السياسة الخارجية الإيرانية – التركية في المنطقة وأثارها على الدول العربية: دراسة حالة (العراق-سوريا)

إعداد الباحث :  محمد عزام الزبير – المركز الديمقراطي العربي

 

الملخص :

منذ اندلاع شرارة انطلاق ما يعُرف باسم ثورات الربيع العربي شهدت دول المنطقة تحولات كبيرة سواء على صعيدها الداخلي أو الخارجي؛ فداخلياً تزعزع استقرار تلك الدول وتدهورت أحوالها الأمنية والاقتصادية نتيجة لسقوط أنظمة الحكم التي حكمت تلك الدول وحافظت على توازن المصالح فيها لعقود عديدة، وخارجيًا بدا أن تلك الظروف التي تمر بها المنطقة تشكل ظرفًا مثاليًا لتدخل دول وقوى أخرى إقليمية ودولية للتأثير في مسار تحول تلك الدول والحصول على أكبر قدر ممكن من المكاسب من تلك البيئة الجديدة. تلك النتيجة هي أوضح ما يكون في حالتي العراق وسوريا، ففي كليهما أدى ذلك إلى انهيار أو شبه انهيار سلطة الدولة القومية كليًا أو جزئيًا تاركة المجال للقوى الإقليمية للتلاعب بمصائر شعوب تلك الدول، وعلى رأس هذه القوى تأتي تركيا وإيران، والتي تحول دورهما تدريجيًا خلال السنوات القليلة الماضية من دور الداعم للوضع الراهن، إلى دور الوسيط، إلى دور دعم الجماعات والفصائل المسلحة المختلفة، ثم أخيرًا التدخل المباشر على الأرض. كل ذلك يجعل هذا من المهم التساؤل عن محددات وأبعاد هذه السياسات الإقليمية لهذين البلدين، فضلًا عن دوافعها والمصالح المرجوة من وراء إتباعها، وما هى الأثار والنتائج التي تنجم عنها. وهذه الإشكالية يناقشها البحث في إطار زمني محدد بالفترة ما بين 2011 و2018، مستخدمًا في ذلك اقتراب المصلحة القومية بمقولاته المختلفة كونه أصلح الاقترابات لتناول المشكلة قيد الدراسة؛ وذلك بهدف التوصل إلى أجوبة كافية عن التساؤلات المطروحة وتقديم ما قد يلزم من توصيات.

المقدمة  :

كان لاندلاع موجة الاحتجاجات التي أطاحت – أو زعزعت استقرار – عددًا من الأنظمة العربية أثر أبعد بكثير من مجرد إزاحة قادة وزعماء تربعوا على عروش بلدانهم لعقود طويلة، ففي بلدان مثل اليمن وسوريا وليبيا صاحب ذلك انهيار كامل أو شبه كامل لكل مقومات الدولة القومية وسلطتها وذلك مع انقسام جيوش تلك الدول على نفسها وانهيار مؤسساتها المالية والقضائية والتنفيذية. وحتى في الدول التي لم تشهد تغيرًا في رأس النظام الحاكم – مثل العراق – فقد سببت موجة الاحتجاجات في تلك الدول ضعف سيطرة الحكومات فيها على جميع أقاليم الدولة بشكل فعال، كما أن تلك الاحتجاجات غالبًا ما كان يتم اختراقها من قبل عناصر متطرفة تمهيدًا لتنفيذ أجندتهم الراديكالية. وأيًا كانت الأسباب الحقيقية للانهيار الذي أصاب تلك الدول فإن الثابت هو أن ما جرى أتاح الفرصة لقوى متعددة إقليمية ودولية للمجيء والسعي لتنفيذ أجندة مصالح معينة كل وفق رؤيته وأهداف ، وعلى رأس هذه القوى تأتي إيران وتركيا، والتي مثلت لهما بعض تلك المتغيرات والظروف فرصًا تسعى استغلالها أو مصادر يجب القضاء عليها، تلك المتغيرات شهدت تحول السياسة الخارجية لهاتين الدولتين تدريجيًا خلال السنوات القليلة الماضية من دور المراقب والداعي للاستقرار، إلى دور الوسيط بين أطراف الصراعات، إلى دور دعم فئات بعينها داخل الصراع حتى ولو استخدمت تلك الأطراف القوة المسلحة لتحقيق أغراضها المختلفة، ثم أخيرًا التدخل المباشر على الأرض بغية فرض أوضاع أو سياسات معينة بقوة الأمر الواقع. ومن الممكن عزو بعض ذلك وإرجاعه إلى عوامل متعددة مثل موقع تركيا وإيران الجغرافي الذي يحاذي المنطقة، وطبيعتهما السكانية والعرقية والدينية، وأخيرًا وليس أخرًا المضامين التاريخية لعلاقاتهما بالمنطقة الشرق الأوسطية بأكملها وهى كلها عوامل جعلت من التدخل المباشر لهاتين الدولتين في الشئون الداخلية لدول المنطقة مسألة وقت فقط وخصوصًا مع الوتيرة المتصاعدة التي سارت عليها الأحداث منذ 2011 وما تلاها.  وهنا يمكن التساؤل عما إذا كانت أن الانتهاكات التركية والإيرانية المستمرة لحدود وسيادة دول المنطقة[1]، والتي وصلت إلى حد دخول قوات الجيش التركي داخل الأراضي السورية والعراقية بعمق عشرات الكيلومترات وإقامة قواعد عسكرية في تلك المناطق، واستمرار الجمهورية الإسلامية في دفع أجندة تعتمد على زعزعة استقرار دول الخليج من خلال وسطاء لها في المنطقة، ليست فحسب وليدة الموقف أو مجرد رد فعل لحظي على حدث معين، بل هناك ما يدفع للاعتقاد بأن عوامل متعددة وراء تلك السياسات سوآءًا كانت تلك العوامل تهدف لتحييد مخاطر ما متوقعة من تلك الاتجاهات، مثل القضاء على الخطر الكردي بالنسبة لتركيا على سبيل المثال أو إضعاف وتشتيت حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة بالنسية لإيران، أو ممارسة دور إقليمي أكبر في مرحلة لاحقة بالنسبة لكلا البلدين أو حتى  تنفيذ  ما يمكن وصفه بأجندة استعمارية إقليمية معاصرة بشكل يتوافق مع تراث الدولتين الاستعماري القديم في المنطقة، وهو الأمر الذي على ما يبدوا مازالت أثاره تطفوا بين الحين والأخر في الخطاب السياسي للدولتين. كل هذا يدفع للبحث في الأسباب والعوامل الدافعة لتلك السياسات وما خلفته وما يمكن أن تخلفه من تبعات على المنطقة وبالتحديد الدول موضوع البحث.

إشكالية البحث:

كما سبق التوضيح، فإن السياسات المتبعة حاليًا من قبل إيران وتركيا تجاه المنطقة العربية لا يمكن وصفها بأنها قد جاءت نتيجة حدث واحد مفاجئ أو رغبة منفردة لصانع القرار التركي أو الإيراني، حيث أن تكوين أي سياسة خارجية فعالة، قبل أن توضع حتى موضع التنفيذ، هو نتاج لسلسلة من التفاعلات والتأثيرات المختلفة داخل وخارج النظام السياسي، وتتداخل هذه العوامل كلها في اتخاذ القرار بإتباع هذه السياسة أو تلك. علاوة على ذلك، فإن الأهمية الاستراتيجية للمنطقة والدول المعنية، بالإضافة إلى ما قد يترتب على تلك الأحداث من تداعيات جميعها تستدعى التساؤل عن البواعث الحقيقية – المعلنة وغير المعلنة – لهذه السياسات، فضلًا عن الأثار الناجمة عنها. بناءًا على كل ذلك فإن التساؤل الرئيسي لهذا البحث هو: ما هى محددات السياسة الخارجية الإيرانية والتركية وأثارها على العراق وسوريا؟

ومن هذا السؤال الرئيسي يمكن استقاء عدة أسئلة فرعية:

    • ما هى أبعاد السياسة الخارجية لكل من إيران وتركيا تجاه العراق وسوريا؟
    • ما هى المصالح والأهداف التي تأمل تركيا وإيران في تحقيقها من هذه السياسات؟
    • ما هي أشكال وادوات تطبيق هذه السياسات في العراق وسوريا؟
    • ما هى التبعات الناجمة عن إتباع هذه السياسات على الأطراف الفاعلة وعلى المنطقة ككل؟

منهجية البحث:

تقوم الدول ذات السلوك العقلاني بمراقبة محيطها الإقليمي المباشر والتطورات الجارية فيه، من حيث تصاعد أو أفول الفرص والتهديدات أو الأدوار المحتملة الجديدة، ومدى تأثير ذلك على نفوذها ومصالحها في المستقبل، ومن ثم تقوم بتعديل سلوكها واستراتيجيتها طبقًا لهذه المتغيرات. وانطلاقًا من هذا الافتراض، فإن البحث يعتمد بشكل رئيسي على اقتراب المصلحة القومية في تحليله للعوامل الدافعة للتدخل التركي في سوريا والعراق. يأتي هذا الاقتراب بشكل رئيسي من العالم السياسي الأمريكي «هانز مورجانثو» وتطويره للنظرية الواقعية في العلاقات الدولية، ويقوم الاقتراب على عدة افتراضات رئيسية من أهمها[2]:

  • السياسة الدولية صراعية بالضرورة والصراع من أجل القوة في نظام فوضوي (غياب السلطة المركزية) لا يترك للدولة أي خيار سوى الاعتماد على قدراتها الخاصة لضمان بقائها.
  • أمن الدولة هو العامل الأكثر أهمية في السياسة الخارجية للدولة، وستبذل الدول أقصى ما في وسعها للحفاظ على أمنها بوسائل متعددة، حتى لو دعت إلى التدخل في بلدان أخرى للمساعدة في الحفاظ على هذا الأمن.
  • يصعب تحديد المصلحة الوطنية بسبب الطبيعة المتضاربة للعلاقات الدولية.
  • يتم تحليل السياسة الدولية على أساس أن الدول تتصرف بعقلانية في تفاعلها مع بعضها البعض وتتخذ قرارات تخدم مصالحها العليا والتي توجه بشكل طبيعي نحو زيادة قدرة الدولة وقوتها.

وبالإضافة إلى ما سبق؛ يستخدم البحث كذلك جوانب من المنهجيين الوصفي والتاريخي لتحليل الموقف كما هو على الأرض واستنباط دلالاته التاريخية، بغرض خلق تحليل أكثر تكاملًا وتوافقًا مع الواقع.

أهمية البحث:

يتضمن البحث جانبين من الأهمية وهما:

  • الأهمية العلمية: حيث يغطى البحث موضوع الدور الإقليمي التركي والإيراني والذي يسعى للوصول إلى سياسة خارجية تتلاءم مع المتغيرات الدولية التي تشهد صعود مراكز قوى إقليمية متعددة، مما يساعد على إثراء المكتبة العربية في هذا الموضوع.
  • الأهمية العملية: حيث يحلل البحث الأساليب والطرق المختلفة وكذلك الأهداف والمصالح التركية والإيرانية، في دول النطاق البحثي، وتأثير تلك السياسات على دول المنطقة العرية وبالأخص العراق وسوريا، كما يعمل البحث على توفير رؤى استراتيجية لصانع القرار العربي في مواجهة ذلك التحدي الجديد للأمن القومي الإقليمي والعربي.

الإطار التطبيقي :

وتشتمل على الإطار الزماني والمكاني.

  • الإطار الزماني: يركز البحث على الفترة منذ اندلاع ثورات الربيع العربي في عام 2011 وانتهاءًا بالعام 2018، مرورًا بفترات سابقة على التواريخ السابقة بشكل عابر في حالات العودة لأمثلة ومنظورات تاريخية مختلفة.
  • الإطار المكاني: يشمل البحث دول منطقة الشرق الأوسط وبالتحديد تركيا، إيران، العراق، وسوريا.

الدراسات السابقة:

يمكن تقسيم تلك الدراسات إلى قسمين:

أولًا: دراسات تهتم بالسياسة الخارجية التركية والإيرانية تجاه المنطقة بشكل عام. وتكمن أهميتها في أنها تحدد عاصر القوة والضعف في السياسة الخارجية للبلدين، وأهم المصالح والأهداف الاستراتيجية التي يضعها صناع القرار نصب أعينهم. ومنها؛ دراسة معروف البخيت «الدور التركي والمتغيرات الإقليمية» (الأردن: مركز الرأي للدراسات الإقليمية 2011)، ودراسة إيمان دنى «الدور الإقليمي التركي في منطقة الشرق الأوسط بعد الحرب الباردة» (الاسكندرية: مكتبة الوفاء القانونية، 2015)، ودراسة عائشة آل سعد «محددات السياسة الخارجية الإيرانية» (قطر: المركز العرب للدراسات وأبحاث السياسات، 2015)، فضلًا عن دراسة الأستاذ أحمد نوري النعيم «السياسة الخارجية الإيرانية 1979-2011» (عمان: دار الجنان للنشر والتوزيع،2012).

ثانيًا: دراسات تعنى بالعلاقات وبالسياسات التركية والإيرانية تجاه سوريا والعراق وذلك في ضوء التطورات الأخيرة في المنطقة. ومنها دراسة سعيد عقيل محفوظ «العلاقات السورية-التركية: التحولات والرهانات»،) الدوحة: المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2012)، ودراسة محمد كريم جبار «تركيا والتدخل العسكري في العراق»، (برلين: المركز الديمقراطي العربي، 2016). فضلًا عن دراسة معمر فيصل خوري «التغلغل الإيراني في العراق الدوافع والأشكال وأدوات التأثير» (العراق: مركز الروابط للبحوث والدراسات الاستراتيجية، 2016)، ودراسة طارق دياب «الوجود الإيراني في سوريا: اتفاقات ومسارات» (مصر: المعهد المصري للدراسات،2018).

تقسيم البحث:

تنقسم الدراسة إلى ثلاثة مباحث وخاتمة وذلك على النحو التالي:

المبحث الأول: تاريخ وخصائص السياسة الخارجية التركية والإيرانية تجاه سوريا والعراق

  • المطلب الأول: خصائص السياسات التركية تجاه سوريا والعراق
  • المطلب الثاني: خصائص السياسات الإيرانية تجاه سوريا والعراق

المبحث الثاني: الدوافع والمصالح القومية للسياسات التركية والإيرانية

  • المطلب الأول: الأهداف والمصالح التركية
  • المطلب الثاني: الأهداف والمصالح الإيرانية

المبحث الثالث: أدوات السياسات التركية والإيرانية في سوريا والعراق وتداعياتها

  • المطلب الأول: التداعيات على سوريا
  • المطلب الثاني: التداعيات على العراق

المبحث الأول –  تاريخ وخصائص السياسة الخارجية التركية والإيرانية تجاه سوريا والعراق

يناقش هذا المبحث الخصائص المختلفة التي سارت عليها سياسات إيران وتركيا تجاه دول العراق وسوريا منطلقًا من بحث سماتها التاريخية وتأثيرات هذا التاريخ على واقع السياسات الحالي وكيف ساهمت في تشكيلها.

 

المطلب الأول: خصائص السياسات التركية تجاه سوريا والعراق

وينقسم هذا المطلب إلى جزئين كما يلي:

سوريا: كانت سوريا، مثل غيرها من أراضي الشرق الأوسط، تحت الحكم العثماني التركي لفترة تزيد عن الأربعة قرون، وطوال هذه المدة كانت علاقة سوريا بإسطنبول هى علاقة التبعية بوصفها ولاية من ولايات الدولة العثمانية. وفي أواخر فترة الحكم العثماني للمنطقة والذي شهد ضعف السلطة المركزية التركية، بدأ الحس القومي بالظهور والنمو في الإقليم السوري، حتى إنه عندما دخلت قوات الثورة العربية سوريا 1917 وتلتها بعد ذلك قوات الانتداب الفرنسي بعد انهاء الحرب العالمية الأولى، كان الشعور القومي السائد هو الاستقلال بسوريا كبلد قائم بذاته بعيدًا عن السلطنة العثمانية. ولكن حقيقة أن البلدين كانا يتشاركان حدود مشتركة طويلة، بالإضافة لوجود أقليات ومصالح تركية على الجانب السوري من الحدود عنى أن تركيا لم تكن لتتجاهل سوريا أو ترضى بخروجها من نطاق المصالح والهيمنة التركية، وهو الأمر الذي سيعود ليطفوا مرات أخرى في السنوات التي تلت ذلك في العلاقات بين البلدين. لذا، وفي تاريخ 9 أيلول/ سبتمبر 1936 وقعت فرنسا وسوريا اتفاقية تقضي باعتراف فرنسا بسوريا موحدة ولكن باستثناء لبنان، بعد إعلان فرنسا هذه الاتفاقية أبدت تركيا اعتراضها الشديد وقدمت شكوى إلى عصبة الأمم بحجة وجود أكثرية تركية في الإسكندرونة “هاتي”، ويجب أن تكون هاتي تابعة لتركيا وليس لسوريا، بعد ظهور هذه النقاشات استثنت فرنسا هاتي من الانضمام لسوريا. وبتاريخ 2 أيلول/ سبتمبر 1938 توصلت عصبة الأمم وفرنسا وتركيا إلى الإجماع على استقلال هاتي، وبتاريخ 23 حزيران/ يونيو 1939 أجمع المجلس البرلماني الخاص بهاتي على الانضمام لتركيا، وانتهت هذه المشكلة أو هذا الخلاف عن طريق كسب تركيا لهده الجولة وضمها لهاتي داخل حدودها.

وفي دراسة خاصة للباحثة في مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية “توتشا طانري أوفار” بخصوص العلاقات بين سوريا وتركيا وخاصة مشكلة الماء الخاصة بنهري دجلة والفرات التي طفت على السطح خلال فترة الخمسينيات. تشير الباحثة إلى أنّ التطور العلمي والمدني خلال الفترة الخمسينيات في كلا الدولتين أدى إلى رفع الحاجة إلى المياه والطاقة بشكل كبير، كما أنّ الزيادة السكانية المرتفعة زادت كذلك من الطلب على المياه. هذان العاملان فتحا التنافس بين تركيا وسوريا بشكل كبير على المياه، خاصة تركيا، التي تُعد منبع النهرين[3].

