السيطرة على الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي: ضوابط تؤثر على التجارة الدولية

تعتبر آلية ضبط حدود الكربون التابعة للاتحاد الأوروبي (    Carbon Border Adjustment Mechanism  “CBAM”) أداة لتحديد سعر عادل للكربون المنبعث أثناء إنتاج السلع كثيفة الكربون التي تدخل الاتحاد الأوروبي، وتشجيع الصناعة النظيفة في البلدان خارج الاتحاد الأوروبي.  تمثل آلية ضبط حدود الكربون (CBAM) جزءا رئيسيا من الصفقة الخضراء للاتحاد الأوروبي لمعالجة تسرب الكربون في التجارة عبر الحدود. المقصود ب تسرب الكربون هو قيام الشركات الموجودة في الاتحاد الأوروبي بنقل الإنتاج كثيف الكربون إلى الخارج، إلى البلدان التي توجد فيها سياسات مناخية أقل صرامة مما هي عليه في الاتحاد الأوروبي، أو عندما يتم استبدال منتجات الاتحاد الأوروبي بواردات أكثر كثافة في انبعاثات الكربون.  دخلت آلية ضبط حدود الكربون (CBAM) حيز التنفيذ رسميًا في 1 أكتوبر 2023، وتم إعلان الابلاغ الأول عن انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في 31 يناير 2024.

ضمنت المفوضية الأوروبية فيما يسمي “الصفقة الأوروبية الخضراء“، استراتيجية جديدة تهدف إلى تحويل الاتحاد إلى مجتمع يتمتع باقتصاد مرن وفعال في استخدام الموارد ، والوصول لصافي الانبعاثات الكربونية ، وهو أن تكون كميه الانبعاثات الصادرة من الأنشطة البشرية مساوية لكمية الانبعاثات التي يتم التخلص منها وتصل بذلك لنقطة التعادل للحفاظ علي درجة الحرارة عند مستوي 1.5 درجة مئوية على أبعد تقدير بحلول عام 2050 . تهدف الصفقة الخضراء إلى حماية الموارد الطبيعية للاتحاد الأوروبي والحفاظ عليها وتعزيزها، وحماية صحة ورفاهية المواطنين من المخاطر والآثار المتعلقة بالبيئة. وفي الوقت نفسه، على أن يكون ذلك التحول عادلا وشاملا. وأعلنت المفوضية في مايو 2021 خطتها التي تحمل اسم “الطريق إلى كوكب صحي للجميع “، والتي تستهدف الوصول إلى نحو صفر تلوث للهواء والماء والتربة، وتعزيز الأدوات والحوافز ذات الصلة.

وعلي الرغم من الجهود المبذولة من الاتحاد الأوروبي لخفض الانبعاثات الكربونية المحلية، إلا أن الانبعاثات الكربونية المتضمنة في الواردات إلى الاتحاد آخذة في الزيادة، مما يقوض جهود الاتحاد للحد من انبعاثات غازات الدفيئة، وما دام عدد كبير من شركاء الاتحاد الدوليين لديهم سياسات لا تحقق نفس المستوى من الطموح المناخي، فهناك خطر تسرب الكربون. حيث يحدث تسرب الكربون إذا قامت الشركات في بعض القطاعات الصناعية أو القطاعات الفرعية، لأسباب تتعلق بالتكاليف المتعلقة بالسياسات المناخية، بنقل الإنتاج إلى بلدان أخرى أو استبدال الواردات من تلك البلدان بمنتجات مكافئة أقل كثافة من حيث انبعاثات الغازات الدفيئة، وبالتالي يمكن أن تؤدي هذه الاجراءات إلى زيادة إجمالي الانبعاثات العالمية، مما يبطئ من العمل المناخي للحد من زيادة درجة الحرارة إلى 1,5 درجة مئوية فوق مستويات ما قبل الصناعة. ومن هنا جاءت إجراءات الاتحاد الأوروبي الخاصة بمبادرة آلية ضبط حدود الكربون (CBAM) والتي تعد أداة رئيسية لتحقيق الحياد الكربوني بحلول 2050.

