والأردن نموذجًا!

أسماء فهمي

 

تعد فكرة التعاون الاقتصادي بشكل عام بين الدول ذات السمات المشتركة مع بيئة مليئة بالتحديات ركيزة أساسية للوصول إلى أقصى قدر ممكن من الكفاءة الاقتصادية في إنتاج وتبادل الخبرات والسلع، والذي من خلاله قد يتحقق به مستقبلًا تكامل اقتصادي عربي يسمح من خلاله بانتقال المدخلات بِحُريّة من منطقة لأخرى، خاصة وأن المنطقة الجغرافية العربية تمتد من الخليج العربي شرقًا إلى المحيط الأطلسي غربًا مع تمتعها بفائض من رأس المال متاح لتمويل عملية التكامل الاقتصادي تلك. وعلى خلفية إدراك الدول العربية أهمية التعاون الاقتصادي وقّعت الاتفاقية الأولى لتسهيل التدفقات التجارية بين الدول العربية في عام 1953 وتلاها العديد من الاتفاقيات التكميلية الأخرى، وأعقب ذلك توقيع الاتفاقية العامة لمنطقة التجارة الحرة عام 1997.

ومؤخرًا جاء الإعلان عن شراكة صناعية من أجل نمو اقتصادي مستدام بين مصر والأردن والإمارات ليعكس رؤية قادة الدول الثلاث لتعزيز الشراكة الاقتصادية الهادفة إلى التنمية المستدامة، والذي اشتمل أيضًا على سبل تطوير علاقات التعاون بين الدول الثلاث في القطاعات المالية، وفرص توسيع التعاون في الإشراف على المؤسسات المالية المرخصة، وتبادل المعلومات والخبرات، والاستفادة من التجارب المشتركة في قطاع التكنولوجيا المالية، وتطوير أنظمة الدفع والمهارات الفنية للكوادر المتخصصة، وكذلك المساعدة الفنية في القطاع المالي.

أولًا- وضع قطاع الصناعة في الدول العربية:

كثّفت الدول العربية من جهودها لتعزيز التنمية الصناعية في السنوات الأخيرة باعتبارها أهم القنوات لخلق فرص العمل، وبالتالي الحد من البطالة والفقر من ناحية، ومن ناحية أخرى زيادة الإنتاج الصناعي، وبالتالي زيادة الصادرات وتقليل الواردات. وتقوم استراتيجية التنمية الصناعية بالدول العربية على صياغة استراتيجيات سليمة للسياسة الصناعية وتشجيع الاستثمار ونقل التكنولوجيا وتحسين جودة الإنتاج والتوسع في أسواق التصدير، بالإضافة إلى تعزيز التنمية الريفية والطاقة المتجددة وحماية البيئة بما في ذلك إدارة المياه واحتواء النفايات الصناعية، مع التركيز على القطاع الخاص وتنمية المشاريع الصغيرة والمتوسطة، فضلًا عن توطيد التكامل والتعاون الإقليمي، ويمكن متابعة تطور القيمة المضافة لقطاع التصنيع للدول العربية من خلال الشكل التالي:

أظهرت البيانات الصادرة عن البنك الدولي تطورًا إيجابيًا لقطاع التصنيع في الدول العربية، وهو ما يوضحه الشكل السابق من ارتفاع القيمة المضافة لقطاع التصنيع بالدول العربية من 287.6 مليار دولار عام 2016 لتصل إلى 342.6 مليار دولار في العام الماضي 2021، وحققت نسبة مساهمة القيمة المضافة لقطاع التصنيع بالدول العربية ارتفاعًا بواقع 1% لتصل إلى 12% من إجمالي الناتج المحلي مقارنة بما كانت عليه عام 2019 والتي بلغت نسبة مساهمته 11% من الناتج المحلي الإجمالي.

ثانيًا- تطور القطاع الصناعي في الدول الثلاثة:

وقعت مصر والأردن والإمارات العربية المتحدة في مايو 2022 بأبوظبي على اتفاقية الشراكة الصناعية من أجل النمو الاقتصادي المستدام، بما فيه تأمين سلاسل إمداد مرنة لتحسين الأمن الاقتصادي وتجنيب الدول الثلاث تقلبات الأسعار، خاصة في ظل الحرب الروسية الأوكرانية التي أثرت بشدة على سلاسة التوريد العالمية وعلى ارتفاع أسعار الغذاء والطاقة لمستويات غير مسبوقة.

وخصصت الشراكة 10 مليارات دولار لصندوق استثماري بإدارة من شركة أيه دي كيو القابضة (صندوق أبو ظبي السيادي)، وستستثمر الدول الثلاث في قطاع تصنيع الأغذية والقطاع الزراعي والأسمدة، وصناعة المنسوجات، والمعادن، والبتروكيماويات.