عملت تركيا على بناء الكثير من السدود المنتجة للطاقة والمخزنة للمياه، ومن هذه السدود سد “كبان” الذي تم إنشاؤه ما بين عامي 1960 ـ 1973 وسد “كارا كايا” الذي تم إنشاؤه ما بين عامي 1973 ـ 1987. وفي عام 1983 قررت تركيا بناء سد جنوب شرق الأناضول “غاب” هذا المشروع والسدّان المذكوران زادا من تخوفات سوريا بما يخص كمية المياه التي كانت تتدفّق إليها من نهري دجلة والفرات، خاصة سد غاب الذي كان سيخفض من كمية المياه المتدفقة لسوريا بنسة 29 بالمئة. حُلت مشكلة المياه بين تركيا وسوريا عبر اتفاقية التعاون التي وُقعت بين الدولتين عام 1987، حيث تعهدت تركيا بزيادة كميات المياه المتدفقة لسوريا وزيادة هذه الكمية بشكل أكبر وقت حاجة سوريا لذلك[4].

المشكلة الثالثة وهي مشكلة الأمن والإرهاب. يشرح هذه المشكلة ويوضحها الباحث في مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية “خليل إبراهيم تشيليك”، حيث يوضح تشيليك أن هذه المشكلة بدأت في الثمانينات، حيث استخدمت سوريا الإرهاب كسلاح مضاد ضد تركيا التي خالفت القوانين الدولية وقللت من حصة سوريا من النهرين.

فبعد تقليل تركيا لكمية المياه المتدفّقة الخاصة بسوريا، اتجهت الأخيرة لدعم المجموعات الإرهابية المستهدفة لتركيا مثل “حزب العمال الكردستاني” “بي كي كي” و”أصالة”. ونال بي كي كي بشكل خاص دعمًا لوجستيًا وماديًا كبيرًا من سوريا، حيث أقام زعيمه “عبد الله أوجولان” لفترات طويلة في دمشق وأنشأ في سوريا مخيمات تدريبية عسكرية لقوات “حزب العمال الكردستاني” ممّا أدى إلى تدهور العلاقات بين الدولتين بشكل كبير.

انتهت هذه الأزمة بعد تهديد تركيا لسوريا بالتدخل العسكري، ولإثبات جديتها في الأمر حشدت قواتها البرية والجوية على الحدود السورية، لتقوم سوريا على الفور تجنبًا لحرب محتملة بإخراج عبد الله أوجلان من أراضيها بتاريخ 9 تشرين الثاني/ نوفمبر 1998 وإيقاف الدعم المادي والتدريبي للقوات المسلحة الخاصة بتنظيم حزب العمال.

المشكلة الرابعة والأخيرة هي مشكلة المحاور التي تنتمي لها الدولتان. لكن قبل هذه المشكلة، شهدت العلاقات بين الدولتين مرحلة ازدهار، فبعد تبني تركيا لسياسة تصفير المشاكل مع دول الجوار وقدوم بشار الأسد على رأس الحكم في سوريا حيثُ نظر إليه البعض على أنّه أكثر اعتدالًا مقارنة بأبيه، تطورت بين الدولتين العلاقات السياسية والاقتصادية والثقافية والاجتماعية، حيث تم رفع تأشيرات السفر الخاصة بالمواطنين من كلا البلدين، ووُقّعت عدة اتفاقيات اقتصادية تنموية بين وأصبح هناك برامج تعليمية مشتركة كبيرة وكثيرة.

ولكن يشير الباحث في مركز “بول ستفتينج” للأبحاث السياسية الألماني “إبراهيم بالجي” إلى أن “هذه العلاقات لم تدم، إذ إنه بعد انطلاق الثورة السورية، تبين أن الطرفين يتبعان لمحورين مختلفين ومتناقضين في المنطقة؛ حيث اتضح أن زعيم النظام السوري “بشار الأسد” يتبع وبكل إخلاص للمحور الشيعي الذي تقوده إيران، في حين تتبع تركيا أو “تقود” المحور السني في المنطقة. كما أن دعم تركيا المادي والمعنوي والإنساني الكبير للثوار ومهاجمتها الإعلامية الواضحة لنظام الأسد زاد من تدهور العلاقات بين الدولتين وأصبحت إمكانية تصالحهما أكثر من مستحيلة.[5]

لم تكن العلاقات التركية السورية جيدة ومتطورة في يومٍ من الأيام، إلا ما بين عامي 2006 و2011، ولكن هذه العلاقات أيضًا لم تدم كثيرًا. يتضح مما سبق أن الأزمة القائمة بين الدولتين في الوقت الحالي ليس وليدة العصر بل كان للعوامل التاريخية تأثيرات هامة عليها.

العراق: خضع العراق لسلطة الدولة العثمانية لمدة خمسة قرون، وفي مطلع القرن العشرين ومع انهيار الدولة العثمانية إثر خسارتها في الحرب العالمية الأولى ومع قيام الثورة العربية الكبرى، خرج العراق من سلطة العثمانيين ليسقط تحت الانتداب البريطاني. ومنذُ تأسيس تركيا الحديثة عام 1923 ، وحتى الآن اتسمت العلاقات العراقية التركية بطبيعتها المُتغيرة. وعمومًا يمكن القول بأن العلاقات بين البلدين حكمتها ثلاث قضايا محورية وهي (قضية الحدود – قضية المياه – قضية الأكراد). وإجمالًا مرت العلاقة بين البلاد بعدة مراحل حكمتها تلك القضايا ولكن السمة الأساسية كانت دائمًا الطبيعة المتقلبة لهه العلاقات.

تمتد العلاقات بين البلدين الجارين على مدى مئات السنين منذ دخول الدولة العثمانية للمنطقة العربية في القرن السادس عشر، وقد تبدلت العلاقات وتحولت بشكل كبير وفق المتغيرات على طرفي المعادلة. وإذا ما استثنينا الفترة العثمانية وركزنا على العلاقات في العهد الحديث، لأمكننا القول إنه قبل وصول حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا وعلى مدى عشرات السنين، تركزت النظرة التركية للعلاقات مع العراق على الهواجس الأمنية المتعلقة بالخوف من التدخلات الخارجية واستثمارها لبعض التناقضات والملفات الداخلية للتأثير على وحدة البلاد، وهي ما يسميه بعض المؤرخين “عقدة النشأة” للجمهورية التركية والتي ما زالت تحملها معها حتى اليوم[6]  .

فقد بنيت العلاقات البينية مع العراق لعقود طويلة على محددات وأسس تتعلق بقضايا أمنية، في مقدمتها ضبط الحدود وتقليل خطر حزب العمال الكردستاني الذي خاض منذ 1984 حرباً انفصالية ضد الدولة التركية من ناحية، والخلافات حول حصص المياه من نهري دجلة والفرات تحديداً باعتبارها مسألة أمن قومي للطرفين من ناحية أخرى، إضافة إلى أرضية الخصومة والعداء بين الطرفين باعتبار انتماء كل منهما إلى أحد المحورين المتصارعين على الساحة الدولية في فترة الحرب الباردة.

السمة البارزة في سياسات تركيا ما قبل العدالة والتنمية تجاه العالم العربي هي التجاهل أو إدارة الوجه بالكلية نحو الغرب اهتماماً وسياسة واقتصاداً. بيد أن العلاقة مع العراق تخللتها في تلك السنوات – التي يقع أغلبها خلال فترة الحرب الباردة – ثلاث محطات مهمة اختلفت عن هذا السياق وقاربت فيها تركيا المشهد العراقي واشتبكت معه مباشرة، أولاها إنشاء حلف بغداد عام 1953 بعضوية كل من تركيا والعراق وبريطانيا وإيران وباكستان بفكرة من الولايات المتحدة الأمريكية لصد التمدد الشيوعي في منطقة الشرق الأوسط والذي لم يكتب له النجاح أو الاستمرار طويلاً. وثانيها الحرب العراقية – الإيرانية 1980- 1988 التي انتهجت فيها أنقرة سياسة الاحتواء المزدوج لكلا الطرفين بالتنسيق مع الولايات المتحدة.

وأما الثالثة فهي حرب الخليج الثانية 1990 – 1991، التي استثمرتها تركيا بقيادة “تورغوت أوزال” لإعادة تأكيد أهميتها للمنظومة الغربية حتى بعد انتهاء الحرب الباردة رغم المعارضة الداخلية الشديدة التي أدت لاستقالة بعض الوزراء. سمحت أنقرة باستخدام قوات التحالف الدولي لأراضيها كما شاركت قوات تركية في العمليات العسكرية، إلى جانب الدعم اللوجستي الذي قدمته تركيا ودعمها لعملية “توفير الراحة” المتعلقة بحماية أكراد شمال العراق رغم انعكاساتها السلبية عليها بسبب ضعف سيطرة الحكومة المركزية على أطراف البلاد وما نتج عن ذلك من هجمات حزب العمال الكردستاني على تركيا وقيام إقليم كردستان العراق رغماً عنها، وهو ما دفعها في بعض المراحل إلى التعاون مع صدام حسين لمواجهة حزب العمال.

يعتبر ملف المياه أحد أهم أسباب التوتر في العلاقات بين تركيا والعراق تاريخياً، ورغم خفوت حدة الخلاف حوله مؤخراً إلا أنه يبقى عامل توتير قائم يتفاعل مع الأحداث الأخرى أو يفعّلها، باعتباره يتعلق بالأمن القومي للمنطقة وللدول الثلاث المشتركة بها كلا على حدة: تركيا والعراق وسوريا. أنشأت البلاد الثلاثة عام 1980 لجنة فنية ثلاثية مشتركة بغرض بلورة حل توافقي يرضي ثلاثتها فيما يتعلق بحصص المياه اعتماداً على مواد القانون الدولي ذات الصلة، بيد أن الواقع العملي يبدو أبعد ما يكون عن الحل التوافقي ورضى الأطراف إذ ما زالت قضية المياه مدار نزاع وخلاف بين العراق وسوريا من جهة وتركيا من جهة أخرى[7] .

وقد كان لمشروع جنوب شرق الأناضول GAP)) الذي يشمل مشاريع وسدوداً عدة على دجلة والفرات تأثيرات سلبية على كل من العراق وسوريا، أهمها تراجع نسبيتهما من مياه دجلة والفرات وتأثر جودة هذه المياه من ارتفاع نسبة ملوحتها والاستخدام الزائد للكيماويات فيها فضلاً عن تعلق الأمر بالأمن القومي للبلدين العربيين.

يمكن اعتبار استلام حزب العدالة والتنمية الحكم في تركيا عام 2002 نقطة تحول في العلاقات التركية – العراقية، وإن كان الحزب لم يقم بثورة جذرية على مجمل السياسة الخارجية السابقة لبلاده تجاه المنطقة ككل والعراق بخاصة. وقد اعتمدت السياسة التركية تجاه العراق على مبدأين أساسيين هما مواجهة تهديد حزب العمال الكردستاني لها وانطلاق عملياته من شمال العراق حيث معسكراته في جبال قنديل، وتأكيدها على أهمية التوازنات الديمغرافية والسياسية في العراق وحمايتها لا سيما فيما يتعلق بالأقلية الكردية[8] .

ولكن التحدي الأكبر للعلاقات التركية – العراقية في عهد العدالة والتنمية لم يتأخر كثيراً، فكان الغزو الأمريكي للعراق في آذار/مارس 2003 أي بعد أشهر قليلة فقط من تشكيله الحكومة. وقد قدم الحزب الحاكم للبرلمان التركي مسودة قرار للسماح للقوات الأمريكية باستخدام أراضيه في العمليات العسكرية لكن البرلمان رفض مشروع القرار، وهي الحادثة التي ظلت القيادة التركية تعتبرها خطأ أخرجها من إمكانية المشاركة في رسم مستقبل العراق وتركها خارج دائرة التأثير منذ ذلك الحين.

ورغم ذلك فقد بذلت الحكومة التركية جهوداً كبيرة قبل وبعد الحرب لدعم أمن الجار العراقي واستقراره ووحدة أراضيه، حيث اقترحت تأسيس مجموعة “دول الجوار العراقي” التي شكلت في يناير 2003، كما نسجت علاقات متوازنة وودية مع الأطراف العراقية المختلفة، إلا أن المتغيرات في المشهد العراقي لاسيما السياسات الإقصائية من الحكومات العراقية المتتالية جعلتها أقرب لسنة العراق من غيرهم، فتواصلت معهم وطورت العلاقات الثنائية مع رموزهم وتياراتهم وشاركت في محاولات إشراكهم في العملية السياسية ودمجهم فيها[9].

حرصت تركيا على مدى السنوات الماضية في علاقاتها مع جارها العراقي على التأكيد على أهمية وحدة أراضيه ورفض سيناريوهات التقسيم لئلا تتأثر هي أيضاً بها، وعلى الالتزام بأمنه واستقراره كمصلحة استراتيجية للطرفين وحافزاً لتطوير العلاقات الاقتصادية والتجارية بينهما. إلا أن العلاقات البينية لم تسر دائماً بسلاسة بل تخللتها بعض الأزمات مثل هجمات حزب العمال الكردستاني ضد الأراضي التركية، والتي ترد عليها أنقرة دائما بعمليات عسكرية في الشمال العراقي.

المطلب الثاني: خصائص السياسات الإيرانية تجاه سوريا والعراق

وينقسم هذا المطلب إلى قسمين على نفس النحو السابق:

سوريا : تعود العلاقات السورية الإيرانية في سياقها الراهن إلى العام 1979، وهو العام الذي تأسست فيه الجمهورية الإسلامية في إيران على يد الإمام روح الله الخميني. أما منظر هذه العلاقات، وواضع فلسفتها فهو محمد حسين منتظري مؤسس الحرس الثوري الإيراني. وكان محمد منتظري (أو منتظري الابن) أحد الكوادر التي عملت تحت ظلال الخميني حين كان في منفاه بالعراق، وكان يُعرّف على أنه تلميذ نجيب له. وقبل انتصار الثورة الإيرانية، مثل منتظري الابن همزة الوصل بين الخميني وعدد من القوى السياسية في الساحة العربية، بينها حركة التحرر الوطني الفلسطيني (فتح). وكانت لدى منتظري الابن رؤية مفادها أن الثورة الإيرانية الوليدة لا يُمكن أن تقف على قدميها إلا بالارتكاز إلى منظومة وثيقة من التحالفات مع كافة القوى التي تشاركها الأهداف الأساسية، وأن هذه التحالفات تُعد جزءاً من الثورة ذاتها. وكانت لدى هذا السياسي الشاب جملة يرددها على نحو دائم تقول: “ثورة مستمرة لا دولة مستقرة”.
وعلى خلفية رؤيته هذه، تحرك منتظري الابن لوضع اللبنات الأولى لعلاقات إيران مع عدد من الدول الموصوفة حينها بالراديكالية في الوطن العربي، بما في ذلك سوريا وليبيا واليمن الجنوبي، فضلا عن حركة فتح. وكان يحظى في تحركه هذا بدعم من الخميني وبقية القادة التاريخيين للثورة الإيرانية، مثل المرشد الحالي آية الله علي خامنئي، والرئيس الأسبق الشيخ هاشمي رفسنجاني. نجحت المحاولة سريعاً في إقامة روابط خاصة مع ليبيا، في حين لم يكتب لعلاقات إيراني بالجنوب اليمني إلا القليل من النجاح[10].

من ناحيتها، بدت سوريا حالة مختلفة عن التجربتين الليبية واليمنية الجنوبية، وكان لموقعها الإستراتيجي في الشرق الأوسط إيحاءاته الخاصة في حسابات طهران.  لقد تقاطرت الوفود الإيرانية على دمشق طارحة الكثير من التصوّرات الداعية في مجملها إلى إقامة روابط خاصة ومتقدمة، وذلك بعد أسابيع فقط من انتصار الثورة الإيرانية. وكانت تلك البداية. في سبتمبر من العام 1980، اندلعت الحرب العراقية الإيرانية، لتفرض تحديا غير محسوب على هذه العلاقات. وهذا التحدي، لم يتبد في السياق الثنائي للعلاقات السورية العراقية، بل في سياقها القومي العام، يومها، كانت العلاقة بين دمشق وبغداد قد عادت لنقطة الصفر، أو قريباً من ذلك، حيث أطاح صدام حسين، بالرئيس أحمد حسن البكر، وقام بعملية تصفية شملت كوادر كبرى بحزب البعث الحاكم في العراق، بينها الوزيران محمد عايش وعدنان حسين. انسحب العراق من ميثاق العمل القومي المشترك، متذرعًا بمؤامرة تحاك من دمشق، وكان هذا الميثاق في جوهره بين دولتين، ولم يكن بين جناحي البعث في سوريا والعراق، أو لنقل لم يكن بين القيادتين القوميتين للحزب في دمشق وبغداد. تدهورت العلاقات بين القطرين بوتيرة متسارعة. وبدت الظروف ضاغطة بشدة على السياسة السورية في الكثير من المحاور والجبهات. وصارت الحرب العراقية الإيرانية تلقي بظلها الثقيل والخطر على هذه السياسة.