تعتمد الآلية المقترحة من الاتحاد الاوروبي علي ثلاثة مراحل:

  1. التقييم:  تحديد محتوى الكربون في البضائع المستوردة.
  2. المقارن : مقارنة سعر الكربون الذي يدفعه منتجو الاتحاد الأوروبي مع السعر الذي يدفعه منتجي السلعة المستوردة.
  3. التعديل: إذا لم يتكبد المنتج المستورد تكلفة كربون تعادل سعر نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي، فسيتم فرض رسوم CBAM لتعويض الفارق.

سيتم تطبيق CBAM اعتبارًا من عام 2026، وتشمل صناعات (الألومنيوم- الأسمدة – الحديد – الأسمنت – الهيدروجين – الكهرباء) ، و تستمر المرحلة الانتقالية الحالية في الفترة 2023 – 2026. والهدف من الفترة الانتقالية هو أن تكون بمثابة فترة تجريبية لجميع أصحاب المصلحة (المستوردين والمنتجين والحكومات) ولجمع معلومات مفيدة عن الانبعاثات المتضمنة في المنتجات. وخلال هذه الفترة، لن يتعين على مستوردي السلع الخاضعة لنطاق القواعد الجديدة سوى الإبلاغ عن انبعاثات غازات الدفيئة المتضمنة في وارداتهم، دون الحاجة إلى شراء الشهادات وتسليمها.

وبمجرد دخول الآلية حيز التنفيذ النهائي في 1 يناير 2026، سيحتاج المستوردون إلى الإعلان كل عام عن كمية السلع الواردة إلى الاتحاد الأوروبي في العام السابق والغازات الدفيئة المتضمنة فيها، ليقوموا. بعد ذلك بتسليم العدد المقابل من شهادات CBAM، بحيث يتم حساب سعر الشهادات بناءً على متوسط ​​سعر المزاد الأسبوعي بموجب نظام تداول الانبعاثات في الاتحاد الأوروبي (ETS ) معبرًا عنها باليورو/طن ثاني أكسيد الكربون المنبعث.

يعد نظام ألية ضبط حدود الكربون النظام الأول من نوعه في العالم ولم يتم اختبار فعاليته بعد. ومع ذلك، فمن المرجح أن يكون له آثار كبيرة على التجارة الدولية والديناميكيات الجيوسياسية المتعلقة بانبعاثات الكربون، خاصة إذا تبنت الاقتصادات الكبرى الأخرى أنظمة مماثلة، وسيكون التأثير محسوسًا عبر سلاسل التوريد العالمية بطرق مختلفة منها:

  • سوف يصبح منتجو المواد عالية الكربون خارج الاتحاد الأوروبي أقل قدرة على المنافسة في سوق الاتحاد الأوروبي عندما يتم تضمين سعر الكربون في صادراتهم
  • ومن المرجح أن يواجه المستخدمون النهائيون في الاتحاد الأوروبي أسعارًا أعلى وقد يبدأون في البحث عن شركاء تجاريين أخرين أو يطلبون من الشركاء التجاريين الحاليين تقليل محتوى الكربون في منتجاتهم.
  • وقد تحتاج الشركات المتعددة الجنسيات إلى إعادة النظر في استراتيجياتها الخاصة بنقل الإنتاج إلى الخارج.

وقد أطلق البنك الدولى مؤشرا لقياس مدى تعرض الشركاء التجاريين لآلية ضبط حدود الكربون من خلال احتساب تكلفة شهادات الكربون المحتمل أن تقوم بشرائها الدول المصدرة للاتحاد الأوروبى، بافتراض أن سعر الكربون يبلغ 100 دولار للطن، وبحساب عدد أطنان الكربون الصادرة عن إنتاج كل وحدة من السلع المصدرة، وضربها فى القيمة الإجمالية للصادرات للحصول على التكلفة الإجمالية المحتملة للشهادات. ومن المرجح أن يكون التأثير أشد على أكبر الشركاء التجاريين للاتحاد الأوروبى، وهي روسيا والصين والمملكة المتحدة وتركيا وأوكرانيا والهند وكوريا الجنوبية والولايات المتحدة.