أعقب ذلك في يوليو الماضي اجتماع مسئولين من الدول الثلاث في القاهرة لإجراء محادثات بشأن الشراكة الصناعية الجديدة وذلك لمناقشة الاتفاقيات بشأن المشروعات المطروح القيام بها في القطاعات الإنتاجية المختلفة، ويمكن الاطلاع على القطاع الصناعي في كل دولة على حدة كالتالي:

  • القطاع الصناعي المصري:

الإنتاج الصناعي (والذي يقيس ناتج الشركات في القطاع الصناعي للاقتصاد مثل التصنيع والنقل والمرافق والبناء والسياحة) قد شهد في مصر ارتفاعًا بنسبة 3.9% في يناير من عام 2020 مقارنة بنفس الشهر من العام السابق وذلك بحسب وزارة التخطيط المصرية، أما فيما يتعلق بالقيمة المضافة للقطاع الصناعي فقد حققت ارتفاعًا وذلك بحسب بيانات البنك الدولي، ويمكن متابعة تطور القيمة المضافة للقطاع الصناعي المصري من خلال الشكل التالي:

يبين الشكل السابق الاتجاه التصاعدي للقيمة المضافة للقطاع الصناعي المصري ليرتفع من 79.6 مليار دولار ليصل إلى 116.9 مليار دولار عام 2020، وبالرغم من ذلك فقد سجًلت القيمة المضافة للصناعات التحويلية كنسبة من الناتج المحلي الإجمالي تراجعًا طفيفًا من 15% عام 2020 لتصل إلى 14.9% عام 2021، وذلك بحسب منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية.

وتعمل مصر على تذليل العقبات التي تواجه القطاع الصناعي من أجل جذب المزيد من الاستثمارات المحلية والأجنبية بالقطاع، وبحسب تقرير صادر في سبتمبر من عام 2021 عن اتحاد الصناعات المصرية، فقد تم تنفيذ عدة إصلاحات بالقطاع ومنها تسهيل الحصول على الأراضي الصناعية عن طريق الخريطة الاستثمارية الموجودة على الموقع الإلكتروني على كل من الهيئة العامة للاستثمار والهيئة العامة للتنمية الصناعية، وتخفيض أغلب الرسوم وخاصة بالنسبة للصناعات الصغيرة، وخفض سعر الغاز الطبيعي الموجه للقطاع، وخفض أسعار الكهرباء للصناعة للجهد الفائق والعالي والمتوسط، فضلًا عن تثبيت أسعار الكهرباء لباقي الاستخدامات الصناعية لمدة من 3-5 سنوات القادمة، كما تم الإعلان عن مبادرة 100 إجراء لتحفيز الصناعة بهدف زيادة نسبة مساهمتها في الناتج المحلي الإجمالي.

ساهمت تلك الإصلاحات في زيادة الإنتاج وبالتبعية صادرات القطاع الصناعي منذ بداية عام 2022، فبحسب بيانات وزارة التجارة والصناعة فقد حققت صادرات مصر من الصناعات الهندسية زيادة مقدارها 32% وبقيمة 983 مليون دولار، أما صادرات الصناعات الكيماوية والأسمدة فقد حققت زيادة بنسبة 23% وبقيمة 935 مليون دولار أمريكي، وصناعة الأحذية والجلود نمت أيضًا بنسبة 20% وبقيمة 183 مليون دولار، كما زادت قيمة صادرات مصر من صناعة الادوية بقيمة 210 مليون دولار وبنسبة ارتفاع بلغت 19%، وتستهدف مصر أن تصل قيمة صادرات القطاع الصناعي 60 مليار دولار من إجمالي الصادرات عام 2025، وذلك ضمن خطة الدولة لرفع قيمة الصادرات الصناعية لتصل إلى 100 مليار دولار على المدى البعيد.

  • القطاع الصناعي الأردني:

بحسب البنك الدولي، فقد عانت الأردن من نقص حاد في السيولة خلال جائحة كوفيد-19 وهو الأمر الذي انعكس على قطاع الصناعة لديها، وطلبت الأردن من البنك الدولي تمويل بقيمة 85 مليون دولار أمريكي لمشروع صندوق دعم الأردن لتطوير الصناعة والذي وافق عليه البنك، ويهدف التمويل إلى تعزيز الاستثمارات والصادرات في قطاع التصنيع من خلال تفعيل صندوق تنمية الصناعة الجديد والذي تم إنشاؤه في ضوء التزام الأردن بإطار خطة الأولويات الاقتصادية 2021-2023، ويهدف المشروع إلى دعم أكثر من 500 شركة موجهة للتصدير بشكل مباشر، وتشمل الأنشطة الرئيسية التي يمولها الصندوق تطوير الصناعة وبرامج تنمية الصادرات، وبرنامج الحوافز، وتيسير الوصول إلى تأمين قروض الصادرات ومنتجات تمويل سلسلة التوريد الجديدة.