جاء الإيرانيون إلى دمشق، وفداً بعد آخر، يشرحون تطوّرات الأحداث ومقدماتها، وسياقها السياسي، لكنهم لم يطلبوا دعماً أو عوناً عسكرياً، لإدراكهم بحساسية الموقف وخطورته. وعلى خلاف ما قد يعتقد البعض، فإن الحرب العراقية الإيرانية لم تُمثل عامل دفع للعلاقة بين دمشق وطهران، بل قوة كابحة لها، كما جلبت الحرب قدراً متعاظماً من الأخطار على سوريا. نتيجة لظروف الحرب الضاغطة، لم يكن بمقدور إيران تطوير تفاعلات اقتصادية واجتماعية متقدمة مع أي من القوى المصنفة في خانة أصدقائها، بمن فيهم سوريا.  قادت البيئة السياسية والأمنية التي أفرزتها سنوات الحرب إلى ظهور سياسة محاور واستقطاب في الساحة العربية، عبرت عن نفسها خصوصا بتشكيل مجلس التعاون العربي، الذي دفع باتجاه عزل سوريا من جهة، وتحييد القوة العراقية من جهة أخرى. في سياق مواز، دفعت الحرب العراقية الإيرانية إلى خروج العراق قوة عسكرية متقدمة في الشرق الأوسط لديها قدر متعاظم من الخبرات القتالية، لكنها ترزح تحت وطأة أزمة اقتصادية قوية وخانقة. وفي ضوء هذا الواقع ونتيجته، أصبحت الكويت الوجهة الجديدة للجيش العراقي. وهنا، كان غزو الكويت إحدى النتائج الكبرى للحرب العراقية الإيرانية ذاتها. إنها حرب أنتجت أخرى. في المشهد الجديد، تغيرت مواقع اللاعبين. وفي هذا التغير، كانت العلاقات الإيرانية السورية أمام امتحان آخر. لقد تفاجأ الإيرانيون بإعلان سوريا نيتها المشاركة في حرب الخليج الثانية، واعتقدوا للحظة أن علاقتهم بها سوف تنهار أو تنكمش، بيد أن شيئاً من ذلك لم يحدث. وفي العام 1991، صدر “إعلان دمشق” الذي قضى في أحد بنوده بمرابطة قوات سورية ومصرية في الخليج. وما إن تناهى إلى مسامع الإيرانيين نبأ هذا الإعلان حتى استشاطوا غضبا، ونددوا بما حدث، وأرسلوا وفودهم إلى كل حدب وصوب. بعض هذه الوفود سمع من السوريين قولا بدد قسطا من هواجسه، فما كان منه إلا أن قابلهم بالقول إن الغضب والاعتراض على إعلان دمشق لا يرتبط بالسياسة السورية، بل المصرية. وعند هذه النقطة انتهت زوبعة إعلان دمشق في شقها المرتبط بالعلاقات الإيرانية السورية، كما أن هذا الإعلان نفسه لم يُعمر سوى برهة من الوقت، نال فيها كل طرف بعضاً من مراميه، وتخلى عن الكثير من أمانيه[11].

اعتباراً من مطلع التسعينيات، بدأت العلاقات الإيرانية السورية تتجه نحو مرحلة جديدة، متأثرة بطيف عريض من تحولات البيئة الجيوسياسية الإقليمية والدولية. أولى هذه التحولات، تمثلت في انهيار الاتحاد السوفياتي، حيث خسرت سوريا حليفها التاريخي، الذي ارتكزت عليه في مشروعها الأمني والاقتصادي. وفي الوقت ذاته، أدى سقوط الاتحاد السوفياتي، وانهيار الثنائية القطبية، إلى تقليص هامش المناورة السياسية أمام إيران، وجعلها أكثر إحساساً بالضغوط الغربية. ثاني التحولات، تجسد في حرب الخليج الثانية، وما تبعها من انتشار عسكري أميركي واسع في منطقة الخليج العربي، رأت فيه إيران تهديداً كبيراً لأمنها القومي. ومن ناحيتها، لم تكن سوريا رابحة من حرب الخليج، رغم مشاركتها الرمزية فيها، فهذه الحرب أنهت قوة العراق العسكرية وحيدته إستراتيجيا، وكشفت الجبهة الشرقية، واستتباعا كشفت سوريا. وفي السياق ذاته، لم تكن التداعيات السياسية للحرب، بما فيها مؤتمر مدريد للسلام عام 1991، عامل تعزيز لفرص المناورة أمام السياسة السورية، بل عامل ضغط عليها. ثالث التحولات، تجسد في الغزو الأميركي للعراق عام 2003. وقد وضع هذا الحدث كلا من سوريا وإيران على فوهة بركان. وكانت الدولتان هدفاً لاحقاً في مساره، وفق ما تقوله الآن المذكرات والوثائق المتداولة. وعلى الرغم من أن سوريا وإيران تبنتا مقاربتين مختلفين للتعامل مع الغزو الأميركي للعراق، إلا أنهما اشتركتا في الشعور بالخطر المحدق، غير الافتراضي أو بعيد المدى. على خلفية التطورات الكبرى هذه، تسارعت وتيرة التعاون السوري الإيراني، واتسع نطاقه، ليشمل جملة عريضة من القضايا الثنائية والإقليمية. على الرغم من أن سوريا وإيران تبنتا مقاربتين مختلفين للتعامل مع الغزو الأميركي للعراق، إلا أنهما اشتركتا في الشعور بالخطر المحدق، غير الافتراضي أو بعيد المدى” وفي هذا الإطار برز التعاون العسكري، الفني والتقني بين الدولتين، وخاصة على صعيد الصناعات الصاروخية. وتشير التقارير الغربية والإسرائيلية المتاحة إلى أن هذا التعاون قد بدأ فعلياً بدعم سوري للبرامج الإيرانية الناشئة، قبل أن تصبح إيران داعما رئيسيا للتصنيع العسكري السوري عامة، والصاروخي خاصة.  وقد ارتدى هذا التعاون مدلولا جيوسياسيًا، مع الدعم الإيراني السوري المشترك لحزب الله في لبنان، حيث نقلت سوريا عمليا تجربتها الصاروخية للحزب. وأخيرا، يُمكن القول إن التحول الأكثر أهمية في مسار العلاقات السورية الإيرانية قد حدث مع اندلاع شرارة التظاهرات في درعا، في مارس/آذار من العام 2011. عند هذه النقطة، تحوّلت سوريا، بالنسبة لإيران إلى رهان جيوسياسي.

العراق: تعتبر العلاقة بين العراق وإيران من أقدم العلاقات تاريخيا، فهي ليست وليدة العصر الحديث، بل هي صراع موروث من حقبة سابقة، في وجوه متعددة منه صراع. عربي فارسي او مذهبي سني شيعي هذا الخلاف كان موجودا طول عمر التاريخ الإسلامي. غير ان ذلك لا ينفي حقيقة ان العلاقات العراقية الإيرانية، شهدت فترة من الانفراج والتحسن نتيجة الاتصالات المتبادلة والمفاوضات المباشرة لكنها سرعان ما تنهار عقب حصول تغيرات داخلية سواء في العراق او في إيران، اضافة إلى تأثيرها بتطورات الاحداث السياسية في المنطقة. ففي 1937م وقع البلدين اتفاقية متعلقة بشط العرب، والتي فسختها إيران فيما بعد في عام 1969 بعد انسحاب العراق من حلف بغداد والذي جاء بعد ممارسة نظام الشاه في إيران نشاطا تخريبيًا واسعا ضد الجمهورية العراقية.

وفي عام 1979، وهو العام الذي اندلعت فيه الثورة الاسلامية في إيران، وهي نفس السنة الذي تولى فيه صدام حسين زمام الحكم في العراق، وبدا الطرفان في تراشق الاتهامات قبل ان تستقر اوضاع البلدين. وبرغم من ذلك أرسل العراق اعترافه بالنظام الإيراني الجديد ومؤملا فيه التعاون ضمن مبادئ حسن الجوار، وتنفيذ الالتزامات التي ترتبت على اتفاقية عام 1975وخصوصاً ما يتعلق بتسليم الأراضي العراقية لسلطات العراق إن هذه الخطوة قد سجلت البداية الحقيقة لازمة الثقة لدى العراقيين تجاه النظام الإيراني الجديد الذى أخل بمبادئ حسن الجوار بإطلاقه للتصريحات المتكررة بعدم التزامه بالاتفاقية وعدم إعادة الأراضي العراقية، وتصريحاتهم باعتبار العراق جزء من أملاك الدولة الفارسية، ومناداتهم بتصدير الثورة ، مع التدخلات المستمرة فى الشئون الداخلية العراقية ومهاجمة السفارة العراقية فى طهران من قبل جماهير ايرانية بشكل متكرر ، وقد سبب كل ذلك فى توفر أساس قانونى لإلغاء اتفاقية الجزائر التى لم يحترمها النظام الايرانى. وفي عام 1980 قامت الحرب العراقية الايرانية والتي عرفت بحرب الخليج الاولى في سبتمبر 1980 حتى اغسطس 1988، واسفرت عن نحو مليون قتيل، وخسائر مالية تقارب 400 مليار دولار امريكي.[12] كانت العلاقة بين البلدين قبل الثورة الإسلامية متدهورة بالفعل لأن الشاه كان يساعد على نقل الأسلحة الأمريكية والإسرائيلية إلى أكراد العراق ،وحتى بعد سقوط الشاه لم تتحسن العلاقات الإيرانية العراقية ، حيث شارك أنصار آيه الله الخمينى فى تمويل حزب الدعوة الاسلامية ،وهو تنظيم شيعي عراقي معارض لسيطرة السنة على سياسة العراق تحت حكم الرئيس صدام حسين ،وحرصت إذاعة طهران على مطالبة شيعة العراق بمقاومة الحكومة العراقية حتى بوسائل العنف اذا اقتضى الأمر ذلك، وكانت بغداد مقتنعة بأن هناك محرضين إيرانيين فى المدن الشيعية الرئيسية النجف وكربلاء والكوفه والبصرة ،يقفون وراء المظاهرات الحاشدة للشيعة التى رفعت صوراً ضخمة للخمينى والزعماء الدينيين الشيعة .

كانت المرحلة التالية هي مرحلة الغزو العراقي للكويت عام 1990. وقد تفاجئت إيران باستيلاء العراق على الكويت خلال الساعات الأولى من صباح يوم الخميس الموافق2 اغسطس 1990، فالإيرانيون كانوا ضد العراق، لكن أيضا لم يكونوا مع الكويت خصوصاً أن الكويت قدم دعماً أساسياً إلى العراق إلى الحد الذى اعتبرته إيران بأنه إعلان حرب ضدها، وبالتالي فان احتلال الكويت كان يضر بالتوازن الإقليمي للمنطقة وإعطاء العراق منفذ أكبر على الخليج وتدعيم اقتصاده بالسيطرة على نفط الكويت.

وكانت إيران أكبر المستفيدين فقد أدت تلك الأزمة فميزان القوى اختل لصالح إيران ولما كانت السياسة السعودية فى أمن الخليج هو الحرص الدائم على توازن إيراني عراقى بحيث لا تسيطر أى من الدولتين على منطقة الخليج، وأيضاً كانت دول مجلس التعاون الخليجى فى مواجهة مع العراق، فإن المملكة العربية السعودية ركزت على تثبيت الدور الإيرانى من خلال استئناف العلاقات الدبلوماسية معها.

شهدت المرحلة اللاحقة لسقوط الإتحاد السوفييتي فترة جديدة في علاقات البلدين؛ فبعد أن نجحت إيران فى انتزاع دور اقليمى فاعل ومؤثر وأيضا تفعيل سياسة الحوار مع وصول الرئيس محمد خاتمى الذى فتح مجالات واسعة للسياسة الخارجية الإيرانية لإزالة التوتر واحداث نوعا من الإنفتاح على العالم الخارجى ،ودخلت العلاقات العربية مع إيران مرحلة جديدة ، وقد بدأت إيران تستند فى رؤيتها على قاعدة المصالح المشتركة وحسن الجوار وإحترام وتطوير العلاقات الإقتصادية والتجارية والثقافية، حتى جاءت أحداث 11سبتمبر 2001فى الولايات المتحدة الأمريكية ، واعلنت واشنطن أن كلاً من إيران والعراق وكوريا الشمالية من دول محور الشر، لتزيد من دوافع التعاون الحذر بين إيران والعراق. وبشكل عام، فقد صبت تداعيات أحداث الحادي عشر من سبتمبر في مصلحة النفوذ الإيراني في المنطقة[13]. فبسبب الحرب على الإرهاب، استطاعت إيران التخلص من طالبان، والنظام العراقي في فترة لا تتجاوز السنتين. إضافة إلى ذلك، فُتحت الأبواب لإيران لتصدير إنتاجها المحاصر إلي كل من أفغانستان والعراق، مما أنعش الاقتصاد الإيراني، وخلق لطهران أجواء ملائمة للتأثير في المنطقة. وبالتالي، أتاحت الحرب علي الإرهاب فرصاً متعددة أمام إيران للتوغل في المنطقة، ولكن هذه الفرص لم تنتجها سياسة إيرانية مقصودة بقدر ما خلقتها تداعيات السياسات الأمريكية في المنطقة، واعتماد العرب الدائم علي واشنطن. ولكن قدرة إيران علي زيادة نفوذها في المنطقة صاحبتها خسارة علي مستوي الرأي العام العربي، حيث كشفت لقاعدة كبيرة من المعجبين السابقين بالنموذج الإيراني طبيعتها كدولة طائفية.

فرض الدور الإيرانى نفسة على الساحة العراقية منذ الاحتلال الأمريكى للعراق عام 2003،ولهذا فإن فاعلية الدور الإيراني فى العراق ليس محصلة لقوة إيران فقط ،وإنما جاء نتيجة لمتغيرات داخلية واقليمية ودولية مهدت الطريق لهذا الدور ولهذا تبدو المرحلة الحالية الاكثر اهمية بالنسبة للدور الإيراني فى العراق ،وخصوصاً بعد سيطرة “تنظيم الدولة الاسلامية” المعروق ب “داعش” على عدة مدن فى محافظات وسط وشمال العراق، ومنها مناطق محاذية للحدود العراقية-الإيرانية ، فكانت هذه الأزمة بمثابة فرصة جديدة لإيران التى أصبحت الفاعل الأهم فى تقرير واقع ومستقبل العراق ،فنجد أن الأصابع الإيرانية تتغلغل فى كل مؤسسات الحكم والإقتصاد والامن ،ولم تعد ايران تجد أى حرج فى الاعلان عنه صراحة ، حيث كشف التصريح الذى صدر عن السيد على يونسى مستشار الرئيس الايرانى حسن روحانى للشئون الدينية والاقليات يوم الاحد 8 مارس 2015 عن حقيقة الطموح الإيرانى فى العراق حيث قال يونسى “إيران عادت إلى وضع الإمبراطورية كما كانت طوال تاريخها مؤكدا أن بغداد عاصمة هذه الامبراطورية ،وأن جغرافية إيران والعراق غير قابلة للتجزئة لذا يجب أن نتحد لنقاتل معاً فى إشارة واضحة الى الوجود العسكرى الإيرانى فى العراق تحت غطاء تصدى ومحاربة تمدد داعش. فمنذ سقوط صدام حسين حاولت إيران استخدام المذهبية للتأثير على السياسة الإيرانية من خلال العمل مع الأحزاب الشيعية ودعم الجماعات المسلحة الشيعية فى العراق لإنشاء دولة فيدرالية شيعية يهيمن عليها الشيعة وتكون منصاعة للنفوذ الإيرانى ،وسعت إيران إلى توحيد الأحزاب الشيعية فى العراق لكى تتمكن هذه الأحزاب من تعزيز السيادة الشيعية ،وشجعت طهران أقرب حلفائها وهم ”فيلق بدر” و ”المجلس الأعلى الإسلامى فى العراق” و ”حزب الدعوة الإسلامية” والتيار الصدرى على المشاركة فى الحياة السياسية والمساعدة فى تشكيل المؤسسات الناشئة فى العراق. وقد ظهرت المذهبية بقوة من خلال دعم ايران لحلفائها المحليين فبداية أنشئ “المجلس الاعلى الإسلامي فى العراق” من قبل مغتربين عراقيين فى ايران عام 1982وكان مقره العاصمة الايرانية حتى عودة هؤلاء الى العراق فى عام 2003 وأما المليشيا التابعة له “فيلق بدر” فقد قام “فيلق الحرس الثورى الإيرانى بتدريبها والسيطرة عليها وقاتلت إلى جانب القوات الايرانية خلال العرب بين العراق وإيران ،وبعد عام 2003دخل الالاف من رجال ميليشيا بدر من ايران الى جنوب العراق للمساعدة فى تأمين جزء من البلاد وفى وقت لاحق تم دمج العديد من مقاتلى فيلق بدر إلى قوات الامن العراقية وخاصة الجيش والشرطة الوطنية فى عام[14]2009.

وفى عام 2012انشقت منظمة بدر عن المجلس الأعلى الإسلامى وبعد سقوط الموصل بيد تنظيم الدولة الإسلامية “داعش” وتزعمت منظمة بدر وقائدها هادى العامرى الحملة العسكرية ضد تنظيم داعش مما عزز الى حد كبير من صورة المنظمة السياسية على الصعيد الداخلى ومنذ عام2015 أصبح هادى العامرى أحد اقرب حلفاء طهران. أما حزب الدعوة الاسلامية الذى تاسس فى اواخر الخمسينات فقد تمتع بدعم إيرانى مستمر، وبعد 2003 انضم حزب الدعوة إلى العملية السياسية ولكنه كان يفتقر إلى وجود ميليشيا مسلحة، وقد اختير زعيمه نورى المالكى من قبل المجلس الأعلى الإسلامى والتيار الصدرى كحل وفاقي لرئاسة الوزراء فى عام2005 وبعد انتخابات2014 تم استبدال نورى المالكى بحيدر العبادى كرئيس للوزراء وهذا الأخير أيضاً من حزب الدعوة الإسلامية. وقد ظهر التيار الصدرى كقوة رئيسية فى السياسة العراقية والشارع العراقى منذ عام 2003واستغل زعيمهم مقتدى الصدر اسم عائلته بصفته الإبن الوحيد لأية الله محمد صادق الصدر الذي اغتيل فى عام 1999كما ان خطابه الشعبوى المناهض للولايات المتحدة الامريكية عززت من تأييده بين الفقراء فى المناطق الشيعية الحضرية، وقد فر إلى إيران فى عام2007 لتجنب استهدافه من قبل القوات الأمريكية والعراقية وعاد إلى العراق فى عام 2011 واستمر فى لعب دور هام فى السياسة العراقية.