إن التكنولوجيا اللازمة لإزالة الكربون من الصناعات كثيفة الكربون مثل الصلب والأسمنت والصناعات البتروكيميائية والمبيدات وغيرها موجودة بالفعل ولكنها مكلفة. وإلى جانب إصلاحات تسعير الكربون المحلي في أوروبا، يوفر نظام CBAM الآن حافزًا إضافيًا لإزالة الكربون على نطاق واسع حيث تقوم الشركات بحساب المفاضلة بين الرسوم الجديدة وتكلفة استخدام التقنيات الأكثر مراعاة للبيئة.

قد يواجه المصدرون في البلدان النامية عائقاً كبيراً أمام التجارة مع الاتحاد الأوروبي. فمعظم البلدان النامية تتمتع حاليًا بإمكانية عالية من الوصول إلى أسواق الاتحاد الأوروبي بدون رسوم جمركية، وذلك نتيجة للتعاون الثنائي مع الاتحاد الأوروبي أو اتفاقيات الشراكة الاقتصادية. ولكن من الممكن أن يؤدي تطبيق آليةCBAM إلى إضعاف هذه الميزة النسبية إذا تم تطبيقها على صادرات البلدان النامية، ولكنه أعفى العديد من صادرات البلدان المتقدمة، إما لأنها نشأت من بلدان قدمت سعر الكربون المحلي المعادل الخاص بها أو لأن عمليات إنتاج الشركات كانت أكثر كفاءة من حيث اصدار الانبعاثات الكربونية، بمعني أن الشركات المصنعة في الدول المتقدمة قد تسعى إلى تجنب دفع ثمن انبعاثاتها من خلال الاستعانة بمصادر خارجية لإنتاج السلع ذات الكربون الكثيف إلى البلدان ذات أسعار الكربون أقل أو غير محددة بعد. أو التحول لاستخدام تكنولوجيا للإنتاج والتصنيع أكثر كفاءة من حيث التقاط وخفض انبعاثات الكربون.

وبافتراض أن نظام CBAM يغطي في البداية فقط السلع التي يغطيها نظام مقايضة الانبعاثات، فإن البلدان النامية يمكن أن تكون مصدرا لصادرات بقيمة 16 مليار دولار تخضع لضريبة CBAM الجديدة. ويبين الشكل التالي  قيمة واردات الاتحاد الأوروبي من البلدان النامية لمجموعة من السلع التي يغطيها حاليا نظام مقايضة الانبعاثات.

علاوة على ذلك، لا يمثل ثاني أكسيد الكربون المستورد من البلدان النامية سوى نسبة صغيرة من ثاني أكسيد الكربون المتجسد في الطلب النهائي للاتحاد الأوروبي – على سبيل المثال، يمثل ثاني أكسيد الكربون المستورد من الهند، ثالث أكبر مصدر لانبعاثات الكربون في العالم، ما يزيد قليلاً عن 1% من ثاني أكسيد الكربون في الطلب النهائي للاتحاد الأوروبي ، ويليها فيتنام واندونيسيا والفلبين.

وتقوم بعض البلدان النامية بتصدير كميات كبيرة من السلع المتضمنة في CBAM إلى الاتحاد الأوروبي فزيمبابوي، على سبيل المثال، تُعَد مصدراً رئيسياً للحديد والصلب إلى الاتحاد الأوروبي، وتصدر أوكرانيا كميات كبيرة من الأسمدة إلى أوروبا.  أما موزمبيق فحوالي 97% من صادراتها من الألومنيوم تذهب للاتحاد الاوروبي.

ويساعد مؤشر التعرض لـ CBAM في تحديد البلدان التي قد تستفيد من الإجراءات المحلية أو المساعدة الدولية لتقليل محتوى الكربون غير المسعر في منتجاتها الصناعية والمساعدة في تحسين القدرة التنافسية في أسواق الاتحاد الأوروبي، وعلى البلدان النامية استخدام المهلة الممتدة حتى الأول من يناير 2026 للاستعداد.