وبالفعل يشهد قطاع التصنيع الأردني بشقيه الاستخراجي والتحويلي مرحلة من التحسن خلال عام 2021، لترتفع نسبة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي إلى 24.2% عام 2021 بعد أن كانت 23.91% عام 2020، وذلك بحسب البنك الدولي، وحقق القطاع نموًا بنسبة 3% مقارنة بالانكماش الذي كان عليه (2.3%) عام 2020، كما ارتفع الإنتاج الصناعي في الأردن بنسبة 0.8% في يونيو من عام 2022 مقارنة بالشهر نفسه من العام السابق، وذلك بحسب البنك المركزي الأردني، ويمكن متابعة تطور القيمة المضافة ومعدل نمو القطاع الصناعي الأردني من خلال الشكل التالي:

وشهدت معدلات نمو القطاع الصناعي في المجمل ارتفاعًا من 1.3% عام 2018 لتصل إلى 3% عام 2021 وذلك بعد تحقيقه تراجعًا بمعدل نمو سلبي بلغ 2.3% عام 2020، وارتفعت القيمة المضافة للقطاع من نحو 6.1 مليارات دينار عام 2018 لتصل إلى حوالي 6.4 مليارات دينار عام 2021، وحقق قطاع الصناعات الاستخراجية نموًا بمقدار 8.8% عام 2021 مقارنة بمعدل نمو بلغ 0.8% عام 2020، أما قطاع الصناعات التحويلية فقد نما أيضًا بنسبة 2.3% مقارنة بانكماش بلغ 2.7% عام 2020، وذلك وفقًا لبيانات البنك المركزي الأردني.

  • القطاع الصناعي الإماراتي:

وضعت الإمارات العربية المتحدة استراتيجية لتطوير القطاع الصناعي وتعزيز دوره في تحفيز الاقتصاد الوطني، وتم تسمية الاستراتيجية باسم “مشروع 300 مليار” نظرًا لهدفه النهائي المتمثل في رفع مساهمة القطاع الصناعي في الناتج المحلي الإجمالي من 133 مليار درهم إماراتي إلى 300 مليار درهم إماراتي بحلول عام 2031، بحسب وزارة الصناعة والتكنولوجيا المتقدمة، كما تركز الدولة على مضاعفة مساهمة الصناعات التحويلية في الناتج المحلي الإجمالي لدولة الإمارات العربية المتحدة إلى 25%، كما هو موضح في رؤية 2021، واستراتيجية دبي الصناعية 2030، ورؤية أبوظبي الاقتصادية 2030، ويمكن متابعة ذلك من خلال الشكل التالي:

كما هو موضح في الشكل السابق، فإنه بحسب منظمة الأمم المتحدة للتنمية الصناعية فقد سجّلت القيمة المضافة للصناعات التحويلية كنسبة من إجمالي الناتج المحلي ارتفاعًا من 9% عام 2016 لتصل إلى 9.9% عام 2021، وبلغت قيمة الصادرات الصناعية 116 مليار درهم عام 2021، إلا أنه تراجعت القيمة المضافة للقطاع الصناعي الإماراتي ككل بحسب البنك الدولي من 185 مليار دولار عام 2019 لتصل إلى 146.7 مليار دولار عام 2020.

وجاء اللقاء الاخوي الخماسي (مصر والإمارات والأردن والعراق والبحرين) في العلمين ليعكس رغبة الدول في تعزيز العمل العربي المشترك وتوحيد الصف العربي لمواجهة التحديات العالمية والحد من تأثيراتها على اقتصاداتها، وبشكل خاص لتعبر عن تتابع التنسيق بين مصر والإمارات والأردن فيما يتعلق بتنمية القطاع الصناعي وبمتابعة ملف المشروعات الاقتصادية المشتركة بشكل عام، وحتى وإن كان القطاع الصناعي بالدول الثلاث في الوقت الحالي يواجه عدد من التحديات إلا أن تلك التحركات الجدية هي مؤشر على توقعات مستقبلية سيشهد فيها القطاع الصناعي بالدول الثلاث تحسنًا واضحًا والذي سيعود بالتبعية على التقدم الإيجابي في باقي القطاعات الاقتصادية المختلفة.

 

.

رابط المصدر:

https://ecss.com.eg/20699/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M