تناول هذا المبحث بمطلبيه السمات والمراحل التاريخية البارزة التي مرت بها علاقات إيران وتركيا مع كل من العراق وسوريا وخلص المبحث إلى أن الواقع الجيوسياسي للبلدان سابقة الذكر وتراث بعضها الاستعماري السابق فالمنطقة فضلًا عن تشابك الخطوط الدينية والمذهبية فإن كل ذلك قد أدي إلى ما يقرب من حتمية تدخل تلك الدول في شئون بعضها اعتمادًا على لحظات قوتها وسطوتها أو لحظات ضعف وتدهور الطرف الأخر.

المبحث الثاني –  الدوافع والمصالح القومية للسياسات التركية والإيرانية ووسائل تطبيقها

يتناول هذا المبحث بالتحليل العوامل المختلفة التي تدفع كل من إيران وتركيا إلى التدخل المستمر في شئون العراق وسوريا ومدى تعلق ذلك فعلاً بمصالح الأولين القومية من عدمه. هذا التحليل يتطلب بالضرورة تحديد الأدوات المستخدمة في ممارسة هذا النوع من السياسة الخارجية تجاه البلدين العربيين.

المطلب الأول: الأهداف والمصالح التركية:

وينقسم كالتالي:

سوريا  : ساهمت جملة من العوامل في دفع تركيا إلى التدخل مباشرة في الصراع السوري، بعضها مرتبط بالوضع الداخلي التركي السياسي والأمني، وبعضها الآخر مرتبط بالوضعين الإقليمي والدولي وتغير علاقة تركيا بالقوى المؤثرة في الموضوع السوري. ويمكن تقسيم تلك العوامل على النحو التالي:

الأسباب الداخلية  

  • السيطرة على الجيش: اتسمت السياسة التركية تجاه سورية، منذ بداية الأزمة في مارس 2011، بالتردد وغياب الحزم. ويتضح اليوم بجلاء أنّ هذا التردد كان مرتبط إلى حد كبير بموقف المؤسسة العسكرية والعلاقة معها. وتلقي مشاركة قادة الجيشين الثاني والثالث في المحاولة الانقلابية الفاشلة ضد حكومة العدالة والتنمية في منتصف يوليو الماضي، وهما المسؤولان عن حماية الحدود الجنوبية والشرقية مع كل من سورية والعراق وحتى إيران، بعض الضوء على خلفيات إحجام الحكومة التركية عن التدخل عسكر يا في سورية. كما بات واضحًا أنّ الجيش كان يقاوم خلال الفترة الماضية كل طلبات الحكومة بالتدخل في الصراع السوري، بذريعة أنه لا يستطيع فعل ذلك من دون دعم أميركي أو غطاء من الناتو، وهو أمر غدا فعلًا غير ممكن بعد التدخل العسكري الروسي في سورية في سبتمبر 2015. كانت المحاولة الانقلابية الفاشلة، وردات الأفعال الشعبية والسياسية على الدماء التي سفكت خلالها، فرصة استغلها الرئيس أردوغان لتطهير الجيش واحكام سيطرته عليه. وتمثّل العملية العسكرية الأخيرة في سورية دليلًا مهمًا على أنّ الحكومة التركية المنتخبة باتت في موقع يمكنها من قيادة الجيش وإخضاعه لتوجهاتها وسياساتها[15] .
  • توقع تركيا لموجات مستقبلية كبيرة من اللجوء نحو حدودها في حال فتحت جبهة حلب على مصراعيها، وهو ما تعتبره أنقرة سلاحاً تتقصد روسيا – والنظام – استعماله في مواجهتها.
  • استمرار سريان تفويض البرلمان التركي للحكومة والجيش بعمليات عسكرية خارج الحدود.
  • توفر تأييد داخلي لتدخل مفترض للحكومة في سوريا خصوصاً فيما يتعلق بمواجهة الفصائل الكردية المسلحة وحماية التركمان، ممثلٍة بحزب الحركة القومية المعارض (إضافة للحزب الحاكم) وجزء مهم من الرأي العام التركي، فضلًا عن غياب أي خلافات أو تناقضات في مؤسسات السلطة التنفيذية بوجود حكومة متجانسة من حزب واحد ومتفقة في الرأي مع الرئيس، وخصوصًا بعد إزاحة قيادات الجيش المعارضة للرئيس بعم محاولة الإنقلاب الفاشلة في يوليو 2016[16].

الأسباب الخارجية:

  • تنامي التهديدات الأمنية القادمة من سورية: استثمرت حكومة العدالة والتنمية حال الاستياء الشعبي من التهديدات الأمنية التي أخذ يمثّلها بصفة متزايدة كل من تنظيم الدولة “داعش” وحزب العمال الكردستاني (PKK) للقيام بعملية عسكرية تؤدي إلى وقف حملة التفجيرات التي يتعرض لها الداخل التركي انطلا قًا من الأراضي السورية. وقد جاءت العملية العسكرية الأخيرة ردًا من الحكومة التركية على محاولات استضعافها، وتبديدًا لكل انطباع بأنها مشغولة بمعالجة تداعيات الانقلاب الفاشل وأنها غير قادرة حاليًا على الرد. كما اكتسب التدخل التركي غطاء من الشرعية بصفته يمثل حالة دفاع عن النفس في مواجهة تهديدات داعش وحزب العمال الكردستاني.[17]
  • ضعف الموقف الأميركي: أدى غياب الحزم في موقف إدارة الرئيس أوباما من المحاولة الانقلابية الفاشلة إلى إضعاف موقفها في مواجهة المطالب التركية، والتي كان على رأسها تسليم الداعية فتح الله غولن المقيم في ولاية بنسلفانيا الأميركية. وقد ذهبت الحكومة التركية إلى حد التهديد بمراجعة تحالفها الأمني والعسكري مع واشنطن، إذا لم تقم بتسليم غولن. وبما أنّ إدارة الرئيس أوباما لا تملك تسليم غولن من دون قرار من القضاء الأميركي، وجدت واشنطن التي لا تريد خسارة الدعم التركي الحيوي في مواجهة تنظيم الدولة، أن تطلق يد تركيا في مناطق غرب الفرات في مواجهة كل من تنظيم الدولة والأكراد. وكان ملفتًا أنّ العملية العسكرية التركية بدأت صباح اليوم الذي وصل فيه نائب الرئيس الأميركي جو بايدن إلى تركيا، إذ دعا من هناك قوات حماية الشعب الكردية إلى الانسحاب إلى شرق الفرات ، تحت طائلة فقدان الدعم الأميركي الذي تلقته غرب النهر لإخراج تنظيم الدولة من مدينة منبج. وبذلك كان لرفع الفيتو الأميركي عن التدخل التركي في سورية دور مهم في دفع تركيا إلى العمل ضد كل من تنظيم الدولة وقوات الحماية الكردية، مع أنّ واشنطن مازالت تتحفظ عن إنشاء منطقة آمنة شمال سورية، كما تطالب أنقرة. وكانت واشنطن تحدّت تركيا ومصالحها في سورية بإصرارها على دعم الأكراد واعتمادهم على وكلاء محليين في محاربة تنظيم الدولة، بدلًا من فصائل المعارضة السورية التي رشحتها تركيا للقيام بهذه المهمة. وقد قدمت واشنطن كل أنواع الدعم لوحدات حماية الشعب الكردية بما فيها إسقاط الأسلحة لها من الجو، كما قام جنرالات أميركيون، بمن فيهم الجنرال جوزيف فوتيل، قائد القوات المركزية الأميركية في الشرق الأوسط، بزيارة الأكراد في شمال شرق سورية، ما أعطاهم جرعة كبيرة من الثقة والشعور بأهمية الدور المناط بهم، وهو أمر أثار حفيظة الأتراك. إضافة إلى ذلك، بدت الولايات المتحدة مرتبكة من تطور العلاقة الروسية الإيرانية، بعد استخدام سلاح الجو الروسي قاعدة همدان العسكرية في إيران. وهي لا تبدو في وضع يسمح لها بالاستغناء عن حلفاء في المنطقة، وذلك بعد أن بدأت تدرك احتمال خسارة الرهان على إيران الذي ساهم في تحديد سياسة أوباما في المنطقة خلال السنوات الأخيرة[18].
  • المماطلة الأمريكية والغربية في إسقاط نظام الأسد: ظلت تركيا لسنوات تدعم الثورة السورية، أملاً في تكريمها على أنها دولة راعيةً للإنسانية، وبالتالي تستحق التكريم من قبل المجتمع الغربي “الراعي للإنسانية والديمقراطية”، والذي لن يرتاح في نومه دون إسقاط الأسد، لكن العوامل الواقعية التي ظهرت للسطح، كانت أقوى من طموح تركيا في نيل مكافأتها، وربما الأسباب التي وقفت وراء المماطلة الغربية هي ظهور المنظمات الإرهابية جراء حالة فراغ السلطة التي نتجت عن ضعف نظام الأسد، وحصول الولايات المتحدة على موطئ قدم في شمال شرقي سوريا الذي يسيطر عليه حزب الاتحاد الديمقراطي، وعلى ما يبدو اكتفت الولايات المتحدة التي حُرمت دوماً من قاعدة عسكرية في سوريا، تستطيع من خلالها احتواء النفوذ الروسي هناك، وبالتالي أضحت تصب تركيزها على البقاء على تلك المنطقة، لإدارة سوريا بالتعاون مع روسيا ودون الإمعان في توسيع نطاق فراغ السلطة. بالإضافة إلى رغبة الإدارة الأمريكية في التوصل إلى اتفاق مع إيران، يمكن لها من خلاله تفكيك التكتل الروسي الصيني الإيراني، لا سيما في ظل اقتناعها أنه من الصعب تنحية نظام الأسد في ظل الدعم الروسي والإيراني المكثف، لذا رأت أن التقارب من إيران قد يُبقي على نفوذها في سوريا ويوسعه، ويضعف النفوذ الروسي، وهو ما يمكنها من توسيع النفوذ دون خسائر عسكرية جمّة. وتنامي المخاطر المهددة لإسرائيل التي اقنعت الولايات المتحدة، على ما يبدو، بضرورة بقاء نظام الأسد. هذا غير تغيُّر مسار سلم الأولويات بالنسبة للولايات المتحدة عقب انخفاض الأهمية الاقتصادية لمنطقة الشرق الأوسط، نتيجة تدني أسعار النفط بشكل ملموس، وصعود الصين السياسي والاقتصادي البرّاق الذي أرغم أمريكا على نقل ثقلها الاستراتيجي من الشرق القريب إلى الشرق البعيد. فضلًا عن تنامي عدد وقوة القوى المحلية الرديفة لدول القطب الروسي الإيراني، الأمر الذي تولد عنه من عجز لتركيا وجماعات القوات المسلحة الأخرى عن صدها، وأقنع الولايات المتحدة بضرورة اتخاذ أسلوب جديد تجلى في تسريع عملية الاتفاق مع إيران، ودعم حزب الاتحاد الديمقراطي “الكردي” المضاد للمصلحة القوية التركية.
  • التقارب مع الروس: وضع التدخل العسكري الروسي في سورية يوم 30 أيلول / سبتمبر 2015 نهاية لإمكانية قيام تركيا بفرض المنطقة العازلة التي طالما سعت إلى اقناع واشنطن بها في شمال سورية، لكن إسقاط الطائرة الروسية التي دخلت المجال الجوي التركي يوم 24 تشرين الثاني / نوفمبر 2015 أغلق سماء سورية في وجه الطيران التركي فوق الأراضي السورية. وعلى الرغم من أنّ تركيا داومت على قصف قوات حماية الشعب الكردية بالمدفعية لمنعها من التمدد على طول الحدود الجنوبية، خاصة غرب النهر انطلا قًا من عفرين باتجاه اعزاز والمناطق التي تسيطر عليها المعارضة السورية، فإنّ نتائج القصف كانت محدودة في المجمل. إذ استمر الأكراد في ظل دعم أميركي روسي مشترك من السيطرة على المزيد من الأراضي سواء شرق الفرات أو غربه. ومع توجه الرئيس التركي إلى إنهاء القطيعة مع روسيا، خاصة بعد المحاولة الانقلابية الفاشلة، تمكن من تحييد الموقف الروسي في الصراع مع الأكراد. وفور وصوله إلى سانت ببطرسبورغ، استقبلت موسكو أردوغان بإغلاق مكتب التمثيل التابع لحزب (الاتحاد الديموقراطي الكردي) وهو الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني الذي تعدّه أنقرة حزبًا إرهابًيا. وكانت موسكو سمحت لهذا الحزب بفتح مكتب تمثيلي في موسكو، بعد أزمة إسقاط الطائرة، ليواكب دعمها السياسي والعسكري لهذا الحزب في سورية وحتى داخل تركيا نفسها. لقد اتضح أنّ تعامل روسيا، وبقية الدول العظمى في حقيقة الأمر، مع القضية الكردية هو تعامل أداتي غير مبدئي، وليس أفضل من تعاملها مع العرب[19].
  • منع قيام دولة كردية: ويعد ذلك هو الدافع الرئيسي للتدخل العسكري، سياسياً، ويتمثل بمنع قيام دولة كردية؛ بوصفها المهدد الأول للأمن القومي التركي، وهو ما يجمع عليه الأتراك بمختلف توجهاتهم، باستثناء جزء من الأكراد، ولذا فهو يعزز فرص حزب العدالة الحاكم في الانتخابات الشاملة العام القادم. وكان طول أمد العملية، وسقوط جنود أتراك قتلى، قد تسبب بإثارة جدل بين حزب الشعب التركي المعارض، وحزب العدالة والتنمية الحاكم وحليفه حزب الحركة القومية؛ حول جدوى التدخل التركي في شمالي سوريا. وترى الحكومة التركية ضرورة الحد- ما أمكن- من حصول الفصائل الكردية على أي من المقومات التي قد تعزز إمكاناتها العسكرية والمادية على الأرض، وتجريدها من المكاسب السياسية التي حصلت عليها خلال السنوات الأخيرة منذ عام [20]2011.
  • الأكراد نقطة تلاقي مصالح تركية – إيرانية: بالتوازي مع إصلاح العلاقة مع روسيا، كانت تركيا اتجهت إلى إصلاح علاقاتها مع إيران، إذ تمثّل سورية نقطة خلاف جوهرية بين الطرفين. وكانت التصريحات الروسية والأميركية الأخيرة التي تحدثت عن إمكانية تقسيم سورية، أو في الحد الأدنى إنشاء فيدرالية يتمتع فيها الأكراد بقدر كبير من الاستقلالية، قد أثارت قلق أنقرة وطهران، ودعت الطرفين إلى تكثيف مشاورتهما بشأن سورية بهدف تقريب المواقف. وكانت إيران صعدت من هجماتها على قواعد الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيران، وغيره من الفصائل الكردية ذات التوجهات الاستقلالية المتركزة في شمال العراق، وذلك ردًا على تصاعد هجمات هذه الفصائل في الداخل الإيراني. ويفسر ذلك عدم صدور أي ردة فعل إيراني سلبي على التدخل العسكري التركي المباشر في شمال سورية، مع أنّ طهران اعتادت على إبداء انزعاجها من السياسات التركية في سورية، ولطالما سلطت حلفاءها لمهاجمة تركيا على أي تدخل عسكري سواء في سورية أو العراق، كما حصل في “بعشيقة” قرب الموصل عندما أقامت تركيا معسكرات لتدريب قوات البشمركة لمحاربة تنظيم الدولة في ديسمبر الماضي. وعلى الرغم من أنّ خارجية النظام السوري أصدرت بيانا صحافيًا تندد فيه بالتدخل العسكري التركي في شمال سورية بصفته “اعتداء على السيادة السورية”، فإنّ النظام السوري نفسه قام، خلال الأيام التي سبقت التدخل التركي في سورية، بقصف مواقع وحدات حماية الشعب الكردية في مدينة الحسكة، بصفتها “منظمة إرهابية تابعة لحزب العمال الكردستاني”، بعد أن كانت هذه الوحدات تصنف في خانة حلفاء النظام.
  • تقديم نموذج تركي مختلف: بدا الأتراك خلال عملية (غصن الزيتون) حريصين على تقديم نموذج ثلاثي الأبعاد (أمن وتعايش وتنمية)؛ بهدف إزالة الصورة السلبية عن الحرب، وتفنيد تهمة الاحتلال وتبعاتها، وخلق قابلية للتدخل مستقبلاً في المناطق المجاورة، ومناطق الصراع، متمثلة في محدودية الكلفة البشرية والمادية، وإشراك جميع العرقيات في إدارة المنطقة، وإعادة الإعمار والتنمية، حاشدين عناصر من القوة الناعمة؛ تتمثل في حملات الإغاثة، وتنظيم الزيارات للوفود الفنية والرياضية للمناطق الحدودية. وقد ركز الخطاب الرسمي التركي على المقارنة بين حجم الخسائر الناتجة عن عملية غصن الزيتون، التي خاضها الجيش التركي مع الجيش السوري الحر، التي وصفوها بالمحدودة، وما أحدثته حرب التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة ضد تنظيم الدولة (مدينة الموصل العراقية نموذجاً)، وكذلك آلة القتل الروسية الإيرانية وقوات نظام بشار الأسد بحق ساكني المدن السورية، وخاصة (مدينة حلب). ويراهن الأتراك على تقديم نموذج من الأمن والاستقرار، وإشراك جميع المكونات العرقية في إدارة منطقتهم، وإحداث تنمية فيها، ويبدو حتى اللحظة قدرة الأتراك على تقديم النموذج[21].

أخيرًا يمكن القول أن العملية العسكرية التركية حتى الآن تبدوا محدودة، وينحصر هدفها الرئيس في إبعاد تنظيم الدولة عن الحدود التركية، ومنع وحدات حماية الشعب الكردية من ملء الفراغ الذي يخلفه انحسار التنظيم، ومن ثم السيطرة على الشريط الحدودي مع سورية خاصة في مناطق غرب الفرات. كما تمثّل اختبارًا لقدرة الحكومة التركية على قيادة المؤسسة العسكرية واخضاعها للسلطة المدنية، وتحقيق حالة من التوازن بين الدعم الأميركي المشروط، وغض الطرف الروسي المقصود، وتوافق المصالح مع إيران للحد من تطلعات الأكراد الاستقلالية في الوقت نفسه. يمكن القول إن دوافع التدخل العسكري التركي في شمالي سوريا بعد فترات من التردد ضرورية على المدى القصير، واستراتيجية على المدى المتوسط والطويل، ففي الحالة الأولى مكنها التدخل العسكري من تحييد المهددات السياسية والأمنية على الأمن القومي، الناتجة عن سيطرة الأجنحة العسكرية للأحزاب الكردية بأهدافها السياسية المتمثلة بإقامة كيان كردي، وقد زاد الدعم الدولي للقوات الكردية من قلق تركيا، فتحركت لإزالة جزء منه، وتسعى لاستكمال المهمة حتى الحدود العراقية.