يعد الاتحاد الأوروبي الشريك التجاري الأكبر لمصر. وفقا للبنك المركزي المصري حقق إجمالي صادرات مصر إلى الاتحاد الأوروبي في السنة المالية 2021-2022 حوالي 12.556 مليار دولار. ويمثل هذا حوالي 30% من إجمالي صادرات مصر. وبالتالي سيكون لتطبيق  CBAMتأثير كبير على الشركات المصرية، وبالتالي على الاقتصاد المصري.

تمثل الصادرات المصرية التي تقع ضمن نطاق   CBAM 3.76% من إجمالي حجم الصادرات المصرية، وهو ما يمثل أيضا ما يقرب من 10% من صادرا ت مصر إلى الاتحاد الأوروبي. بالإضافة إلى ذلك، تمثل الصادرات المتأثرة بـ CBAMأيضا 0.3٪ من الناتج المحلي الإجمالي لمصر.

وهناك خطر إضافي وهو أن  CBAM قد يضر بالقدرة التنافسية للشركات والمنتجات المصرية. ونظرًا لكثافة الكربون في الصادرات المصرية، فمن المرجح أن تواجه الشركات والمنتجات المصرية صعوبة في المنافسة  في السوق الأوروبية  . وعلى سبيل المثال، كانت مصر من بين أكبر 10 مصدرين للأسمدة والأسمنت إلى الاتحاد الأوروبي في عام 2022، حيث صدرت مصر حوالي4% من إجمالي صادرات الأسمنت إلى الاتحاد الأوروبي و30% من إجمالي صادرات الأسمدة. علاوة على ذلك، يتم توجيه حوالي 79%من صادرا ت مصر من الألومنيوم نحو سوق الاتحاد الأوروبي كما يوضحه الشكل التالي، وبالتالي يجب النظر في التهديد الذي يشكله آلية  CBAMعلى صناعات الأسمنت والأسمدة والألومنيوم في مصر عند تطبيقها بالكامل.

ويزيد تطبيق آلية CBAM   من المخاطر المتعلقة بالتأثير على أهداف التنمية المستدامة في مصر. حيث أن آلية   CBAM لا تعكس المبادئ المتفق عليها أو الإجراءات المقترحة في مفاوضات المناخ، والتي تتساهل مع الدول النامية من أجل مواصلة خططها التنموية. ويأخذ هذا التساهل في الاعتبار أن الاقتصادات النامية ساهمت تاريخيا بأقل قدر من انبعاثات الكربون. وعلى الرغم من أن CBAM لا يستهدف البلدان بشكل مباشر، إلا أنه يستهدف قطاعات حيوية محددة في مصر وغيرها من البلدان النامية. مع ذلك، قد تنظر مصر إلى ألية   CBAMكفرصة وتعمل على تطوير السياسات والمعايير المناخية والتنموية بما يتماشى مع أولويات البلاد وزيادة القدرة التنافسية، ولتحقيق هذه الغاية فإن التعاون بين الاتحاد الأوروبي والبلدان النامية في أسواق الكربون الطوعية التي تمكن هذه البلدان من استخدام أرصدة الكربون في الحد من الانبعاثات، وبالتالي زيادة القدرة التنافسية لمنتجاتها، سوف يشكل أهمية قصوى. علاوة على ذلك، يجب على مصر إيجاد حلول لتوطين تسعير الكربون.

وأخيرا: إن آلية تعديل حدود الكربون ليست مجرد سياسة تتمحور حول الاتحاد الأوروبي، إنه مؤشر لاتجاه عالمي تتشابك فيه أهداف التجارة والمناخ. وفي حين أنه يمثل تحديات، فإنه يقدم فرصة أيضا للاقتصاد أن ينمو في تكامل مع البيئة والمناخ. وكلما كانت الدول مستعدة للتكيف مع هذه الآليات سيكون مفتاحها للنجاح في المشهد العالمي المتطور.

 

المصدر : https://ecss.com.eg/45047/

حول الكاتب

مقالات ذات صله

الرد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

W P L O C K E R .C O M