الحدود السودانية – الإثيوبية.. توترات متزايدة وأوضاع انسانية متأزمة

 رحمة حسن

 

في خطوة “غير إنسانية” متكررة من الجانب الإثيوبي تتزامن مع بداية الموسم الزراعي على الحدود السودانية الإثيوبية، فيتكرر المشهد المعقد عبر الأزمنة، والذي تزايدت حدته مع إعادة نشر القوات السودانية لاستعادة أراضيها والتي كانت تسيطر عليها قومية الأمهرة في نوفمبر 2020 بالتزامن مع انشغال حكومة آبي أحمد بالحرب في التيجراي؛ جاء حادث إعدام 7 جنود سودانيين ومدني كانوا أسرى في الأراضي الإثيوبية، وسط توعد من الحكومة السودانية بالرد، ونفي إثيوبي.

في خطوة ليست بجديدة تقوم على تصريحات علنية باتهام ميلشيات إثيوبية بارتكاب الفظائع، وسط دعم خفي من الحكومة الفيدرالية الإثيوبية لتلك الجماعات المسلحة التابعة لقومية الأمهرة والمعروفة محليًا بجماعة الشفتة. فما هي تطورات الوضع الميداني الحالي على الحدود السودانية الإثيوبية ودوافعه؟

الوضع الميداني

خرج رئيس مجلس السيادة السوداني الفريق أول ركن عبد الفتاح البرهان ببيان خلال زيارته إلى منطقة الفشقة الحدودية بين السودان وإقليم الأمهرة الإثيوبي، الاثنين الماضي، يتوعد فيه بالرد على حادثة إعدام 7 جنود سودانيين ومدني، يوم الأحد، تم استدراجهم إلى داخل الأراضي السودانية حيث تم اختطافهم من داخل الاراضي السودانية في 22 يونيو الماضي، والتمثيل بجثثهم.

وعلى إثر هذه الحادثة، تم استدعاء السفير الإثيوبي بالخرطوم، وسحب السودان سفيره من أديس أبابا للتشاور، فيما نفت الخارجية الإثيوبية علاقتها بالأمر واتهمت الجيش السوداني بالتوغل في أراضيها بدعم عناصر إرهابية تابعة لجبهة تحرير التيجراي، وأسندت الحادثة إلى ما أسمته بالمناوشات بين القوات السودانية وميليشيات مسلحة سيجري التحقيق بشأنها دون تسميتها، مشيدة بالعلاقات الجيدة بين البلدين.

وشهدت المنطقة الحدودية تعزيزات عسكرية سودانية من قيادة الفرقة الشرقية إلى منطقة الفشقة الصغرى التي شهدت محاولات على مدار الأيام الثلاث الماضية من الميلشيات الإثيوبية للتقدم بها وتصدت لها القوات السودانية. وتدوولت أنباء حول هجوم مكثف شنته قوات الجيش السوداني التي قصفت مواقع للقوات الإثيوبية شرقي بركة نورين في الفشقة الصغرى المتاخمة لحدود إقليم الأمهرة، وفرض الجيش السوداني سيطرته على معسكر قلع اللبان شرق قرية الأسرة التي أسر فيها الجنود السودانيون، وتجري المعارك في مناطق بمحليتي القريشة وباسندة، شرقي السودان.

وتفقد البرهان منطقتي الأسرة وود كولي عقب الأحداث المتصاعدة التي شهدتها المنطقة على مدار الأيام الماضية بين القوات السودانية وميلشيات إثيوبية، والتي بدأت منذ نهاية مايو الماضي بالتزامن مع الموسم الزراعي بالمنطقة. ووعد البرهان مواطني المنطقة بعدم تكرار تلك الحوادث ومنع أي تحركات على خط الحدود الدولية. وتم إغلاق معبر القلابات الرابط بين السودان وإثيوبيا.

جاءت التحركات السودانية على خط حدوده الشرقية لحماية الموسم الزراعي، وانعقدت لجنة الأمن بحسب محمد عبد الرحمن محجوب الوالي المكلف لولاية القضارف شرقي السودان، لمناقشة التطورات والوقوف على جاهزية القوات المسلحة لحماية الأراضي السودانية.

ويستقبل شمال شرق السودان مواطنين إثيوبيين هاربين من العمليات العسكرية في إقليم التيجراي، فشهد السودان نزوح ما يقرب من مليوني مواطن إثيوبي –بحسب البيان السوداني- إثر هذه العمليات العسكرية التي شنها رئيس الوزراء آبي أحمد على الإقليم ضد جبهة تحرير التيجراي بدعوى إنفاذ القانون في نوفمبر 2020.