وفي الحالة الثانية تتمثل الدوافع (الاستراتيجية) باستحضار فائض القوة الاقتصادية والعسكرية المتصاعدة، والتطلعات السياسية في استراتيجية تركيا ما بعد 2023، وما حققته تركيا من حضور عسكري في الخارج، واستقطابها للطلاب، ونشر اللغة التركية من خلال المنح السنوية التي تقدمها الحكومة والمراكز الثقافية المنتشرة في كثير من الدول، والتركيز على النموذج التركي في التدخل، فمن المتوقع أن تزداد الثقة والشهية التركية بالانتشار خارج الحدود، وخاصة في القوات البحرية، وستزاوج تركيا بين الدور التنموي والشراكات الاقتصادية مع إضفاء عسكرة على السياسة الخارجية التركية.

العراق   : خلافًا لسوريا، فإن التدخل التركي في العراق اتخذ شكلًا أكثر سرعة وأقل تمهيدًا مقارنة بالحالة التركية التي مرت – كما ذكرنا – بعدة مراحل منذ انطلاق الثورة السورية ودعم تركيا للمعارضة ضد بشار الأسد انتهاءًا بالتدخل العسكري المباشر على الأرض. رغم ذلك يمكن تحديد بعض المؤشرات أو المقدمات لذلك التدخل كما يلي.

أولًا: مقدمات التدخل التركي في العراق:

  • وجود قوات تركية في العراق، وتحديداً في الموصل، حيث تتمركز في معسكر “زيلكان” بالقرب من بلدة بعشيقة شمال شرقي الموصل، وهي عبارة عن ثلاثة أفواج بواقع مئة وخمسين جندياً، تصحبهم عشرون دبابة، وهذا يعني أن تركيا على معرفة بجغرافية الموصل السياسية والعسكرية، ولديها دراسة وافية عن إمكانية التدخل العسكري واستحقاقاته.
  • العلاقة التي تربط تركيا بإقليم كردستان، الذي يرحب بأي تدخل تركي في العراق، وهو ما سيسهل لتركيا دخولها ومدها بكل ما تحتاجه من الدعم المعلوماتي واللوجستي والفني.
  • عمدت تركيا إلى تأهيل قوات سنية تابعة لمحافظ نينوى السابق “أثيل النجيفي” على مستوى التدريب والتجهيز، والدعم الفني واللوجستي، وهذا يعني أن هناك قوات حليفة لها من أهل الأرض.
  • الإرث التاريخي للموصل، إذ تَعُد تركيا الموصلَ -مركز محافظة نينوى -جزءاً منها، وتابعاً لها، وأنها انتزعت منها انتزاعاً بالمعاهدة التي أبرمت مع بريطانيا في 1926 بعد أن كانت تابعة لها بحكم الدولة العثمانية لقرون.
  • موافقة الولايات المتحدة الأمريكية على التدخل التركي في قضية الموصل، وتجري محادثات بين مسؤولين عراقيين وأمريكيين لتنسيق عملية التدخل التركي، ولتكون بموافقة الحكومة العراقية، ومن المتوقع أن يناقش الرئيس التركي خلال وجوده حالياً في واشنطن هذا الملف مع الأمريكان[22].

ثانيًا: دوافع وأهداف التدخل التركي:

منذ توغل القوات التركية والتحليلات تتباين حول مبررات هذا الفعل غير القانوني والذي انتهك السيادة العراقية و لم يحترم جميع المواثيق الدولية ومبادئ حسن الجوار. مما أدى إلى تصاعد الضغوط المحلية والإقليمية والدولية حول هذا الفعل التركي، مما جعل الأخيرة تبرر هذا التوغل بشكل رئيسي على أنه قد جاء  من اجل القضاء على تنظيم (داعش) الإرهابي وتصحيح الظروف التي أدت إلى ظهوره. ترى تركيا إن دخول القوات التركية للأراضي العراقية جاء لدعم أعمال التحالف الدولي الذي تشكل من أجل مكافحة تنظيم (داعش)، ولتقديم الدعم أيضا لنضال العراق الذي كلن يقع ثلث مساحة أراضيه وقتها تحت احتلال هذا التنظيم.  غير إن للبيئة الإقليمية المحيطة وما تبعها من تفاعلت وتطورات دور بارز في تشكيل الحافز لدى صانع القرار التركي في صياغة السلوك السياسي الخارجي الهادف والمؤثر لتحقيق المصالح التركية في هكذا بيئة إقليمية غير مستقرة يعاد إنتاج وتوزيع النفوذ فيها، سواء على المستوى الدولي أو الإقليمي. لهذا كان للتوغل التركي مجموعة دوافع وأهداف وطموحات جيوستراتيجية آنية ومستقبلية في هذا التوغل يمكن تصنيفها على النحو التي[23]:

  • الأمن القومي التركي: ان تركيا دائما ما تضع في سلم أولوياتها الإقليمية عاملن مهما الأول يتعلق بحجم المخاطر الإقليمية المحيطة بها، والثاني يتعلق بتحقيق المكاسب اقتصادية و الحفاظ على الهيبة الوطنية. لهذا فإن السبب الرئيس للتدخل التركي في العراق هو الذي يتعلق بحجم المخاطر الإقليمية المحيطة بها، والثاني يتعلق بتحقيق المكاسب الاقتصادية و الحفاظ على الهيبة الوطنية. لهذا فإن السبب الرئيس للتدخل التركي في العراق هو احتواء مخاطر كبيرة تهدد أمنها القومي بصورة مباشرة لاسيما بعد سيطرة تنظيم (داعش) 40% من الأراضي العراقية عقب سقوط الموصل في يونيو 2014 وتوسعه باتجاه محافظتي صلح الدين والنبار. لهذا برزت المخاوف من استمرار تنظيم (داعش) في التوسع والوصول إلى الحدود التركية لما لذلك من مخاطر على الأمن الداخلي والاجتماعي لتركيا. كما يأتي التهديد الذي تواجهه تركيا من تنظيم (داعش) على خلفية دخول تركيا في التحالف الدولي، وتصاعد حدة العداء بعد سماح تركيا بعبور مقاتلين أكراد من كردستان العراق عبر الأراضي التركية للقتال إلى جانب الأكراد في عين العرب “كوباني” السورية القريبة من الحدود التركية. وفي أعقاب تفجيرات “سروج” في ولية أورفة على الحدود السورية في يوليو 2015؛ أعدت تركيا حملتها ضد التنظيم بعد الأتفاق على خطة مشتركة بين الرئيس الأميركي باراك أوباما والرئيس التركي رجب طيب أردوغان في إطار عمليات التحالف الدولي.  لهذا جاء التوغل من اجل إحباط أي مخطط من ذلك التنظيم يهدف إلى إقامة أي توسع مستقبلي باتجاه كردستان وتركيا.
  • وفي نفس السياق تأتي قضية أخرى تؤرق الأكراد وهى القضية الكردية: حيث أن السياسة التركية تجاه العراق لا تزال تتلخص في التخوف التركي من المشروع الكردي في العراق ومن القدرة على إقامة نظير له في سوريا مما سيؤدي إلى انعكاسات خطيرة في الداخل التركي. إذ يؤدي هذا الملف دورا كبيرا في تقلبات التوجهات التركية تجاه الحكومة العراقية وحكومة إقليم كردستان. وهذا ما أكد عليه الباحث (تورونك) بأن حملة تركيا ضد مقاتلي حزب العمال الكردستاني في شمال العراق مرتبط بالحراك السياسي الداخلي الرامي إلى حل مشكلة “المسالة الكردية” لمنح الأكراد الحكم الذاتي في الجنوب الذي سيعزز بفضل إدراج مدينة كركوك الغنية بالنفط إلى الإقليم الكردي العراقي. لهذا يعمل هذا التدخل على إضعاف النفوذ الاقتصادي والسياسي للقوى الكردية العراقية، كذلك يعمل على تشتيت التمركز الديموغرافي الكردي، وذلك لأن إقليم كردستان العراق أصبح قاعدة لتمركز الحركات التركية الموجودة في تركيا وسوريا وإيران، وأصبح يشكل ملاذا آمنا للحركات الانفصالية الكردية التي تستخدم الإقليم للتدريب منطلقا لتنفيذ الهجمات[24].
  • الوقوف بوجه الدور الروسي الجديد في المنطقة: يعتقد إن التحرك التركي في العراق جاء ردا على تعزيز الوجود العسكري الروسي في سوريا وتمسكها بخيار النظام السوري لقيادة سوريا ما بعد أزمة (داعش)، فضلًا عن تعزيز نشاط التحالف الروسي – الإيراني في المنطقة. حيث أدركت تركيا أنها كانت من بين الأهداف السياسية لتدخل روسيا العسكري في سورية؛ إذ أضحت تخشى من أن يكرس هذا التدخل الوجود الروسي طويل المدى في جنوبها؛ ما يعزلها عن العالم العربي، ويمنع تواصلها مع دول الخليج العربية، وينهي دورها في المنطقة، وربما يدعم وجود كيان كردي مستقل بجوارها. كما تدرك تركيا أن هذا التدخل جاء بعد أن بدأت تتبلور خطط تنفيذ المنطقة الأمنة، فسارعت روسيا إلى منع تحقيق أفضلية تركية في سورية، وعملت على تأسيس قاعدة جوية جديدة في ريف اللاذقية مجهزة وقابلة للتوسع؛ لتصبح ربما قاعدة متقدمة دائمة ومشرفة على سورية وتركيا وشرق المتوسط. لذلك فإن تسلسل الأحداث الإقليمية والدولية جعل تركيا إمام مفترق خطير اوجب عليها اتخاذ خطوات جادة للدفاع عن أمنها القومي و دورها في تحالفاتها الاستراتيجية. الأمر الذي دفعها للتصرف في المنطقة الرخوة في الإقليم العراقي والتي تعد خارج سيطرة الحكومة العراقية وتقع تحت سيطرة تنظيم (داعش). و يرى البعض إن هذا التدخل وفي هذا التوقيت ما هو إلا رد عاجل و سريع لنتشار القوات الروسية في سوريا وقطعها للطريق إمام إي تدخل إقليمي محتمل لإقامة مناطق عازلة داخل سوريا على القرب من الحدود التركية لخنق النظام السوري ودعم المعارضة السياسية لإسقاطه، وبهذا تحقق تركيا هدفين: الأول في إسقاط النظام السوري، والثاني في إخراج روسيا من دائرة التوازنات الاستراتيجية في الشرق الاوسط. وبذلك، تستخدم أنقرة قواتها العسكرية الخاصة لتظهر عدم استعدادها للتراجع في إطار التنافس الإقليمي مع موسكو.
  • دور الوكيل عن الولايات المتحدة الأميركية: تشكل تركيا بالنسبة إلى الولايات المتحدة الأميركية العضو المهم والحيوي في التحالف الدولي الذي شكلته في سبتمبر 2015 للقضاء على تنظيم (داعش) في العراق وسوريا، نظرا لقربها الجغرافي، ولعلاقاتها الثقافية والجغرافية مع تلك المنطقة، فضل الى ان تركيا عضو في حلف ال(الناتو)، لهذا فتركيا قادرة على القيام بالدور الذي سيناط بها، اذ ستكون رصيدا وفاعل ومؤثرا فيه. لذا يمكن القول بأن الولايات المتحدة تستخدم تركيا كأداة لمجابهة النفوذ التركي والإيراني من جهة، كما تستخدم تركيا موقعها ودورها كأداة لتنزع مركز الحليف الاستراتيجي الأول – باستثناء إسرائيل – للولايات المتحدة في المنطقة، وهو ما يتوافق مع خطط الرئيس أردوغان لزيادة نفوذ تركيا الدولي والإقليمي[25].
  • التنافس التركي-الإيراني: يرى المتخصصان في الشأن التركي (CengizCandar) و السيد MetinGurcan))  أنه هناك تنافس تاريخي بين تركيا وإيران للسيطرة على المنطقة والعراق تحديدا. ويؤكدان على إن تركيا بقيادة حزب العدالة والتنمية بزعامة رجب طيب اردوغان تطمح إلى استعادة دورها الريادي في الساحة العراقية. إلا أن ما يعيقها عن أداء هذا الدور هو الوجود الإيراني الفاعل والمؤثر والقريب من عملية صنع القرار في العراق سواء بفواعله الرسمية او غير الرسمية.
  • التقارب التركي – السعودي: أدركت تركيا حجم الصعوبات التي تعترض حسم الأزمة في العراق او سوريا، ولاسيما حجم الدعم الدولي والإقليمي الذي حظي به النظام السوري، ما يعد تهديدا لدور تركيا واحتمال هيمنة قوى منافسة على المنطقة، وفي ظل هذه الظروف أدركت صعوبة تغيير الاوضاع بجهد أو بتدخل تركي منفرد، والحاجة بدل من ذلك إلى الاعتماد على التنسيق مع حلفائها من اجل تصحيح ميزان القوى المعرض للاختلال. وهذا ما أعلن عنه رئيس الحكومة التركية احمد داود اغلو، بأن محاربة (داعش) كأولوية “تتطلب إستراتيجية متكاملة تنهي فراغ السلطة في سورية، وتتضمن حملة جوية ووجود جنود على الأرض. ولكن تركيا لوحدها لن تستطيع القيام بهذا العبء، ومع ذلك ستكون مستعدة للمشاركة بكل الوسائل إذا توافر ائتلاف وإستراتيجية متكاملة ومصممة بشكل جيد جدا.” لتشهد العلاقات التركية – السعودية تقارب وتطوير التنسيق بين البلدين بشكل متنام منذ وصول الملك سلمان إلى سدة الحكم في يناير 2015، والزيارات المتلاحقة التي التي قام بها الرئيس التركي رجب طيب اردوغان إلى المملكة السعودية، ليبدي هذا التقارب أن هناك توافقا متزايدا فيما يتعلق بالقضايا الإقليمية لاسيما ما يتعلق بالشأن السوري من حيث دعم الفصائل السورية المسلحة وتنسيق المواقف في مؤتمر فيينا فيما يتعلق برفض وجود الأسد في أي حل سياسي فيما أيدت تركيا ما تقوم به السعودية في اليمن، فضل عن وجود عناصر مشتركة كالاستياء الكبير من الدور الايراني في المنطقة. لهذا بدت الفرصة مهيأة أكثر من أي وقت مضى لتوثيق التعاون بين البلدين بالإضافة إلى دولة قطر ( قبل حدوث الانشقاق الخليجي) لتشكيل محور ضاغط نحو تحقيق وجهة النظر المشتركة تجاه القضايا الإقليمية. لهذا فان دور الحليف بدا واضح المعالم في العراق و سوريا لاسيما في ظل وجود تقارب خليجي – تركي من أجل إحداث تغيير جيوبوليتيكي يقوم على أساس إعادة رسم النفوذ في المنطقة يتناسب مع طموحاتهم الاستراتيجية. ان ما يدعم هذا التوجه، هو تزامن التوغل التركي مع ما أعلنته السعودية من تشكيل تحالف إسلامي عسكري جديد للحرب على الرهاب في 15 ديسمبر 2015 يتكون من 34 دولة من بينهم تركيا ومقره في الرياض[26].

وبهذا يتضح أن تدخل تركيا في العراق لم يكن نتيجة عامل وحيد أو ظرف استثنائي طارئ، وإنما هو نتاج لعدة متغيرات إقليمية ودولية هيأت وحفزت هذا التوغل التركي المباشر في العراق سعيًا لتحقيق ما تراه أنقرة مصالحها القومية العليا.

المطلب الثاني: الأهداف والمصالح الإيرانية

وعلى نفس المنوال السابق يتجزأ المطلب إلى قسمين.

سوريا : وكما في حالة العراق تتعدد الأسباب والدوافع الكامنة وراء سياسة التدخل الإيراني في سوريا ويمكن إجمال هذه العوامل في التالي:

  • الموقع الجيوسياسي لسورية

تُمثل الجغرافيا السورية “حلقة وصل” بين العراق ولبنان في مشروع إيران الاستراتيجي “الهلال الشيعي” الذي يعني النفوذ السياسي والاقتصادي والأمني على أهم المنافذ البحرية والبقع الجغرافية في المنطقة، من أجل حفظ أمنها القومي عبر المناورة في حدود الدول الأخرى، وفي سبيل نقل غازها الطبيعي إلى أوروبا على صعيد استراتيجي. كما تحاذي سورية “إسرائيل”، حيث يُمكن لها بذلك أن تشكل خطراً على المصالح الإسرائيلية. كما تمتلك سورية حدوداً مع لبنان ونفوذاً كبيراً فيه، وتحتضن “حزب الله” الذي يُعدّ يد إيران الضاربة والمتوغلة داخل الدولة اللبنانية “كقوة بالوكالة”.

  • مصالح جيواقتصادية

إلى جانب “الخط الفارسي” أو “الإسلامي” الذي ترمي إيران لمده عبر سورية، والذي وقعت اتفاقيته مع حكومة دمشق في آذار/مارس 2013، يشكل الموقع الجغرافي لسورية ممراً اقتصادياً حيوياً استراتيجياً نحو السوق العالمية. كما يمكن لها، من خلال السيطرة الملموسة على سورية، تحقيق تحركات استباقية من شأنها تضييق الخناق الاقتصادي على تركيا، منافِستها الإقليمية على “مركزيّة المنطقة”.[27]

  • استراتيجية “التعاون الأمني” الممزوجة باستراتيجية “الدفاع الهجومي

بالتزامن مع انتهاء الحرب الباردة، أضحت قوة الدولة تكمن في تحقيق عونٍ ذاتيٍ يقوم على عدة محددات أخرى للقوة؛ كبناء تحالفات ثنائية وإقليمية سياسية وعسكرية واقتصادية محورية، والنظر في قدرات التسلح الهجومي أكثر من الدفاعي، وتفعيل الاستخبارات على نحوٍ كبير للإلمام بمدركات الدول الأخرى، من حيث النوايا السياسية والأمنية فيما يتعلق بالمشاريع الاستراتيجية، وتوظيف الهوية الجماعية التي تربطها بفئات معينة موجودة في دول أخرى، وغيرها. وتُبنى استراتيجية التعاون الأمني القائمة على بناء محور إقليمي من خلال عدة خطوات وهى؛ تحديد طرف ما عدو أو خصم، في مثالنا الولايات المتحدة و”إسرائيل”، وأعداء أهل البيت، إقناع الكيان المرجعي، شعوب وقادة دول المحور، بخطورة دول خارج المحور لشحذ هممهم وتشجيعهم على معاونة الدولة القائدة للمحور، إجراء تحركات استباقية هجومية “إعلامية وعسكرية ميدانية” ضد تحركات الدول الخصم، وأخيرًا شرعنة التحركات باسم المصالح القومية العليا العضوية المشتركة للمحور.

وتوفر هذه الاستراتيجية هيمنة ملموسة للدولة، المُنشأة للمحور، في المحيط الإقليمي والساحة الدولية، وصولاً لجعلها دولة مركزية على صعيد إقليمي محوري. وبتتبع تحركات إيران في سورية والعراق، وغيرهما، يُلاحظ أنها تتبع استراتيجية أمننة تسعى من خلالها لتحقيق محور يرفع من قدراتها السياسية والاقتصادية والعسكرية على نحوٍ يزيد من قوة عونها الذاتي”، ويوفر لها حماية استراتيجية لأمنها القومي.

  • انتظار توافر الظروف المحلية والإقليمية الملائمة

فبينما كان النظام ضعيفاً وبحاجة ماسة للمساعدات الخارجية، ركنت روسيا إلى تأجيل خلافها الجيوسياسي والجيواقتصادي مع إيران، وتبنت الإدارة الأمريكية السابقة سياسات “انسحابيه” و”انعزالية” من الشرق الأوسط، لإيلاء الشأن الداخلي اهتماما أكبر، والاستدارة نحو بحر الصين الجنوبي؛ حيث خيرات الطاقة الهائلة، لا سيما الغاز الطبيعي الأنظف والأفضل مقارنة بالنفط، والطرق الدولية المؤثرة في حركة التجارة الدولية للصين المنافس الاقتصادي الأول للولايات المتحدة، وغيرها، عوامل كثير لعبت دوراً هاماً في توفير بيئة مناسبة لبناء إيران نفوذها في سورية.

  • المصالح الجانبية

تسعى إيران لإظهار مدى قدرتها على تحقيق نفوذ إقليمي في المنطقة، وعرض ذاتها كبديل للغاز الروسي أمام الغرب الذي يبحث عن بديل، وبالتالي تحسين الوضع التفاوضي مع الغرب حول برنامجها النووي.

  • مصالح ناعمة

مثل احتواء سورية الكثير من الأضرحة المقدسة بالنسبة لإيران انعكاساً جيداً لخدمة مصالحها التأثيرية الناعمة، فمن خلال هذا التحرك نحو سورية، أثبتت أنها الدولة “المخلصة” للأفراد الذين تجمعهم معها روابط دينية. وهذا ما يصب إيجاباً في إثبات مرتكز نظامها المتمدد داخل العالم الإسلامي تحت اسم “ولاية الفقيه”.

العراق : وفرت الإطاحة بنظام صدام حسين عام 2003 فرصة تاريخية للنظام الإيراني لتحويل علاقتها مع العراق — التي كانت سابقاً واحدة من أشد أعدائها. فقد استغلت إيران الحدود الطويلة التي يسهل اختراقها مع العراق وعلاقاتها طويلة المدى مع سياسيين عراقيين رئيسيين وأحزاب وجماعات مسلحة عراقية فضلاً عن قوتها الناعمة المتمثلة في المجالات الاقتصادية والدينية والإعلامية لتوسيع نفوذها وبالتالي ترسيخ مكانتها كوسيط القوة الخارجي الرئيسي في العراق. ويعتبر احتلال الولايات المتحدة الأمريكية للعراق أكبر هدية استراتيجية قدمت للنظام الإيراني للمضي في مشروعه التوسعي الذي يبدأ في إحكام السيطرة على العراق ليتمدد-فيما بعد- في دول المشرق العربي. إذ أن لهذا المشروع دوافعه وأشكاله وأدواته التأثيرية[28]. هناك عدة دوافع أدت بإيران إلى الدخول كأحد الأطراف الأساسية في تطورات الساحة العراقية، ومن أبرزها:

  • البحث عن متنفس إقليمي، حيث توجه الحكومة الإيرانية سياستها للتصعيد في العراق، كجزء من سياسة البحث عن متنفس، بسبب ما تمر به من تناقضات داخلية متأتية من الوضع الاقتصادي المتراجع، والصراعات المتكررة على مراكز النفوذ بين أجنحة النظام الإيراني، لاسيما أن الأزمة الأمنية العراقية رفعت مستويات التخوف من امتدادها إلى داخل إيران.
  • البعد العقائدي المذهبي، حيث استند الدور الإيراني في العراق إلى البعد العقائدي المذهبي في تدخله إلى جانب الحكومة العراقية في حربها ضد تنظيم الدولة الدولة في العراق وبلاد الشام”داعش”، بحجة حماية الأماكن والمزارات الدينية الشيعية في العراق، والزوار الإيرانيين الوافدين إليها، وهو ما أوجبته الفتاوى التي أطلقتها المرجعية الدينية – الشيعية فيما يسمى بـــــ “الجهاد الكفائي”.
  • توظيف الحرب على الإرهاب،إذ إن ثمة رغبة إيرانية فى استغلال الحرب الدولية على الجماعات السنية المسلحة لترسيخ نفوذها في العراق، وتغيير صورتها من متهمة بدعم الإرهاب إلى شريك في محاربته.
  • منصة انطلاق استراتيجي للإقليم،إذ إن ثمة مصلحة استراتيجية إيرانية ترى في العراق منطلقاً مهماً للتوغل الإيراني في باقي دول المنطقة، سواء باتجاه سوريا، أو لبنان، والأردن ودول الخليج.
  • تصاعد التحدي الأمني للحكومة العراقية، ففي ظل عدم قدرة حكومة العراق على مواجهة “داعش” عند سيطرته على أجزاء واسعة من البلاد، وتأخر الولايات المتحدة والدول العربية في مساعدة حكومة بغداد لمواجهة هذا التنظيم، استغلت إيران حاجة العراق والأوضاع التي يمر بها، فقدمت السلاح، والذخيرة، والدعم العسكري للقوات العراقية قبل غيرها من الدول لتعزيز دورها في العراق.
  • طبيعة السياسة الأمريكية تجاه العراق، حيث شجعت سياسة إدارة باراك أوباما الدور الإيراني على ممارسة تأثيرات في التوازنات الداخلية العراقية. فبالرغم من عدم مشاركة إيران رسمياً في التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب الذي تقوده واشنطن، فإن الإدارة الأمريكية رحبت بالدور الإيراني في العراق، مما يعني منح طهران الضوء الأخضر لتأدية دورها في العراق
  • البيئة العراقية، سواء السياسية، أو الاجتماعية، أو الاقتصادية، أو الأمنية، توفر الأرض الخصبة، والأدوات اللازمة لتزايد النفوذ الإيراني، من حيث وجود الأحزاب، والحركات، والمنظمات، والميليشيات المسلحة ذات الارتباط الأيديولوجي بإيران التي تحقق بدورها ما يتطلبه الدور الإيراني من أهداف، بخلاف إدراك إيران حاجة هذه الجهات لدعمها من أجل البقاء في مراكز السلطة والتأثير.[29]

عمدت إيران منذ احتلال العراق عام 2003 إلى التوغل داخل المجتمع العراقي كهدف يجعل تدخلها في شؤونه السياسية أمرا تلقائيا من دون أن تواجه تهمة التدخل في شؤون بلد ذي سيادة، ثم بعد ذلك باتت تتذرع بأن كل ما تفعله في العراق هو بطلب من حكومته، لتتمكن عبر هذه السياسة من جعل العراق بحكوماته المتعاقبة منصاعا لتوجهاتها.

ناقش هذا المبحث البعد المتعلق بالأهداف والدوافع المتعلقة بسياسات إيران وتركيا تجاه سوريا والعراق وخلص إلى أن انتهاج كل من إيران وتركيا لسياسات أكثر تدخلية ومباشرة في تعاملهما مع البلدين العربيين ينبع بالأساس من إدراك صناع القرار في البلدين لحيوية وأهمية ما تمثله سوريا والعراق لمصالحهما القومية في المنطقة بالإضافة إلى واقع أن سوريا والعراق يشكلان في الوقت الراهن- أو أراضيهما على الأقل- نقطة الانطلاق والتجهيز الرئيسية للعدد الأكبر من التهديدات المباشرة وغير المباشرة على مصالح وأمن الجمهوريتين التركية والإيرانية. أدوات وتبعات هذه السياسة يناقشها المبحث التالي.

المبحث الثالث –  أدوات السياسات التركية والإيرانية في سوريا والعراق وتداعياتها

يسعى هذا المبحث لتوضيح أبرز التبعات المترتبة على إتباع كل من إيران وتركيا لسياساتهما الراهنة حيال سوريا والعراق متناولًا أثناء ذلك أبرز الطرق والأدوات المستخدمة لهذا الغرض. وعلى خلاف مذب العرض في المبحثين السابقين، يبدأ هذا المبحث من البلدين العربيين، سوريا والعراق، ليرى كيف أثرت عليهما السياسات التركية والإيرانية، وذلك من زاوية السيناريوهات المتوقعة لمسار الأحداث، والخيارات المتاحة أمام الأطراف الفاعلة سواءًا بالمضي قدمًا في سياساتها الحالية أو تعديل مسارها أو تغييرها بالكامل، وهل ستختار سبيل التعاون أم الصراع.

 المطلب الأول: التداعيات على سوريا  – تركيا

بناءًا على ما سبق من دوافع ومحددات للتدخل التركي في شمالي سوريا، ومواقف الفاعلين منه، تكمن مئآلاته، وإمكانية تكراره مجدداً في أكثر من مكان، في ثلاثة سيناريوهات:

  • سيناريو البقاء: ثارت المخاوف التركية على أمنها القومي من جراء تعاظم الإمكانات العسكرية لما تصفها بالميليشيا الإرهابية؛ المتمثلة بقوات حماية الشعب الكردية وحزب العمال الكردستاني، ومثيلاتها، التي تهدف إلى إقامة دولة كردية، بالإضافة للوجود العسكري المتعدد للفاعلين الإقليميين والدوليين في شمالي سوريا، والداعمين للوحدات الكردية؛ ومن ثم فإن دوافع (الضرورة) حتمت على صانع القرار التركي التدخل العسكري، إفشالاً للمخططات التي تهدد الأمن القومي، وتحاصر النفوذ التركي. وتبدو تركيا مصممة على مواصلة حربها على الفصائل الكردية في شمالي سوريا، فعادة ما يكرر الرئيس التركي رجب طيب أردوغان خلال خطاباته، عزم بلاده على مواصلة العملية حتى تحرير منبج، وعلى امتداد حدود بلاده مع سوريا والعراق. القوات التي دفعت بها تركيا إلى شمالي سوريا، ونبرة الخطاب السياسي المرتفعة على لسان الرئيس التركي، الرافضة لدعوة وزير خارجية روسيا بتسليم منطقة عفرين لقوات نظام بشار الأسد، بالإضافة إلى تعهد أردوغان بتنمية المنطقة؛ مجموعها يشير إلى وجود تركي مستمر في المنطقة وقابل للتوسع مستقبلا [30].
  • سيناريو المزاحمة لتعزيز النفوذ (الدوافع الاستراتيجية): تجد تركيا بأنها الأحق بالتدخل في الساحة السورية من غيرها، لروابط الجوار الجغرافي، والتأريخ، والديمغرافيا، وهي من الدول الصاعدة ذات الأهداف الاستراتيجية المجدولة في خططها، والواردة معالمها في الخطاب السياسي والتوجهات التركية. وتعتقد القيادة التركية أن النظام العالمي الحالي غير عادل؛ باحتكار خمس دول للقرار الدولي في مجلس الأمن، وأنه- أي النظام الدولي- يمر بحالات تحول في ظل صعود دول إقليمية تسعى للحضور على المشهد الدولي معتمدة على إرث حضاري، ورصيد تنموي صاعد، وتعد تركيا من أكثر هذه الدول الصاعدة تمتعاً بالخصائص المؤهلة لأداء دور دولي، فقد بلغ معدل النمو في العام الماضي 2017 (7.4 %)، وبمتوسط نمو سنوي (5.3 %) منذ العام 2002، وتخطط أن تكون ضمن مجموعة الدول العشر على مستوى العالم، متقدمة من المرتبة السابعة عشرة، في حلول مئوية تأسيسها عام 2023، وهي في سبيل تحقيق هدفها تعمل على تنويع اقتصادها، وتسعىى لفتح أسواق اقتصادية وشراكات جديدة. وقد لوحظ التركيز التركي على دول القارة الإفريقية، ومن ضمنها الدول التي عرفت بمناطق النفوذ الفرنسي في غرب إفريقيا، بالإضافة إلى تدشين قاعدتين عسكريتين خارج حدودها لأول مرة في كل من جمهورية الصومال ودولة قطر، والاهتمام بالتصنيع العسكري النوعي المعتمد على القدرات المحلية، وخاصة في مجال الصناعات البحرية العسكرية.[31]
  • سيناريو الانتكاسة والانكفاء: ينطلق السيناريو من احتمالية عدم تمكن الجيش التركي وحليفه الجيش السوري الحر من فرض السيطرة وتحقيق الاستقرار في منطقة عفرين، بالإضافة إلى تعاظم الضغط السياسي، والتلويح بالخيار العسكري من قبل المتضررين من التدخل العسكري التركي، وأبرزهم الوحدات الكردية وداعموها، ونظام بشار الأسد وحلفاؤه الإيرانيون، خصوصاً بعد دعوة وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف تركيا لتسليم منطقة عفرين لجيش نظام بشار الأسد. وتعد احتمالية حدوث هذا السيناريو أقل[32] .
  • سيناريو تحول المصالح المشتركة إلى مصالح متنازعة: في الحقيقة تحركت تركيا داخل سوريا في إطار توافقي يجمعها داخل بوتقة مصالح مشتركة بينها وبين روسيا وإيران والولايات المتحدة التي تريد التخلص من “داعش”، إلا أن تحرك تركيا إلى الشمال أو الجنوب من المنطقة المرصودة لتحركه في إطار التوافق المذكور، يحول المصالح المشتركة إلى مصالح متنازعة وتبدأ تركيا بمواجهة تحدي روسي وأمريكي وإيراني يحد من حجم إنجازاتها المدنية والدبلوماسية، ويمكن تقييم الاستهداف الروسي للجنود الأتراك في الباب “بشكل خاطئ”، وإرسال روسيا بعضاً من قوات النظام نحو “منبج” لتشكيل عائق عسكري وقانوني أمام القوات التركية، وإعلان الولايات المتحدة على أن تمركز قوات النظام على مشارف “مبنج” جاء بناءً على التنسيق بينها وبين تركيا، على أنها عوامل تظهر تحول المصالح المشتركة بين تركيا والولايات المتحدة وروسيا ولإيران إلى مصالح متنازعة[33] .

إيران  : مع توسع سيطرة المعارضة في سورية، كان العنصر الأهم بالنسبة للنظام هو الدعم الاقتصادي الخارجي الذي يُبقيه قائماً على أصوله كدولة بالحد الأدنى. وقد ساهمت إيران في توفير جزءٍ وفيرٍ من الدعم الاقتصادي للنظام السوري على النحو التالي:

  • الإقراض: تفوّقت إيران على روسيا في معدلات إقراض النظام السوري، حيث منحته، إلى الآن، ثلاثة قروض بقيمة 5.6 مليار دولار في سبيل دعم استيراد السلع الأساسية؛ كالمواد الغذائية، وبالأخص القمح، ومشتقات النفط والسيولة النقدية للبنك المركزي السوري
  • الخط الائتماني: يُشير الخط الائتماني إلى مجموعة من التسهيلات المالية التي تتضمن الاقتراض عند الطلب، والسحب المكشوف بدون قيود، مقابل تقديم المُقترض تأمينات. وبهذا الشكل قدمت إيران للنظام السوري ما قيمته 4.6 مليار دولار. وقد خُصصت هذه القروض في تأمين المشتقات النفطية، وتوريد المواد الغذائية والمائية والأدوية والمحروقات وترميم محطات الطاقة الكهربائية. وكان الشرط الأساسي لهذا الخط أن تكون جميع الواردات إيرانية. كما طالبت إيران مقابل هذا الخط “ضمانات سيادية” بقيمة 20 مليار دولار. وتشمل الضمانات السيادية رهاناتٍ على عقارات وأراضٍ ومرافق حكومية.
  • الاستمرار في التعاون التجاري: فُرضت على النظام السوري عام 2012، عقوباتٍ اقتصادية تركت أثرها على معاملاته النقدية والتجارية مع الدول الأخرى. وأدى ذلك لتراجع معدل صادراته الخارجية إلى ما مجموعه 1.42 مليار دولار بحلول عام 2015. وكان لمواصلة إيران، من ضمن 28 دولة أخرى، تبادلها التجاري مع سورية، لا سيما في استيراد الألبسة والقطن وزيت الزيتون، وغيرها، دور كبير في ديمومة الدورة الاقتصادية لمناطق سيطرة النظام. وتأتي إيران على رأس الدول المستوردة، نظراً لاتفاقية التجارة الحرة المُبرمة بينها وبين النظام السوري عام 2012، والتي تُعفي البضائع المتبادلة بين الطرفين من الضرائب والتعريفة الجمركية.
  • الإسهام في الاستثمار المباشر: يحتل الإيرانيون، بحسب تقرير الاستثمار الأجنبي المباشر في سورية الخاص بهيئة الاستثمار السورية لعام 2017، المرتبة الأولى في مشاريع الاستثمار المباشر التي تركزت على شراء عقارات، حيث توافرت لهم مناقصات حكومية مفتوحة فقط لهم في مناطق متعددة، فضلاً عن أحياء سكنية مدمرة اشتروها لإعادة إعمارها، وأحياء أخرى تم ابتزاز سكانها، وإجبارهم على التخلي عن مساكنهم، في مقابل مبالغ مالية زهيدة، وقامت الحكومة الإيرانية بدور كبير، بتشجيع الشركات والتجار والمقاولين على تملك العقارات المختلفة في سورية، وتوفير “اعتمادات خطوط ائتمان” لعدد من رجال الأعمال بمبالغ كبيرة بالعملات الأجنبية لاستثمارها في هذا القطاع الذي يضمن لها تثبيت أقدامها الجغرافية الناعم عبر إحداث تغيير في التركيبة السكانية في دمشق ومحيطها، لا سيما مناطق شرقي دمشق “المدينة القديمة”، الغوطة الشرقية، ووسط دمشق؛ كمنطقة زين العابدين والشاغور والميدان والعمارة التي تحتوي أعداداً ضئيلة من الشيعة، استطاعت إيران زيادة أعدادها من خلال شراء العقارات.