سيناريوهات مُعادة وأوضاع متأزمة

هذه التوترات الحدودية يشهدها البلدان منذ تزايد الوجود الإثيوبي في منطقة الفشقة باستيلاء مزارعين إثيوبيين على المزارع السودانية منذ عام 1960. ومنذ تسعينيات القرن الماضي وبحلول عام 1995، استولى المزارعون الإثيوبيون على 48 ألف فدان من الأراضي الخصبة بوصفها شبه جزيرة، فيحيطها نهرا العطبرة وسيتيت.

وهي إحدى المحليات الخمس لولاية القضارف السودانية، وتتم زراعتها بمحاصيل ذات قيمة نقدية عالية، وذلك من قِبل قومية الأمهرة ودعمها من قبل جماعة الشفتة المسلحة المدعومة من الحكومة الفيدرالية في هجمات متتالية خاصةً في مواسم الزراعة ودخول الأمطار، والتي تلجأ إلى أسلوب العنف والهجمات المتعددة على الأراضي السودانية فيهجرونها من المزارعين السودانيين، ويُستبدل بهم مزارعون إثيوبيون من قومية الأمهرة.

وازدادت حدة التوترات عقب إعلان القوات السودانية السيطرة على كافة أراضيها في المنطقة المتنازع عليها بالفشقة الحدودية ديسمبر 2020؛ بينما تتهم إثيوبيا القوات السودانية بالدخول للمنطقة الحدودية والاستيلاء على الأراضي وخاصةً 9 معسكرات داخل الأراضي الإثيوبية منذ نوفمبر 2021.

وجاء الموقف السوداني الحالي حول التأكيد على ضرورة الرد على أرض الواقع، مع توعد الحكومة السودانية بالشروع في تقديم شكوى إلى مجلس الأمن الدولي ومنظمات دولية وإقليمية ضد إثيوبيا، في ظل انتهاكات القانون الدولي واعتبار الجنود السودانيين أسرى حرب؛ في خطوة ليست بجديدة ولكن بلهجة مختلفة بعد أن كانت تستخدم عبارات مثل الوساطة بعد توسط جوبا في يناير 2021 لحلحلة الأزمة وعدم تصعيد الخلاف الحدودي.

واستمر الجانب الإثيوبي في التأكيد على عمق العلاقات وأن الأمر مجرد محاولات لزعزعة العلاقات الجيدة، في ظل إلصاق الأمر بالمؤامرات الداخلية في ظل سياسة آبي أحمد رئيس الوزراء الإثيوبي لشيطنة جبهة تحرير التيجراي، وتجديد الاتهامات بدعم عناصر منها للقوات السودانية للدخول إلى الاراضي السودانية. إلا أن حقيقة الأمر تكمن في دعم القوات الفيدرالية الإثيوبية لجماعة الشفتة المسلحة التابعة لقومية الأمهرة، وهي القومية التي تسيطر على الأراضي الخصبة في المنطقة. وتنتهج الحكومة الإثيوبية هذه التصريحات في كل هجمة حدودية تتخذها الجماعات المسلحة أو القوات الفيدرالية لتنحية التهمة عن الحكومة وإلصاقها بجماعات مسلحة مدعومة منها في الأساس.

ولم تنجح الوساطات أو اللقاءات الثنائية في العمل على ترسيم الحدود، فيسعى السودان إلى الدخول في مفاوضات لوضع العلامات الحدودية وفقًا للترسيم الحدودي لاتفاقية أديس أبابا عام 1902، بينما ترفض أديس أبابا الدخول في المفاوضات قبل استعادة الأراضي قبل ديسمبر 2020، فيما وقعت إثيوبيا وبريطانيا على الاتفاقية وتم الاعتراف بها عام 1972، والترسيم الحدودي الفعلي في 2013 أثناء فترة حكم التيجراي.

واعتزمت إثيوبيا إنشاء قنصلية إثيوبية بمنطقة الفشقة عام 2014، وتم الحديث عن تشكيل لجنة لحماية الحدود بين البلدين في عام 2018؛ لحماية الحدود من الميلشيات، وهي الخطوة التي انتقدتها الميلشيات المدعومة من القوات الإثيوبية “الشفتة” بالتزامن مع وصول آبي أحمد إلى سدة الحكم في ظل الخلافات العرقية والحدودية بين التيجراي والأمهرة.

مسار مستقبلي في ظل دوافع داخلية

أحداث داخلية مضطربة: تتزامن الأحداث الحالية مع أزمات داخلية عدة في البلدين، فتشهد الدولة السودانية فتح جبهات اضطرابية عدة بدايةً من دارفور إلى مسار الشرق إلى رفض الآلية الثلاثية لحل الأزمة السياسية بين المكون العسكري في المجلس السيادي والقوي المدنية على رأسها قوى الحرية والتغيير وتجمع المهنيين السودانيين منذ إجراءات الجيش السوداني في 25 أكتوبر 2021، وحالة الاحتقان السياسي التي وصلت إلى الإعلان عن مظاهرات واسعة في 30 يونيو الجاري؛ مما يظهر الحاجة إلى وجود قضية وجودية قومية تستطيع الدولة الالتفاف حولها.