لا يمكن تحديد عائدات هذه المشاريع على النظام بشكلٍ مباشر، غير أنها تأتي كمقابل طبيعي لدعم النظام السوري عسكرياً، كما أنها تعود عليه، كما هو ظاهر، برفع رصيده أمام الحكومتين الروسية والإيرانية لمنحه المزيد من القروض وخطوط الائتمان وعوائد الدعم المادي كالقمح والمواد الغذائية. ويمكن ملامسة تلك النقطة من خلال النظر إلى مذكرة التعاون التي وقعتها شركة “يوروبوليس” الروسية الأمنية مع وزارة النفط والثروة المعدنية، في 29 حزيران/يونيو2017، والتي نصت على التزام الشركة “بتحرير مناطق آبار النفط ومنشآتها وحمايتها” مقابل حصولها على ربع الإنتاج النفطي خير مثال على آلية التعاون المذكورة أعلاه[34]. كما أنه يساهم في تحريك دورة الاقتصاد الراكدة ولو نسبياً.

  • الدعم العسكري: منذ اليوم الأول للأزمة السورية، وإيران تُقدم الدعم العسكري المتنوع للنظام السوري، والذي وصل إلى حد الارتباط العضوي بين قواتها وميليشياتها مع قوات النظام السوري.  وقد تدرج التدخل العسكري الإيراني المباشر من مرحلة الخبراء في عام 2011، إلى مرحلة إرسال فرق عسكرية من الحرس الثوري والميليشيات الطائفية العراقية واللبنانية والأفغانية عام 2012 بشكل غير معلن، ثم مرحلة الإعلان عن المشاركة في عام 2013، وهو العام الذي بدأت القوات الإيرانية والميليشيات الأجنبية تشهد خسائر بشرية عالية.  واستندت إيران في شرعية تدخلها إلى اتفاقية الدفاع المُشترك المُوقعة مع دمشق عام 2006.
  • الدبلوماسية الشعبية: بدا واضحاً في إطار مسارات العلاقات الدولية أن القوة العسكرية والسيطرة الجغرافية المباشرة لم تعودا المعيار الوحيد لتحقيق دولة ما لمصالحها الجيوسياسية والاقتصادية خارج حدودها القومية، حيث ظهرت العديد من الوسائل التي تجمع عادة تحت مسمّى “القوة الناعمة”، والتي تشمل الخطابات والشعارات الإعلامية، والدعايات الثقافية، والدعم المادي، والتسويق الفكري، والروابط الدينية أو القومية المشتركة النابعة من روابط تاريخية سياسية، والمنح التعليمية، والعمل الخيري، وقواعد القانون الدولي، وغيرها.  وتأتي هذه القوة كوسائل تدعم أو تُسهل على الدولة تحقيق أهدافها السياسية والاقتصادية، بحيث تُؤسس عبر هذه القوة نظرة شعبية ذهنية تقوم على أحقيّتها في تحقيق أهدافها، كما ترسم هذه الوسائل انطباعاً إيجابياً في اللاوعي الشعوري الجمعي. ولم تَغفل إيران عن الركون إلى هذه القوة، وتوظفيها في خدمة مصالحها، عبر عدّة أشكال أهمها:
  • تأسيس هياكل هوياتية مشتركة: ظهرت هذه الهياكل عبر هويتي محور الممانعة والمقاومة “الأيديولوجي” ليس ضد إسرائيل فقط، بل ضد “الإمبريالية العالمية”؛ وكأنها، أي إيران، الوريث الشرعي للقطب الشرقي المحارب للإمبريالية الغربية، ومحور الهلال الشيعي “الديني الطائفي”. وتغذية المحورين بشعارات المقاومة؛ مثل “الموت لإسرائيل ولأمريكا ووكلائهما” و”تحرير القدس يمر من سورية”؛ ذلك الشعار المُقتبس من شعارها المُستخدم خلال حربها مع العراق “تحرير القدس يمر من كربلاء”، وشعارات الطائفية؛ مثل “لبيك يا زينب” و”الأخذ بثأر الحسين”.وفيما استطاعت إيران، بشعاراتها “المقاومتية”، استقطاب عدة فصائل يسارية وأخرى فلسطينية، كفتح الانتفاضة وقوات الصاعقة وجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، للمشاركة في محاربة فصائل المعارضة المسلحة إلى جانب النظام السوري، استطاعت، بشعاراتها الطائفية، استقطاب الآلاف من الشيعة حول العالم. ويتم تدعيم هذه الهياكل الهوياتية بقنواتٍ إعلاميةٍ فاق مجموعها الخمسين. وقد استخدمت إيران كل شبكتها الطائفية والسياسية حول العالم لخدمة موقفها في سورية، حيث عملت على تجييش الشيعة واليسار العربي لدعم النظام السوري، والترويج لخطابه السياسي.
  • نشر التشيّع عبر مراكز ثقافية وحسينيات: عملت إيران منذ بداية الثمانينيات على نشر المذهب الشيعي من خلال المراكز الثقافية التابعة للسفارات الإيرانية حول العالم، ودعم المؤسسات الشيعية الدينية والتعليمية والثقافية والإعلامية في مختلف الدول.  وكانت سورية بفعل العلاقات المتميزة بين نظام الأسد الأب والابن مع طهران واحدة من أبرز محطات النشاط الإيراني لنشر التشيع، حيث عملت على افتتاح المراكز الثقافية والدينية، وفتحت باب البعثات التعليمية الدينية، ونشرت الدعاة في مختلف المناطق السورية.
  • التغيير الديموغرافي: أدّى الاستهداف العسكري المنظم لعدد من المناطق السورية التي شهدت حراكاً معارضاً إلى تدمير معظم هذه المناطق وتهجير سكانها، فيما تم إجبار من بقي من السكان على الرحيل باتفاقيات فُرضت بالحصار الخانق، وبسياسة الأرض المحروقة.  ويعتقد أن هذه السياسة التي طبقت منذ وقت مبكر من عمر الأزمة تستند إلى تخطيط إيراني، كما أظهر تطبيقها أن الميليشيات الإيرانية كانت تشارك بفاعلية في تطبيقها، وظهر هذا الأمر بوضوح في ريف دمشق وحمص، حيث كانت هذه الميليشيات تتولّى أعمال الحصار والقصف، كما تولّى الطرف الإيراني حتى عملية التفاوض مع الفصائل المعارضة.
  • تمويل عدو الخصم ومن أبرز التحركات الإيرانية في هذا الاتجاه، تقديم الدعم أو التغاضي عن تحركات حزب العمال الكردستاني عبر مثلث الحدود التركية-العراقية-الإيرانية، والتفاهم معه فيما يتعلق بانتشاره في المناطق ذات الكثافة الكردية في شمال شرقي سورية، في سبيل تشتيت انتباه خلايا الأزمة الفاعلة في مؤسسات صناعة القرار التركية، بعيداً عن التركيز التام في رسم استراتيجيات ناجحة ودائمة فيما يتعلق بالأزمة السورية.

المطلب الثاني: التداعيات على العراق – تركيا

كما اختلف الحال في العراق عنه في سوريا بالنسبة للمقدمات، فإن الأمر نفسه ينطبق على النتائج والسيناريوهات المطروحة في المرحلة القادمة، نظرًا لاختلاف طبيعة العراق السكانية وهياكلها السياسية، واستمرار وجود الحكومة المركزية وسلطة الدولة فيها حتى ولو كانت بشكل أضعف من غيرها من الدول المستقرة في المنطقة. وبسبب ذلك يمكن توقع أن الجانب العراقي سيكون له دور فعال بشكل أو بأخر في تحديد المسارات القادمة. وعلى ذلك يمكن تقسيم تلك السيناريوهات إلى محوريين من وجهتي النظر التركية والعراقية.

المحور الأول: الخيارات التركية[35]:

  • خيار الحياد: ويعني استمرار تطور العلاقات العراقية-التركية في الميادين السياسية والاقتصادية عما هى حاليا من دون تدخل تركي مباشر في الشؤون الداخلية للعراق، وتحاشي أي خطوة من شأنها الإخلال بوتيرة العلاقات الثنائية في المدى المنظور.
  • خيار الانكفاء: وتسعى تركيا فيه إلى الانكفاء داخل حدودها الإقليمية، وتجاهل تام لتطورات الأحداث في العراق، وتحاشي الدخول في أي منافسة مع إيران أو غيرها من دول الشرق الأوسط، والتغاضي مرحلياً عما يدور ميدانياً في الساحة العراقية بانتظار النتائج اللاحقة.
  • خيار التقدم (مزيد من التدخل): يعكس هذا المشيد تبايناً بين رؤية تركيا والعراق اتجاه العديد من القضايا الخلافية المشتركة، والتي تتعدى في جذورها التحركات العسكرية لحزب العمال الكردستاني، فقد أصبح الكثير من القضايا العراقية الداخلية خطوطاً حمراء لسياسة الأتراك، وهذه الخطوط قد تكون مبرارت لتدخل تركي مباشر بهدف المساهمة في إعادة ترتيب الأوضاع في الساحة العراقية ، وخاصة إذا ما شعرت تركيا بأن مآل الأحداث يتجه نحو التأثير المباشر في وحدة أراضي تركيا ،فضلاً عن أنها تحظى بدعم الولايات المتحدة الأمريكية وأطراف أخرى فاعلة في المجتمع الدولي، وهذا المشهد هو الذي حاولت تركيا تحقيقه في الوقت الحالي.

المحور الثاني: الخيارات العراقية[36]:

  • خيار التصعيد والمواجهة: يقتضي هذا المشهد اتخاذ الحكومة العراقية لجملة من الإجراءات الحازمة لمواجهة الخرق التركي للسيادة العراقية ومن بينها قطع العلقات الدبلوماسية ومن الممكن المواجهة العسكرية، فضلًا عن دعوة أطراف إقليمية و دولية أخرى لتقديم المساعدة اللازمة كإيران وروسيا من خلل تفعيل التنسيق الرباعي وتحويله إلى شراكة إستراتيجية.
  • خيار التعاون والشراكة: يرى هذا الخيار إن هناك العديد من الهداف والقضايا المشتركة السياسية والاقتصادية والأمنية قد تدفع إلى التعاون والتنسيق والتشارك وتجاوز هذه الأزمة. قد يحقق هذا المشهد مكاسب للعراق من خلال استثمار الوجود العسكري التركي لمحاربة (داعش) وتكبيدها خسائر موجعة والتسريع بعملية انتزاع الأراضي منها لاسيما وان محاربة داعش تقتضي تنشيف مصادر التمويل ومن بينها قطع مصادر تهريب النفط العراقي المستولى عليه من قبل (داعش). كما سيساهم الوجود التركي في حفظ الأمن في المنطقة لحين بسط القوات العراقية للسيطرة الكاملة على محافظة الموصل والمناطق المحيطة بها. على أن يتم ذلك بموجب اتفاق رسمي يرسم جدول زمنيا للتدخل التركي وتفعيل التنسيق المشترك من خلال إنشاء خلية أزمة مشتركة وقيادة عمليات مشتركة في معسكر بعشيقة.
  • خيار قبول الأمر الواقع: ينطلق هذا المشهد من فرضية مفادها، بأن العراق سيقبل التدخل التركي في شمال العراق كأمر واقع لا يمكن تغييره على الأقل في المدى القريب، إذ لا توجد لدى العراق القدرات والإمكانات السياسية والعسكرية والاقتصادية القادرة على إجبار أو إقناع تركيا على تغيير الأوضاع لصالحها. فسياسيا، هناك القاعدة الحاكمة بان السياسة الخارجية هي انعكاس للسياسة الداخلية، وان هذه الأخيرة تعاني من عدم وجود رؤية موحدة للمواقف السياسية الداخلية، إذ يعاني العراق ومنذ عام 2003 إلى عدم وجود توافق سياسي حقيقي نتيجة تباين الأهداف وتضارب المصالح بين الكتل والأحزاب السياسية مما انعكس بالضرورة على عدم بلورة سياسة خارجية عراقية موحدة إزاء الهداف والقضايا المختلفة. وهذا ما انطبق على التدخل التركي الأخير إذ تباينت ردود الفعال الداخلية بين رافض ومؤيد ومبرر لها.

إيران : تعتمد إيران على أداة التأثير الثقافية و داخلها الديني، المتمثل في المذهب الشيعي بالتركيز على نسج علاقات مع الجماعات و الفصائل في البيئة الداخلية لـ العراق (في إطار نشر نموذجها الإسلامي و دعم الثورات الشعبية) لخلق الانقسام و عدم الاستقرار و إضعاف ضعف الحكومة العراقية اقتصاديا و سياسيا و امنيا و اجتماعيا، ما يعزز هذا الفشل من تحالف إيران و حشد مؤيديها و أنصارها من نفس الطائفة لاختراق البلدان ثم استغلال تلك الانقسامات السياسية المختلفة، من خلال دعم الحركات القريبة من إيران عقائديا و المتوافقة مع توجهاتها بنزعة مصلحية براغماتية.ففي العراق حاليا، النظام الحاكم هو نتيجة لاستثمارات إيران في دعم الفصائل والمنظمات الشيعية العراقية، وتمكينها من تولي السلطة بعد أن وصل وكلائها للمناصب السياسية الحيوية والتأثير في بلدانهم بما يتوافق والمصلحة الإيرانية. وعلى ذلك، يمكن تتبع بأن تأثير السياسة الإيرانية عبر أدواتها المختلفة في العراق من خلال عدة أبعاد كالتالي:

  • البعد السياسي: فبالاستناد للوجود الإيراني المباشر، وحاجة القوى والتيارات العراقية للدعم الإيراني للبقاء في السلطة، فإن طهران ستمارس دوراً سياسياً من خلال التأثير في مجريات العملية السياسية، والتوجهات الحكومية، وستعمل على تحقيق التوازن بين الحركات والأحزاب الدينية الموالية لها ودعمها للسيطرة على مؤسسات الدولة العراقية المختلفة، واستبعاد القوى والتيارات ذات التوجهات الوطنية التي تعارض الدور الإيراني. ومن المتوقع أيضا أن تحاول إيران إبقاء الحكومة العراقية بوضع لا يمكنها من الاستقلال عن التوجه الإيراني، فضلاً عن أنها ستسعى إلى أن تلحق مواقف الحكومة العراقية بموقف طهران تجاه التطورات والقضايا العربية، والتأثير فى علاقات العراق العربية، والإقليمية، والدولية، وهو ما بدأ يتحقق عندما جاء الموقف العراقي متناغماً مع الموقف الايراني المعارض لعملية “عاصفة الحزم” التي تقودها السعودية ضد الحوثيين في اليمن.
  • البعد الاقتصادي:ويتمثل فى السعي إلى الهيمنة على الأسواق العراقية، وإغراقها بالبضائع والسلع الإيرانية ذات الأسعار الرخيصة، مقارنة بالبضائع والسلع المستوردة من الدول الأخرى، والتركيز على الجوانب الاستهلاكية لا الإنتاجية بهدف احتكار منافذ الإنتاج لإيران دون العراق. أضف إلى ذلك أن ثمة توقعات بارتفاع مستوى التبادل التجاري بين الدولتين من 12 مليار دولار عام 2014 إلى 22 مليار دولار 2015 . وبقدر ما تستطيع إيران تعطيل البنى الاقتصادية، والصناعية، والزراعية، ستزود الأسواق العراقية بما يلبي الطلب فيها، وستحاول إيران أن يكون لها دور في مشاريع الأعمار والاستثمار في المحافظات التي ستعيد الحكومة العراقية السيطرة عليها، وإخراج عناصر “داعش” منها، وستعمل إيران على الاستفادة من القطاع المصرفي في العراق لسد حاجتها من العملة الأجنبية التي تحتاج إليها، في ظل العقوبات الدولية المفروضة عليها.
  • البعد الأمني: حيث أظهرت الأزمة الأمنية، وتصاعد دور “داعش” في العراق طبيعة الدور الأمني الإيراني متعدد الوظائف. فمنذ بداية الأزمة، برز بوضوح الوجود المباشر لعناصر الأجهزة الأمنية والاستخباراتية الإيرانية في العراق، وبدأ انتشارها الميداني بحجة حماية الأماكن والمراقد الدينية، ومساعدة الأجهزة الأمنية العراقية لمواجهة مقاتلي “داعش”. ومن المتوقع أن يبقى هذا الوجود في المرحلة المقبلة بمبررات، منها إعادة تنظيم القوات الأمنية العراقية، وتقديم الاستشارات الأمنية والاستخبارية لمواجهة “الإرهاب”، وحماية المراقد الدينية. وبالإضافة لهذا الوجود الأمني المباشر، فهنالك الميليشيات الشيعية في العراق المرتبطة بإيران، التي تمثل وجوداً أمنياً غير مباشر لطهران. ويمنح هذا البعد الزخم الأكثر في تأثير الدور الإيراني فى مجريات الأحداث في الساحة العراقية مستقبلاً.
  • البعد الديني: ويتمثل فى سعي إيران للتحكم فى المرجعات الدينية – الشيعية في العراق، وتحجيم تأثير المرجعيات ذات التوجه العروبي، أو التي لا تعترف بمبدأ ولاية الفقيه، وترسيخ نفوذ المرجعيات ذات الأصول الإيرانية، عبر تحجيم الحوزات الدينية في النجف لحساب حوزات مدينة “قم” الإيرانية.

الخاتمة :

تناولت الدراسة السياسات التدخلية التركية والإيرانية في كلًا من العراق وسوريا وذلك بدءًا من عام 2011 وحتى نهاية عام 2018. ومن كل ما سبق يمكن استخلاص ما يلي.

أولًا: إن أي قرار تركي/إيراني بخصوص سوريا أو العراق سينطلق ابتداءً من مفردات الأمن القومي للبلدين قبل أي حسابات متعلقة بسوريا وثورتها وشعبها وكذلك نفس الحال بالنسبة للعراق وأمنه ووحدته.

ثانيًا: لا تستطيع أنقرة – ولا تريد – أن تخرج عن السقف الدولي في سياستها الخارجية بشكل عام والأزمة السورية بشكل خاص. وعليه فإن أي خطوة قد تقدم عليها بعد ذلك ستحتاج إلى أرضية قانونية مثل قرار أممي أو خطة من التحالف الدولي أو حلف شمال الأطلسي.

ثالثًا: يدرك صانع القرار التركي/الإيراني أن الأمور بمآلاتها، وما زال يؤمن بأن التدخل بشكل أكبر سيكون توريطاً له بشكل أو بآخر، ولذلك فالمهم بالنسبة له ليس التدخل بحد ذاته بل الشكل والطريقة والمرجعية والانعكاسات، بحيث لا يكون تدخله تفصيلًا يدعم في نهاية المطاف مخطط تقسيم البلدين الذي يعتبره سيناريو كارثياً على مصير الدول الأربعة في آن معاً.

رابعًا: العلاقات العراقية – التركية/الإيرانية من أكثر العلاقات حساسية بالنسبة للأمن الوطني العراقي فتركيا وإيران وبحكم مجاورتهما للعراق، يعدان من أهم الفواعل المؤثرة على أمن واستقرار العراق، فتركيا اليوم لا تختلف عن تركيا القديمة الطامعة في التوسع لتحقيق أطماعها في المنطقة فهي تسعى ومن خلال تحكمها بمجرى نهري دجلة والفرات فرض سيطرتها المائية على كل من سوريا والعراق. بينما تسعى إيران إلى فرض نموذجها وتصدير أيديولوجيتها الخاصة مدفوعة بعوامل مذهبية واعتبارات مصلحية قومية.

خامسًا: تحاول تركيا وإيران التدخل في شؤون البلدين الداخلية ومنها مثلًا في حالة العراق استغلال تركيا لقضيتي حزب العمال الكردستاني  كذريعة للتجاوز على ارض وتربة العراق، فضلا عن استغلالها لقضية التركمان التي تحاول ان تجعل منهم بطاقة رئيسة  كن استخدامها من أجل تحقيق مساعيها لإبقاء كركوك ونفطها خارج الايدي الكردية لما يشكله استحواذ الاكراد على نفط كركوك من مخاطر أهمها تشجيع الاكراد على تحقيق الانفصال والذي ستكون له تأثيره على أكراد تركيا الذين قد يطالبون بذات الاستحقاقات ،مما يعني ان تلك القضية سيكون لها تأثيرها في أمن واستقرار كلا البلدين. بينما تعمل إيران من ناحية أخرى على تقوية ودعم نفوذها وتغللها في مؤسسات الحكم في كلا من سوريا والعراق كوسيلة لمد نفوذها الإقليمي وتجاوز الحصار المفروض عليها من الولايات المتحدة وحلفاءها ي المنطقة.

سادسًا: يمكن اعتبار المشروع السياسي الكردي في شمال سوريا أولوية بالنسبة لأنقرة، وبالتالي فإن أي قرار تركي سيضع نصب عينيه هذا المشروع، وبالتالي فهو عامل محدد جداً في صياغة القرار التركي أياً كان. ونفس الأمر يمكن أن يقال على قضية استقلال كردستان العراق بالنسبة لإيران وهو الأمر الذي سيشجع مزيدًا من عدم الاستقرار في أقاليمها الشمالية الغربية ذات الوجود الكردي.

سابعًا: من أجل بناء أرضية تفاهم واستقرار في المنطقة العربية فإنه فلا مقر من الإقرار بالأدوار الهمة التي أصبحت تركيا وإيران تلعبانها، ولكن يجب أن يتوازى هذا مع مطالبة البلدين برفع أيديهما والكف عن إضعاف الدول القومية في العراق وسوريا أو محاولة فرض أجندة أو فصيل معين في حكم هذه الدول بعيدًا عن إرادة شعوبها، حينها فقط يمكن تحقيق قدر من الاستقرار تفتقده المنطقة العربية بشدة.

وعليه؛ فإن هذه المحددات والخطوط العريضة تصلح أن تكون إطاراً يمكن من خلاله فهم المواقف التركية والإيرانية واستشراف تطوراتها في المستقبل تجاوباً مع أي متغيرات متعلقة بالأزمتين السورية والعراقية أو المنطقة بشكل عام. وهي سياقات عامة ومحددات رئيسة ستحافظ على أهميتها ودورها في صناعة القرار التركي والإيراني على المدى المتوسط – البعيد ما لم تحصل تغيرات جذرية، وهو ما سعى هذا البحث لتجليته وتأطيره كوعاء شارح لآلية اتخاذ القرار في طهران وأنقرة، أبعد من مجرد التركيز على اللحظة الحالية وتعقيداتها.

المصادر:

  1. المركز الديمقراطي العربي .2016. ورقة بحثية: “تركيا والتدخل العسكري في العراق”. تم الاسترجاع في (22 نوفمبر (2019. https://democraticac.de/?p=38334
  2. مورجانثو، هانز جي. السياسة بين الأمم: الصراع من أجل السلطان والسلام، الدار القومية للطباعة والنشر، القاهرة، 1964، ترجمة خيري حماد، من 4 إلى 18.
  3. توتشا تانري أوفار، العلاقات السورية التركية عبر التاريخ، مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية. تم الاسترجاع (23 نوفمبر 2019). http://www.orsam.org.tr/tr/yazigoster.aspx?ID=5164
  4. خليل إبراهيم تشيليك، مشكلة المياه في الشرق الأوسط، مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية. تم الاسترجاع (23 نوفمبر 2019).  http://www.orsam.org.tr/tr/yazigoster.aspx?ID=5043
  5. عقيل سعيد محفوظ، سوريا وتركيا: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تم الاسترجاع (23 نوفمبر 2019).
  6. عقيل محفوظ، السياسة الخارجية التركية الاستمرارية والتغيير، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012، ص 167.
  7. ناجي علي حرج، “المياه في العلاقات العربية – التركية”، في: مجموعة مؤلفين، العرب وتركيا: تحديات الحاضر ورهانات المستقبل، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012)، ص 375 – 422.
  8. علي حسين باكير، العراق في حسابات تركيا الاستراتيجية والتوجهات المستقبلية، مركز الجزيرة للدراسات، تم الاسترجاع (23 نوفمبر 2019). http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/01/201511895950841529.html
  9. عزيز جبر شيال، العلاقات العراقية التركية الواقع والمستقبل، مجلة القادسية للقانون والعلوم السياسية، العدد الأول، المجلد الخامس، يونيو 2017.
  10. فهمي هويدي، العرب وإيران: وهم الصراع والوفاق، القاهرة، دار الشروق، 1991، ص46.
  11. على عبدالله محمود، العلاقات العراقية الإيرانية في ضوء حروب الخليج والاحتلال الًأمريكي، دار أمنة، عمان، 2012، ص66.
  12. برنارد هيكل، “إيران هي المشكلة وليس الحلّ “، فورن بوليسي، 19 يوليو 2014 ، تم الاسترجاع في(23 نوفمبر2019). http://foreignpolicy.com/2014/06/19/iran-is-the-problem-not-the-solution
  13. سعيد الحاج، محددات السياسة الخارجية التركية إزاء سوريا، مركز إدراك للدراسات والاستشارات، مارس 2016، من 4 إلى 8.
  14. المركز الديمقراطى العربي. 2017. “السياسة التركية حيال الأزمة السورية ‘2011 ـ 2017’” . تم الاسترجاع (24 نوفمبر 2019). https://democraticac.de/?p=47298
  15. دوافع التدخل التركي في سوريا واحتمالات توسعه، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أغسطس 2016. من 2 إلى 5.
  16. التدخل العسكري التركي شمال سوريا | دوافع الضرورة أم الاستراتيجية. مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات تم الاسترجاع (24 نوفمبر 2019). . https://fikercenter.com/position-papers/التدخل-العسكري-التركي-شمال-سوريا-دوافع-الضرورة-أم-الاستراتيجية
  17. التدخل التركي في العراق | الإمكانات والحدود.” مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات. تم الاسترجاع في (25 نوفمبر 2019). https://fikercenter.com/position-papers/
  18. إيلاف راجح، دوافع وأهداف التوغل التركي وأثره في خيارات العلاقات العراقية-التركية. من 251 إلى 263.
  19. مالك مفتي، الجرأة والحذر في سياسة تركيا الخارجية، مركز المارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية، دراسات عالمية عدد 27، ص 17.
  20. محمود سمير الرنتيسي: خيارات السياسة الخارجية التركية ومتغيراتها الإقليمية والدولية، مركز الجزيرة للدراسات. تم الاسترجاع (25 نوفمبر 2019). http://studies.aljazeera.net/reports/2015/12/20151213114419232697.htm
  21. عمر توغاي كيناليتوبوك، رسالة ماجستير بعنوان العلاقات التركية السورية ما بين عامي 2002 و2014، المشرف: بروفسور دكتور سيبال طوران، قسم العلاقات الدولية، جامعة تراكيا، تاريخ النشر:2014،، ص: 43. تم الاسترجاع (26 نوفمبر 2019). http://dspace.trakya.edu.tr/jspui/bitstream/1/1621/1/0120079.pdf
  22. السياسة التركية حيال الأزمة السورية ‘2011 ـ 2017.’” المركز الديمقراطي العربي. تم الاسترجاع ( 26 نوفمبر 2019). https://democraticac.de/?p=47298
  23. هكذا انتشلت موسكو الأسد.. ثم قيّدته، عنب بلدي، تم الاسترجاع في (27 نوفمبر 2019). https://www.enabbaladi.net/archives/176986
  24. سند ولد سعيد، أبعاد التدخل التركي في العراق، تم الاسترجاع (27 نوفمبر 2019). https://uomustansiriyah.edu.iq/media/attachments/11/11_2016_05_11!11_37_58_AM.pdf

[1]، المركز الديمقراطى العربي .2016. ورقة بحثية : “تركيا والتدخل العسكري في العراق ”.  تم الاسترجاع في( 22 نوفمبر (2019 . https://democraticac.de/?p=38334 .

[2] مورجانثو ،هانز جي. السياسة بين الأمم: الصراع من أجل السلطان والسلام، الدار القومية للطباعة والنشر ، القاهرة ، 1964، ترجمة خيري حماد ،من 4 إلى 18.

[3] ـ توتشا تانري أوفار، العلاقات السورية التركية عبر التاريخ، مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية. تم الاسترجاع (23 نوفمبر 2019)

http://www.orsam.org.tr/tr/yazigoster.aspx?ID=5164

[4] خليل إبراهيم تشيليك، مشكلة المياه في الشرق الأوسط، مركز الشرق الأوسط للدراسات الاستراتيجية. تم الاسترجاع (23 نوفمبر 2019)

http://www.orsam.org.tr/tr/yazigoster.aspx?ID=5043

[5] عقيل سعيد محفوظ، سوريا وتركيا: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات. تم الاسترجاع (23 نوفمبر 2019)

http://www.dohainstitute.org/file/get/2821b630-b92d-4af2-9981-70ec70cf9da2.pdf

[6] عقيل محفوظ، السياسة الخارجية التركية الاستمرارية والتغيير، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012، ص 167.

[7] ناجي علي حرج، “المياه في العلاقات العربية – التركية”، في: مجموعة مؤلفين، العرب وتركيا: تحديات الحاضر ورهانات المستقبل، (المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2012)، ص 375 – 422.

[8] علي حسين باكير، العراق في حسابات تركيا الاستراتيجية والتوجهات المستقبلية، مركز الجزيرة للدراسات، تم الاسترجاع (23 نوفمبر 2019)

http://studies.aljazeera.net/ar/reports/2015/01/201511895950841529.html

[9] عزيز جبر شيال، العلاقات العراقية التركية الواقع والمستقبل، مجلة القادسية للقانون والعلوم السياسية، العدد الأول، المجلد الخامس، يونيو 2017.

[10]  فهمي هويدي، العرب وإيران: وهم الصراع والوفاق، القاهرة، دار الشروق، 1991، ص46.

[11] نفس المصدر السابق، ص55.

[12] على عبدالله محمود، العلاقات العراقية الإيرانية في ضوء حروب الخليج والإحتلال الًأمريكي، دار أمنة، عمان، 2012، ص66.

[13] نفس المصدر السابق، ص70.

[14] برنارد هيكل، “إيران هي المشكلة وليس الحلّ “، فورن بوليسي، 19 يوليو 2014 ، تم الاسترجاع في(23 نوفمبر2019). http://foreignpolicy.com/2014/06/19/iran-is-the-problem-not-the-solution

[15] سعيد الحاج، محددات السياسة الخارجية التركية إزاء سوريا، مركز إدراك للدراسات والاستشارات، مارس 2016، من 4 إلى 8.

[16] المركز الديمقراطى العربي. 2017. “السياسة التركية حيال الأزمة السورية ‘2011 ـ 2017’” .  تم الاسترجاع (24 نوفمبر 2019). https://democraticac.de/?p=47298

[17]  نفس المصدر السابق.

[18]  دوافع التدخل التركي في سوريا واحتمالات توسعه، تقدير موقف، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، أغسطس 2016. من 2 إلى 5

[19] عقيل سعيد محفوظ، سوريا وتركيا: الواقع الراهن واحتمالات المستقبل، مصدر سبق ذكره.

[20] التدخل العسكري التركي شمال سوريا | دوافع الضرورة أم الاستراتيجية. مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات تم الاسترجاع (24 نوفمبر 2019). . https://fikercenter.com/position-papers/التدخل-العسكري-التركي-شمال-سوريا-دوافع-الضرورة-أم-الاستراتيجية

[21] نفس المصدر السابق.

[22] “التدخل التركي في العراق | الإمكانات والحدود.” مركز الفكر الاستراتيجي للدراسات.  تم الاسترجاع في (25 نوفمبر 2019). https://fikercenter.com/position-papers/

[23] إيلاف راجح، دوافع وأهداف التوغل التركي وأثره في خيارات العلاقات العراقية-التركية. من 251 إلى 263.

[24]  مالك مفتي، الجرأة والحذر في سياسة تركيا الخارجية، مركز المارات للبحوث والدراسات الاستراتيجية، دراسات عالمية عدد 27 ، ص 17.

[25] نفس المصدر السابق.

[26] محمود سمير الرنتيسي: خيارات السياسة الخارجية التركية ومتغيراتها الإقليمية والدولية، مركز الجزيرة للدراسات، عن شبكة المعلومات الدولية

http://studies.aljazeera.net/reports/2015/12/20151213114419232697.htm  تم الاسترجاع (25 نوفمبر 2019).

[27] لقاء مكي، التعريف بالمشروع الإيراني: مكوناته أهدافه وأدواته، مركز دراسات الشرق الأوسط،، عمان2012، ص247.

[28] نفس المصدر السابق، ص271.

[29] على عبدالله محود، مصدر سبق ذكره، ص 94.

[30]  عمر توغاي كيناليتوبوك، رسالة ماجستير بعنوان العلاقات التركية السورية ما بين عامي 2002 و2014، المشرف: بروفسور دكتور سيبال طوران، قسم العلاقات الدولية، جامعة تراكيا، تاريخ النشر:2014،، ص: 43. تم الاسترجاع (26 نوفمبر 2019).

http://dspace.trakya.edu.tr/jspui/bitstream/1/1621/1/0120079.pdf

[31] التدخل العسكري التركي شمال سوريا | دوافع الضرورة أم الاستراتيجية. مركز الفكر الاستراتيجي للدراساتhttps://fikercenter.com/position-papers/التدخل-العسكري-التركي-شمال-سوريا-دوافع-الضرورة-أم-الاستراتيجية   . مصدر سبق ذكره. تم الاسترجاع (26 نوفمبر 2019).

[32]  نفس المصدر السابق.

[33] “السياسة التركية حيال الأزمة السورية ‘2011 ـ 2017.’” المركز الديمقراطي العربيhttps://democraticac.de/?p=47298 . تم الاسترجاع ( 26 نوفمبر 2019).

[34] هكذا انتشلت موسكو الأسد.. ثم قيّدته، عنب بلدي، تم الاسترجاع في (27 نوفمبر 2019). https://www.enabbaladi.net/archives/176986

[35] سند ولد سعيد، أبعاد التدخل التركي في العراق، تم الاسترجاع (27 نوفمبر 2019). https://uomustansiriyah.edu.iq/media/attachments/11/11_2016_05_11!11_37_58_AM.pdf

[36] إيلاف راجح، دوافع وأهداف التوغل التركي وأثره في خيارات العلاقات العراقية-التركية. مصدر سبق ذكره. من 261 إلى 268.

 

رابط المصدر:

https://democraticac.de/?p=70034

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M