وعلى الجانب الإثيوبي، تشهد إثيوبيا حالة من الخلافات في ظل إعلان آبي أحمد في 14 يونيو الجاري عن “لجنة الحوار الوطني” مع جبهة تحرير التيجراي، في ظل نفيه الحديث مع الجبهة بشكل مباشر، مبينًا أن اللجنة ستخرج بتقارير سيتم الإعلان عنها، وهو ما ترفضه قومية الأمهرة والحليف الإريتري أسياس أفورقي. وتشهد القوات الإثيوبية كذلك مواجهات مسلحة مع ميلشيا فانو بإقليم الأمهرة واعتقال قادتهم، والصراع على مقاطعات العفر بين التيجراي والقوات الخاصة في ظل غياب القوات الفيدرالية من المشهد.

فجاء دعم المليشيات الإثيوبية في محاولة إلى استعادة ثقة الأمهرة العدو الأول لجبهة التيجراي والحليف الأول لآبي أحمد، مع تعميق الاتهامات لجبهة تحرير التيجراي التي ما زالت تفتح جبهات مسلحة مع الأمهرة والعفر لفرض شروط آبي أحمد على التيجراي عند التفاوض، ومحاولة جذب حلفائه السابقين من جهة أخرى، وتغيير الإدعاءات بأنه حليف الأورومو لتقييد الأمهرة.

ضغوط دولية: أدى تعليق أعمال اجتماعات الآلية الثلاثية في السودان بقيادة الأمم المتحدة والاتحاد الأفريقي والإيجاد إلى صعوبة في نيل ثقة الدائنين الدوليين، فعلقت مجموعة نادي باريس قرار إعفاء ديون السودان والمقدرة بنحو 64 مليار دولار؛ وهو ما يعد توقيفًا للمرحلة الثانية من عملية الإعفاءات، مما يؤثر على قرارات البنك الدولي والمنظمات الاقتصادية الدولية، في ظل ما تعانيه الدولة السودانية من ضغوط اقتصادية، في محاولة لحث الأطراف المختلفة في ظل عدم وجود حكومة معترف بها بحسب التصريحات الأممية. وهو ما دفع البرهان إلى الإعلان عن اللجوء إلى المنظمات الدولية لمحاولة إحداث نوع من الدعم الدولي في ظل الانتقادات التي تواجهها الحكومة السودانية، وانتزاع اعتراف دولي بالتعامل والتفاوض مع الحكومة الحالية.

في المقابل، تواجه إثيوبيا انتقادات أمريكية بارتكاب مجازر في إقليم أوروميا بحسب المتحدث الرسمي باسم الخارجية الأمريكية نيد برايس، هذا بجانب الاضطرابات في إقليم بني شنقول، والدعوة إلى نزع السلاح، في ظل قرار لجنة العلاقات الخارجية بمجلس الشيوخ الأمريكي بالموافقة على مشروع قانون السلام والاستقرار الإثيوبي لعام 2022، والذي يعطي الإدارة الأمريكية الحق نحو فرض مزيد من العقوبات ووقف المساعدات المالية والعسكرية، في الوقت الذي يسعى آبي أحمد فيه إلى تحسين صورته عالميًا لاستئناف تلك المساعدات. وبالتالي تقوم حكومة آبي بسياساته المعهودة في محاولة إحداث نوع من التقارب بين إرضاء حلفائه في الداخل، والتضليل في تصريحاته الرسمية لجذب تعاطف الخارج، وإرضاء المجتمع الدولي خاصةً عملية نزع السلاح.

وهو ما يضعنا أمام تحديات داخلية للطرفين قد تمنعهم من تعميق الأزمة الحالية وتزايد النزاعات وتحولها إلى حرب حدودية في ظل الأزمات السياسية والاقتصادية، مع استمرار المناوشات بين الطرفين، في مقابل قيام آبي أحمد بمحاولة تهدئة الجانب السوداني من خلال استمراره في حملة الاعتقالات الداخلية للميلشيات المسلحة التي تقف ضد أهدافه من قومية الأمهرة، ودعم التحركات على الأرض للمزارعين في مساومة خفية، وفي خطوة لتجنب تعميق التحالف بين التيجراي والقوات السودانية التي تستضيف مواطنيها على الأراضي السودانية، وعدم تصعيد الأمر إلى المجتمع الدولي الذي رحب مجددًا بالحوار الوطني الذي يطلقه آبي مع التيجراي، ومحاولة تحسين صورته وتجنب اتهامه بارتكاب جرائم حرب.

 

.

رابط المصدر:

https://marsad.ecss.com.eg/71097/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M